محمد الهادي السنوسي بين الشعر والنثر والصحافة

بقلم : طارق ثابت -

لا ريب أن محمد الهادي السنوسي الليّاني نسبة إلى ليانة ببسكرة) جمع بين مواهب متعددة ومختلفة تأطرت في ذاته في نسق واحد؛ يشكل ما يسمى بالنسق الإبداعي الثقافي؛ فقد اشتغل بالتعليم الحر في الجزائر العاصمة، ومدن أخرى، وأوفدته جمعية العلماء المسلمين الجزائريين إلى باريس واعظًا للجالية الجزائرية فيها، كما عمل بالإذاعة الجزائرية واعظا ردحا من الزمن، إلى جانب هذا فالسنوسي كان شاعرا نظم على الموزون المقفى وجدّد في موضوعاته، وجاء أكثرها في الموضوع الوطني، كما كان ناثرا بارعا في فن المقالة والخطابة، وعلى هذا الأساس سوف تبحث هذه المداخلة في ماهية السنوسي الإبداعية الموزعة بين أصناف إبداعية متعددة؛ كالشعر والنثر والصحافة، وما أثرُ هذا التعدد في كينونته الثقافية، وإلى أي جهة إبداعية كان يميل أكثر، مع نماذج من كل ذلك.

والسنوسي هو محمد الهادي بن علي بن محمد الزاهري ولد كما تجمع مختلف المصادر في ربيع الأول 1320 هـ الموافق لـ13 جوان 1902م بقرية (ليانة) بالزاب الشرقي، ولاية بسكرة، استهل تعلمه بحفظ القرآن الكريم وتلقي بعض المبادئ في العلوم الدينية واللُغوية عـلى يدي والده، ولا ريب أن بيئته تلك كانت بيئة تقليدية يسيطر عليها الفكر الطرقي وأراء الزوايا والكثير من المعتقدات الباطلة، ولهذا فإن السنوسي لم يسلم من التأثر بهذا كله حتى التحـق بدروس الإمام عبد الحميد بن باديس بمدينة قسنطينة في مطلع العشرينات من القرن الماضي، فلازمه حوالي سبع سنين، فكانت دروسه هي التي ساهمت في إحداث النقلة الكبيرة التي سوف نراها فيما بعد في حياته، وفي هذا يقول " كنت قبل صُحبتي لهذا الأستاذ الإمام ولوعًا بأباطيل الخرافيين من الطرقيين، راسخ اليقين في الإيمان بطواغيت الدجالين، ولقد أصبحت والحمد لله حُرَّ الضمير والعقيدة والفكر، راسخ اليقين في أن الإسلام هو ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ، لا التصوُف وما يدّعيه الصوفيون أو المتصوفون" ، هذا التأثر بمدرسة الشيخ ابن باديس دفعه أن يسافر إلى مصر طلبًا للمزيد من العلم، لكن "سلطات الاحتلال الفرنسي منعته من ذلك، فعكف على عملية التحصيل الذاتي ومضى ينهل من معين كنوز الثقافة العربية الإسلامية، فكان من ذلك ما مكنه من توسيع زاده المعرفي" ، وخلال هذه الفترة استطاع السنوسي أن يدخل غمار الحياة العملية من باب الحركة الإصلاحية، ومضى يجاهد تحت رايتها على أكثر من صعيد : في مجال الصحافة و الوعظ والإرشاد، وفي حقل التربية والتعليم، وفي ميدان الإبداع الأدبي.

أولا - السنوسي الصحافي:

يتضح من بعض المصادر التي أمكننا الإطلاع عليها أن السنوسي قد استهل نشاطه الصحافي في مدينة بسكرة في منتصف العقد الثاني من القرن العشرين بعد أن أصدر ابن باديس جريدتيه: المنتقد، والشهاب سنة1925، فأصبح السنوسي واحدًا من المُحررين بهما، كما عين ممثلا ومراسلا لهما مثلما يذكر الأستاذ فوزي مصمودي في كتابه المتميز تاريخ الصحافة والصحفيين في بسكرة وإقليمها كما كان يقوم إلى جانب ذلك بالتجوال في أرجاء البلاد لفائدتهما، معرفا بأهدافهما، داعيا إلى ما يدعوان إليه من نهضة وتحرر، وإصلاح ووطنية وقد كان ينشر قصائده بهما باسم " شاعر المنتقد" وكذا مختلف المقالات الأدبية؛ وكمثال لذلك يمكن أن نقرأ له في العدد الخامس من جريدة المنتقد مقال بعنوان" الإحساس والشعور". وهو مقال أدبي جاء بأسلوب صحافي عادي رغم أن السنوسي حاول أن يصفي عليه بعض المسحات التأملية والفلسفية، ثم توالت بعد ذلك مقالاته وقصائده المنشورة في مختلف جرائد ومجلات ذلك الوقت حيث " نثر في جريدة العلم المغربية، وكتب في البصائر، والصراط السوي وفي جريدة السنة، ووادي ميزاب، والأمة، وبمجلة هنا الجزائر التي كانت تصدر عن الإذاعة الجزائرية خلال الاحتلال..." ، وكان أعلى منصب صحفي تولاه السنوسي هو رئاسته لتحرير جريدة القبس سنة 1952 وهذا بداية من العدد الرابع-العدد الأخير لها- ويمكن أن نقرأ في هذا العدد اشارة إلى القصيدة التي أرسلها السنوسي لمجلة العلم المغربية والتي نالت المرتبة الثانية في هذا المجال ، وقد قدم السنوسي وصفا دقيقا لهذا الاحتفال الأدبي الذي شهده المغرب ، أما بعد الاستقلال فقل انتاجه الصحافي؛ فنشر قصائده ومقالاته بأسبوعية الجماهير في العدد الخامس منها الصادر سنة1963، كما نشر بمجلة القبس التي كانت تصدرها وزارة الشؤون الدينية بالجزائر سنة1968.

كما أن السنوسي اشتغل في ميدان صحافي آخر هو ميدان الصحافة المسموعة بالإذاعة، حيث كانت له خلال فترة الاحتلال عدة برامج بها منها " البرنامج الأدبي" الذي كان يبث مساء كل سبت ابتدءا من الساعة الحادية عشر ليلا وهذا في خمسينيات القرن الماضي مثلما ذكر هذا الشيخ محمد خير الدين في مذكراته ، وبرامج أخرى أدبية أيضا بعد الاستقلال.
ثانيا-السنوسي الكاتب : كان محمد الهادي السنوسي ناثرا بامتياز وقد أشرنا لبعض هذا حين تكلمنا عن السنوسي الصحافي، ومن أهم الفنون النثرية التي برع فيها السنوسي نذكر فن الخطابة التي كان فيها السنوسي مثلما يقول الدكتور محمد بن سمينة "خطيبًا مصقعًا، قوي الشخصية، دامغ الحُجة، صادق الشعور، عميق الأفكار، بليغ العبارة، يرتجل الخطبة فيُجيد في اختيار معانيها، ويسمو في تدبيج صياغتها، مما جعل مُعظم خُطبه تتنزَّل المنزلة الحسنة من قلوب المتلقين" .

وكذلك فن المقالة؛ فقد جرب كتابة المقالة الإصلاحية والاجتماعية والوطنية و"كان في هذه المضامين جميعها كاتباً بليغاً يتعمق الفكرة، ويملك ناصية البيان، وإن من يقرأ مقالاته يظفر فيها بما يُغذي قلبه من أفكار، وبما يمتع حسّه من جمال" . مثلما يذكر الدكتور محمد بن سمينة،وقد أشرنا لعدد من مقالاته حين تكلمنا عن السنوسي الصحافي.

ثالثا - السنوسي الشاعر:

بدأ السنوسي قرض الشعر في المراحل العمرية الأولى له أيام كان طالبا بقسنطينة بمعهد الشيخ ابن باديس؛وقد تحدث هو ذاته عن هذا في كتابه شعراء الجزائر في العصر الحاضر عن بداية تعاطيه قرضَ الشعر، فذكر أن "ذلك يعود إلى أيّام الطلب في مجالس الإمام ابن باديس، إذ كان الإمام يُشجّع طُلابَه على تعاطي الخطابة ونظم الشعر، فكان يُعطيهم بعض الأبيات من شعر الفحول، ثم يطلب منهم تشطيرها أو تخميسها، ثم ينظر في صَنيعهم، فيجَازي المُجدين منهم" ، ومن هذه البدايات تدرج السنوسي في هذا الطريق إلى أن أجاد هذه الصنعة، فشارك بنتاجه في معظم ما تناوله شُعراء جِيله من قصائد إصلاحية واجتماعية ، وطنية وقومية، ذاتية وإنسانية.
نظم على الموزون المقفى وجدّد في موضوعاته، وجاء أكثرها في الموضوع الوطني، وفيه امتزاج بين الفخر والحماسة، والحث على النهوض للذود عن الوطن مذكرًا
بالأيام العربية الأولى، يقول :

ولدي فقدتكَ والحياةَ جميعَها في من فقدْتُ
يا ليتني لما احتضنتكَ للوداع هناك متّ
لم أنسَ وقفتَنا الرهيبةَ إذ أغالبُ ما كتمت
وجوانحي نارٌ يراق على جوانبهِنَّ زيت
الواجباتُ ملحَّةٌ وحنانُ قلبي لا يبتّ
غالبت في سِرِّي قضاءَ الله، لكنّي غُلبت
حقَّقتُ فيك بناظري فنظرتُ فيك وما نظرت
ذهب التأمُّل بي وفي الغَمَرات في الغاباتِ غِبت
وتصوَّرتْ لي وحشة الظلُمات والبينُ المشتّ
والريح بالأدواح تعصف عصفَها والكهفُ بيت
والثلج والبردُ المبرِّحُ في عزائمنا يفتّ
والقوتُ في الأجبال والغابات بالبلوَى يُلَتّ
ماذا أقول وطائفُ الأهوال سادَ وفيه حرْت
وأنا الأب العاني وقد عُقد اللسانُ وساد صمت
لم أنسَ وقفتَنا، وصبري خانه في الصدر كَبْت
وشبابكَ الغضُّ النضير يزينُه خلقٌ وسَمْت
والثورة انتشرتْ أشدَّ ضراوةً والمقْتُ مقت
والبغيُ منتشرٌ وليس لأي معقولٍ يمتّ
أعمارُ أبناء الجزائرِ في مشاهدِنا تُحَتّ
مثلُ الهشيم شبابُنا وشيوخُنا، طفلٌ وبنت

وقصيدة «الشهيد» تنهض على حوارية بين الشهيد وأبيه، فتميل قليلاً نحو السرد، وتتشكل بين النبرة الحماسية الصاخبة، والصوت الهادي الشفيف، وتشمل موضوعاته استنهاض الشباب،أما قصيدته مطلع الفجر فيقول فيها :

هبَّ النسيمُ مع الصباحْ والفجرُ في الآفاق لاحْ
وتمزقت حجُب الضبابِ تمزُّقًا بِيَدِ الرياح
وتقهقرَ الليلُ البهيمُ تقهقرًا ورمَى السلاح
وصحا الوجودُ وطار في جَوِّ المسرَّة ذو الجناح
واستأنفَ الشدْوَ الرخيم بلحنهِ طربًا وصاح
والوردُ بالريح الشذيَّة أو عبيرِ المسكِ فاح
والنبتُ فيما حوله اهتزَّ اهتزازًا في ارتياح
والماء فِضيُّ الرواءِ جرى مَعينًا بالرياح
سحَرَ العيونَ بريقُه فبريقُه نورٌ لياح
أمّا الخرير فصوتُه المنّانُ أنغامٌ فِصاح
والجوُّ راقَ صفاؤُه فهو انشراحٌ في انشراح
وعلى الجزائر شعَّتِ الأنوار من فجر الفلاح
فبدتْ جزائرُنا المليحةُ بين أسرابِ المِلاح
في البرِّ تظهر كالعروسِ وبحرُها نِعمَ الوشاح
انظرْ إذا طلعتْ عليها الشمس في رأْدِ الصباح
تَرَها مدينةَ فضَّةٍ والتِّبْرُ يصقلُها بِراح
قمْ في الصباح مبكِّرًا تنعمْ برونقِها المتاح
صورُ الطبيعة كلُّها برزت تزيِّن كلَّ ساح
غَنِّ الطبيعةَ واشْدُ شدوَ مُتيَّمٍ بالحبِّ باح
عذبُ اللحونِ ألذُّ في الأذواقِ من أكوابِ راح

وهي من النوع الرومانسي الحالم التواق إلى عوالم الأنس كما يريدها الشعراء.

أما قصيدته روحي إليكم فهي سير على منوال شعراء الفخر حيث يقول فيها :

تلك الأماني اللامعاتُ بُروقا
ألفَتْ فؤادًا لا يزال خفوقا
سارتْ هبوبًا كالنسيم لطافةً
وزكَتْ بقلبي كوثرًا ورحيقا
يعدو بها حادي الرجاء ولم تكن
عَرْجا لِتُمهلَ أو تملَّ طريقا
ولقد توقَّف والفؤاد مجدَّلٌ
بِيَد الحوادث ذاهلاً مَرْهوقا
تذري عليه من الدموع سواكبًا
حتى ترى فَنَنَ الرجاءِ وَرِيقا
وترفُّ خافقةً بأجنحةٍ لها
روحٌ تُروِّح عن فؤادي الضِّيقا
وتظلُّ تسقيني السُّلوَّ كأنه
بردٌ على كبدِ الحريق أُريقا
يا فتيةً نادمتُ في ظلِّ النُّهى
وشربتُ من كاساتهم إبريقا
ورتعتُ منهم روضةً شعريةً
مُلئتْ ورودًا غضَّة وشقيقا
وسألتهم شعرًا يُؤلَّف عقدُه
من كل معنًى في الشعور دقيقا
إن الفصاحةَ والبيان كلاهما
سهلٌ إذا كان اللسانُ فتيقا

وليس للسنوسي ديوان مطبوع يجمع شعره ،وأغلبية ما كتب من شعر لا يزال مبثوثاً في أحضان الصحف الوطنية، وفي مجلة (هُنا الجزائر) التي كانت تصدرها دار الإذاعة الفرنسية بالجزائر (1952-1962) وكذا في كتابه الشهير (شعراء الجزائر في العصر الحاضر)، وقد استمر السنوسي ينشط في مختلف هذه الميادين؛ في ميدان الصحافة، وفي مجال الإبداع الأدبي، إلى أن تعرض لحادث التسمم بالغاز في بيته، فأصيب بالشلل من جراء ذلك، إلى أن توفي –رحمه الله- ليلة الجمعة 17 رمضان 1394هـ/14 أكتوبر 1974م.

 

مصادر ومراجع المداخلة:

أولا- الكتب:

1- بوعمران الشيخ وآخرون، معجم مشاهير المغاربة ، جامعة الجزائر، 1995.
2- صالح خرفي، الشعر الجزائري الحديث، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1970.
3-صلاح مؤيد، الثورة في الأدب الجزائري، مكتبة النهضة المصرية،د ت.
4- عادل نويهض، معجم أعلام الجزائر، مؤسسة نويهـض الثقافية، بيروت، 1983.
5- فوزي مصمودي، تاريخ الصحافة والصحفيين في بسكرة وإقليمها، منشورات الجمعية الخلدونية للأبحاث والدراسات التاريخية، بسكرة، 2006.
6-محمد خير الدين، مذكرات، ج2، مطبعة دحلب، الجزائر،1985.
7-محمد الهادي السنوسي، شعراء الجزائر في العصر الحاضر، ج1، المطبعة التونسية،1926.

ثانيا-مواقع الإنترنيت:
1- موقع مجلة البصائر العدد: 475 مقال بعنوان أعلام من الجزائر : محمد الهادي السنوسي الزاهري بتاريخ 17-9-1429.من ttp://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=729
2-موقع مؤسسة البابطين http://www.almoajam.org/poet

آخر التغريدات: