محمد الهادي السنوسي الزاهري

بقلم: د.محمد ابن سمينة -

أولا - النشأة والتكوين:

ولد محمد الهادي بن علي بن محمد بن السنوسي الزاهري في: ربيع الأول 1320 هـ/13 جوان 1902م بقرية (ليانة) بالزاب الشرقي، ولاية بسكرة، الجزائر .

استهل تعلمه بحفظ القرآن الكريم وتلقي بعض المبادئ في العلوم الدينية واللُغوية عـلى يدي والده، ثم التحـق بدروس الإمام عبد الحميد بن باديس بمدينة قسنطينة في مطلع العشرينات من القرن الماضي، فلازمه حوالي سبع سنين، فكان لدروسه وتوجيهاته الأثر الطيب في إحداث نقلة كبيرة في حياته، مما هداه إلى المنهج القويم في العقيدة وفي الفكر وفي نظرته للحياة والناس، فساعده ذلك على الخروج مما كان مُنغمسًا فيه من أجواء بيئته الصُوفية. " كنت قبل صُحبتي لهذا الأستاذ الإمام ولوعًا بأباطيل الخرافيين من الطرقيين ، راسخ اليقين في الإيمان بطواغيت الدجالين، ولقد أصبحت والحمد لله حُرَّ الضمير والعقيدة والفكر، راسخ اليقين في أن الإسلام هو ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ، لا التصوُف وما يدّعيه الصوفيون أو المتصوفون" . عن كتابه (شعراء الجزائر في العصر الحاضر) ، ج1. ص:186. المطبعة التونسية. تونس 19260 .

حاول السنوسي أن يسافر إلى مصر طلبًا للمزيد من العلم والمعرفة فمنعته سلطات الاحتلال الفرنسي من ذلك، فعكف على عملية التحصيل الذاتي ومضى ينهل من معين كنوز الثقافة العربية الإسلامية، فكان من ذلك ما مكنه من توسيع زاده المعرفي.

ثانيا – في معترك الحياة العملية :

كان السنوسي- كمعظم أدباء جيل النهضة في الجزائر– قد دخل غمار الحياة العملية من باب الحركة الإصلاحية، ومضى يجاهد تحت رايتها على أكثر من صعيد : في مجال الوعظ والإرشاد، وفي حقل التربية والتعليم، وفي ميدان الإبداع الأدبي .

أ - السنوسي الداعية المصلح : كان السنوسي قد استهل نشاطه الإصلاحي في مدينة بسكرة في (أوائل العقد الثالث من القرن العشرين) إلى جانب بعض المصلحين الرُواد الذين كان يقود موكبهم الشيخ الطيب العقبي.، ثم أصدر ابن باديس جريدتيه: المنتقد، فالشهاب سنة 1925، فأصبح السنوسي واحدًا من المُحررين بهما، ويقوم إلى جانب ذلك بالتجوال في أرجاء البلاد لفائدتهما، معرفا بأهدافهما، داعيا إلى ما يدعوان إليه من نهضة وتحرر ، وإصلاح ووطنية.
كان السنوسي من بين المؤسسين لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين وأحد أعضائها العاملين، فأوفدته هذه الجمعية في إطار مشروعها الدعوي الإصلاحي إلى فرنسا ليسهم إلى جانب بعض شيوخها في عملية الوعظ والإرشاد والتوجيه والتكوين بين المغتربين.

ب - السنوسي المربي : كان إلى جانب نهوضه بهذا العمل الإصلاحي ينشط في حقل التربية والتعليم، فكان مُدرسًا في عدة مُدن ، تأتي الجزائر العاصمة في مُقدمتها، حيث كان مُعلمًا سنة 19288 بمدرسة (الشبيبة الإسلامية الجزائرية) فمديرًا لها، ثم باشر هذه المهمة في الثلاثينات بمدينة (تلمسان)، ثم بمدينة (سيدي بلعباس) ، وكلتا المدينتين من مدن الغرب الجزائري، وقد استقر بهذه المدينة الأخيرة سنين كان يزاوج فيها بين التعليم في مدرستها، وبين الوعظ والإرشاد في مسجدها، وبها تعرض لبعض الملاحقات من طرف البوليس الفرنسي ،  وبعض الضغوطات من محيطه ، مما اضطرّهُ إلى أن يُوقف نشاطه في هذا الميدان ، ويشتغل بعض الوقت بالتجارة ليلتحق من بعد في الخمسينات بالعمل في الإذاعة.. (ينظر محمد خير الدين: مُذكراتـه ج1 ص: 275 . مـطبعة دحلب. الـجزائر 1985 .

كانت ثورة نوفمبر المجيدة قد اندلعت في السنوات الأولى من هذه المرحلة، من حياة السنوسي ، فانضوى مناضلا - كمعظم الجزائريين - تحت لوائها، ولما استعاد الشعب الجزائري حُريته وسيادته استأنف حينئذ نشاطه التربوي في بعض الثانويات بالجزائر العاصمة، كما ازداد عطاؤه الأدبي في هذه الفترة .

السنوسي الأديب

كان السنوسي يجمع في عطائه الأدبي ما بين الشعر والنثر، فكان شاعرًا، وكاتبًا  وخطيبًا.
أولا - السنوسي الشاعر:

تحدث في كتابه (شعراء الجزائر في العصر الحاضر ج1 ص: 1877) عن بداية تعاطيه قرضَ الشعر، فذكر أن ذلك يعود إلى أيّام الطلب في مجالس الإمام ابن باديس، إذ كان الإمام يُشجّع طُلابَه على تعاطي الخطابة ونظم الشعر، فكان يُعطيهم بعض الأبيات من شعر الفحول، ثم يطلب منهم تشطيرها أو تخميسها، ثم ينظر في صَنيعهم، فيجَازي المُجدين منهم .ومن هذه البدايات تدرج السنوسي في هذا الطريق إلى أن أجاد هذه الصنعة، فشارك بنتاجه في معظم ما تناوله شُعراء جِيله (الاتجاه الإحيائي المُجدّد) من مضامين : إصلاحية واجتماعية ، وطنية وقومية ، ذاتية وإنسانية.

كان يُوقع شِعره في الصحف بإمضاء (شاعر المنتقد)، وهي أول صحيفة أصدرها ابن باديس، وكان السنوسي يتجول في أرجاء الوطن مروجًا لها.

ثانيا - السنوسي الكاتب :

كان للسنوسي إسهاماته في مجال النثر كما كانت له إبداعاته في ميدان الشعر ، وكانت له بذلك مشاركة  في جملة من الفنون النثرية من أهمها :

1)- فن الخطابة : فكان خطيبًا مصقعًا، قوي الشخصية، دامغ الحُجة، صادق الشعور، عميق الأفكار، بليغ العبارة، يرتجل الخطبة فيُجيد في اختيار معانيها، ويسمو في تدبيج صياغتها، مما جعل مُعظم خُطبه تتنزَّل المنزلة الحسنة من قلوب المتلقين.

2)- فن المقالة : كما شارك في كتابة جملة من أنواع المقالة، من بينها: (الإصلاحية والاجتماعية والوطنية)، وكان في هذه المضامين جميعها كاتباً بليغاً يتعمق الفكرة، ويملك ناصية البيان، وإن من يقرأ مقالاته يظفر فيها بما يُغذي قلبه من أفكار، وبما يمتع حسّه من جمال.

واستمر السنوسي ينشط في مختلف هذه الميادين الوطنية : في حقل التربية، وفي ميدان  الصحافة، وفي مجال الإبداع الأدبي، إلى أن تعرض لحادثة التسمم بالغاز، فأصيب بالشلل من جراء ذلك، فلازم بيته إلى أن توفي –رحمه الله- ليلة الجمعة 17 رمضان 1394هـ/14 أكتوبر 1974م. دفن بحي (القبة) بالجزائر العاصمة.

ثالثا - آثاره:

ليس للسنوسي ديوان مطبوع يضم شعره، ولا كتاب منشور يشتمل على نثره، ولا يزال معظم ذلك مبثوثاً في أحضان الصحف الوطنية، وفي مجلة (هُنا الجزائر) التي كانت تصدرها دار الإذاعة الفرنسية بالجزائر  (19522-1962).

وإذن فليس له من الأعمال المنشورة خارج إطار الصحف ، سوى بعض النصوص الشعرية والنثرية في بعض المراجع ، أو كتابه الشهير (شعراء الجزائر في العصر الحاضر) .
وقد جمع فيه تراجم لبعض شعراء مرحلة النهضة في الجزائر ، وبعض المختارات من شعرهم .

وقد جاء هذا الكتاب في جزأين، طبع الأول 1926بالمطبعة التونسية. وطبع الثاني 1927بمطبعة النهضة ، بتونس.

 

 

المصادر

إن المصدر الأساسي لنتاج السنوسي ونتاج معاصريه من الجزائريين : مصلحين وأدباء وسياسين، هو الصحف الوطنية

المراجع وأهمها

أ - كتب التراجم وهي :

1 - محمد الهادي السنوسي : شعراء الجزائر في العصر الحاضر ج1 ص  : 184.

2- عادل نويهض :معجم أعلام الجزائر ص: 157. مؤسسة نويهـض الثقافية -بيروت 1983.

3 - محمـد الأخضر عبد الـقادر السائحـي : روحي لكم ص:47. المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر 1986.

4- د/ بوعمران الشيخ وآخرون : معجم مشاهير المغاربة ص:290 . جامعة الجزائر 1995 .

ب - مراجع عامة وهي :

1- صلاح مؤيد : الثورة في الأدب الجزائري ص:19.مكتبة النهضة المصرية (د-ت).

2- د/ صالح خرفي : الشعر الجزائري الحديث- الشركة الوطنية للنشر والتوزيع. الجزائر، 1970.

3- د/ محمد ناصر (الشعر الجزائري الحديث اتجاهاته وخصائصه الفنية) رسالة دكتوراه الدولة-مخطوطة، جامعة الجزائر 1983.

4- محمد خير الدين :مذكرات ج2 ص:275مطبعة دحلب. الجزائر.. 1985

ج- رسائل جامعية:

1- عبد الحميد غنام (محمد الهادي السنوسي الزاهري وشعره) شهادة الدراسات المعمقة–مخطوطة، جامعة الجزائر 1986.

آخر التغريدات: