جديدنـا:

شرف المعنى وجزالة اللفظ.. قراءة أدبية في نشيد شعب الجزائر مسلم

شرف المعنى وجزالة اللفظ.. قراءة أدبية في نشيد شعب الجزائر مسلم

هل يحسن أن ننسب مصلحا عظيما مثل ابن باديس إلى قول الشعر؟ وما الاصلاح إلا اتباع لسنن النبوة في تغيير ما بالواقع من فساد.إنَّ كوثر النبوة التي سمقت عن مرتبة الشعر، فنفت أن ينبغي مخالطته لكلام الرسول صلى الله عليه وسلم، وتلك خاصيته(1)، لم تنف أن يجتمع بيان الشعر وحكمة الاصلاح، في قول العلماء وهم ورثة الأنبياء.

لذلك فإن المتابعة المتأنية للشعر تجعله كلاما من الكلام منه الرسالي ومنه العبثي. وهو الذي زيّن حكمة الصحابة أمثال حسان، وهو الذي حسّن حكمة الفقهاء أمثال الشافعي، وهو الذي حبّب حكمة العلماء أمثال أحمد سحنون. وقد فطنت حركة الاصلاح في الجزائر لرسالة الشعر حين يصير قضية المؤمنين، فأعلى ابن باديس من شأن الأدباء وأحيى همة الشعراء. بل كان هو نفسه شاعرا مقلاّ ولكن مقتدرا.!

ومن جميل ما قاله في جوان 1937 تلك القصيدة التي سماها “تحية المولد الكريم”(2)، وكتب لها أن تذيع في العالمين بمسمى آخر هو نشيد شعب الجزائر مسلم. وقد بلغت أبياتها الأربعين على مجزوء الكامل.

وما أحوجنا اليوم بعد أن مضت سبعون سنة على وفاة هذا المصلح العظيم، أن نعيد قراءة تلك التحية المولدية التي صارت بين الناس نشيدا خالدا. و ليس القصد أن نحيي ذكرى من الذكريات، بل أبعد من ذلك نبتغي أن نستدعي الذاكرة الجزائرية لعلنا نكتشف علامة من عبقريتها.

ربما تنفعنا موئلا في زماننا الصعب هذا.

شرف المعنى :

جرت سنن العرب(3)في تذوقها الشعر أن تنيطه بالتعبير عن شريف المعاني، وإنما مزية الشاعر الفحل أن يقبض على الحقائق الكونية الكبرى فلا تفلت منه.

وتلك خاصية هذه التحية المولدية، شرفت معانيها وتزاحمت حتى كاد اللفظ الفصيح أن يعجز عن حملها كلها، لولا براعة نادرة وقدرة فائقة جعلت الشاعر يحسن التنقل من المعنى الشريف إلى المعنى الشريف. وأمكنته أن يجعلها معمارا هندسيا معجبا يملأ المسامع والبصائر.

تبدأ التحية دعاء صالحا – بصيغة البناء للمجهول – موجها لجمعية التربية والتعليم الاسلامية بقسنطينة التي أحيت ليلة المولد النبوي الشريف، فجعل التحية دعوة بالرقي إلى الرتب السامية، ووقاية من كيد الكائدين، وتحفيزا لنيل العلياء.

حييت   يا   جمعالأدب                  ورقّيت    سامية   الرتب
ووقيت   شرّ   الكائديــن                 ذوي الدسائس والشغب

ثم يخلص الشاعر إلى معنى شرف الاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم الذي أحيى الله به الأنام وأبرأ النفوس وأدبها بالعلم والأخلاق. وكأني بالشاعر وقد فقه معنى النبوة الخاتمة أنها علم وأخلاق، أراد لرسالة الجمعية أن تفقه هذا وتحرص عليه، فتجعل التنشئة على مثال الهدي النبوي.

نشءٌ بحب محـــمــد          غــذَّاة أشياح نجب

غبه اقتدى في سيرة        وإليه بالحق انتسب

ويجعل ذلك طريقه لمعنى شرف الانتماء، إذ القصد من التربية والتعليم هو استعادة الوعي، وإعادة تشكيل الانسان الذي يعتز بانتسابه، مهما تحط به النوازل القاتلات، ومهما تعاديه الليالي المظلمات. لذلك ينتقل الخطاب من التقرير، كما من قبل، ليصبح نداء وترشيدا، يمتلئان اعتزازا بالعروبة التي فاضت حلاوتها على الألسنة.

أما النداء فخص الشاعر به هذا النشء الذي سمعه يتكلم فلا يرطن، وأما الترشيد فأخذ للحياة كريمة وخوض للخطوب بسالة.

يا  نشء يا ذخر الجزائر في الشدائد والكُرب
صدحت بلابلك الفصاح فـعمّ مجلسنا الطرب
وأذقتنا  طعما  من الفصحى ألـذّ من الضّرب

وليس بعد شرف الانتماء إلاّ شرف الحياة، هكذا ينبني الشعر ويستوي مع المنطق. فليس القصد لمن تعلم وعرف أن ينزوي وينكسر، ولكن شأنه العظيم أن يبدأ التغيير الكبير والخطير، وهو تغيير يبدأ في الأنفس أولا ثم يمتد إلى الآفاق ليسلبها مساوئ المذلة والضعفاء وينفخ فيها من محاسن العزة والأقوياء. هو النشء الرجاء الذي يأتي به الصباح(4).

يا  نشء  أنت  رجاؤنا  وبك  الصباح  قد اقترب
خذ  للحياة  سلاحها وخض الخطوب ولا تهب
وارفع منار العدل والاحسان واصدم من غصب

وحتى يتبين شرف الحياة يؤكد الشاعر على شرف التعاضد والتعاون، فليس التغيير بموكول إلى الشباب وحده مهما أوتي شرف الاقتداء والانتماء والحياة، بل هو نظام يجمع قوة الشباب إلى حكمة الشيوخ، فالكل مسؤول أن يحيي سنة التغيير، كما يريدها الله العلي القدير، وليس لأحد أن يتكل على غيره. هكذا يقول ابن باديس:

يا قوم هذا نشؤكم وإلى المعالي قد وثب
كونوا  له  يكن  لكم  وإلى الأمام ابنا وأب

يرتد ابن باديس بعد هذا كله إلى نفسه، فيعلن واحدا من أشرف المعاني، هو معنى العهد، وروعة التعبير الشعري جعلت الشاعر، في هذه، يلزم نفسه أكثر مما يلزم غيره، وتلك هي حكمة المربي القائد الذي لا يغفل عن واجباته هو، فما أكثر الذين ينصحون لغيرهم وينسون أنفسهم، هل سمعته يقول:

هذا لـكم عهدي به حتى أوسّـد في الترب
فإذا  هلكت فصيحتي تحيا الجزائر والـعرب

إنَّه شرف العهد.

جزالة اللفظ:

وبعد يحق لنا أن نسأل، أي اللفظ يطيق أن يحمل شريف المعاني؟

وسنفترض، أنَّ منهج الشعر عند ابن باديس ليس أن يسوق معاني الوعظ التي تقرع الأنفس بالترغيب والترهيب، ولكنه المنهج الذي ينزل جليل المعاني في جميل اللفظ، وتلك غاية يبتغيها الشعراء المكثرون، فلا تنقاد إلا لبعضهم، ومن عجب أنها تنقاد لعالم مصلح مقلّ في التعبير الشعري.

أليس هذا من العبقرية التي تدفعنا إلى القول بأن ابن باديس لو أراد الشعر لكان فيه أميرا من الأمراء. حين نتابع القصيدة (التحية/ النشيد) بالمدارسة يتبين لنا أن ابن باديس اعتمد للفظ الشعري مجموعة من الخصائص، بعضها يرجع إلى مصادره وبعضها يرجع إلى صفاته.

  • فأما التي ترجع إلى مصادره:

– فمثل انتقائها من القرآن الكريم، وليس ذلك بمستبعد على عالم مصلح تشبعت روحه بالكلام الالهي، فكان له حافظا ومعلما ومفسرا، والناس إنما ينحتون ألفاظهم من محفوظهم الذي يحبون. وليس أحب من القرآن الكريم إلى نفس ابن باديس.

لذلك فإن ألفاظا مثل: (الحياة+ السمو+ العلم+ الاخلاق+ الاحسان+ اقتدى+ الظالمين+الخائنين+ الاسلام…) حين تتزاحم في القصيدة إنما تنبئ على معدن الشاعر ورسالته في الحياة. إنها رسالة تعيد تشكيل الوعي باللفظ القرآني. وتلك مهمة غالية لا يقدرها إلا من وضحت الرؤيا لديه، واستوعب أن للفظ سلطانا على الأسماع ثم القلوب.

وهذا مرتكز العبقرية عند ابن باديس في أنه يخضع الشعر للقرآن، ويجعل لغته مستمدة منه. وبهذا يسهل التعبير ويحسن التلقي.

– ومثل انتقائها من القاموس السياسي، وهو مظهر آخر يوحي بأن الاصلاح والشعر تنزيل على الواقع وفهم له. ومن غريب أن هذه القصيدة وقد نشأت في نفس صاحبها تحية مولدية كيف تصير خطابا سياسيا جميلا ومؤثرا.! ينتفي العجب إذا فقهنا أن ابن باديس يتخذ الرسول صلى الله عليه وسلم قدوة، وهو الذي علّم الناس كيف يعبدون الله وحده ويخلعون كل صباح في قنوتهم من يكفر ليملأ الأض جورا وظلما.

ومنتهى السياسة عند العالم المصلح أن يسترد بنو الاسلام العزة التي هم أهلها، والتي لا ينبغي أن تضيع منهم.

ومن يعيد قراءة القصيدة يجدها ملأى باللفظ السياسي من مثل:(يحمي الحمى+ الحق المستلب+ الدسائس+ رام إدماجا+ منار العدل+ المهانة والحرب+ نظام حياتنا…) ويجدها بعد ذلك من الشعر الجميل. وهي الميزة التي تمنح ابن باديس الكفاءة الشعرية، إذ ليس من اليسير أن تنتزع اللفظ من قاموس السياسة لتجعله شعرا.

·وأما التي ترجع إلى صفاته:

– فمثل اعتماده اللفظ الفصيح المستعمل، وقد أعيا كثيرا من الشعراء أن يجمعوا بين الفصاحة والاستعمال فوقعوا في الحوشي الغريب، أو السوقي المبتذل، ولكن منظومة اللفظ الشعري في هذه القصيدة تنزع إلى تحقيق شروط الفصاحة، فتخلو من التنافر والغرابة والتعقيد، بل تأتي بها مألوفة كأنها حبات الجمان التي لا تبلى على كثرة النظر إليها وملامستها.

وتنسجم بين مستويين من الألفاظ: مستوى الفصيح الدائر على الألسنة مثل: (جمع الأدب + أشياخ نجب+ بالروح يفديها + ما قد ذهب + ذخر الجزائر + شعب الجزائر + تحيا الجزائر….) ومستوى الفصيح الذي ليس بدائر على الألسنة مثل: (بارقة القضب + من الوصب + من النشب + ألذ من الضرب + معين المجد)..

وكلا من المستويين يؤولان باللفظ إلى العذوبة المستأنسة ويبعد به عن الوحشية المستهجنة.

– ومثل اعتماده التحسين اللفظي كما يقتضيه البديع في العربية، وهي من خواص البلاغة، ومن ذلك كثرة دوران الترادف في مثل: (حييت + رقيت + وقيت + منحت) رغبة من الشاعر في التأكيد والحصر الدلالي، وليست هذه الكلمات في أصل وضعها مترادفة ولكنها في الاستعمال انتهت إلى الترادف لأنها جميعا تحمل معنى الدعوة بنوال الخير من الله تحية مباركة ومنحا عطاء وارتقاء ساميا. وليس من شأن الترادف هنا أن يكون دورانا حول المعنى، أو ترديدا له، بل هو خاصية جمالية تخدم روعة الأداء كما تخدم روعة الفهم.

ومن ذلك أيضا كثرة دوران التضاد والتقابلات، وهي تخدم الغرض الجمالي نفسه، ولكنها تبعث في النفس إمكانية الاستيعاب المتيسر، كمثل المقابلة بين (العودة والذهاب + الاحسان واصدم + الكرامة والمهانة + هلكت وتحيا…) فالقصيدة تزدان بهذه التقابلات لأن قارئها ينتقل انتقالا محببا بين المعنى ونقيضه وقد حملهما اللفظ الكريم. ومن ذلك براعة استخدام الالتفات وهو عند ابن باديس ليس مقصدا دلاليا فحسب، بل هو مقصد جمالي. لقد ترددت الضمائر بين المخاطب ثم الغائب وانتهت بالمتكلم المفرد. وهي تتبع في ذلك نسقا عجيبا. ولأن القصيدة كانت في أول أمرها تحية لمن أقام الحفل وجب استخدام المخاطب المفرد شكرا لهم وذكرا لمكرمتهم، ثم لأن القصيدة خلصت إلى معاني الإرشاد والتوجيه وجب أن تستخدم ضمير المخاطب الجمع، ولأن القصيدة تنتهي بالعهد فقد التزمت بالضمير المتكلم المفرد.

كل هذا الانتقال بين الضمائر جاء محببا ولذيذا.

خلاصات :

نخلص بعد هذه القراءة الأدبية للقصيدة/النشيد إلى أنَّ :

– روح الاصلاح تأتزر بالشعر الرسالي ويعضد أحدهما الآخر، فيأتيان غصنين من شجرة وارفة الظلال، تمتد من عهد حسان بن ثابت إلى زماننا.

– الشيخ عبد الحميد ابن باديس أوتي عبقرية التعبير الشعري، فكان فيه مقلا ولكن مجيدا، وتدل تجربته على أنه صاحب ملكة لو شاء أن يكون بها أميرا من أمراء الشعر، ولكنه اختار أن يكون مصلحا مربيا.

– القصيدة نشأت في بدايتها تحية مولدية فاستقت معانيها وألفاظها من القرآن ثم نمت لتصبح نشيدا سياسيا يحفز الأمة أن تبصر مجدها وتتأهب لاسترداد حقها المستلب.

– القصيدة اجتمعت فيها من المعاني الشريفة ما تدرج بها من الاقتداء إلى الانتماء إلى الحياة إلى العهد.

– ألفاظ القصيدة شاركت شرف المعاني بالجزالة وما تثيره من معاني القوة في الترادف والتقابل.

– وما أجمل الجزائر لو تحفظ ذكرى الشيخ ابن باديس وعهده بأن تجعل هذه القصيدة نظام حياتها الذي تخطه بالنور وباللهب.

 

الهوامش :

* جامعة تلمسان.

1- التي يعلنها القرآن الكريم ((وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ)) سورة يس الأية 69.

2- الشهاب ج4، م13 ربيع الثاني 1356 هـ/11 جوان 1937 م.

3- ينظر : قواعد عمود الشعر السبعة عند المرزوقي في شرح ديوان الحماسة.

4- (الرجاء) و(الصباح) اسمان لفوجين في الكشافة الإسلامية في الجزائر، وهو توظيف بارع من الشيخ ابن باديس.

 

آخر التغريدات: