سيرة ومواقف الراحل د.أبو القاسم سعد الله من خلال كتاب: "حديث صريح مع أ. د.أبو القاسم سعد الله في الفكر والثقافة واللغة والتاريخ"1

بقلم: مراد وزناجي -

يعتبر كتاب "حديث صريح مع أ. د/ ابو القاسم سعد الله في الفكر والثقافة واللغة والتاريخ" 2 وثيقة أرشيفية وعلمية هامة في التأريخ لسيرة الراحل العالم أبي القاسم سعد الله، والتعرف على فكره ومنهجه ومواقفه إزاء عدد من قضايا الأمة وشؤون الراهن، لا لشيء سوى لكونه – أي الكتاب- بمثابة شهادة حية وردت في شكل حوار شيق وصريح مع الراحل. ولقد نلنا شرف مرافقة الراحل الدكتور أبو القاسم سعد الله خلال السنوات الثلاثة عشرة الأخيرة من حياته، وكنا قريبين منه وملازمين له بشكل شبه يومي، سواء في مقر المركز الوطني للدراسات والبحث في الحركة الوطنية وثورة 1 نوفمبر 1954 حيث كان له مكتب خاص، أو ببيته في حي دالي إبراهيم بالجزائر العاصمة، وحتى خارج هذين الفضاءين. وأثمرت تلك العلاقة الودية الكتاب المذكور، الصادر بالجزائر في ثلاث طبعات: الأولى جاءت في سنة 2008، ثم طبعة ثانية مزيدة ومنقحة 3 في 2010، أضاف فيها الراحل بعض الأجوبة الغائبة في الطبعة الأولى، أو تلك التي لم يستفض في الإجابة على أسئلتها في الطبعة الأولى، وأخيرا الطبعة الثالثة 4 سنة 2014، والتي كان من المفترض أن يضيف إليها الجديد، لكن الأقدار شاءت عكس ذلك، ولكنها جاءت منقحة في 232 صفحة. وأوصاني أستاذنا الكريم بالاعتذار للقارئ الكريم على أنه كان ينوي الإجابة فيها على عدد من الأسئلة الجديدة ولكن المرض وكثرة الاعمال منعه من ذلك. ومن جانب أخر، فان للكتاب قصصا جانبية جميلة حدثت بين المؤلف والمحتفى به، تبرز المكانة العلمية الحقيقية للراحل وتؤكد مستواه الأخلاقي الراقي الذي قارب مستوى سجايا العلماء الأوائل5.

أولا- فكرة الكتاب:

تعرفت إلى الراحل الدكتور سعد الله سنة 2002، عندما عاد الى الجزائر قادما من جامعة "آل البيت" بالأردن، دفعني حبي وإعجابي بالرجل علاوة على انتاجه الغزير، والذي كنت قد قرأت بعضه. قلت، دفعني ذلك إلى أن طلبت منه فيما بعد إجراء حديث صحفي مقتضب لصالح إحدى اليوميات الجزائرية 6، لكنه اعتذر بلطف. ولم أكن أدري حينها أن الرجل يعشق العزلة ويمقت الأضواء الكاشفة. صرت التقيه بشكل دائم في ما بعد، فتحت معه موضوع الحوار مجددا مرة أو مرتين، لكنه أصر على الرفض. مرت الأيام والسنين، اقتربت خلالها من الرجل أكثر، ولم أنس موضوع الحوار، بل بقي يتخمر في ذهني، حتى وإن تظاهرت بالتناسي، إلى أن وافق "صاحبي" على مضض، أو هكذا ظهر لي الأمر.

حملت أدواتي وشرعنا في جلسات المحاورة والتسجيل الصوتي بالجزائر العاصمة، منتصف شهر مايو من سنة 2008، فاكتشفت دواخل الرجل وطرقت الملامح الدفينة لشخصيته، وفهمت أخيرا أنه لا يمقت الأضواء بقدر ما يخشى أن يحرف كلامه أو يؤوًل قصده، واكتشفت أنه لم يقبل المحاورة على مضض بل كان يبحث عن "الثقة" و"حسن النية". فصار يسترسل في الإجابات الشفوية والمكتوبة في راحة نفسية ظاهرة للعيان.

ولعل ما زاد من اقتناعي بتواضع الرجل واستساغته لهذا العمل هو إصراره على إكماله في الآجال المرغوبة، على الرغم من المرض والوعكات الصحية التي كانت تصيبه بين الفينة والأخرى. وكان يقول لي آنذاك أنه "يعاني من حمى شديدة مجهولة المصدر"، ويتردد على المستشفى والطبيب بشكل شبه يومي، ويخضع للفحص والتحاليل، إلى درجة انني خشيت أن يصيبه مكروه بسببي. وكأنني الآن استمع إلى صوت زوجته الكريمة، السيدة أم أحمد يتردد في أذني وهي تبتسم في ثقة "ما تخافش سي مراد، سيكمل الأستاذ مشروعه معك، إن شاء الله تعالى7 ".

لكن، في النهاية، وبعد مرور وقت معين، برزت فكرة نشر الحوار في شكل كتاب بدل الجريدة. فبعد تفريغ المادة وتصفيفها وتصحيحها ومقارنتها مع الأصل، وجدنا المضمون غزيرا ومفيدا في ذات الآن، على أن يتم الإبقاء على طريقة المحاورة نفسها، أي سؤال وجواب، دون زيادة أو نقصان.

ثانيا- لماذا الدكتور أبو القاسم سعد الله بالذات؟

إنه سؤال لطالما طرح علي من طرف بعض الصحفيين الجزائريين ومن مختلف وسائل الإعلام. أي، لماذا تم اختيار شخصية الراحل لاستجوابها في كتاب، وليس شخصا آخر؟ وكنت أجيب: لقد وقع الاختيار على اسم الراحل لكونه:

1- إن الراحل هو أول باحث جزائري يحرز شهادة الدكتوراه في التاريخ، بعد أن سبقه إلى ذلك آخرون في مجالي الطب والأدب وغيرهما. أما في علم التاريخ فهو أولهم على الإطلاق. وهي الشهادة التي عاد بها من الولايات المتحدة سنة 1967 إلى الجزائر حينما قرر العودة إلى الديار والاستقرار بها نهائيا 8.

2- لأن الراحل جمع بين مجالات عديدة في ميدان العلوم الإنسانية وغيرها من الفنون. فهو الشاعر والقاص والمؤرخ والمترجم والرحالة والصحفي والمحقق واللغوي، الذي أغنى مكتبات العالم بعلمه الوافر. أي أن الراحل لم يكن مؤرخا وفقط، مثلما يظلمه بعضنا، عن حسن نية، بل كان عالما موسوعيا بأتم معنى الكلمة.

3- لأن الراحل عايش عن كثب، عددا هاما من الشخصيات العلمية والثقافية والتاريخية، الوطنية والعالمية. فأثر فيها وتأثر بها. كما تعرف على شخصيات أخرى صنعت لنفسها اسما في تخصص ومجال نشاط كل منها. ولعلكم تدركون أن الدكتور سعد الله كان قريبا من الإصلاحي الزاهد والشهيد الشيخ الشيخ العربي التبسي 9، وكان ملازما للعلامة الفصيح الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، الذي أطلق عليه لقب "سعد السعود". كما تعرف إلى الأمير عبد الكريم الخطابي، المغربي، والعربي الثائر. وتعرف إلى المجاهد والوزير الأول بلعيد عبد السلام. ولازم الشاعر الفذ محمد العيد آل خليفة،. ورافق الأستاذ والمناضل المرحوم عبد الحميد مهري. ولازم عددا من الأساتذة الجامعيين والباحثين الذين كان يتذكرهم في كل مرة ويذكرهم بخير، ومنهم: د/ عبد الله الركيبي، د/ أبو العيد دودو، د/ يحي بوعزيز، ود/ ناصر الدين سعيدوني. والقائمة طويلة.

4- كان الراحل عضوا مراسلا "بمجمع اللغة العربية بالقاهرة" لسنوات عديدة، وكان نشطا ومقترحا وصاحب دور فعال في تلك الهيئة التي مثًل الجزائر فيها رفقة زميله د/ عبد عمار الطالبي.

5- يعتبر الراحل من الجزائريين القلائل الذين جمع بين الكفاءة العلمية والإنتاج المعرفي والجهاد في سبيل تحرير الوطن من الاستعمار الفرنسي. وهو المنضمً إلى جبهة التحرير الوطني بالقاهرة سنة 1955، بينما كان ما يزال طالبا بإحدى جامعاتها. وكان كتب شعرا ثوريا حتى قبل اندلاع الثورة الجزائرية.

6- حضر الراحل حدثا تاريخيا هاما ومفصليا عندما كانت الجزائر تعتبر لدى الفرنسيين بمثابة "مستعمرة". ويتمثل هذا الحدث في الإعلان الرسمي عن الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية بالقاهرة شهر سبتمبر من سنة 1958، وهي الهيئة التي احتك ببعض قادتها ووزرائها. كما أنه عمل بأحد مكاتبها لوقت طويل.

7- هل تعرفون باحثا جزائريا آخر، من غير الراحل، كان نشاطه حثيثا ومتنوعا وبأماكن عدة. حيث حاضر وناقش وأشرف على رسائل جامعية، ودرًس في عدد من الجامعات الكبرى في العالم، بأمريكا والأردن وغيرهما كثير. وتمكن من تدوين عشرات الكتب والمؤلفات والمقالات،. لكنه ومع ذلك، عرف بـ "معلمة تاريخ الجزائر"، وهي الموسوعة التي أطلق عليها اسم "تاريخ الجزائر الثقافي" والتي تمكن قبل رحيله بأشهر قليلة من فقط من الوصول فيها إلى الفترة الممتدة ما بين الفتح الإسلامي الى غاية الدخول العثماني. وقبل ذلك الجزء الأخير كان كتب فيها عن تاريخ الثقافة والمثقفين في الجزائر من بداية الفترة العثمانية إلى غاية الاستقلال الوطني 10.

8- نحن لا نعرف رجلا بمثل هذا المستوى الكبير، وعرضت عليه مناصب المسؤولية لكنه اعتذر عن توليها بلطف ولين. ليس تكبرا منه بل أنتم تشهدون على تواضعه وحسن خلقه وحبه لوطنه وأبناء وطنه، بل إنه فعل ذلك في سبيل التضحية من أجل العلم، وعدم الاشتغال عنه بغيره، أي أن زهد الرجل في المناصب كان من زهده في الدنيا. لذلك وجدناه، وبموجب حبه للبحث والتنقيب، وجدناه يعتذر عن تولي كلا من "الإدارة والوزارة والسفارة"، وهو الوصف الذي حق لنا أن نلحقه به.

ثالثا- فحوى الكتاب:

يضم الكتاب المذكور قسمين اثنين، ضم الأول، والذي جاء تحت عنوان: (السيرة الذاتية والعلمية والنضالية بروايته الشخصية). أما القسم الثاني فجاء فيه: (آراء ومواقف الراحل). وأجاب المرحوم عن الأسئلة بكل صراحة وأريحية، ومن غير تكلف أو حسابات مهما كان نوعها. لكنه مع ذلك، لم يجب على أسئلة أخرى بعينها كنت قدمتها له مكتوبة، وتتعلق بالجزء الثاني من الكتاب. وأعتقد أنه فعل ذلك متعمدا، حتى لا يستفيض في الحديث عن بعض المسائل الثقافية التي تفرق ولا توحد وتذكي الفتنة ولا تطفئها 11 . فما كان مني ساعتها إلا تفهم الأمر، وعدم مفاتحته في المسألة أصلا.

الجزء الأول: السيرة الذاتية، العلمية والنضالية بروايته الشخصية:

وتحدث فيه الرجل عن وادي سوف، وعن سكانها وتاريخها، ثم عن حصوله على شهادتي الأهلية والتحصيل من جامع الزيتونة، وتنافس حزب الشعب وجمعية العلماء لاستقطاب الشباب المتعلم، وعن ذكرياته مع الشيخ العربي التبسي الذي كلفه برئاسة البعثة الزيتونية سنة 1952، وعما كان يكتبه في جريدة "البصائر"، وتخطيط ابن باديس لإشراك المرأة في التعليم والتكوين، وقصة تعليمه بمدرستي "الثبات" و"التهذيب" بالعاصمة، وعن نظرة الإخوان الليبيين للجزائريين أثناء الثورة، وعن سفره إلى القاهرة، وتوليه مسؤولية الشؤون الثقافية في الرابطة ثم اتحاد الطلبة الجزائريين بمصر، وصدور أول مجموعة شعرية له، والعمل بمصالح جبهة التحرير الوطني في مقر الحكومة المؤقتة، وقصة المنحة التي حولت مقر اتحاد الطلبة من لوزان إلى تونس، ودور العقيد بوصوف في ذلك، وعن عشقه الأفلام العربية وأغاني أسمهان، وقصة كتابه حول شعر محمد العيد آل خليفة، وعن علاقة الإخوان المسلمين بالشيخ الفضيل الورتلاني، واتفاق الإبراهيمي مع خيضر وبن بلة، وثناء الإبراهيمي على صوت أم كلثوم، ولقاؤه مع الأمير عبد الكريم الخطابي، وشكوى التبسي من غياب الإبراهيمي ومن الشيخ خير الدين، وعن معاناة رجالات جمعية العلماء أثناء الثورة ونتائج حل الجمعية، وعن ظروف انضمامه إلى جبهة التحرير الوطني، وأخيرا رحلته إلى أمريكا التي استقر بها طالبا ثم أستاذا 12.

الجزء الثاني: آراء ومواقف:

وفيه، أدلى الراحل سعد الله بدلوه، وفتح قلبه واسعا ليقول رأيه ووجهة نظره إزاء الكثير من المواضيع والعديد من الأحداث والشخصيات. مثل حديثه عن الفرنكفونيين، وأسباب رفضه تولي المناصب، وعن الفترة العثمانية بالجزائر. وظهر مستميتا في دفاعه عن الأمير عبد القادر، وعن مقته تصغير الثورة بالتركيز عن تصفية الحسابات أثناء تلك الفترة، مثل دفاعه عن جمعية العلماء الجزائريين. كما تحدث عما أسماه هو "غرور مصالي الحاج"، ولم يهمل الراحل الحديث عن مشاركته في رد العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956، واصفا التاريخ ببلادنا بغنيمة مسمومة خلفتها المدرسة الاستعمارية، وقال إن أغلب كتاباتنا تفتقر إلى معايير البحث التاريخي، واصفا إياها بردود الفعل التي لا تؤسس لمدرسة تاريخية جزائرية، وقال كلاما عن الغرب، مضيفا إن العراق ضيعه أبناؤه. وتحدث عن واقع كل من الجامعة والمنظومة التربوية والمطالعة واللغة العربية والترجمة في الجزائر، وعن الطرق الصوفية أيضا، وغيرها من المسائل التي فصًل فيها تفصيلا.مشيرا في نهاية الحوار إلى أنه يعتبر نفسه متابعا لمسيرة التاريخ، وأنه إذا ما انتقد الوضع في الجزائر فمن أجل التنبيه على ضرورة اخذ الحيطة وليس طمعا في سلطة أو منصب 13.

رابعا- أصداء الكتاب:

تلقى عدد كبير من الباحثين هذا الكتاب، بأحضان دافئة، بدليل أنه طبع ثلاث مرات متتالية: في 2008 و2010، و2014. والسبب في ذلك يعود بالدرجة الأولى إلى سمعة الشخص المحاور، وصيته العالمي، ودقة ملاحظاته فيه، وإبداعه في تقديم إجابات وافية بخصوص الأسئلة المطروحة حول مختلف المواضيع، وأهمها سيرته الذاتية ومساره العلمي، وآراؤه ومواقفه إزاء قضايا الساعة، وإصراره على نفس المواقف الثابتة بخصوص نظراته لمجالات الثقافة والتاريخ واللغة والفكر. ما يعني أنه، وعلى عكس ما قد يتبادر إلى أذهان البعض، من أن الجزائريين لا يولون اهتماما إلا قليلا بعلمائهم من جهة، وبالتاريخ والمؤرخين من جهة ثانية، فإنهم، أي الجزائريون، متعطشون للتقرب من "قاماتهم" الثقافية، ومتلهفون للتعرف على "أيقوناتهم" المفكرًة، وتواقون للتفاعل مع "أعلامهم" المبدعة في شتى مجالات العلوم والإبداع. وكان الراحل من بين هؤلاء الذين رووا بعطائهم الهائل عطش المتلهفين للعلم والتاريخ والفكر في مختلف تجلياته وتشكلاته.

لقد ظل عدد من الباحثين الجزائريين والأجانب يلحُون على طلب نسخ من الكتاب، كلما أرادوا فهم واقع اللغة والتاريخ والثقافة والفكر في أوطاننا، بنظًارات أبي القاسم سعد الله. وكانوا يقبلون على اقتناء الكتاب من المكتبات ويلحُون علينا في السؤال عن كيفية الحصول عليه، وفي أي المكتبات يباع. وكنت أقول في كل مرة: إن الكتاب موجود في كل مكان، عدا مكتبة واحدة رفض صاحبها استلام كمية منه لبيعها، لا لشيء، سوى لأن مواقف وشخصية ومنهج وفكر الراحل لا يروق هذا الشخص ولا يلائم توجهه. نعم، رفض صاحب إحدى المكتبات بالعاصمة وضع هذا الكتاب في رفوف محله، وهو ما أخبرني به الناشر صراحة ذات مرة. ومع ذلك فإن الكتاب صار مرجعا هاما لكل راغب في التعرف على تاريخ الجزائر، وعن سيرة الراحل ومسيرته الحافلة بالتضحية والعطاء والجهاد.

وفي مجال أصداء الكتاب دائما، فلا يمكنني أن أنسى المستوى الرهيب لتواضع الراحل، عندما كان يردد مبتسما في كل مرة قائلا: "سي مراد، كتابك مشى مليح..". في إشارة إلى اتصال بعضهم به سائلين عن الكتاب، وبخاصة بعد نفاد الطبعتين الأولى والثانية من المكتبات. وكنت أعقًب على كلامه دائما: "نعم يا أستاذ، الكتاب مشى مليح، ليس لكونه كتابي أنا، بل لكونه كتابك أنت، ولا فضل لغيرك في ذلك، فمواقفك وآراؤك فيه نالت اهتمام الباحثين" 14. كما كان رحمة الله عليه يقتني نسخا من الكتاب ليهديها لأصدقائه، سيما عندما يكون على سفر.

خامسا- "عتاب"على الكتاب:

على غرار كل عمل إبداعي أو علمي، فإن الكتاب موضوع حديثنا هذا، تعرض لبعض النقد، أو لنسمه "عتاب"، عتاب جاء من طرف بعض الذين يجهلون شخصية الرجل أو ينكرون عبثا قيمته العلمية. وتمثل أساسا في كوني تعاطفت مع شخصية المستجوب، وأنني كنت ذاتيا كثيرا معه من خلال نوعية الأسئلة وطريقة طرحها، وكذلك في تعريفي به في مقدمة الكتاب.

وسأستغل هذه السانحة لأقول: نعم، لقد كنت كذلك بل وأكثر من ذلك. أقول، وكما كان يقول الراحل بنفسه لبعض محاوريه من بعض الصحفيين الذين كانوا يريدون إحراجه أحيانا ببعض الأسئلة الخاصة والمفخخة، محاولين الاصطياد في مياه عكرة، لكنهم لا يتقنون اختيار نوعية صيدهم، حيث كان يرد عليهم بعبارة: "وكذلك في الأصل"، أو بعبارة: "كذا في الأصل"، أي: نعم، فعلا، أنا مثلما قلتم، ومثلما جاء في سؤالكم، فافعلوا ما أنتم فاعلون، وأنا مصر على رأيي ومحتفظ به. وهي العبارة التي كانت تبكم محاوريه وتسكتهم "وتردهم على أعقابهم". وعلى الرغم من قصر كلماتها، إلا أنها كانت شافية كافية، ومؤدية للغرض.

وها أنا بدوري، أمامكم اليوم، أستعير من سعد الله تلك العبارة، لأرد على من انتقد الكتاب بكوني كنت متعاطفا مع الراحل، وأقول:

نعم، وكذلك في الأصل". وأنا فخور ومتشرف بذلك، ولا يمكنني إلا أن أكون كذلك. وكيف لا أكون متعاطفا مع من رغب في أن أصاحبه في مشروع ثقافي أحسبه مميزا؟.

وكيف لا أكون ذاتيا مع ذلك الذي رأيت فيه أبا حنونا كنت فقدته في صغري، وصدرا دافئا أشكو إليه همي، وقلبا رحيما أأتمنه على أسراري وسريرتي وجميع أحوالي، حتى تلك التي لا يمكن أن يبوح بها امرئ لشخص آخر. كنت أحكي له عنها، وكان هو يفعل معي شيئا من ذلك أحيانا؟.

وكيف لا أكون متعاطفا مع أحد علماء الجزائر، ممن كتبوا في شتى المجالات والميادين العلمية. علما وأنه، لولا ذلك التعاطف لما كان الكتاب، ولما أخبرنا الراحل ببعض أسراره وأفكاره ومواقفه من عديد القضايا التي تشغل بال المثقفين والشباب والمهتمين بالقضايا الأساسية للأمة.

خلاصة:

أقول في النهاية إن الراحل سعد الله كان رجلا طيبا وإنسانا متواضعا وجزائريا كريما، وفضله عمًنا جميعا، وعطاؤه خيم علينا قاطبة، ونشهد له أنه كان لوحده أمة بأكملها، وتكفل بمهام عظمى، تنأى عن حملها الهيئات والمؤسسات، فما بالكم بالأفراد. وهو ما يستدعي منا الاعتراف له والتعريف به. ولا يكون التعريفُ بالرجل إلا بالعمل على دراسة إنتاجه وإعادة قراءة منهجه، والتمحيص في سيرته الحافلة. وهي مهام لا يتمكن منها إلا من حاز الأدوات العلمية اللازمة وتملًك النظرة النقدية الملائمة. كما لا يكون الاعتراف للرجل إلا باستكمال المسار الذي كان قد بدأه، وتتبع مسيرته الطويلة التي يقع عليكم انتم، واجب القيام بها، أنتم لا غيركم، أنتم الأوفياء لمبادئه، أنتم المخلصون لنهجه.

ولا يمكن لي إنهاء هذا المقال من دون أن أبشركم بأن الله قد وفقني في إنجاز عمل آخر عن الرجل، كنت قد بدأته مع الراحل قبل ثلاث سنوات عن وفاته، وأعني به كتاب:

"مفهوم التاريخ عند الدكتور أبي القاسم سعد الله"

والذي جمعت فيه كل ما كتبه الراحل عن مفهوم التاريخ، وذلك خلال الفترة ما بين سنة 1954 وإلى غاية رحيله، كما ورد في هذا الكتاب أيضا كل ما كتبه غيره من الباحثين عن مفهومه هو للتاريخ. وسيكون هذا بداية التأسيس لما يمكن أن نسميه: "نظرية أبي القاسم سعد الله في التاريخ"، على غرار نظريات مؤرخين كبار في العالم ظهروا قبل سعد الله. لقد صدر هذا الكتاب "مفهوم التاريخ عند الدكتور أبي القاسم سعد الله" مؤخرا، في إطار "تظاهرة قسنطينة عاصمة للثقافة العربية"، وضمن ما سمي بـ "تكملة الأعمال الكاملة للدكتور سعد الله"، وهي الأعمال التي حوت بعضا من كتبه الجديدة التي لم يسبق نشرها من ذي قبل.

كتاب "مفهوم التاريخ عند الراحل سعد الله" قد رأى النور هذه الأيام، وأنا سعيد لذلك أيما سعادة، خاصة وأن من كتب تصديره وقدم له هو العالم والمفكر والمؤرخ ناصر الدين سعيدوني، صديق الراحل في المهنة وفي الحياة، أمدً الله في عمره وجعلنا في مستوى مهمة الاحتفاء به والاستفادة من علمه، فشكرا له على ذلك التقديم الجميل الذي توج به هذا الكتاب. وهو الكتاب الذي سيكون حتما نقطة انطلاق لأبحاث أخرى حول فكر الراحل في مختلف مجالات العلوم الانسانية التي طرق بابها هو، ولم يغلقه بعد.

جزا الله الراحل الدكتور أبو القاسم سعد الله عنا خير الجزاء، ونفعنا بعلمه، وجعلنا نستنير بزاده الذي لا ينضب، فالعلماء هم حقا ورثة الأنبياء.

وجازاكم الله، أنتم، أحباب الراحل ومريدوه، الجزاء الموفور، على وفائكم وإخلاصكم وتعبكم، وتضحيتكم في سبيل العلم، من خلال الاحتفاء بشخصية الراحل.

 

 

الهوامش والإحالات:

[1]- لم نشأ أن نعيد ترديد ما ورد في الكتاب من معلومات، على اعتبار ان الكتاب موجود ومعلوم مضمونه لدى اغلب المهتمين بالتاريخ الجزائري وبشخصية الراحل الدكتور سعد الله، وفضلنا بدل ذلك الكشف عن بعض مما علق بالذاكرة من معطيات ومعلومات، اعتقدنا أن التعرض اليها بهذه المناسبة سيكون لها فائدة عامة.

2- العنوان الكامل هو: "حديث صريح مع أ/ د أبو القاسم سعد الله في الفكر واللغة والثقافة والتاريخ". صدرت الطبعة الأولى منه شهر نوفمبر من سنة 2008، عن دار الحبر بالجزائر.

3- جاءت الطبعة الثانية من الكتاب مزيدة ومنقحة، حيث أضفنا إليها إجابات الراحل سعد الله حول الأسئلة الجديدة التي طرحناها عليه، وهي تقع عموما في الصفحات الأخيرة من الكتاب، وعددها 16 صفحة.

4- قبل وفاته بشهرين، تكلمت مع الراحل سعد الله بخصوص رغبة الناشر في نشر الكتاب بطبعة جديدة، ثالثة، فرحب بالفكرة كثيرا وأثنى عليها، ولكنه اعتذر عن إمكانية إضافة الجديد فيها، بسبب كثرة أشغاله وظروفه الصحية، فتفهمنا الأمر، خاصة وأن الدكتور أوصاني بضرورة الوقوف على العمل، وبتبليغ القراء أمر اعتذاره، وهو ما كتبته في مقدمة الطبعة المذكورة.

5- كان الراحل سعد الله، رحمة الله عليه، كريما وخلوقا ومتواضعا جدا وخدوما ودائم التبسم وكثير الأشغال، لا ينتهي من عمل أو مسألة إلا ليباشر أخرى.

6 - كنت حينها ما أزال أتعاون مع بعض الصحف الجزائرية، علاوة على اشتغالي بمؤسسة المركز الوطني للدراسات والبحث في الحركة الوطنية وثورة 1 نوفمبر 1954.

7- لم أر في حياتي ودا واحتراما وتناغما ووفاء بين زوجين اثنين، مثقفين، مثلما رأيته لدى الراحل سعد الله والسيدة زوجته أم أحمد. كان رحمه الله يقدرها كثيرا ويستشيرها في عدد من المشاريع والأمور التي يقبل عليها، فكانت بالنسبة باليه بمثابة السند الحقيقي.

8- في تلك السنة، عانى الراحل كثيرا بعد المشاكل التي لقيها بخصوص الاعتراف بشهادته - الدكتوراه-.علاوة على صعوبات أخرى واجهته من لدن بعض الأشخاص في الجامعة، من المنتمين إلى تيار معاكس، يقف ضد مسالة التعريب.

9- معروف عن الشيخ العربي التبسي رحمه الله بكونه "شهيد لا قبر له".

10 - لم يسبق الراحل سعد الله أي جزائري آخر إلى مثل هذا العمل، ويكون بذلك قد سد فراغا رهيبا، يغنينا عن البحث فيه مجددا.

11- يتعلق الأمر ببعض الأسئلة المرتبطة بالقضية الامازيغية، والتي بقيت عالقة ، فرغبت في التعمق فيها معه، علما انه كان تحدث عن الموضوع في الطبعة الأولى ولكن جون استفاضة.

12 - انتقل الراحل سعد الله إلى الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1960، ويروي في الكتاب الظروف التي وقع فيها ذلك، ولكن دون الاستفاضة في الأمر.

13- على الرغم من انشغالاته الكثيرة، إلا أن الدكتور سعد الله كان مراقبا بارعا للوضع بالبلاد، سواء كان داخل الوطن أو خارجه، وكان يكتب بعض المقالات الصحفية في الجزائر بخصوص ذلك وكنت أقف شخصيا على نشرها في الجرائد.

14- كنت امازح الراحل كثيرا واتجرأ عليه في بعض الأحيان. و كان هو يتفاعل مع ذلك بكثير من الود.

 

 

مراد وزناجي (إعلامي، كاتب، باحث في تاريخ الجزائر، وصديق الراحل)

آخر التغريدات: