جديدنـا:

النصر أو الاستشهاد!

النصر أو الاستشهاد!

الأمة بأعلامها : رَوَى ابن عبد البرِّ، عن أبي الحسن المدائني، قال : خطبَ زياد ذات يوم على منبر الكوفة، فقال : “أيها الناس، إني بت ليلتي هذه مهتما بخلال ثلاث، رأيت أن أتقدم إليكم فيهن بالنصيحة.. رأيت إعظام ذوي الشرف، وإجلال ذوي العلم، وتوفير ذوي الأسنان، والله لا أوتَى برجل على ذي علم ليضع بذلك منه شرفه إلا عاقبته، ولا برجل ردَّ على ذي شيبة ليضعه بذلك إلا عاقبته، إنما الناس بأعلامهم وعلمائهم وذوي أسنانهم “.

والجزائر – كما يشهد التاريخ – غنيةٌ بالعظماء في جميع الميادين، وفي الميدان العلمي بصفة خاصة، فإن بلادنا قد أوتيت، عبر العصور، قِمَمًا شامخة تباهي بها وتفاخر، وفي عهد الكفاح الفكري، ضد الاستعمار الغاشم، عرفت الجزائر نجوما زاهرة، أضاءت الدرب للعاملين من أجل خروج الجزائر من ظلمات الاحتلال إلى نور الحرية والكرامة، وفي طليعتهم إمامنا ابن باديس وإخوانهم العلماء : ” مِنَ المُؤمِنينَ رِجَال صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا الله عَلَيهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِر، وَمَا بَدَّلُوا تَبديلاً ” (سورة الأحزاب الآية 23).

إننا لا نستطيع، أن نستعرض جوانب كثيرة من عبقرية الإمام ابن باديس، ولكننا نقتصر على إثارة نماذج معبرة عن الخطة العامة التي رسمها لرسالة جمعية العلماء المسلمين في الجزائر، والمنهاج المعد لأدائها في الميدان السياسي بصفة خاصة، إن الرسالة هي رسالة ورثة الأنبياء، أي إخراج المجتمع الجزائري، العربي، المسلم، من ظلمات الجهالة والتخلف والضلال والاحتلال، إلى نور العلم والحرية والتقدم، وهذا ما يُدركه كل من درس حياته وجهاده، وما نشر من خطبه ودروسه، ومحاضراته، ومقالاته!!

أما المنهاج، فهو المنهاج الذي يتوخاه المربون المستلهمون في خطواتهم وتصرفاتهم، السنةَ التي فطر الله الناس عليها في تحديد الهدف المرادِ بلوغه بعزيمة وإيمان ونُكران الذات، ثم الحكمة والمرونة والتدرج، واستعمال اللباقة وأنجع الأساليب الواجب اتخاذها، والمراحل اللازم اجتيازها.

التكيف مع الظروف :

وإن أكمل ما يلخص هذه المعاني كلها كلمة بسيطة جعلها عنوانا لافتتاحية العدد الأول من مجلته “الشهاب” بعد أن تحولت من جريدة أسبوعية إلى مجلة شهرية، فيقول : ” تستطيع الظروف تكييفنا، ولا تستطيع – بإذن الله – إتلافنا “.

فمعنى هذا الكلام هو العمل على النهوض بالذات حتى لا تذوب في الكيان الاستعماري الدخيل، ولا ضير بعد ذلك أن تتكيَّف هذه الذات مع التقلبات التي تقتضيها المسيرة وسط الزوابع والأعاصير والعراقيل من جهات كثيرة وبأدوات شتى، فأستمع إليه كيف يقرر – بهدوء وثقة – حقيقة الشعب الجزائري في نظر الواقع والتاريخ، لا بحسب مزاعم الاستعمار، وأذناب الاستعمار، وضحايا التربية الاستعمارية :

” الأمة الجزائرية أمة متكونة موجودة كما تكونت ووجدت كل أمم الدنيا، ولهذه الأمة تاريخها الحافل بجلائل الأعمال، ولها وحدتها الدينية واللغوية، ولها ثقافتها الخاصة، وعوائدها وأخلاقها بما فيها من حسن وقبيح، شأن كل أمم الدنيا، ثم إن هذه الأمة الجزائرية الإسلامية ليست هي فرنسا، ولا يمكن أن تكون فرنسا، ولا تستطيع أن تصير فرنسا ولو أرادت، بل هي أمة بعيدة عن فرنسا كل البعد في لغتها وفي أخلاقها وفي عنصرها، وفي دينها، لا تريد أن تندمج، ولها وطن محدود معين هو الوطن الجزائري بحدوده الحالية المعروفة والذي  يشرف على إدارته العليا الوالي العام المعين من قبل الدولة الفرنسية ” (الشهاب/ج9، م13، رمضان 1356 – 1937).

ولكن هذه الحقيقة الواضحة الهادئة لن تحظى بالوجود القانوني السياسي العملي إلا بالجهاد والتضحية والفداء، فيقول الإمام عبد الحميد بن باديس محرضا شعبه على العمل الجدّي من أجل التحرر والانعتاق، معتمدا في ذلك على تفسير قوله تعالى : ” وَقُلْ جَاءَ الحَقُّ وَزَهَقَ البَاطِلُ إنَّ البَاطِلَ كَانَ زَهُوقَا ” (سورة الإسراء، الآية : 81).

تفسيرا لم يسبق إليه أي مفسر في المشرق أو المغرب ؟؟ يقول رحمه الله : ” مجيء الحق هو بظهور أدلته وقيام دولته. وزهوق الباطل هو ببطلان شبهه وذهاب دولته. فأما القسم الأول فإن الأمر فيه ما زال، ولن يزال كذلك، ولن تزداد على الأيام أدلة الحق إلا اتضاحا ولن تزداد شُبه الباطل إلا افتضاحا، وأما القسم الثاني فإنه مرتبط بأحوال أهل الحق وما يكون عليه من تمسك به، وقيام فيه، أو إهماله، وقعود عنه، فيدال لهم ويدال عليهم بحسب ذلك.. فعلى أهل الحق أن يكون الحق راسخا في قلوبهم عقائد، وجاريا على ألسنتهم كلمات، وظاهرا على جوارحهم أعمالا، يؤيدون الحق حيثما كان وممن كان ويخذلون الباطل حيثما كان وممن كان، يقولون كلمة الحق على القريب والبعيد، وعلى الموافق والمخالف، ويحكمون بالحق كذلك على الجميع، ويَبْذُلون نفوسهم وأموالهم في سبيل نشره بين الناس وهدايتهم إليه بدعوة الحق، وحكمة الحق، وأسبابه ووسائله، على ذلك يعيشون، وعليه يموتون، فلنجعل هذا السلوك سلوكنا، وليكن من همنا، فما وفينا منه حمدنا الله تعالى عليه، وما قصرنا فيه تبنا واستغفرنا  ربنا، فمن صدقت عزيمته ووطن على العمل نفسه – أعِينَ ويُسِّر للخير، وَرَبُّكَ التَّوابُ الرَّحيمُ” (الشهاب:ج4، م7 – ذي الحجة 1349/أفريل 1931).

أهمية الحرية :

ويقول عن أهمية الحرية للإنسان إنها عين الحياة لا يتم الوجود الإنساني إلا بها : ” حق كل إنسان في الحرية كحقه في الحياة، ومقدار ما عنده من حياة هو مقدار ما عنده من حرية، المعتدَى عليه في شيء من حريته، المعتدَى أسبابها وآفاقها، جعل للحرية أسبابها وآفاقها، ومن سنة الله الماضية أنه لا ينعم بواحدة منها إلا مَن تمسك بما لها من أسبابها، وتجنب وقاوم ما لها من آفات، وما أرسل الله الرسل عليهم الصلاة والسلام وما أنزل عليهم من الكتب، وما شرَع لهم الشَّرع إلا ليعرّف بني آدم كيف يحيون أحرارا وكيف يأخذون بأسباب الحياة والحرية ، وكيف يعالجون آفاقها، وكيف ينظمون تلك الحياة وتلك الحرية، حتى لا يعدون بعضهم على بعض، وحتى يستثمروا تلك الحياة وتلك الحرية، إلى أقصى حدود الاستثمار النافع المحمود المفضي بهم إلى سعادة الدنيا وسعادة الآخرة ” (الشهاب:ج10، م11، شوال 1354/ جانفي 1937).

ولأجل هذه الحقائق، وهذه البينات، لا نكون مبالغين إذا قلنا بأن الإمام ابن باديس كان ينظر بنور الله فيما كان يعتقد ويقول ويعمل، فجعل الله تعالى من كراماته أن يكون استفتاء تقرير المصير، الذي تُوّجَت به ثورة نوفمبر 1954 الظافرة المجيدة، في جويلية 1962، حسبما كان توقعه الإمام في جوان 1936.

تقول وثيقة الاستفتاء :

” هل تريدون أن تصبح الجزائر مستقلة متعاونة مع فرنسا وفق الشروط المحدد في بيانات 19 مارس 1962 ؟”

هذا – لعمرك – هو عين ما قرره الإمام في مقال نشر بالشهاب في ربيع الأول 1355/جوان 1936 إذ يقول : “… إن الاستقلال حق طبيعي لكل أمة من أمم الدنيا، وقد استقلت أمم كانت دوننا في القوة والعلم والمنعة والحضارة، ولسنا من الذين يدَّعون علم الغيب مع ويقولون : إن حالة الجزائر الحاضرة ستدوم إلى الأبد فكما تقلبت الجزائر مع التاريخ فمن الممكن أن تزداد تقلبا.. وتصبح البلاد الجزائرية مستقلة استقلالا واسعا عليها فرنسا اعتماد الحر على الحر..”!!

الوَحْدَة الوطنية :

أما الوحدة الوطنية للشعب الجزائري فهي في نظر الإمام من الحقائق الثابتة قبات الجبال الراسيات، هيهات أن تنال منها محاولا المستعمرين والمنحرفين، لأن ما جمعته يد الله لا تفرّقه يد الشيطان فيقول : ” إن أبناء يعرب وأبناء مازيغ قد جمع بينهم الإسلام منذ بضع عشرة قرنا، ثم دأبت تلك القرون تمزج ما بينهم في الشدة والرخاء وتؤلف بينهم في العسر واليسر، وتوحدهم في السراء والضراء، حتى كونت منهم – منذ أحقاب بعيدة – عنصرا مسلما جزائريا، أمَّة الجزائر وأبوه الإسلام، وقد كتب أبناء يعرب وأبناء مازيغ آيات اتحادهم على صفحات هذه القرون بما أراقوا من دمائهم في ميادين الشرف لإعلاء كلمة الله، وما أسالوا من محابرهم في مجالس الدرس لخدمة العلم..، فأي قوة بعد هذا يقول عاقل تستطيع أن تفرقهم لو لا الظنون الكواذب والأماني الخوادع!.

يا عجبا لم يفترقوا وهو الأقوياء، فكيف يفترقون وغيرهم القوي ؟

كلاَّ والله، بل لا تزيد كل محاولة للتفريق بينهم إلا شدة في اتحادهم وقوة لرابطتهم، ذمتي بما أقول رهينة وأنا به زعيم، والإسلام له حارس، والله عليه وكيل” (الشهاب:ج11، م11 – ذي القعدة 1354/فيفري 1936).

وحدة المغرب العربي :

وأما عن وحدة المغرب العربي فقد كانت شغله الشاغل، والركن الركين الذي قامت عليه دعوته، فلنقرأ ما يقول في برقية وداع وشكر للشعب التونسي الشقيق على ما لقيه لديه ولدى صحافته التقدمية الحرة من ود وتقدير، إثر زيارة قام بها إلى تونس في ربيع (1356 هـ/1937 م) للمشاركة في الحفلة التي أقيمت احتفاء بذكرى الزعيم المؤرخ التونسي البشير صفر، من ذلك ما كتبته جريدة “البتي ماتان” (Le petit matin) تصف عظمة الإمام ابن باديس الخطابية، والعلمية والسياسية قائلة : “لقد وفد من الجزائر للمشاركة، في هذه الحفلة، الشيخ عبد الحميد بن باديس رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين… إن ابن باديس، من هذه الناحية، لقريب إلى ميرابو، وجوريس، وزغلول.. لقد استطاع أن يفعل ما يريد في الجموع التي كانت بالأمس تستمع إلى خطابه.. كان يستطيع أن يجعل منها سربا من الطيور الكاسرة، أو قطيعا من الخرفان، وهذا ما نستطيع أن نصف به هذا الرجل الخارق للعادة”!!

وهذا نص برقية ابن باديس :

” أودع الأمة التونسية الكريمة، شاكرا لها ولصحافتها الراقية ما أبدته نحوي من عواطف الود الأخوي الذي فاق كل تقدير، وإن يسرني – حقا – من ذلك هو أنه كان موجها في الحقيقة نحو المبدأ الذي دعوت إليه في خطبتي، وهذا الاحتفاظ بالذاتية العربية الإسلامية في الشمال الأفريقي كله، والإعلان بوحدة أقطاره الأربع – طرابلس وتونس والجزائر ومراكش – في الحاضر والمستقبل، مثلما هي ثابتة في الماضي، وأفضل الود والإكرام ما كان للمبادئ الخالدة، وجاءت فيه الأشخاص الفانية على التبع.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته” (الشهاب : جمادى الأولى 1356 و 11 جويلية 1937).

منهاج التحرير :

” إن العلماء المسلمين الجزائريين ” يشهد الله والمؤمنون أنّهم قد علّموا، وربُّوا، وكوَّنوا، ووجّهوا ونصحوا، وجاهدوا في حكمة وصمود من أجل ترسيخ مبادئ أساسية تفهَّمها الشعب وآمن بها، واستجاب لها بما أوتى من طاقة مادية وأدبية ومن ذلك أن “العلماء” قد :

1-    وضعوا أساس النهضة الفكرية في الجزائر، وبَذَروا بذرة ” الوطنية الجزائرية العربية الإسلامية ” منذ انتصاب الإمام الرائد، المرحوم الشيخ عبد الحميد بن باديس، للتلابية والتعليم، حوالي سنة 1914 م.

2-    رفعوا لواء الوطنية الجزائرية، ونشروها على أوسع مدى، باللسان وبالقلم، وذلك بإعلان شعار : ” الحق فوقَ كل أحدٍ، والوطن قبل كل شيء ” (جريدة المنتقد في 11 ذي الحجة 1343 هـ/02 جويلية 1925 م).

3-    وضع منهاج للتحرير الوطني متمثلا في النشيد الوطني الذي ألَّفه وأنشده الإمام عبد الحميد بن باديس، ليلة الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، بمدينة قسنطينة في سنة 1356 هـ (1937 م)، وأصبح من ليلتئذ محفوظا يردِّده المعلمون، والمربُّون، والتلاميذ، والطلاب، والكشافة في جميع أرجاء البلاد، إلى يومنا هذا :

شَعـْبُ الجَـزائري مُـسْـلِمٌ              وَإلىَ  الـعُـروبَةِ يَنْتَـسِــبْ

مَنْ قَــالَ حَـادَ عَنْ أَصْلـِـهِ               أو قَــالَ مَـاتَ فَقَد كَـــذِبْ

أوْ رَامَ إدمَــاجًـــــــــا  لَــهُ                رَامَ المُـحـَـالَ مِنَ الطَّـلَـبْ

يَــانَـشْء أَنْتَ رجَـــاؤنَــــا                وَبِــكَ الصَّبــاحُ  قَـدِ اقْتَرَبْ

خُـذ للحَيـــاة سِلاَحـَــهَـا                وَخُضِ الخُطوبَ وَلاَ تَـهَـبْ

وأذْقْ نُفُـوسَ الـظّـالِمينَ                السُّـمَّ  يُـمْـزَجُ بِالـرَّهــبْ

وَاقـلـَعْ جـُـذورَ  الخَـائنينَ                فَـمـِنْـهُـمْ كـُــلُّ العَـطَــبْ

وَاهْـزُزْ نـفـوسَ الجَـامِدينَ                فَرُبَّـمَـا  حَـيّ  الْـخَـشَـبْ

هَــذا لكُــــمْ عَـهْــدِي بِـهِ                 حَتَّى  أوَسَّــدَ في الـتُّـرَبْ

فـإذَا هَـلَـكْـتُ  فَصَيْحتي                  تـَحْـيَا الْجَـــزائـِرُ  وَالعَـرَبْ

هَـذَا نِـظـــــامُ حَـيَـاتِـنَـا                   بالـنُّـورِ خُـــــطَّ وَبِاللَّـهَـبْ

النصر أو الاستشهاد :

ولعل من كرامات علماء الجزائر، أنهم كانوا ينظرون بنور الله كما ورد في الحديث الشريف الذي أخرجه الإمام الترمذي – رحمه الله – عن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله “، إذ ألهمهم الله تعالى إلى أن يُعلنوا عن اقتراب موعد ساعة الدخول في اشتباك مع العدو المحتل بإعلان ثورة نوفمبر 1954، وفي أقل من ستة أشهر.. وذلك في مقال افتااحي من جريدة البصائر لسان حال الجمعية في سلسلتها الثانية، في العدد 271 الصادرة يوم الجمعة 12 رمضان المعظم 1373 هـ الموافق لـ : 15 ماي 1954 م، متخطية السنة السابعة من عمرها تحت عنوان : “عام جديد وكفاح متواصل”، وهي أول دعوة للكفاح المسلح أعلنتها هيئة شعبية مسؤولة، جاء فيه :

“إي وربي.. إننا نفتتح هذه السنة الجديدة، وقد صحَّ منَّا العزم على نسير ببصائر الأمة خطوات جديدة في كل ميادين العمل المثمر وسنكون في جميع ميادين الكفاح الفسيحة، الأقوياء في الحجة، الأشداء في أداء الأمانة، المدّرين قيمة المسؤوليات، السائرين سير المجاهد البصير، إمّا إلى النصر، أو إلى الاستشهاد.

وكيف لا نكون الأقوياء الاشداء؟؟؟، وكيف لا نكون المجاهدين الصابرين، وفي بلادنا استعمار كنود يجب أن يتلاشى ويضمحل، ومظالم وآثام، يجب أن تتحطم وتُكسر شوكة أصحابها، وباطل يجب أن يزهق، وجهل يجب أن يمحق، وإملاق يجب أن يزول، وعربية يجب أن تسود، ومساجد مستعبدة أسيرة يجب أن تتحرر، ومدارس معتدى عليها يجب أن تُفتح وتعمَّر ، ومؤامرات تحاك للإيقاع بالعاملين والأحرار يجب أن تفضح وتخيب، وحشرات مرذولة من بقايا عفونة عصر الظلمات يريد الاستعمار أن يخرجها من جحورها زينفخ في أوداجها لتشاق الله ورسوله، وتوقع العداوة والبغضاء بين المؤمنين، يجب أن ترد على أعقابها خاسرة إلى حيث لا رجعى”

…” وكيف لا نكون الأقوياء الأشداء والمكافحين الأحرار ونحن نرى في شقيقتنا الشرقية تونس العزيزة العدوان الاستعماري يقاوم إرادتها، ويمتهن سيادتها، ويفرضُ عليها برامج لا ترضاها، ويمعن في طعنها وفي التنكيل بأحرارها، ويحاول الحيلولة، بينها وبين شمس الحرية، رغم الكفاح المرير والتضحيات الهائلة، والصبر الذي أصبح مضرب الأمثال.

ونحن نرى في شقيقتنا الغربية الخطوب المدلهمة، والسجون المفتوحة على مصراعيها، والأحرار المشردين، والكرامة المنتهكة، والملك الأبي الشريف المبعد، والقردة البشرية التي تتطاول إلى آجام الأسود، وشعبا أبيا نوع عنه جلباب الوداعة والسكون، وأقدم على معركة تُعلِّم الناس معنى الصبر ومعنى الثبات ومعنى الجرأة والإقدام”.

دستور الجزائر المستقلة :

وقد أدرك الإمام ابن باديس أنَّ مُهمته التوجيهية لشعبه، لا تَتِمُّ حتى يَضَعَ له مَعالِمَ عامة لدستور، إن سار على هَدْيهِ، كان من المُفلحين، فلذلك نراه، كما وَضعَ للجزائر منهاج تحرُّرها من أغلالها، بنشيده الوطني الخالد، الآنف الذكر، الذي تُردِّده كتائب الشباب الطّلابي، والكشفي، وغيرهم من المواطنين والمواطنات منذ نَشَرَهُ في الناس، سنة 1937، إلى يومنا هذا، كما أسلفنا.

شَعْـبُ الجـزائرِ مُـسْـلِـمٌ                  وَإلىَ   الـعُـروبةِ  يَـنتَـسِـبْ

فقد كان الإمام على يقين من أنَّ جهاد الجزائر سيُتوَّجُ – بحول الله – بالنصر المُبين والاستقلال الوطني، فوضع لهم في السنة الموالية 1938، دستورًا مختصرًا جامعًا لعناصر الكمال المُمكِن، نَشَرَهُ في مجلة “الشهاب” في غرة ذي القعدة 1356 هـ/جانفي 1938 م، بعنوان : “أصول الولاية في الإسلام” اقتبسه من خطبةِ الخليفة أبي بكر الصديق – رضي الله عنه وأرضاه – عندما بُويع بالخلافة، فَرَقِي المِنبَرَ، فخَطبَ الناسَ خُطبَةً اشتملت على أصُول الولاية العامة في الإسلام، مما لم يُحققهُ بعضُ الأمم، إلا من عَهدٍ قريب، على اضطراب منها فيه، وهذا نص الخطبة :

” أيُّها الناس ! قد وُليت عليكم ولَستُ بخيركم، فإن رايتمونتي على حَقٍّ فأعينوني، وإن رأيتموني على باطل فسدِّدُوني، أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإذا عصيتُهُ فلا طاعة لي عليكم.

ألاَ إنَّ أقواكم عندي الضعيف حتى آخذَ الحقَّ له، وأضعفكم عندي القَويَّ حتَّى آخذَ الحقَّ منه أقول قولي هذا، واستغفر الله لي ولكم”.

ثم راح الإمام ابن باديس يشرح هذه الخطبة القصيرة، البسيطة في ألفاظها، الواسعة العميقة في معانيها، والتي تُعّدُّ بمثابة برنامج حكومة، تريد التزكية من البرلمان، وحلَّلها إلأى ثلاثة عشر بندًا، على منهاج القانونيين، وسمَّاها أصولاً، ومما جاء فيها :

الأصل الأول : ” لا حق لأحد في ولاية أمر من أمور الأمة إلا بتوليه الأمة، فالأمة هي صاحبة الحق والسلطة في الولاية والعزل، فلا يتولى أحد أمرها إلا برضاها، فلا يُوَرَّثُ شيء من الولايات ولا يستحق الاعتبار الشخصي.. وهذا الأصل مأخوذ من قوله : “وُليت عليكم” أي قد ولاني غيري وهو أنتم”.

ويقول عن الأصل الثامن، وهو يتعلق بتقديم من يترشح للولاية برنامجا يعرض على الأمة ويطبق بإرادتها : “على من تولى أمرا من أمور الأمة أن يبين لها الخطة التي يسير عليها ليكونوا على بصيرة، ويكون سائرا في تلك الخطة عن رضي الأمة، إذ ليس له أن يسير بهم على ما يرضيه، وإنما عليه أن يسير بهم فيما يرضيهم، وهذا مأخوذ من قوله : “أطيعوني ما أطعت الله فيكم”، فخطته هي طاعة الله، وقد عرفوا ما هو طاعة الله في الإسلام.

ويقول عن الأصل الثالث عشر والأخير، من أصول الولاية في الإسلام : “شعور الراعي والرعية بالمسؤولية المشتركة بينهما في صلاح المجتمع، شعورهما – دائما – بالتقصير في القيام بها ليستمرا على العمل بجد واجتهاد، فيتوجهان بطلب المغفرة من الله الرقيب عليهما، وهذا مأخوذ من قوله : ” أقول قولي هذا، واستغفر الله لي ولكم” (الشهاب:ج11، م13 – غرة ذي الحجة/جانفي 1938).

فلسطين :

أما قضية فلسطين الجرح الدامي في جسم الأمة الإسلامية، فقد كانت في طليعة القضايا التي ما فتئ الإمام يجاهد من أجلها، فيقول في برقية احتجاج ضد تقسيم فلسطين، وجهها باسم الأمة الجزائرية إلى وزير الخارجية الفرنسية :

” باسم الأمة الإسلامية الجزائرية أرفع احتجاجي الشديد ضد مشروع تقسيم فلسطين، ذلك القطر العربي الذي ضمنت له العهود والمواثيق الدولية حفظ كيانه واستقلاله، وأعتبر هذا المشروع ضربة قاضية على حياة شعب ضعيف دافع طيلة سنين عديدة، دفاع الأبطال عن شرفه وحريته، واعتداء شنيعا على جميع الشعوب العربية الإسلامية وانتهاكا لحرمه الأماكن المقدسة عند سائر المسلمين، ولي الأمل في تدخل الحكومة الفرنسية بكل سرعة لمنع هذا التقسيم” (البصائر : جمادى الثانية 1356/20 أوت 1937).

هذا : ونسأل الله تعالى الرحمة والرضوان للأستاذ الرئيس ابن باديس، الذي لا تزيدنا الأيام إلا تيقنا بصدق جهاده، وسداد منهاجه، وحكمة قيادته، مما جعل كثيرا من العلماء والباحثين، في الجزائر وخارج الجزائر، يتسابقون إلى تأليف الكتب، وإعداد الأطروحات الجامعية، للكشف عن نواحي عبقريته وجلال أعماله في شتى الميادين !

ورحمة الله تبارك وتعالى على شهدائنا الميامين منذ طلوع فجر الإسلام على ربوعنا الغالية، ووفقنا إلى السير على خُطى أسلافنا الميامين، لنفوز برضا الله رب العالمين.

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد المبعوث هداية ورحمة للعالمين.

 

* جريدة البصائر العدد : 235 – الإثنين 02-09 ربيع الأول 1426 هـ/11-18 أفريل 2005.

 

آخر التغريدات: