يريدونها.. ذكرى ابن "باريس"!

بقلم عبد الناصر بن عيسى -

لماذا لا تفتح الجزائر، تحقيقا، في حادثة الوفاة المفاجئة للعلامة الشيخ عبد الحميد بن باديس، ولم يكن قد بلغ سن الخمسين في ربيع 1940؟

سؤال يطرحه، كل من تعمّق في أعمال ونشاط الشيخ بن باديس، وفي سيرته ومسيرته الجهادية، وفي تداعيات الوفاة المفاجئة، لرجل رحّالة، لم يترك قرية من قرى الجزائر، إلا وحطّ رحاله العلمية فيها، بانيا مسجدا، ومؤسسا مدرسة، ومحطما قلاع الشعوذة والطرقية، ولم يترك يوما يمضي، من دون أن يعصر دقائقه، من الفجر إلى ما بعد صلاة العشاء، ليقدم المعارف لتلاميذ الوطن، الذي كان أهله غرقى في الجهل.
صحيفة إيطالية يسارية تدعى "الحركة الكولونيالية"، كتبت في السابع عشر من أفريل من سنة 1940 مقالا عن وفاة الشيخ بن باديس، تحدثت فيه عن العارض الصحي المفاجئ، وعن ملامح الشيخ في اليومين اللذين سبقا وفاته، وشخّصتها بعلامات تؤكد تناوله للسمّ، لتفقد الجزائر ابنها وهو في ريعان العطاء. نقول هذا الكلام، عندما نشعر بأن الشيخ بن باديس لم يُقتل منذ قرابة الثمانين سنة فقط، وإنما هناك من يريد أن يُقبره الآن ويمسح اسمه من ذاكرة الجزائريين، بين من يضعه في صف الإقطاعيين، وبين من يسأل بـ"خبث"، عن سرّ تمكنه من العمل الدعوي والإعلامي أمام صمت السلطات الفرنسية، ولا أحد سأل لماذا منعت فرنسا صدور جريدة المنتقد، ولماذا مُنع الشيخ بن باديس من إمامة الناس، ومُنعت عنه منابر الجمعة طوال حياته، ولماذا كانت نهايته بهذه الطريقة، على بُعد بضع سنوات من اندلاع ثورة التحرير، التي كان أحد أشهر شهدائها رفيق دربه الشيخ العربي التبسي.
الاحتفال بذكرى رحيل رجالات الجزائر، ما عاد مجديا في السنوات الأخيرة، فقد ظن بعض المثقفين _ هذا إن صح تسميتهم أصلا بالمثقفين _ بأن الأمانة العلمية والتاريخية، تسمح لهم بذكر "مساوئ" موتاهم، في مقابل ما ذكره الآخرون من محاسن، هؤلاء الرجال. وإذا سمح المجتمع بمثل هذه التجاوزات، التي وصلت إلى حد تخوين شيخ من قيمة العلامة عبد الحميد بن باديس، فإننا سنفقد جزءا من شخصيتنا، وربما كل شخصيتنا.
لقد أفنى الشيخ عبد الحميد بن باديس عشرين سنة من عمره، في تفسير القرآن الكريم، فضاع، مع الكثير من مقالاته، وترك الكثير من الصحف التي تبخرت نهائيا، ولا أحد يبذل جهدا لأجل إحضار الأرشيف المكتوب والمصور الموجود حاليا في باريس، وبعد ذلك يجد بعض الجزائريين "الجرأة"، في جلد رجل، ربما لم يقرأوا له مقالا واحدا في حياتهم.
سألت في خريف 2002 الروائي الراحل نجيب محفوظ، عن العقاب الذي كان سيقترحه على الشاب الذي حاول قتله في سنة 1994، فردّ بالمختصر المفيد: "كنت سأحكم عليه بقراءة أعمالي فقط"، وكما حيّرنا أمر شاب مصري أراد قتل من أهدى بلاده جائزة نوبل، يحيّرنا بعض الناس الذين يعتبرون ذكرى رحيل بن باديس عودة لهم، لأجل نصرة ابن باريس؟

آخر التغريدات: