المرحوم الشيخ محمد الصالح رمضان: وجهوده في خدمة الدين والوطن والعلم

المرحوم الشيخ محمد الصالح رمضان: وجهوده في خدمة الدين والوطن والعلم

بقلم: د. محمد ابن سمينة -

لقد ظلت تربطني بالشيخ المرحوم (محمد الصالح المصلح ) صلة وطيدة تمتد على ما يقرب من أربعين عاما من الزمن (1970-2008)- ويمكن أن توصف هذه الصلة بأنها كانت كما تكون صلة التلميذ بأستاذه- وقد كنت طوال هذه المدة أقصده  _كما يقصده غيري من الباحثين الجامعيين والمثقفين والطلبة - للإفادة من علمه ، والاستنارة بتوجيهاته وخبراته ، فيما أود أن أكتب فيه، مما يرتبط بصلة بتاريخنا الوطني ، وبحركة النهضة الوطنية العامة السياسية والثقافية والأدبية وقضاياها وسير رجالاتها وجهادهم ومواقفهم، فكان - رحمه الله- الأب النصوح، والعالم المحقق، والمرجع الأمين..

وبعد ، فإن موت العلماء من أعظم ما تبتلى به الأمم في حياتها من خطوب .. ومن أشد ما تصاب به هذه الأمم من مصائب ..قال صلى الله عليه وسلم ً لموت قبيلة أيسر من  موت عالم ً (1)
يموت العلماء فيندثر العنصر الترابي بموتهم في عالم الشهادة ، ويبقى العنصر الروحي  منهم في عالم الغيب حيا لا يموت ، خالدا لا يبلى ، شاهدا على الجليل من مآثرهم ، والصالح من أعمالهم ، يبقى ذلك الجوهر الفرد حيا هنالك، حيث يفوز المؤمنون الصادقون برضوان الله ، وحيث ينعمون بما عند الله من عظيم الأجر، وجزيل المثوبة، وواسع المغفرة.

إن المقام- أبا عقبة - لا يتسع للحديث عن كل ما اضطلعت به في حياتك من مسؤوليات عظيمة .. ومهام نبيلة .. وعطاءات ندية ..، ولا يتسع لكل ما تجملت به شخصيتك  من مناقب كريمة .. وخلال حميدة .. ومآثر جليلة ..

و إن المرء أمام هذا الغنى وهذا التنوع اللذين تتميز بهما حياة المرحوم وشخصيته لا يجديه في الحديث عن ثراء سيرته وتعداد مناقبه ،  إلا أن يركب إلى ذلك مركب الإيجاز والقصد ، وإلا فإن الحديث عن ذلك قد يتشعب وقد يطول .. ولذلك فإن الحديث في الموضوع سيكون على النحو التالي : 

النشأة والتكوين

ولد الفقيد في الرابع والعشرين من شهر أكتوبر 1914م ببلدته القنطرة شرق جنوب مدينة بسكرة- الجزائر .

استهل تعلمه ببلدته في ( الكتاب ) ، فحفظ القرآن الكريم به ، ثم التحق بدروس الشيخ محمد الأمين سلطاني القنطري خريج جامع الزيتونة ، وكان في الوقت نفسه يتابع تعلمه الابتدائي في المدرسة الفرنسية إلى أن وصل إلى مستوى الشهادة الابتدائية ، ولكنه لم يحصل عليها (2) . ويذكر بعض الدارسين : أن الفقيد حصل على هذه الشهادة (3) . 

التحق الفقيد سنة 1934م بدروس الإمام عبد الحميد ابن باديس  التي كان يلقيها في الجامع الأخضر بقسنطينة ،  وفي غيره من مساجد المدينة ، فلازم الإمام  في هذه الدروس  ست سنين دأبا ، نهل خلالها ما نهل من علم الإمام وأفكاره وتوجيهاته . ثم واصل بعد ، عملية التحصيل العلمي بجهوده الذاتية، ولم يتح له أن يواصل دراسته-كغيره من معاصريه - بأية جامعة علمية داخل الوطن أو خارجه .خلافا لما ذكر بعضهم من أنه تخرج من جامع الزيتونة بتونس (4).

دخوله معترك الحياة الوطنية من بوابة الحركة الإصلاحية والرسالة  التربوية
كان المرحوم وهو يحضر هذه المجالس العلمية للإمام يقوم بمساعدته في الوقت نفسه بإلقاء بعض الدروس على طلبته في مسجد ( سيدي بومعزة ) .

كما أسند الإمام  أيضا له ولصديقه المرحوم محمد الغسيري 1937م القيام ببعض الدروس على طلبة مؤسسته التربوية ( مدرسة التربية والتعليم ) التي أسسها 1930م بقسنطينة .
كان الفقيد بهذا النشاط التربوي الذي شرع يقوم به يسجل الخطوات الأولى على طريق دخوله غمار الحياة العملية من عتبة هذا الحقل التربوي .

انتقل الفقيد  1944م إلى مدينة غليزان بالغرب الجزائري ليكون معلما ومديرا بالمدرسة الإصلاحية بها .

عين المرحوم في : 1946م مديرا لمدرسة (دار الحديث) بمدينة تلمسان ، تلك المدرسة التي تأتي في المرتبة الثانية في منظومة التعليم العربي الحر ، بالجزائر من حيث الأهمية التربوية والوطنية بعد أم المدارس ، المدرسة الباديسية ( مدرسة التربية والتعليم ) السابقة الذكر .
استمر الفقيد يواصل جهاده في هذا الحقل التربوي، فعين مفتشا جهويا للتعليم العربي الحر بتلمسان ، ثم عضوا في اللجنة التربوية العليا المشرفة على مدارس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين على المستوى الوطني .

عين في : 1953م مفتشا عاما لمنظومة التعليم العربي الحر ، وفي هذا العام أضيف له– إلى جانب المهام التربوية السابقة – مسؤولية الإشراف على إدارة (مدرسة عائشة أم المؤمنين  الرضية ) للبنات بتلمسان .

وكان الفقيد في هذه الفترة ينشط أيضا في منظمة الكشافة الإسلامية : مرشدا لبعض أفواجها ، وعضوا في قيادتها العامة .

واصل في أعقاب الاستقلال جهاده في الميدان التربوي ، فأصبح أستاذا في ثانوية (الشهيدة حسيبة بن بوعلي ) بحي القبة في الجزائر العاصمة ، وظل ينهض فيها بهذه الرسالة التربوية إلى أن أحيل على التقاعد 1979م .

إسهامات الفقيد في حركة الكفاح الوطني

1-مشاركته في ثورة نوفمبر المجيدة : كان المرحوم أحد أعلام الحركة الوطنية الحضارية (الحركة الإصلاحية ) ، فساهم عن طريق هذه الحركة بفاعلية في مختلف جوانب النهضة  الوطنية العامة : الإصلاحية والسياسية والاجتماعية والثقافية والأدبية، وكان له من هذا الطريق مشاركته في التمهيد لثورة نوفمبر المجيدة والإعداد لها ، ولما حان وقتها واندلع بركانها ،كان من الأوائل الذين سارعوا - منذ عامها الثاني (1955م)- إلى تلبية ندائها والنضال في صفوفها ، فكان مناضلا في المنظمة المدنية لجبهة التحرير الوطني ، عضوا في محكمة هذه الجبهة بالجزائر العاصمة (الولاية الرابعة)، وعضوا- في الوقت نفسه- في خلية الاتصال والأخبار بالولاية السادسة.
2- من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الكبر : واصل الفقيد جهاده في أعقاب  الاستقلال الوطني في بناء أركان الدولة الجزائرية الفتية ، فكان مديرا للتعليم الديني بوزارة الشؤون الدينية و الأوقاف. وعضوا في اللجنة المركزية لحزب جبهة التحرير الوطني .

وكان يسهم في هذه الفترة - إلى جانب نهوضه بتلكم المسؤوليات الوطنية المختلفة - في الميدان الاجتماعي والثقافي من خلال اضطلاعه بمهام عديدة في هذا المجال بصفته : عضوا في اتحاد الكتاب الجزائريين, في المجلس الإسلامي الأعلى ، في المجلس الوطني للثقافة ، في اللجنة الوطنية لليونسكو ، مستشارا لوزير الاتصال والثقافة . 

وقد اقتضت من المرحوم هذه المهام التي اضطلع بها أن يسافر ويرتحل - تنويعا لتجاربه وتعميقا لخبراته – فقام  في هذا الإطار بعدة رحلات داخلية في أنحاء عديدة من ربوع الوطن . وأخرى خارجية شملت عدة أقطار من الوطن العربي، من بينها : الحجاز ، مصر ، العراق ، المغرب ، تونس ، وغيرها.

وأما رحلاته إلى العالم الأجنبي ، فكانت إلى : إسبانيا ، إيطاليا ، فرنسا ، سويسرا ، بلجيكا ، بريطانيا ، بولونيا ، روسيا ، الأرجنتين ، الصين ، وغيرها ... (4).

معالم شخصية ومهام وطنية

نستخلص مما تقدم أن الفقيد- رحمه الله – قد نهض بما نهض به من جهود وإسهامات في مختلف مراحل النهضة الوطنية العامة ، وفي مرحلة الاستقلال، بصفته : عالما عاملا في الحقل الإصلاحي ، مجاهدا وطنيا في الميدان السياسي والكفاح الثوري ، مربيا خبيرا في الحقل التربوي والتعليمي  ، أديبا ملتزما من أبرز أعلام النهضة الأدبية الحديثة في الجزائر  .

ويمكن المزيد من إجلاء  صورة ذلك في المحاور التالية :

1-المصلح المستنير : كان الفقيد - رحمه الله- قد تربى منذ صغره على أيدي رواد الحركة الوطنية الحضارية ، ونشأ على فكرتهم ، فانتهج نهجهم في الفكر، والإصلاح، والوطنية، والسلوك .  يقول - رحمه الله - في هذا الصدد : » فتحت سمعي وبصري من الصغر على الحركة الإصلاحية السلفية التي تقودها جمعية العلماء « (5).

ويضيف أيضا مؤكدا هذا التوجه الفكري له، فيقول : » إن تأثير ابن باديس هو كل شيء في تكويني الشخصي والثقافي والسياسي عموما « (6).

وقد أمسى الفقيد- في كبره- بهذه النوعية من النشأة والتكوين والتوجيه والجهاد أحد أعضاء المجلس الإداري لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، فكان بذلك  - كسائر أعضاء  هذه الجمعية - المصلح المستنير ، الحريص على نشر العقيدة الإسلامية الصحيحة ، والدعوة  بالحسنى  إلى نبذ ما حاول بعض المشعوذين أن يلصقوه  بهذه العقيدة من مظاهر الشرك ، وضلالات البدع ..

2- الوطني الغيور : كان المرحوم المجاهد المنافح عن حرية وطنه وقيمه ، ومقومات شخصيته، وحقوقه، طوال مراحل الكفاح الوطني ، وبخاصة في مرحلتين اثنتين منها :

أ- مرحلة الجهاد الأصغر التي شهدت إسهاماته في النهضة الوطنية ، ثم التمهيد للثورة ، فالانضواء تحت لوائها والنضال في صفوفها .

ب- مرحلة الجهاد الأكبر التي كان للفقيد فيها- كما كان له في سابقتها- دوره الفاعل  من خلال مشاركته في عملية بناء صرح الدولة الجزائرية المستقلة الحديثة .

  3 - المربي الخبير :  نهض الفقيد بجهود محمودة - إلى جانب إخوانه أعلام النهضة الوطنية – في وضع اللبنات الأولى  لمنظومة التعليم العربي الحر في الجزائر ، و إرساء الأسس الصحيحة للمدرسة الجزائرية الحديثة ، و قد تحقق له ذلك من خلال  جملة من المهام التي اضطلع بها في الحقل التربوي : معلما ، ومديرا ، ومفتشا .

وقد قضى معظم مراحل حياته في هذا القطاع يحدب على تربية شباب الأمة وتعليمهم وتكوينهم طوال ما يربو على أربعين سنة ( من 1937م تاريخ التحاقه لأول مرة بالحقل التربوي ، وإلى 1979 م تاريخ إحالته على التقاعد ) .

4- الأديب الملتزم : كان للفقيد مشاركته الفاعلة في الميدان الأدبي ، وذلك من خلال إبداعه نتاجا وافرا في الصناعتين : في قرض الشعر، وفي تدبيج النثر.

فكان الشاعر الذي أبدع القصائد الطوال ، والمقطوعات الهادفة ، والأناشيد الملتزمة .

وكان الكاتب الذي دبج المقالة، والخطابة، والمحاضرة ، والقصة، والمسرحية، وأدب الرحلة، وأدب الرسالة، وغيرها من فنون النثر الأدبي الحديث .

وكان المرحوم منذ صغره يتمتع بحس فني وذوق أدبي ، وقد ساعده على تنمية هذا الجانب في شخصيته، اشتغاله في شبابه بحرفة النجارة على الخشب وحبه للطبيعة وميله إلى الرسم  وتذوقه الشعر و الموسيقى  والجمال (7).

فكان بذلك أحد أدباء  مرحلة الأربعينات، أدباء  الجيل الثالث- جيل الاتجاه الإحيائي المجدد- في حركة النهضة الأدبية الحديثة في الجزائر .

  5 –العالم المحقق والمرجع الأمين : كان الفقيد- رحمه الله مرجعا علميا للدارسين والباحثين الجامعيين –  أساتذة وطلابا – وغيرهم من المثقفين المهتمين بالبحث والدرس والتوثيق ، فكان هؤلاء يتوافدون على بيته ، قصد الإفادة العلمية والتحقيق الأمين لبعض المسائل المتصلة بتاريخنا الوطني وبالحركة الأدبية والنهضة العامة وقضاياها ورجالاتها، فكان هؤلاء الذين يقصدونه لهذا الغرض ، يجدونه في انتظارهم ، داره مفتحة أبوابها في   وجوههم ، معطرة أجواؤها لهم، فيستقبلهم فيها  بكامل الحفاوة وبالغ الترحاب، يفتح لهم قلبه وعقله ومكتبته، ثم يزودهم بالرأي السديد ، والتوجيه الصائب، والمنهج الصحيح، فيما يطرحون عليه من أسئلة في التاريخ والفكر والأدب ، وغير ذلك مما يتعلق بما يعنون به من أبحاث ويعالجونه من قضايا ..، ويعيرهم بكل أريحية وكرم وتشجيع كل ما يطلبون منه، مما يكونون في حاجة ماسة إليه في أبحاثهم ، من ذخائر مكتبته، من المصادر  والمراجع ، المفقودة، والدوريات والصحف النادرة ، ثم لا يفوته بعد، أن يكرم وفادتهم بإهدائه إياهم بعض مؤلفاته ، فلا يغادرون بيته ولا يغادرونه إلا وقد ظفروا بضالتهم  عنده، فيودعونه وقلوبهم تخفق بصادق الحب وخالص التقدير، وطيب الذكر ، شاكرين لفضيلته- رحمه الله- كرمه وسخاءه وإحسانه ، سائلين الله أن يحفظه، ويمد في عمره،  ويجزيه الجزاء الأوفى، فيمن رضي عنهم ورضوا عنه من عباده المخلصين .

وتحسن الإشارة في هذا الصدد إلى أن الفقيد يتميز من بين أمثاله من أعلام النهضة بهذه الأريحية المتميزة ، وهذه المعاملة الحسنة، لكل من يقصده ويحل بداره من طلاب العلم والمعرفة.
ولا يكاد الدارس يعثر على من ينافسه من معاصريه في هذه المكرمة، فيبلغ إلى ما بلغ إليه في هذا الباب من وجوه الفضل والإحسان ومد يد العون والمساعدة لكل من قصده من الباحثين  والدارسين ..

إهداء المرحوم مكتبته إلى  مكتبة الأرشيف الوطني وإلى بعض الدارسين

يملك الفقيد – رحمه الله - مكتبة غنية بأمهات الكتب ، زاخرة بمختلف المصادر والمراجع ، والصحف والدوريات ، فرأى في السنوات الأخيرة من عمره أن يتوج مسيرة حياته في خدمة العلم وأهله ، وترقية الوطن وتنوير أبنائه ، فقام في هذا الإطار - في صمت ودون إشهار- بإهدائه خزائن مكتبته إلى مكتبة الأرشيف الوطني ، لتكون ذخائرها وكنوزها في متناول جميع طلاب المعرفة والعلم من أبناء وطنه .

كما تكرم الفقيد في هذا الإطار بجزء من مخزون مكتبته على بعض الدارسين و الباحثين الجامعيين ، وغيرهم من المثقفين والمهتمين ، فمس صاحب هذه الكلمة شيء من عاطر هذه المكرمة في جملة من شملهم المرحوم بكرمه وسخائه ، وقد حدثني عن بعض من شملهم بهذا الفضل من هؤلاء ، جازاه الله عن الجميع خير الجزاء ، أمين ..

ثلاثة شهود .. وثلاث شهادات ..

1 - إن الزمان والمكان والإنسان - أبا عقبة – إن كلا من هذه الثلاثة تتسابق وتتنافس فيما بينها،  وكل منها يريد أن  يسبق غيره ليفوز بتسجيل شهادته على حسن سيرتك، ونبل أخلاقك ، وحميد فعالك ، وعاطر ذكرك ، وعظيم تراثك ، وصدق اعتزازك بخدمة الدين والوطن والعلم ..؟

ويفوز الزمان – أبا عقبة – في هذا السباق ، فيتقدم ليذكر ويشهد ويوقع بكل صدق واعتزاز وتقدير .. عما تتميز  به شخصيتك من كريم الخلال، وحميد الفعال، وجميل المناقب ..

إن الزمان - أيها الفقيد-  ليفخر أن يوقع على صفحات التاريخ المجيد هذه الشهادة عما كان لك من كرم العطاء ، وصالح العمل ، وصادق الولاء .. في خدمة الدين والوطن والعلم ، على امتداد ما يزيد على سبعين سنة.(من دخولك معترك الحياة الوطنية 1937م إلى وفاتك -رحمك الله - 2008م) .

2 - إن المكان- أيها الصالح المصلح-  على امتداد أرض وطنك ، من مدينة القنطرة الرابضة على سفح جبل الأوراس الأشم ، شرق جنوب الوطن ، مدينتك التي فتحت عينيك أول ما فتحتهما - وليدا مباركا- على زرقة سمائها وخصوبة تربتها، وظلال نخيل واديها، وشموخ جبالها، صنع الله الذي أتقن كل شيء ..من هنالك ، حيث وقف ذات يوم من 1947م، شاعر الجزائر الكبير محمد العيد آل خليفة يلقي قصيدته (فتح جديد)(8)، من  على منبر( مدرسة دار الهدى ) ، مرهصا بقرب اندلاع بركان الثورة من تلك الجبال الصامدة المنيعة، منذرا الظالمين بلظى نارها التي ستحرق صياصيهم وتدمر قلاعهم ، مبشرا شعبه بقرب انجلاء ليل الظلم ، وانبلاج فجر الحرية  :

نحن الجبال بنوا الجبال --- صد الجبال بنا حدا
من سامنا بإذاية فعلى --- الجبال قد اعتـدى
ومن استهان بنا استهان ---  بها فحل به الردى
لا خوف من ظلم الطريق --- فقد جلونا المقصدا

من هنالك .. من بلدتك القنطرة - أبا عقبة - إلى مدينة قسنطينة مهد العلم والعلماء  وعاصمة النهضة الثقافية في وطنك .. حيث لازمت سنين ستة في مساجدها مجالس العلم للإمام ابن باديس ، فنهلت فيها من العلم والفكر والأدب ما نهلت ، وتدرجت في تلك المسالك ما تدرجت ..  من هنالك .. إلى مدينة تلمسان عاصمة ( بني زيان)، ذات العطاءات الحضارية والأمجاد التاريخية ، المرابطة شمال غرب الوطن ، تلك الحاضرة التي أحبتك– أبا عقبة– فاحتضنتك ، وفتحت لك ذراعيها وصدرها، مرحبة بك على نغمات ألحان جمال طبيعتها ، وعبق عطر أزهارها ، ودماثة أخلاق أهلها - محتفية بك – مربيا ومديرا لمدرستيها : (مدرسة دار الحديث التاريخية للبنين ) ، ومدرسة (عائشة أم المؤمنين الرضية للبنات ) . من هنالك – أبا عقبة - إلى جزائر بني مزغنة : عاصمة الوطن  ، حيث مرقد الإمام العالم الصوفي الشيخ عبد الرحمن الثعالبي ، ومراقد غيره من العلماء والأولياء والصالحين.. إلى  هنالك ..حيث حملتك في العقود الأخيرة من حياتك أمواج الزمان ، وقادتك مواكب الجهاد ، فواصلت جهادك في مختلف ميادين الجهاد : نهوضا بالوطن وتنويرا لأبنائه  وذودا عن حقوقه .. فكنت الجواد ..وكنت الكريم .. وكنت المعطاء ...
من هذه الحواضر - أبا عقبة - وما يصلها من مدن بلادك وقراها .. على امتداد ربوع الوطن .. تلك الربوع التي شهدت أرضها وقع خطاك، وحصد أبناؤها  غلال زرع يداك،  وعم أهلها فيض نداك .. إن هذه الأماكن كلها – أيها الصالح المصلح - لتشهد وتعتز بعظيم  جهدك ، وكريم فضلك، في خدمة الدين ، والوطن ، والعلم .

3 - وإن الإنسان – أيها الفقيد العزيز - ممثلا في معظم أبناء وطنك يتسابقون كلهم  ويتساءلون : من منهم  يفوز بتكريمك وإكرامك في كثير من حواضر الوطن : في بسكرة النخيل ، ملكة الزيبان ومأوى ضريح ( الفاتح عقبة بن نافع ) ، وفي وادي سوف ( مدينة الألف قبة ) , وفي تلمسان (المنصورة) ذات المجد التليد ، وفي جزائر بني مزغنة المحروسة ، وفي غيرها من حواضر  الجزائر  العامرة ... ؟ .

إن أولئك الأهل ..- أبا عقبة - ومن ورائهم أبناؤهم وأحفادهم - وكلهم أبناؤك وأحفادك – يتسابقون جميعهم  إلى تكريمك تكريما ممهورة حروفه وكلماته ومعانيه بآيات من صادق  الحب ، وخالص التقدير، ودائم الوفاء ..

وعلى هذا الطريق - أيها الفقيد العزيز- قد سجل الكثير من معارفك وأصدقائك : محدثين ومعاصرين شهاداتهم على حسن مآثرك ، وعظيم فضلك ، وعاطر سيرتك ، وطيب ذكرك ..

آراء وشهادات ..

وإن لنا لرجاء عندك – أيها  الفقيد الصالح المصلح - أن تسمح لنا بأن نسمعك - وأنت في دار الحق ، دار الخلد، نزلا من عند الله  _  ونسمع هؤلاء الحضور الكرام في هذا المجلس التاريخي المهيب من أبنائك وإخوانك وعشيرتك .. نسمعك ونسمعهم بعض الشهادات  من بعض أصدقائك و أصفيائك ..

1 - ويلقانا في مقدمة ذلك : شهادة صديقك وصفيك وأخيك  الأستاذ محمد الغسيري - رحمه الله ، الذي يقول فيك : »  الأستاذ محمد صالح رمضان شاب كالشبان، ولكنه شاب محافظ كالشيوخ ، نحيل الجسم ، ضيئ  القسمات ، وسيط في القامات، ولكنه عظيم في القيم والمقامات ، فهو الذي لم يكونه إلا مجهوده الشخصي ، يحترف شؤون التربية والتعليم ، وله فيهما جليل الأثر ، وجميل الذكر ... « (9) .

2 -ويقول الشيخ أحمد حماني : » محمد الصالح رمضان من جلة أبناء الإمام الشيخ عبد الحميد ابن باديس ، ممن لم يرثوا عنه دينارا ولا درهما ، ولكن ورثوا مبادئ وأخلاقا وديانة وصدقا وصلابة ووفاء وعزما ... « (10) .

3 -ويقول الشيخ حمزة بوكوشة : » عرفت الأستاذ محمد الصالح رمضان أول ما عرفته من تلاميذ الجامع الأخضر ، فكان من التلاميذ الجادين النابهين ، وعرفته مربيا في مدارس جمعية العلماء ، وفي مدرسة ابن باديس بقسنطينة بالخصوص التي تعتبر أم المدارس فكان من أنجح المربين وخيرة المعلمين ...« (11) .

4 -ويقول سماحة الشيخ عبد الرحمن شيبان : » إن الشيخ محمد الصالح رمضان  الذي تودعه الجزائر اليوم ، إنما هو مجموعة من الفضائل والمكارم ، فأعلاها أنه من البقية الباقية من تلاميذ إمام النهضة الجزائرية المصلح الديني والاجتماعي العظيم الشيخ عبد الحميد ابن باديس ، عليهما كليهما رحمة الله ...« (12) .

5 -ويقول الدكتور أبو عمران الشيخ : » كان للشيخ محمد الصالح رمضان صفات خاصة امتاز بها : قد تحلى بالتواضع والنزاهة والإخلاص ، وحب الوطن والدين ، وحب المطالعة والنقد الموضوعي , والأعمال الصالحة ...« (13).

آثـار الفقيد

ترك الشيخ محمد الصالح - رحمه الله – الأديب الملتزم والعالم المحقق صاحب الإبداعات القيمة والتحقيقات الثمينة آثارا عديدة  في  حقل  التصنيف ، وفي ميدان التحقيق.

أولا – في مجال التصنيف : ترك الشيخ في هذا الحقل عدة أعمال نشر بعضها في جملة من الصحف الوطنية، وغيرها. ثم جمعها ونشرها من بعد ، في عدد من الكتب ، تتوزع على الفنون التالية : الدين ،  الأدب ، التاريخ ،الجغرافية ، وغيرها ،  من بينها :   

1- الناشئة المهاجرة (مسرحية ) : ط1 - مطبعة ابن خلدون تلمسان 1949 - ط2 المؤسسة الوطنية للكتاب الجزائر 1989 .

2- المولد النبوي الشريف ( مسرحية ) دار الأمة الجزائر  التاريخ  د- ت .

3- الذكرى الأدبية لزيارة الفرقة المصرية إلى تلمسان - ط1  مطبعة ابن خلدون تلمسان 1950 ، ط2  مؤسسة العصر - الجزائر  2003.

4- ألحان الفتوة – مجموعة شعرية - ط1 مطبعة ابن خلدون  تلمسان 1953 – ط2 مصر 1964 .

5- النصوص الأدبية ( أربعة أجزاء ) بالاشتراك مع الأستاذ توفيق شاهين – مصر لبنان 1964 .

6 - جغرافية الجزائر والعالم العربي  : ط1 مصر 1964 ط2 بيروت 1965.

7- المبادئ العامة للجغرافية : ط1 مصر 1965.

8- شهيد الكلمة  أخمد رضا حوحو : الجزائر 1984 .

9-  مغامرات كليب : ( قصص للأطفال ) الجزائر 1986 .

10 - الخنساء : (مسرحية ) الجزائر 1986.

11 - من وحي الرحلة : دار الأمة  الجزائر 199.6 .

12- إمام الجزائر الشيخ عبد الحميد ابن باديس بالاشتراك مع الدكتور عبد القادر فضيل- دار الأمة 1998.

13 - إسهامات في الكشافة  الإسلامية : مؤسسة العصر - الجزائر 2003.

14 - سوانح وارتسامات  عابر سبيل : (رحلة ) إلى بولونيا - نشر المجلس الأعلى للغة العربية الجزائر 2004  .

15- الإصلاح الإسلامي والتصوف المنحرف : منشورات ثالة 2002 الجزائر .

ثانيا – في ميدان التحقيق وإحياء التراث : عني المرحوم  في هذا المجال  بتحقيق جملة من الأعمال من تراث شيخه الإمام ابن باديس ، فكان بذلك السباق من بين أقرانه من أعلام النهضة الوطنية والدارسين المحدثين ، إلى تحقيق العديد من هذه الأعمال ونشرها.(14) ، وأهمها :
1-  العقائد الإسلامية : ط1 الجزائر 1963 ، ثم طبعت مرات عديدة في بعض البلاد العربية .
2 - تفسير ابن باديس : بالاشتراك مع توفيق شاهين ، طبعتان : مصرية 1964، ولبنانية  1971 ، ثم تعددت طبعاته في عدد من البلاد العربية . 

3- من هدي النبوة : (دراسات في الحديث الشريف ) بالاشتراك مع توفيق شاهين 1966 .
4 – رجال السلف ونساؤه : (تراجم صحابة وصحابيات ) ط1 مصر 1966 ، ط2  باتنة الجزائر د- ت.
5 - ومن تحقيقه في غير تراث ابن باديس  : قيامه بتحقيق ديوان الأمير عبد القادر : بالاشتراك مع محمد الأخضر السائحي - نشر مؤسسة الأمير 2001.

ثالثا - أعماله المخطوطة : تحسن الإشارة إلى أن للفقيد مجموعة من المحاضرات، وجملة من الأعمال والأبحاث والدراسات ، نشر بعضها في عدد من الجرائد والمجلات الحديثة والمعاصرة ، وما يزال بعضها مبثوثا في هذه الصحف ينتظر الجمع والتوثيق والنشر . ومما ذكره الفقيد من ذلك ، مما كان قد أعده للطبع  ولما يطبع ، هذه الكتب الآتية:

1 - ديوان شعر

2- من عيون بلادي

3-  من فصيح العربية في العامية الجزائرية : (مشروع معجم لغوي ) .

4- من غربل الناس نخلوه :(نظرات في كتاب- حياة كفاح- لأحمد توفيق المدني)(15) .

وإن الأمل كبير أن تتوجه عناية أسرة الفقيد، وغيرها من الباحثين والمؤسسات الوطنية المعنية ، إلى جمع ونشر كل ما كان قد كتب الفقيد المرحوم من أبحاث وأعمال ، ولم يمهله الأجل لتصل إليها يده وتأخذ بها إلى طريق النور ..، وذلك اعتزازا بتراث الفقيد ، وتقديرا لعطاءات الأعلام ، ووفاء لهم ، وخدمة لتراث الأمة ، وتنوير ا لأجيالها...

الخاتمة:

وبعد فقد ظللت أيها الفقيد العزيز تصارع الأمراض ، و تجهد نفسك ، وترهق جسدك إلى آخر الأيام من عمرك- وقد نيفت على التسعين من السنين - ظللت تخدم دينك وترفع من شأنه ، وترقى بوطنك وتغار على أصالته ومقومات شخصيته، وتذود عن حقوقه ، وتنشر العلم وتحض أبناء أمتك على المزيد من بذل الجهد في طلبه .. وتوصيهم بفعل الخيرات وعمل الصالحات وتوطيد حسن الصلات وأوثق العرى ، فيما بينهم و بين غيرهم ، ممن ألقوا إليهم السلم  وأحسنوا إليهم ، من مختلف أبناء الملل والنحل..

لقد ظللت أيها الفقيد تحافظ على هذه  الصلة الطيبة التي تشدك بقوة إلى خدمة مقاصدك هذه  الثلاثة : الدين ، والوطن ، والعلم .. ظللت تحافظ على حضور الملتقيات العلمية والندوات الفكرية والأيام الدراسية، تلك التي ينظمها بخاصة المجلس الإسلامي الأعلى وغيره من المؤسسات الوطنية : محاضرا ومعقبا ومستمعا . وإن الكثير ممن تربطهم بك صلة يعرفون لك ذلك، ويذكرون أن آخر محاضرة كنت من شهودها ، تلك التي ختم بها هذا المجلس الموقر نشاطه الثقافي لهذه السنة : 2008م ، وقد كان ذلك يوم الأحد الخامس والعشرين من جمادى الثانية 1429هـ ، التاسع والعشرين من جوان 2008 م ، أي قبل أقل من خمس وعشرين يوما من تاريخ وفاتك -  رحمك الله – ليلة الأربعاء 20 من رجب  (شهر الله ) 1429 هـ/ 23 جوليت 2008 م .

رحمك الله- أبا عقبة- وأسكنك فسيح جنانه، ورزق الصبر والسلوان ذويك وأهلك. وكل أبناء وطنك وأبناء أمتك ذووك وأهلك – ولتهنأ - أبا عقبة - في دار الخلد ، ولتقر عينا بما حباك الله به في جنة الفردوس الأعلى ، من  نعم سحب الرحمة  وجزيل المغفرة ، وفيوض الرضى والرضوان، مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين .. وحسن أولئك رفيقا .. آمين ، والحمد الله رب العالمين.

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحابته والتابعين بإحسان إلى يوم الدين.

 

الهوامش :

1-  أخرجه الطبراني وابن عبد البر من حديث أبي الدرداء .

2- ينظر : محمد الصالح رمضان في نظر زمرة من أصدقائه ومعارفه والدارسين لأعماله والباحثين ص : 17 منشورات ثالة- الجزائر 2004.

3- ينظر رابح خدوسي : موسوعة العلماء والأدباء الجزائريين ص: 179 منشورات دار الحضارة 2003.
الهوامش :
4-5-6-7 ينظر :  محمد الصالح رمضان في نظر زمرة من أصدقائه ..(مصدر سابق )  ص: 96-19- 21 - 32.

8- ديوانه ص: 181

9-10-11 ينظر : محمد الصالح رمضان في نظر زمرة من أصدقائه .. ص: 37-47 - 60 .

12-13- ينظر : البصائر ع: 402 ( 25 رجب – 02 شعبان 1429هـ )

14-كان الأديب الشهيد أحمد بوشمال هو أول من نشر شيئا من تفسير الإمام ابن باديس .

15- ينظر : رمضان في نظر زمرة من أصدقائه .. ( مصدر سابق ) ص: 12 .

آخر التغريدات: