الدكتور عبد الله حمادي: ابن باديس تبنى خطابا ذكيا استعدى فيه فرنسا الحضارية على الاستعمارية

حاوره: لقمان قوادري -

يكشف الدكتور عبد الله حمادي، في هذا الحوار مع النصر، عن فصول جديدة حول حياة العلامة الراحل الإمام عبد الحميد بن باديس، وعن ما تلقاه من أذى من الأوساط الثقافية العربية وأعيان مدينة قسنطينة، كما يتحدث الباحث وهو الذي نشر كتابا مؤخرا عن مسيرة وسيرة العلامة، عن خطابه الذكي الذي كان    يستعدي فيه فرنسا الحضارة على فرنسا الاستعمارية، لكنه أبرز بأن لغة المهادنة لم تدم طويلا وسرعان ما تحوّلت إلى خطاب عدائي صدامي مباشر، أدى بالسلطات الإستعمارية إلى التخطيط لاغتياله.

النصر: هل ما يزال ابن باديس مجهولا وموضوعا للكتابة؟

عبد الله حمادي: نعم بالتأكيد بن باديس مازال موضوعا ثريا للكتابة والبحث، كما توجد العديد من الفصول المجهولة لعائلته، توجد العديد من الإشكاليات والمراحل التي تستحق إعداد كتبا كاملة حولها، فمثلا رحلات ابن باديس إلى المدن الجزائرية تحتاج إلى كتابة، فقد كان يدون انطباعته عن كل مدينة ويتحدث عن مشاكلها ويصف حالها،...أنا  أحاول في كل مناسبة أن أكتب شيئا جديدا عن ابن باديس، و أثير إشكالية من إشكاليات العلامة، طبعا ليس بما هو متعارف عليه وماهو تقليدي، فمثلا لقد أثرت في كتابي الأخير حياة ابن باديس لما عاد إلى قسنطينة بشهادة من جامع الزيتونة بتونس ، حيث لم يحظ باستقبال جيد من طرف أعيان ومثقفي المدينة وشيوخ الزوايا و كذا من حفظة ومعلمي القرآن، إذ تم ترويج إشاعات من طرف الأوساط الثقافية السائدة آنذاك بدافع الغيرة والحسد،  بأن والده هو من اشترى له هذه الشهادة، خاصة وأنه هو أول طالب جزائري نال شرف الحصول على هذه  الإجازة بتفوق، كما أنه كان الأول في دفعته.

من هي الأوساط الثقافية التي شككت في الإجازة التي تحصل عليها ابن باديس؟

الإشاعة بدأت من الأوساط الثقافية، التي هي في الأصل من  أبناء عائلات قسنطينة  والنخبة المعربة،  فضلا عن مفتي قسنطينة المولود بن موهوب، لأن التيار  المفرنس، لم يكن موجودا  وظهر ما بعد الحرب العالمية الأولى، حيث اتهم ابن باديس بعدم الكفاءة وقالوا كيف لهذا الشاب أن يصبح عالما، وطالبوا منه أن يأتي بتزكيات من  المشرق، و توجد أدلة بأن  سفره إلى الحجاز لم يكن لأداء فريضة الحج، بقدر الالتحاق بأستاذه بلونيسي حمدان للحصول على تزكية من أجل التدريس، وهو الذي نصحه من قبل بعدم التوظيف في الرسمي في حال أراد أن يبقى حرا ونقيا في فكره، وظل ابن باديس متمسكا بالنصيحة، لكن بلونيسي رفض أن يمنحه التزكية، بل أعطاه رسالة فيها توصية إلى الشيخ بخيت في القاهرة.

لماذا رفض أستاذه منحه التزكية؟

رفض لأنه كان يظن أن ابن باديس يريد أن يفتك منصبا للتدريس في هذا الوسط المحتكر من طرف شيوخ الزوايا والمفتشين المنصبين من طرف فرنسا، وتؤكد الروايات والمعلومات، بأنه لما عاد بالتزكية من مصر، فقد  وصل الصراع إلى أشده  ولم يفتك  منصب المدرس، إلا بعد أن فرضت عليه هذه المجموعة أن يمتحن من طرف لجنة يترأسها مفتي قسنطينة، وهو ما حدث حيث اخضع الشيخ إلى امتحان طويل شمل جميع المجالات، واستمر من صلاة الظهر إلى غاية المغرب، وأظهر بعدها تفوقا كبيرا في هذا اللقاء، ولم يترك أي مجال للخطأ أمام ممتحنيه، وانطلق بعدها في التدريس.

أثير مؤخرا جدل حول شخصية ابن باديس وكيفية تبنيه لخطاب مهادنة مع فرنسا ؟ ما هي مقاربتك حول الأمر؟

ابن باديس رفض من بداية مساره كل ما يأتي من فرنسا، حتى أنه كثيرا ما قال لو أن فرنسا قالت له قل لا إله إلا الله لما قالها، كما رفض طلب السلطات الاستعمارية المتعلقة بإدراج مادة اللغة الفرنسية في مقررات مدرسة التربية والتعليم، ومن هنا نقول أنه ابتداء من هنا خرج على خط العائلة،.. ابن باديس، وصل إلى نتيجة وكان له الكثير من الذكاء والفطنة،  بأنه كان تقريبا يتجنب المواجهة الصدامية المباشرة مع فرنسا، وإنما اتخذ أسلوبا لم يستمر وتغير وتدرج في عملية الرفض والابتعاد عن الاستعمار والتلميح بالمواجهة، في البداية كان مهادنا كان يستعمل طريقة يشتكي فيها لفرنسا الحضارة من فرنسا الاستعمارية، يقول مثلا في أحد مقالاته، أن أهل فرنسا في باريس الذين ينتمون إلى الحضارة، والذين يدافعون عن الحقوق والحريات ما كانوا ليقدموا على غلق مدرسة تفتحها لتثقيف الناس، لكن هؤلاء الذين هنا في الجزائر هم أقل حضارة وأقل ثقافة وتفهما من الفرنسيين المتحضرين، إذا فهو خطاب يستعدي فيه فرنسا الحضارة على فرنسا الكولونيالية كمن يستجير من الرمضاء بالنار، وهو لجأ إلى هذا الأسلوب وكأنه يقول تعالوا وانظروا  ماذا يفعلون هل يا ترى لو كنتم هنا سترضون بهذه الأحكام.
...ابن باديس، كانت له مواقف معادية لكن ليست صدامية لا يكتب كلمة تسيء مباشرة إلى فرنسا وكان يسيء إليها بالتلميح فقط، فرنسا كانت تتابع كل كلمة عن ابن باديس عن طريق مترجميها وابن باديس، تحدث أيضا عن مضار المترجمين، و كثيرا ما اشتكى في مقالاته عن تحريف مقاصده،  كما خاطب الشيخ فرنسا بالمنطق واستعمل كثيرا من المنطق الديكارتي، لأنه يعرف بأن الفرنسيين عقلانيين، لكنه مع الوقت عرف بأن فرنسا لن تقدم شيئا باستعمال اللين مع الجزائريين.

كيف تطوّر خطاب ابن باديس العدائي نحو فرنسا؟

في حادثة اليهود مثلا، و التي خصتها جمعية العلماء بمساحة كبيرة من التغطية، تدخل ابن جلول وهو ابن خالة الشيخ لتهدئة الأوضاع بين اليهود والمسلمين، وطلب من ابن باديس أن يلعب دور في تهدئة الوضع، يقول ابن باديس، بأنه نبه الوالي إلى أن اليهود يحملون السلاح في حين أن المسلمين عزل ، وقال له إذا أردت أن يستتب الأمن، لابد أن يكون الجميع بدون سلاح، فكان رد الحاكم بأنه لا يستطيع أن يفعل ذلك، فاليهود مواطنون وأنتم أهالي، وبالتالي جرحت هذه الكلمة الإمام ، في سيدي عقبة أيضا منع من الدخول إلى المسجد، واصطدم مع أحد الجنود، وقال له لما منعه من الدخول ، من أنت ومن تكون وماذا تفعل هنا في بلدي، أنا جزائري ابن هذا البلد وعربي مسلم،.. هناك العديد من المواقف التي تحسب له.
أيضا، وتأتي حادثة المؤتمر الإسلامي، التي توحد فيه رأي الجزائريين من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، لإحراج فرنسا  وأجمعوا على ضرورة أن يطالبوا بأن تمنحهم نفس الحقوق التي يتمتع بها اليهود على الأقل، لكن فرنسا رفضت كل شيء، وخلقت فتنة بين الجمعية وبن جلول الذي كان زعيم نواب المدينة من جهة والزوايا من جهة أخرى، لتتوسع الفجوة ودخل النواب الذين كان يستعملهم ابن باديس لإيصال مطالب الشعب، في عداوة مع ابن باديس وهو الأمر الذي سعت إليه فرنسا حتى لا تكون له أي علاقة مع النواب الذين  كان ينقلون مطالب الأنديجان، لكن ابن باديس كان  في كل مرة يجدد محاولات ربط العلاقات مع مختلف التيارات لكن فرنسا طالما أفسدت العلاقة، إلى درجة أن شيوخ الزوايا والمثقفين حرروا وثيقة أرسلت إلى السلطات الفرنسية، يقولون فيها بأن ابن باديس لا يمثل الإسلام في الجزائر، وليس من حقه أن يتكلم باسم المسلمين.

.... من مواقفه التي سجلها التاريخ، أن حاكم الجزائر قال له فرنسا لديها مدافع فرد ابن باديس  وقال نحن أيضا فقال الآخر عن أي مدافع تتحدث، فقال الشيخ  نحن لدينا مدافع الله، وفي سنة 1937 استدعاه الحاكم العام، وخاطبه قائلا  يا ابن أخي وعرض عليه الإقامة في فور دولو بقصر وتقدم له كل الخدمات، كما طلب منه قائمة بأسماء أعضاء الجمعية لمنحهم مناصب وإغلاقها، فرفض رفضا صريحا.

هو أيضا من طالب مباشرة بتعريب الوثائق، وبرر ذلك بأن الشعب الجزائري ليس مطالبا أن يفهم اللغة الفرنسية، و ترسل له دعوات إلى المحاكم مثلا دون أن يفهم مضمونها، حيث كتب في مقالات له مخاطبا فرنسا بأنه من حق هذا الشعب أن يخاطب باللغة التي يفهمها، كما كتب مقالا في البصائر أما لنا أن نغسل أيدينا من فرنسا ، كما هاجم دعاة الاندماج بن جلول وفرحات عباس.

إذا ابن باديس كان ضد التيار الاندماجي؟

هو لم يكن يتفق مع الاندماجيين على الإطلاق، وقال بأن الجزائر لا يجب أن تكون فرنسا وأعلن صراحة القطيعة مع فرنسا، وهاجم فرحات عباس هجوما شديدا، لما قال بأن هذا البلد ليس له تاريخ، ما اضطره إلى كتابة مقال اعتذر فيه عن ما صرح وذهب الأمر بفرحات عباس إلى أن زار مقر البصائر وغير رأيه تماما فيما تعلمه من المدارس الفرنسية، فابن باديس استعمل تدرجا في خطابه فكلما علق الشعب آماله على فرنسا، ويكون موقف فرنسا معاكسا لخاطبه، كلما صعد ابن باديس من لهجة خطابه وكأنه ينبه الجزائريين بأن لا أمل لهم في فرنسا، وتحدث بذلك صراحة منذ سنة 1936 إلى غاية وفاته.

كيف كانت وفاة ابن باديس وما هو المرض الذي أودى بحياته؟

لقد اختلفت الروايات حول مرضه، حيث قيل بأنه أصيب بالأنيميا لقلة غذائه ونومه، وابن جلول تحدث في نص التأبينة عن صحة ابن باديس، وقال بأنه في آواخر أيامه أصبح مرهقا جدا ولا يستطيع السير من دار التربية والتعليم إلى غاية المسجد الأخضر إلا بسيارة، كما ذكر ابن جلول وهو الطبيب، بأنه رفض أن يكشف عليه لعدم  الثقة فيه، لأنه تحالف مع الطرقية والزوايا ضده، كما نزل وزنه إلى 40 كيلوغراما، ويقال أيضا بأن حمل رغم أنفه إلى بيت العائلة بعد أن أوصى بأن يحمله طلبته بعد موته إلى المقبرة مباشرة، حيث تثبت الشهادات بأنه وهب ملابسه وجل مستلزماته إلى طلبته والشهادات الموثوقة تثبت ذلك،  كما أن المصادر تقول بأن أزيد من 100 ألف شخص حضروا جنازته وكان آنذاك عدد سكان قسنطينة لا يتجاوز 50 ألفا، ولو تريث والده بدفنه لتحول الأمر إلى مشكل أمني، إذ أن السلطات أمرت والده بالإسراع بدفنه، كما طلب من أهله أن يوقفوه في الدقائق الأخيرة من حياته ومات واقفا كما أراد.

أي أثر لابن باديس على مدينة قسنطينة التي ارتبط اسمها باسمه؟

يكفي أن الروايات التاريخية، لم تذكر قسنطينة كمدينة للعلم إلا في عصر ابن باديس، حيث جلب إليها مريدين ومثقفين وكون فيها المئات من الطلبة المتفوقين، لكن المدينة كانت معادية وظلت تكن له العداء حتى بعد وفاته، ومات غير راض عنها، لأن 90 بالمائة من سكانها كانوا معادين لأفكاره، ..... هو رمز فرض نفسه على المدينة بأثره الطيب ورسالته الجليلة التي مات من أجلها، ومحى كل مساوئ أهله وسكانها،... هو عبرة في السلوك والمواقف في الثبات على المبدأ في حب الوطن والتفاني في الوصول إلى الغايات، كان قدوة يحتذى بها وشخصية محترمة جدا حتى أنه لما أراد أن يشتري بناية التربية والتعليم في مزاد علني كانت امرأة غنية تنافسه فيها و تزايد عليه في الثمن كل مرة، ثم غادرت بعد أن سألت عن الرجل صاحب اللحية السوداء، وعلمت بأنه ابن باديس يريد أن يشتريها ليدرس فيها أولاد المسلمين.

كيف يمكن الحديث عن جمعية العلماء المسلمين بين الأمس واليوم؟ وكيف تقيّم موقفها حول الثورة خلال أيامها الأولى؟

أنا أقول بأن ابن باديس لو امتد به العمر إلى سنة 1954 لكان قد دعم الثورة بكل ما أوتي من قوة، مواقفه وعدائيته لفرنسا الاستعمارية تؤكد ذلك... نعم الكل يعرف ذلك البيان الذي أصدرته الجمعية في أوائل نوفمبر، لكن لا أستطيع أن أتحدث عن الأمر لأن دراستي التاريخية، توقفت عند وفاة مؤسسها ورئيسها الأول. 

آخر التغريدات: