العلاّمة عبد الرحمن الـحاج صالح وجهوده في خدمة علوم اللسان

بقلم: محمد سيف الإسلام بوفلاقة

توفي يوم الأحد6 جمادى الثانية 1438هـ، الموافق لـ5 آذار/مارس2017م، العلاّمة اللغوي الجزائري الدكتور عبد الرحمن الحاج صالح، رئيس المجمع الجزائري للغة العربية، وقد كان عالماً كبيراً بارعاً في علم اللسانيات، وأحد كبار الأكاديميين الجزائريين الذين أسسوا هذا التخصص العلمي في الجزائر، وقد حقق الدكتور عبد الرحمن الحاج صالح في مشواره العلمي، والأكاديمي الطويل إنجازات كبيرة، ومتميزة، قدم من خلالها بإخلاص شديد، ودقة متناهية إضافات علمية ثمينة خدم بها علوم اللسان خدمات جمة، فهو عالم جليل، وأستاذ بار بأبنائه جميعاً، وقد كان مصدر عطاء علمي، وإنساني فياض، وعاش حياة حافلة بالجهد، والمعاناة.

ولد عبد الرحمن الحاج صالح سنة:1927م، بمدينة:«وهران»، التي تعرف باسم عاصمة الغرب الجزائري، وهو ينتمي إلى عائلة عريقة، ومعروفة، نزح أسلافها من قلعة بني راشد المشهورة في بداية القرن التاسع عشر، زاول تعليمه الابتدائي في المدارس الحكومية، ثم انتقل للدراسة في المدارس الحرة التي أنشأتها جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وذلك لتعلم اللغة العربية وآدابها، وعلوم الشريعة، وسرعان ما انضم في شبابه إلى حزب الشعب الجزائري، وعمل مناضلاً بسيطاً في صفوفه، إيماناً منه بقضية الشعب الجزائري العادلة، وفي سنة:1947م، انتقل إلى مصر، بسبب تضييق السلطات الاستعمارية الفرنسية عليه، وانتسب هناك إلى كلية اللغة العربية بجامعة الأزهر، حيث اكتشف الأهمية الاستثنائية للتراث العلمي اللغوي العربي، غير أنه لم يتمكن من إكمال دراسته بمصر، فالتحق بجامعة بوردو في فرنسا، ثم سافر إلى المغرب الأقصى، وعمل أستاذاً في التعليم الثانوي، كما درس الرياضيات في أقسام العلوم، وبعد أن حصل على شهادة التبريز في اللغة العربية، درّس اللسانيات باللغة العربية في كلية الآداب بالرباط أول مرة سنة:1960م، وبعد استقلال الجزائر سنة:1962م، عمل أستاذاً باحثاً في جامعة الجزائر، ورأس قسم اللغة العربية، واللسانيات سنة:1964م، ثم انتخب عميداً لكلية الآداب، وقد انتقل إلى عدة دول غربية، وعمل أستاذاً زائراً في جامعة فلوريدا، وبعد أن عاد إلى وطنه الجزائر أسس معهداً للعلوم اللسانية، والصوتية، وأسس مجلة اللسانيات، التي حظيت بسمعة علمية مرموقة في الوطن العربي، والعالم الغربي.

عين عضواً في مجمع اللغة العربية بدمشق سنة:1978م، ومجمع بغداد عام:1980م، ومجمع عمّان سنة:1984م، وفي سنة:1988م عين الدكتور عبد الرحمن الحاج صالح عضواً مراسلاً بمجمع اللغة العربية بالقاهرة، ثم انتخب عضواً عاملاً به في سنة:2003م، في المكان الذي خلا بوفاة العلاّمة الدكتور إبراهيم السامرائي، وفي سنة:2000م، عين رئيساً للمجمع الجزائري للغة العربية.

ولا يختلف اثنان في أن أهم مشروع علمي شغل اهتمام الدكتور عبد الرحمن الحاج صالح، هو مشروع الإنترنت العربي، أو الذخيرة اللغوية للغة العربية منذ العصور القديمة، إلى أيامنا هذه، فقد ركز الدكتور الحاج الصالح من خلال رغبته في تجسيد هذا المشروع على تكنولوجيات الاتصال الحديثة، ومدى إمكانية توظيفها في خدمة اللغة العربية من خلال حوسبتها، فهو يرى أن الذخيرة العربية يفترض أن تكون تمثيلاً حقيقياً لاستعمالات العربية عبر سلاسل زمنية متتالية من خلال حصر جميع الألفاظ التي وردت في المعاجم العربية، واستعملت في المصادر العربية القديمة، فالمحتوى العربي الإلكتروني هو مدونة حية يتم الانطلاق منها في دراسة الظاهرة الدلالية، حيث إن مشروع «الذخيرة العربية»، يعُرف بأنه عبارة عن«بنك آلي من النصوص العربية القديمة والحديثة مما أنتجه الفكر العربي، فهو ديوان العرب في عصرنا فسيكون آلياً أي محسوباً وعلى شبكة الأنترنت، وهو بنك آلي أي قاعدة معطيات حسب تعبير الاختصاصيين في الحاسوبيات، وهو بنك نصوص لا بنك مفردات، أي ليس مجرد قاموس، بل مجموعة من النصوص مندمجة حاسوبياً ليتمكن الحاسوب من المسح لكل النصوص دفعة واحدة، أو لجزء منها، كبيراً كان أم صغيراً أو نصاً واحداً وغير ذلك، فهذا المسح الآلي للنصوص (العجيب السرعة) هو شبيه بالمسح المؤدي إلى فهرسة الأعلام والمفاهيم، وأسماء الأماكن، وغير ذلك من جهة، أي إلى استخراج كل هذا، وحصره وترتيبه مع شيء إضافي جديد، وهو استحضار سياقاته، وذكر المرجع الكامل الدقيق. ويزيد على ذلك الحاسوب الإحصاء، وتحديد تردد العناصر في النص الواحد، أو في أكثر من نص، للذخيرة صفة أخرى تمتاز بها عن غيرها، وهي أنها ذخيرة مفتوحة على المستقبل غير معّلقة مثل أكثر ما هو مكتوب فهي قابلة للزيادة، والتجديد للمعلومات العلمية، والتقنية، وفوق كل شيء قابلة لتصليح الأخطاء في كل وقت.

وبالنسبة إلى محتوى الذخيرة، فهي تنقسم إلى جانبين:

- ثقافي (علمي تربوي)، وجانب خاص باللغة العربية، وذلك بحسب توظيفها، ونوعية الأسئلة الملقاة عليها، إلا أن محتواها من النصوص يُهم الجانبين معاً.

فسيكون فيها في المرحلة الأولى والثانية (وربما تكفي الأولى بالنسبة للتراث):

- النص القرآني بالقراءات السبع وكتب الحديث الستة.

- أهم المعاجم اللغوية (الوحيدة اللغة والمزدوجة).

- الموسوعات الكبرى العامة العربية الأصل والمنقولة عن اللغات الأخرى.

- عينة من الكتب المدرسية والجامعية القيمة (الرائجة في الوطن العربي أو في بلد واحد).

- عينة من الكتب الخاصة بإكساب بعض المهارات (منها تعليم اللغة العربية) على الطريقة الحاسوبية.

- عينة من الكتب التقانية القيمة.

- عينة كبيرة من البحوث العلمية، والثقافية القيمة المنشورة في المجلات المتخصصة.

- عينة كبيرة من المقالات الإعلامية الصحفية والإذاعية والتلفزيونية والحوارات والمداخلات المنطوقة في اللقاءات العلمية وغيرها.

- أهم ما حُقّق ونُشر من كتب التراث الأدبية (والشعرية خاصة) والعلمية، والتقنية من الجاهلية إلى عصر النهضة.

وحجم هذه النصوص هو -حتى في المرحلة الأولى- ضخم جداً، ويبرر أصحاب المشروع هذا الحجم الكبير جداً بضرورة التغطية الواسعة للاستعمال الحقيقي للغة العربية قديماً وحديثاً، لأنه يمثل أولاً اللغة الحية النابضة بالحياة في كل الوطن العربي، وثانياً أفكار العرب وتصوراتهم، وفنونهم، وعلومهم، وأحوال حياتهم الاجتماعية، والدينية، والسياسية، وبالتالي تاريخهم الاجتماعي وتطور كل ذلك عبر الزمن» (يُنظر: من أخبار مشروع الذخيرة العربية (أو الانترنت العربي)، وثيقة رسمية أعدت من طرف مجموعة من الخبراء بطلب من الأمين العام لجامعة الدول العربية لدراسة هذا المشروع وتقديمه للجامعة، مجلة المجمع الجزائري للغة العربية، العدد الثاني، ذو القعدة 1426هـ/ديسمبر2005م، ص:263 وما بعدها).

وفيما يتعلق بأهداف الذخيرة المحوسبة وفوائدها، فمن الجانب الثقافي «فهدف الذخيرة هو تمكين أي باحث، أو طالب، أو تلميذ (وأي مواطن) أن يتحصل في وقت وجيز، وفي أي وقت المعلومات التي يحتاج إليها للقيام ببحث، أو إنجاز مشروع، أو لسد ثغرات في معلوماته، أو تحصيل كل ما جد في ميدان معين، أو استفسار عن معلومات في شتى الميادين في الوقت الحاضر، أو فيما مضى، وغير ذلك، ثم من جهة أخرى ولمن يرغب في ذلك: الحصول على مهارات معينة في ميادين معينة توجد فيها طرائق تعليم يتم بالحاسوب.

أما الجانب اللغوي فيمكن للباحث أن يتحصل على معلومات أيضاً في وقت وجيز ولولا الحاسوب لتعذر عليه ذلك تماماً في أغلب الأحوال، أو قضى للعثور على بغيته الأسابيع والشهور، وذلك لحصوله على معرفة وجود كلمة معينة أو عدم وجودها في نص أو عدة نصوص أو في عصر كامل وترددها إن وردت مع حصر جميع سياقاتها، وكذلك هو الأمر بالنسبة للجذور والصيغ، والتراكيب، وأنواع الأساليب، والأمثال وكل ما يخص اللغة، وعناصرها، وبناها، ومجاريها على اختلاف أنواعها.

ويعتقد مجموعة من الخبراء الذين يشرفون على مشروع الذخيرة اللغوية أنه سيكون دافعاً قوياً للكثير من الحركات، والأعمال العلمية، وغيرها:

- سيكون حافزاً قوياً لنشر اللغة العربية السليمة في جميع الميادين العلمية، والتكنولوجية.

- وحافزاً للشباب لاختيار الشعب العلمية، والتكنولوجية.

- وحافزاً قوياً لحركة تحقيق المخطوطات، وإحياء التراث.

- ودافعاً لتوحيد المصطلحات العلمية، والتقنية العربية.

- ودافعاً للتعريف الواسع، والعميق للتراث العربي.

- ومساعداً عظيماً لتوسيع معلومات النشء الصغير وطلاب الجامعات، والمثقفين عامة.

- ومساعداً عظيماً لا مفرّ منه لأعمال المجامع اللغوية العربية كمرجع موثوق به.

- ومساعداً في اكتساب المهارات في شتى الميادين.

- ومصدراً عظيماً لشتى الدراسات اللغوية، والاجتماعية، والتاريخية، والعلمية، وغير ذلك.

- ومصدراً آلياً، ومرجعاً لابد منه في صنع المعاجم على اختلاف أنواعها: المعجم التاريخي للغة العربية، معجم ألفاظ الحياة العامة، معجم المترادف والمشترك والمتجانس ومعاجم المعاني وغير ذلك» (يُنظر: من أخبار مشروع الذخيرة العربية (أو الانترنت العربي)، مجلة المجمع الجزائري للغة العربية، العدد الثاني، ذو القعدة1426هـ/ ديسمبر2005م، ص:266، وص:274).

كما اهتم العلاّمة الدكتور عبد الرحمن الحاج صالح في مسيرته العلمية بموضوع تدريس اللغات، وأثر التحكم اللغوي فيه، وذلك من خلال نشره مجموعة من الأبحاث، والمقالات، فقد كتب في سنوات السبعينيات مقالاً موسوماً بـ:«أثر اللسانيات في النهوض بمستوى مدرسي اللغة العربية» سلط فيه الأضواء على مختلف أطوار الكلام «بتحليل المادة اللغوية، وإظهار البنى النحوية والتحويلية وصولاً بالطالب إلى اكتساب ملكة اللغة عن طريق المران، أي القدرة على إنتاج التعبير السليم عن طريق التجريب، والدربة، وفي مقالة أخرى تحدث فيها عن (التحليل العلمي للنصوص بين علم الأسلوب وعلم الدلالة والبلاغة العربية)، وهو بحث في مستويات الدلالة، وجماليات الصياغة الأدبية للغة، ويساعد الطالب كثيراً على فهم طبيعة الكلام الأدبي الإيحائية، وبنيته التركيبية البلاغية المعقدة، كما تحدث عن «علم تدريس اللغات» بصفة عامة، وكيف راجت فيه الأبحاث بأوروبا، وما ينبغي له من العتاد المخبري لتمييز الأصوات اللغوية، وأشار كذلك إلى ما قدمه «معهد العلوم اللسانية» الذي كان يُشرف عليه العلاّمة الحاج صالح من البحوث في هذا المجال.

وفي بحث قدمه إلى اتحاد الجامعات العربية في ندوة خاصة بتدريس اللغة العربية، وسمه بـ: «الأسس العلمية لتطوير تدريس اللغة العربية» أكد الدكتور عبد الرحمن الحاج صالح على أن انخفاض المستوى في استعمال العربية يعد من المشكلات العويصة في مجتمعاتنا، وتتقاسم المسؤولية في ذلك عدة مؤسسات، فمنها ما يرتبط بكيفية استعمال الناس للعربية في المدارس، وفي الجامعة، وفي الحياة العامة، ثم مدى مشاركة العاميات، واللغات الأجنبية إياها في مختلف المستويات والبيئات، ومنها ما يتصل بالمحتوى اللغوي، ونوعيته في مناهج التدريس، أي بحجم الذخيرة اللغوية الصالحة للاستعمال، الموجهة للاكتساب في كل مرحلة من مراحل التعليم.

وقد لاحظ في هذا الصدد باحث في مكتب التعريب بالمغرب الأقصى نقصاً كبيراً في حجم المعارف التي تقدم إلى التلميذ في العالم العربي قياساً بمثيلتها المقدمة إلى أطفال أوروبا، وذكر أن حصيلة المصطلحات، والمدركات في جميع الكتب المدرسية (الابتدائية في الوطن العربي) لا تتجاوز ثمانمائة مدرك، بينما يتجمع في ذهن التلميذ في الغرب ألف وخمسمائة مصطلح، أو مدرك. ويمكن أن يُقاس على هذا الفارق ما يُقدم في مراحل التعليم الأخرى، فتتبين بذلك أسباب انخفاض المستوى عندنا كما صرح الكاتب. ويضيف الدكتور عبد الرحمن الحاج صالح ملاحظة أخرى على هذا الكم القليل المقدم إلى أطفالنا، وشبابنا بناءً على الإحصاء أيضاً، وهي«غزارة المادة اللغوية فيما لا يحتاج إليه المتعلم» كالألفاظ المترادفات الكثيرة، والألفاظ العقيمة التي هجرها الاستعمال. وهذا النقص الفادح في الذخيرة ليست اللغة العربية هي المسؤولة عنه، بل كسل أهلها، وضعف اعتناء منهم لضعفهم في أنفسهم حسب تعبير العلاّمة عبد الرحمن الحاج صالح، فراحوا يُرددون بألسنتهم مسميات الأشياء الجديدة، والموضات الوافدة بلفظها الأجنبي رغم رطانته الأعجمية، قانعين بذلك عوض أن يشتقوا أو ينحتوا من العربية، أو يعربوها حسب القواعد اللغوية، ونتج عن ذلك فوضى الاستعمال، وخلط لغوي معيب في تأدية المجامع اللغوية -إن وجدت-وكذا وسائل الإعلام لرسالتها في تصحيح الوضع، وصار الناس يخلطون في حديثهم فيجمعون بين لفظ عربي، وآخر فرنسي، أو إنجليزي في مركب لغوي واحد، وجملة واحدة ليس فيها بنية نحوية واضحة، فأنى لهذه اللغة أن تصوغ وجداننا، وتعبر عن فكر سديد...؟».

ويرى العلاّمة الدكتور عبد الرحمن الحاج صالح أنه لابد من مضاعفة مردود البحث الاصطلاحي، وذلك من خلال مجموعة من الطرائق والوسائل من بينها:

1- الرجوع إلى الاستعمال الحقيقي، والتركيز على ما قد وضع من لفظ عربي لنفس المفهوم في جهة أخرى، أو بلد آخر.

2- الحصر الكامل، والمستمر لما يضعه العلماء باستمرار من مصطلحات في سائر أقطار الوطن العربي.

3- الرجوع إلى التراث العلمي العربي، ومحاولة مسحه مسحاً كاملاً.

4- الاعتماد على مدونة من النصوص العلمية، حتى يتراءى فيها الاستعمال الحقيقي القديم، والحديث للغة العربية، في كل ميدان من الميادين العلمية، وبذلك تكون المصدر الرئيس للبحث الاصطلاحي، واللغوي بصورة عامة، وتصبح مرجعاً موضوعياً.

5- اللجوء إلى الوسائل التكنولوجية الحديثة، وتطوير التصور للعمل الاصطلاحي، وذلك بما يقتضيه العمل على الحاسوب.

6- لا يتم الاكتفاء بترويج المصطلحات الجديدة فحسب، بل لابد من التدخل، وذلك لنشرها على نطاق واسع بطرائق ناجعة، وعلى نطاق واسع.

7- ضرورة خلق هيئة قومية تهتم بالإشراف على جميع الأعمال الاصطلاحية العربية، وذلك بالتخطيط، والمتابعة، والتقويم العلمي، والتنسيق، وتكون لها صلاحيات مشروعة لتحقيق هذه الأهداف، ويُسمح لها بالتدخل المباشر.

8- السعي لاستثمار الثروة اللغوية التي تختص بها لغتنا العربية في أبنيتها، وجذورها».

آخر التغريدات: