عبد الرحمن الجيلالي.. المؤرخ والمُصلح المجدد

بقلم: محمد سيف الإسلام بوفلاقة -

بعد مسيرة حافلة امتدت لأكثر من قرن وسنتين (1908-2010م) رحل العلامة الجزائري الكبير عبدالرحمن الجيلالي.

لقد كان الراحل مؤسسة قائمة في رجل، قدم خدمات جليلة، وأعمالاً مهمة، تعجز عن القيام بها فرق بحث في مؤسسات كبيرة، شملت نشاطاته مختلف الميادين الأدبية، والتاريخية، والفنية، والدينية، والإعلامية، وقد أنتج كتباً، وبحوثاً أفادت، وستظل تفيد أجيالاً، لشموليتها، وعدم اقتصارها على فترات، وعصور محددة.

وقد ظل الفقيد ـ رغم تقدم سنه ـ يتمتع بحيوية عجيبة، وحضور عقلي واجتماعي متميز.. كما ظل طوال مسيرته دائم الحركة والعمل، بشوشاً خلوقاً مع كل من يلقاه أو يتحدث إليه.. حمل الجزائر في عقله، وقلبه، ووجدانه، وحسه، وطناً وتاريخاً وجغرافية وأمة وحضارة وقيماً، كما تميز بالتواضع والبساطة، ورحابة الصدر، والمثابرة، والصبر، والدأب، فهو لا يكل ولا يمل من البحث والتنقيب في مآثر شعبه الجزائري العربي، ما إن انتهى من بحث حتى شرع في آخر، مذللاً شتى الصعاب التي واجهته، وما أكثرها، وتميز عبد الرحمن الجيلالي بدفاعه عن اللغة العربية، والدين الإسلامي الحنيف الوسطي المعتدل، داعياً إلى الحوار، والتسامح، ونبذ التطرف والغلو، وهو واحد من المصلحين المجددين ممن أسهموا في إثراء الحركة العلمية، والفكرية ببلادهم، واستنهضوا الهمم إلى النهضة والتحديث، وحرصوا على تقديم صورة صادقة وموضوعية عن تاريخ بلادهم بفضل موسوعيته، وشموليته، وبفضل تفقهه في الدين أضحى أحد أهم المراجع الدينية في الجزائر.

جمع الشيخ بين العلوم الدينية، والشرعية، والتاريخ، والأدب، عرفناه فقيهاً مُلماً بالتاريخ، والأدب، والفكر الإسلامي، قدم دراسات رصينة، ومتعمقة عن حركة المجتمعين الجزائري والعربي، الاجتماعية والسياسية. وعنه يقول صديقه الشيخ عبد الرحمن شيبان؛ رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين إنه «شخصية متعددة الفضائل في شتى المجالات، فهو من الناحية الثقافية: أديب، مؤرخ، وفقيه، وهو من الناحية الاجتماعية: معلم، وواعظ مرشد، وهو من الناحية الدينية: متق لله تعالى، عالم بكتابه وسنة رسوله، صلى الله عليه وسلم، نصوح للأمة، صالح مصلح، يؤيد الحق، ومن الناحية السلوكية، فهو لطيف المعشر، يألف ويؤلف، يقدر أهل العلم والفضل»(1).

وكما يصفه الدكتور عمار طالبي، رئيس المجلس العلمي للشؤون الدينية بالجزائر فهو «يمثل جيلاً كاملاً، وشاهداً على عصر تاريخ الجزائر الحديث، انتفعت الجزائر برمتها من علمه ومعارفه، وهو أحد المحدثين والفقهاء الذين يصعب مجاراتهم علمياً، وأول من ألف في التاريخ الجزائري بعد أحمد توفيق المدني، ومبارك الميلي، ويُعتبر ممن عاصروا سلاسل من الأحداث التاريخية»(2).

إن عبدالرحمن الجيلالي واحد «من أولئك الذين خفقت قلوبهم بعامل عاطفة العروبة والإسلام، ومن أولئك الأشراف الذين تحلوا بأخلاق الدين الإسلامي الحنيف، واجتهدوا في نشر تعاليمه بمختلف الوسائل». فهو «قطب من الأقطاب، وعلم من الأعلام، وركيزة من ركائز العلم في التاريخ والثقافة والجهاد والانضباط، ملتزم في أخلاقه، وعلمه، ووطنيته وقضايا أمته، كذلك في مواعيده، بحيث يمكن لأي إنسان ضبط ساعته على مواعيده، هو قرن من العطاء درس على يد أعلام الجزائر العاصمة، وواصل على درب أساتذته في التعليم والتربية، والكتابة والتأليف، وهو واحد من الذين كونوا جيلاً من العلماء والمجاهدين»(3) وظل معطاء لوطنه الجزائر، وأمته العربية، والإسلامية إلى آخر أيام حياته.

وتتجلى أهميته في حركة التفكير التاريخي بالجزائر، من حيث إنه أحدث جملة من التحولات بإسهاماته، وقد شكل إنتاجه نقلة لها وزنها، فبعد أن كان التاريخ الجزائري بيد المستعمر الفرنسي الذي عمل على تزويره، وتحريفه، وطمسه، وتشويهه نهض عبدالرحمن الجيلالي بمهمة جليلة لملم من خلالها تراث بلاده من خلال كتابه الشهير: «تاريخ الجزائر العام». ومن يطلع على هذا الكتاب يلاحظ بأنه قد اتسم برؤية علمية موضوعية، وتصدى للطروحات الاستعمارية، وكان هدفه الرئيس هو ربط وطنه بعالمه العربي والإسلامي، متصدياً للأهداف الاستعمارية التي تسعى إلى تفتيت البلاد الجزائرية، وفصلها عن بعدها الحضاري العربي والإسلامي. وقد كتبه بأسلوب علمي واضح، ولغة فصيحة بينة، فكان نموذجاً للمؤرخ الوفي المثابر، هانت أمامه الصعاب والمثبطات، وقدم دراسة مهمة، وموسوعة لا يمكن لأي مهتم، وباحث في التاريخ الجزائري أن يتجاوزها، فكشف النقاب عن الكثير من الخبايا، واستطاع تصويب جملة من المفاهيم، فهي درة فريدة رفدت ذاكرة التاريخ الجزائري على مر العصور والأزمنة الغابرة.

حياته:

ولد عبدالرحمن الجيلالي بحي بولوغين بالجزائر العاصمة سنة 1908م، ويعود نسبه إلى آل الشجرة الموسوية القادرية، ويذكر الدكتور الهاشمي العربي أن نسبه يعود إلى قبيلة زوّارة من منطقة القبائل الكبرى، وأصله من قرية سيدي علي موسى التي تنسب إلى ولي صالح من مدينة معاتقة.

حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة، ودرس على عدة شيوخ في المساجد والزوايا، وتلقى بالجزائر العاصمة مبادئ اللغة العربية، وعلم الفقه، وعلوم الشريعة، وعلم الكلام، وتتلمذ على عدد من كبار العلماء الجزائريين الذين يعدون من وجوه النهضة الجزائرية في ذلك الزمن، فقد كانت مدينة الجزائر العريقة «في بدايات القرن الماضي فضاء خصباً لنشاط ثقافي وديني غني قاده أعلام من الفقهاء والأدباء والكتاب، من أمثال: الشيخ محمد السعيد بن زكري الزواوي المتوفى سنة 1914م، الذي كان مدرساً بالجامع الأعظم، وإماماً بجامع سيدي رمضان بالقصبة ومفتياً شهيراً على المذهب المالكي، وكذلك الشيخ البشير الإبراهيمي الذي كان يشرف على تسيير الحركة التعليمية بالمدارس الحرة التابعة لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، والتي كان مقرها بنادي الترقي بساحة الشهداء بالعاصمة، والذي كان ملتقى للنخبة المثقفة، حيث كان يحتضن أمسيات ثقافية كان ينشطها مجموعة من الأعلام من أمثال:
الطيب العقبي، والشيخ العربي التبسي، وغيرهما من المشايخ»(4).

ومن أبرز الأساتذة الذين درّسوه العلامة الشيخ عبدالحليم بن سماية؛ الذي كان أحد كبار العلماء في ذلك الزمن، وترك عدداً من الآثار المهمة من بينها كتاب: «فلسفة الإسلام» وكتاب: «اهتزاز الأطوار»، وكتاب: «الكنز المدفون والسر المكنون»، والشيخ العلامة أبو القاسم الحفناوي؛ صاحب الكتاب الشهير الموسوم بـ: «تعريف الخلف برجال السلف»، والشيخ المولود الزريبي؛ المصلح، والمناضل الثائر، والعلامة الفذ الدكتور محمد بن أبي شنب؛ شيخ المحققين الجزائريين في ذلك الزمن، والمترجم البارز، وعضو مجمع اللغة العربية بدمشق، والذي يعتبره الكثير من الدارسين بأنه أول من حصل على شهادة الدكتوراه في الوطن العربي، والشيخ محمد السعيد بن زكري الزواوي، الذي كان يعمل إماماً بجامع سيدي رمضان بحي القصبة.
ولا ريب في أن تتلمذه على عدد من أمثال هؤلاء العلماء الأفذاذ قد أثر أيما تأثر في شخصيته وتكوينه، إضافة إلى عصاميته، واعتماده على ذاته، واجتهاده الشخصي، وبعد انتهاء تعليمه درّس الشيخ الجيلالي في عدة مدارس من بينها: مدرسة الشبيبة الإسلامية التي كان يديرها أمير الشعراء الجزائريين، محمد العيد آل خليفة، ومارس الخطابة، والإمامة بعدة مساجد، مثل: الجامع الكبير، والجامع الجديد، وجامع سيدي رمضان.

وبعد الاستقلال عين أستاذاً باحثاً بالمتحف الوطني للآثار بالجزائر، وعين سنة 1970م أستاذاً للفقه المالكي بمعهد تخريج الأئمة بولاية البليدة، كما تولى تدريس مادة: مصطلح الحديث بجامعة الجزائر المركزية سنة 1983، ونظراً لتعدد اهتماماته، وثقافته الموسوعية، وفكره العميق، فقد عين في الكثير من اللجان العلمية التاريخية والدينية، كما كان عضواً بالمجلس الإسلامي الأعلى، وكان من أبرز المساهمين في لجنة الفتوى التي كان يشرف عليها العلامة أحمد حماني، إضافة إلى عضويته في الديوان الوطني لحقوق التأليف، والعديد من اللجان الأخرى.

حصل الشيخ عبدالرحمن الجيلالي عبر مسيرته على العديد من الجوائز والتكريمات، من بينها: جائزة الجزائر الأدبية الكبرى سنة 1960م، ومنحه شهادة اعتراف وتقدير لجهوده العلمية الكبيرة، وخدماته الجليلة التي قدمها للثقافة العربية والإسلامية. وفي سنة 2003م، وبتوصية من رئيس الجمهورية عبدالعزيز بوتفليقة، كرّمته جامعة الجزائر، ومنحته شهادة دكتوراه فخرية، تقديراً لإسهاماته الكبيرة، وقد سلمها له الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، وبمناسبة بلوغه قرناً من العمر سنة 2008م، كرمته مؤسسة الشروق في احتفالية ضخمة حضرها عدد كبير من كبار العلماء الجزائريين.

جهوده العلمية وإسهاماته الإعلامية:

تنوعت وتعددت نشاطات وأعمال الشيخ عبدالرحمن الجيلالي، في شتى مجالات المعرفة، فقد ترك إنتاجاً علمياً زخراً في شتى الميادين التاريخية، والأدبية، والدينية، والإعلامية.
لقد كان شغوفاً بالدراسات التاريخية الوطنية، وصاحب وعي كبير برسالة المؤرخ في نفض الغبار عن تاريخ بلده، فنجح في ذلك نجاحاً كبيراً، من خلال سعيه لتصفيته من الشوائب التي علقت به، وإبراز رموزه، وبطولاته، وتعريف الأمم والشعوب بالجهد الذي بذله القُدامى في البناء الحضاري، والثقافي، والعلمي.

وقد تجسد اهتمامه وشغفه من خلال الكثير من الكتب التي ألفها، في طليعتها كتابه «تاريخ الجزائر العام»، وهو الكتاب الذي اشتهر به، حتى أضحى لصيقاً باسمه، فعندما يتحدث المرء عن عبدالرحمن الجيلالي المؤرخ يتبادر إلى ذهنه مباشرة كتاب «تاريخ الجزائر العام» الذي هو عبارة عن موسوعة ضخمة، يعتبر من أهم ما كُتب عن تاريخ الجزائر منذ العصور الغابرة، وصولاً إلى ما بعد العهد العثماني، وهو «يشتمل على إيجاز واف مفصل لتاريخ القطر الجزائري في جميع أطواره وحركاته السياسية، والاجتماعية والعلمية والدينية والأدبية والفنية والاقتصادية والعمرانية والصناعية مع تراجم العباقرة وأرباب القرائح من مشاهير الجزائريين، منذ أقدم العصور إلى غاية تاريخ تأليفه، ويحتوي الكتاب على جملة من الخرائط التاريخية الهامة، ولوحات مصورة»(5). وقد تولى الشيخ توسعته، وتنقيحه من طبعة إلى أخرى، وأعيد طبعه أكثر من عشر مرات، كانت طبعته الأولى سنة 1953م، في جزء واحد، ثم صدر بعدها في جزأين، ثم في أربعة مجلدات ضخمة، وصدر مؤخراً في خمسة أجزاء.

وقد ألف العلامة عبدالرحمن الجيلالي هذا الكتاب بعد إلحاح العديد من الكتّاب والأدباء عليه للنهوض بتأليف كتاب شامل عن تاريخ الجزائر، بعد أن عرفوا موسوعيته، وأدركوا إلمامه الوافي بالتاريخ الجزائري والعربي التليد، وعن دوافع تأليفه لهذا السفر الضخم يقول عبدالرحمن الجيلالي في تقديمه للكتاب: «باسم الحرية المقدس أتقدم مُلبياً إخواني حفظهم الله تعالى الذين هم كثيراً ما أسمعوني إلحاحهم المؤكد في وضع كتاب موضح لتاريخ الوطن الجزائري الكريم جامع للحقائق التاريخية مجرد آتٍ بذكر تفاصيل الوقائع معللة بأسبابها ونتائجها منذ أقدم العصور إلى الآن.. مع اشتراطهم عليّ بأن يكون ذلك في أسلوب سهل، وتعبير حر، ونظام عصري، وطريقة واضحة! ولعمري إن البعض من هذا في موضوع واسع كهذا لينوء بالعصبة أولي القوة فكيف بهذا العاجز الضعيف!... فاعتذرت للرفقة الكرام بشتى المعاذير فلم يقبلوا، وشرحت لهم ضعفي وقصوري أمام كل هذه القيود والظروف الضيقة فلم ينصفوا، بل إنهم ثبتوا مصممين على رأيهم راسخين فيه رسوخاً لا يغيره تنقل الزمان وتلونه، ولا علل الدهر وحوادثه... بل ما زادهم ذلك إلا صلابة في التمسك برأيهم وحدة فيه، ولسانهم الناطق يقول: لا ملجأ ولا منجى لك منه ولا سبيل إلا إليه. فلله الأمر من قبل ومن بعد!... وأخيراً رضخت لطلبهم وأسعفتهم في اقتراحهم (مكره أخاك لا بطل) بوضع هذا السفر المتواضع، مقتصراً فيه على ذكر الأهم فالأهم من حوادث التاريخ الجزائري الماجد، مُحكماً فيه الروح العلمية والأمانة التاريخية المحضة، متجرداً ما استطعت من كل تحمس أو انفعال كيفما كان نوعه أو تعدد مساره. جامعاً فيه ما لا يسع الإنسان جهله. ولا يحسن ـ بالجزائري على الأخص ـ إغفاله، مكتفياً في بعض المواضع بالإشارة الخاطفة إلى أبرز الوقائع وأهمها، وذلك لضيق المجال عن التفصيل، أو لقلة فائدته؛ مع الإلماع إلى سير العمران والحضارة الجزائرية وسيرة مشاهير الوطنيين من عباقرة الجزائر في مختلف العصور والأحقاب»(6).

وقد حرص الشيخ في تأليفه لهذا السفر على تقديمه بأسلوب سهل، ومبسط، ومفيد، حتى يستفيد منه الباحثون المتخصصون، وعامة القراء، وعند حديثه عن منهجه في الكتاب تظهر لنا أخلاق الشيخ الفاضلة، وتواضعه الجم، حيث يقول: «نزهته جهد المستطاع عن كل تعقيد وإبهام، سالكاً فيه مسلكاً سهلاً بسيطاً لا يحتاج فيه المتعلم الناشئ، ولا القارئ العادي إلى كدح ذهن، ولا جهد فكر، ولا إعنات روية. ولا أدعي الفضل في ذلك، حيث إنني لم أجئ فيه بشيء جديد أو مبتكر حديث، وإنما هو جمع وتدوين لما كنت سطرته لنفسي وجمعته من تاريخ وطني العزيز المشتت هنا وهناك!... مع تنسيق نصوصه الوثيقة ووضعها حسب نظامها الطبيعي من فجر التاريخ إلى الآن. وتعمدت الإيجاز في القسم الأول الخاص بما قبل الإسلام لعدم تعلق الغرض الشديد به اليوم، وأسهبت مشبعاً البحث في العصور الإسلامية إسهاباً يحمل الشاب المسلم الجزائري على احترام بلاده، وتمجيد تاريخه اللامع العظيم، والثقة بمستقبله الزاهر النير، مع نفخ روح القومية فيه، وإعداده لوصل حاضره بماضيه، حتى تتكامل فيه أركان الحياة الأربعة: المحافظة على شخصيته وميزته، وتقديس أسلافه الأمجاد، والتمسك بدينه، والعمل على الإشادة بوطنه...، وأعتقد أنني بذلك خلصت تاريخنا الماجد من أن يبقى مكتوباً عرضاً ضمن تاريخ الأمم والشعوب، والأقطار المستعمرة، أو أن يكون كفصل ملحق بكتاب مبعثر مشوه العرض، أرجو ذلك إن شاء الله»(7).

وبعد صدور الجزء الأول من الكتاب عن المطبعة العربية سنة 1953م، حينما كانت الجزائر تحت الاحتلال الفرنسي «سارعت جريدة المنار إلى بيت الشيخ الجيلالي، وحاورته في مضمون هذا الكتاب، ودوافع تأليفه وهو مازال قيد الطبع، قال لهذه الجريدة إن دافعه الأساس من كتابة هذا التاريخ هو غموضه، وتشعبه وتشتته. وإنه لحد الآن لم يدرس دراسة واضحة فأردت أن أطهره من هذه العيوب كلها التي جعلت الناس يجهلونه، وسيردد هذا الكلام في عام 1990م عندما صرح لجريدة السلام قائلاً: لأنني رأيت الجزائر مهضومة التاريخ كتبت تاريخ الجزائر. وأضاف الشيخ عبدالرحمن الجيلالي في الحوارين السابقين أنه كان يقصد من تأليف ذلك الكتاب بث الوعي القومي لدى الجزائريين، عند قراءتهم لهذا التراث الذي يؤكد لهم أنهم ينتمون لأمة تملك تاريخاً ماجداً تستطيع أن تفتخر به.

وكانت طريقة الشيخ الجيلالي في كتابة التاريخ تعتمد على سرد الأحداث حسب تسلسلها التاريخي، وذكر مشاهير الجزائر في ذلك العصر، ووضع جدول تاريخي يلخص ما ورد في الكتاب»(8).

كما ذكر في إحدى المرات بأنه قد شرع في تأليف كتاب: «تاريخ الجزائر العام» منذ شبابه، حينما كان يُدرس بمدرسة الشبيبة الإسلامية، حيث إنه يلفي صعوبة كبيرة في تدريس تاريخ الجزائر، والكتاب المؤلف والمتوفر آنذاك هو كتاب العلامة التونسي عثمان الكعاك الموسم بـ: «موجز التاريخ العام للجزائر من العصر الحجري إلى الاحتلال الفرنسي»، ومنذ ذلك الحين عزم على تأليف كتاب «تاريخ الجزائر العام»، مستعيناً بالمخطوطات التي كانت عنده، وفي بعض المساجد، إضافة إلى كراريسه التي يحضر فيها الدروس لطلبته، وقد نجح الشيخ الجيلالي أيما نجاح في تأليفه لذلك الكتاب المهم، فمن يتأمله بدرك بأن الرجل قد اعتزل الناس، وقضى حياته بين الكتب والأوراق، باحثاً ومُنقباً، وبفضل هذا السفر النفيس، كما رأى الدكتور أبو عمران الشيخ؛ رئيس المجلس الإسلامي الأعلى بالجزائر، وأنقذنا العلامة عبدالرحمن الجيلالي من السموم التي بثها بعض المستشرقين المجحفين في كتاباتهم التي غزت الجامعات، والمعاهد، والمكتبات الجزائرية والعربية.

وقد رأى العلامة الجزائري الدكتور عبدالملك مرتاض في كتابه: «نهضة الأدب العربي المعاصر في الجزائر: 1925 ـ 1954م» أن كتاب الشيخ عبدالرحمن الجيلالي أحد أهم الكتب التي أسهمت في بروز النهضة التاريخية في الجزائر، حيث يقول عن الكتاب: «تقرأ تاريخ الجيلالي، فتجدك أمام مؤرخ غني، يريد أن يُطلعك على كل شيء، ويريد أن يجعلك تلم بما ألمّ، وتفيد من كل ما قرأ، أو درس من كتب تاريخية، وغير تاريخية، فالتاريخ للأمة الجزائرية وحدها، ولكن الجيلالي لم يقنع بهذا، فمضى يتحدث لك عن الأمة العربية بوجه عام، وأنها أعقل الأمم وأرقاها تفكيراً...

إن هذا التاريخ ذو شأن أي شأن في النهضة الثقافية الجزائرية المعاصرة. فقد أنفق الجيلالي من الوقت، وعانى من الجهد، في تأليف هذا الكتاب، ما تشهد به مادته الخصبة، ومعارفه الواسعة. فهو كتاب هام لا غنى عنه لأحد يريد أن يلم بتاريخ الجزائر خلال أطوار التاريخ المتباعدة التي عالجها، ونحسب مخلصين، أن الجيلالي قد أدى بهذا الكتاب لنهضتنا الثقافية المعاصرة في الجزائر صنيعاً عظيماً»(9).

كما قدم الدكتور عبدالملك مرتاض دراسة وافية عن هذا الكتاب، وقسم محاسنه إلى خمسة محاسن رئيسة، حيث يقول عنه: «وأول ما تبدى لنا من محاسن هذا الكتاب، أنه يعد موسوعة ضخمة للمعارف التاريخية، فهو خليق بأن يفيد القارئ إفادة عميقة، إذ كان عبارة عن عرض مفصل طويل لسائر الأحداث الهامة التي كان لها صلة مباشرة أو غير مباشرة، بالجزائر منذ العصور البعيدة الممعنة في القدم إلى أيام الأتراك. فهو تاريخ غزيرة مادته، غنية معارفه، وواسعة مسالكه، فالذي يقرؤه لا يخرج منه بإلمامة شاملة لتاريخ الجزائر فحسب، ولكنه يخرج منه ملماً بكل ما يتصل بذلك من قريب أو بعيد، فقد يستطيع القارئ أن يلم بطرف صالح من تاريخ الإسلام، وبشيء كثير من أحوال الدول التي اعتورت أرض الجزائر خلال العصور التاريخية المتباعدة، وبمقدار هام يتصل بالدول التي كانت تجاور الجزائر، أو تتصل بها على نحو أو على آخر كدول المغرب وتونس ومصر.

ثانياً: إن الجيلالي لم يفته أن يثبت جداول تاريخية تقيد الحوادث الهامة التي وقعت على عهد الدولة التي يؤرخ لها في كل فصل من فصول كتابه الرئيسية، ولم يعن بالحوادث التاريخية في هذه الجداول فحسب، وإنما عمد إلى إثبات فهارس تاريخية تتصل بالدول الأخرى كالدولة العباسية مثلاً...

وتسائلني عن فائدة كل هذا، فلا أملك إلا أن أسارع إلى القول، بأن فائدة هذا عظيمة جداً، لأن القارئ يستطيع أن يجني ثمرة الكتاب التاريخية من أقرب طريق، وأيسر سبيل...
وثالث المحاسن في كتاب الجيلالي ما خصصه من فصول لدراسة النواحي الثقافية، والحضارية، والمذهبية خلال الفترة الزمنية التي أرخ لها. فهو بعد أن يعالج المسائل التاريخية البحتة، يخلص إلى الأنحاء الفكرية والمذهبية فيتناولها في إيجاز، ولكنه نافع مفيد، فكان هذا الكتاب من أجل ذلك مصدراً هاماً من مصادر المعرفة ليس في مجالي التاريخ والحضارة فقط، ولكن في الثقافة والفكر بوجه عام أيضاً، وهذه حسنة مشرفة من حسنات الكتاب...

ورابع محاسن هذا الكتاب خلوه من الانفعالات العاطفية، لأن المؤرخ ينبغي له أن يتحلى بصفة الهدوء والتروي في معالجة الوقائع التاريخية، وتحليلها تحليلاً موضوعياً هادئاً رزيناً...
وخامس محاسن الكتاب استشهاده بالنصوص الكثيرة الطويلة المختلفة التي تؤيد مذهبه، أو تدعم حجته في تقرير رأي، أو إصدار حكم، ولم تك هذه النصوص تاريخية كلها، بل إن المؤرخ عول على النصوص الأدبية كثيراً. وقد عول على النصوص الشعرية بوجه خاص. وهذه طريقة ناجحة في تعجيل وقائع التاريخ، لأن المؤرخ البارع ينبغي له أن لا يحجم عن الاستعانة بالنصوص الأدبية في تفسير حادثة، أو للتدليل على أمر ذي بال»(10).

ومن الكتب التاريخية المهمة التي ألفها عبدالرحمن الجيلالي كتاب: «ذكرى الدكتور محمد بن أبي شنب»، وهو كتاب مهم ألفه عن أستاذه العلامة الكبير بن أبي شنب الذي توفي سنة 1929م، وعرض فيه لجهوده العلمية، وخدماته الكبيرة في ميدان تحقيق التراث، والتأليف وقد لقي هذا الكتاب أصداء طيبة، وقبولاً واسعاً، ورحبت به مجلة «الشهاب» الجزائرية أيما ترحيب، كما دعت في حديثها عنه كل جزائري يجري في عروقه دم الشهامة والغيرة الإسلامية إلى اقتناء هذا الكتاب ومطالعته.

كما ألف كتاب «تاريخ المدن الثلاثة (الجزائر، المدية، مليانة)» وذلك بمناسبة مرور ألف سنة على تأسيس هذه المدن من قبل بولوغين بن زيري الصنهاجي، وقد عرض في هذا الكتاب باستفاضة، وتوسع لتاريخ الثلاث مدن، مُركزاً على التطورات والتحولات التي شهدتها هذه المدن منذ تأسيسها، وقد طبع هذا الكتاب في الجزائر، وصدر سنة 1392هـ/1972م، وهو عبارة عن إعداد ودراسة وتمهيد وتعليق.

ومن كتبه المهمة كتاب «ابن خلدون في الجزائر» تحدث فيه عن العلامة عبدالرحمن بن خلدون حينما حل بالجزائر، وأقام فيها عبر مراحل مختلفة. إضافة إلى كتاب عن «الدولة الجزائرية في عهد الأمير عبدالقادر» نشرته إدارة التربية الوطنية بالجزائر، وكتاب عن «الثقافة والحضارة والعمران بالجزائر»، سلط فيه الضوء على أهم المعالم الإسلامية، والآثار الخالدة بالجزائر، مُركزاً على الجوانب العمرانية والحضارية.

ومن خلال كتابه «المستشرقون الفرنسيون والحضارة الإسلامية» أبرز رؤية عدد من المستشرقين الفرنسيين للثقافة والتراث الإسلامي، وقد اعتمد في هذا الكتاب على التحليل، والتعمق مع كتاباتهم، ورؤاهم المقدمة عن الحضارة والفكر الإسلامي.

وقد ركز في مقالاته، وأبحاثه على الدين الإسلامي، وعلوم الفقه، ومن بين مؤلفاته في هذا المجال نذكر كتاب «عناصر الفقه المالكي»، وكتاب «الحج إلى بيت الله الحرام»، وكتاب خاص بالمساجد في الجزائر نشرته وزارة الأخبار في مجلدات سنة 1967م، سلط فيه الضوء على المساجد العريقة في الجزائر، إضافة إلى الكثير من الدراسات الإسلامية، والفتاوى. ومن أعماله التي لا تزال مخطوطة كتاب «الاستشراق الغربي والثقافة الإسلامية»، وكتاب «تاريخ الموسيقى العربية»، وكتاب «شرح على كتاب الجوهر المرتب في العمل على الربع المجيب» للشيخ المكي بن عزوز.

كما كتب مجموعة من النصوص الأدبية، منها أعمال مسرحية، مثل: «المولد»، و«الفجر»، وقد حظيت باهتمام كبير من قبل الكتاب، والأدباء، وأعجبوا بها أيما إعجاب، داخل الوطن وخارجه، فمسرحية «المولد» مثلت عدة مرات، وبثت في الكثير من الإذاعات العربية والدولية في مصر، ولندن، ونيويورك، وباكستان، وغيرها من البلدان.

ولا يمكن أن تُذكر جهود العلامة عبدالرحمن الجيلالي، ويغض الطرف عن جهوده وإسهاماته في ميدان الإعلام، فقد التحق بالقسم العربي بالإذاعة الجزائرية سنة 1940م، وأسهم في تطويرها، وإثرائها ببرامجه المتميزة مدة ما يزيد عن أربعين عاماً، فعُرف في البدء ببرنامج: «لكل سؤال جواب»، وكان يركز فيه على مفاخر التاريخ القومي الإسلامي، فاستحسنته الجماهير ونال رضاها، وبسبب نجاحه قررت إدارة الإذاعة إنتاج برنامج آخر هو «رأي الدين في أسئلة المستمعين» الذي لعب دوراً كبيراً في توعية الناس بحكم اعتماده على نهج الإصلاح الديني، وقد كان يجيب فيه على أسئلة المستمعين بطريقة مبسطة، وأسلوب سهل يفهمه الجميع، وفق منهج وسطي معتدل، ثم تحولت أحاديثه إلى دروس ونشريات دقيقة مباشرة، مكتوبة بأسلوب متميز سهل الفهم بعيد عن التعقيد»(11).

لقد انطلق فضيلة الشيخ «يناضل، ويجاهد بالكلمة الصادقة، ويساهم من خلال الراديو في النهضة من أجل الإصلاح الديني، وتوعية الجماهير العريضة، وقد تطوع الشيخ فجعل من أحاديثه دروساً غاية في الدقة، ذات أسلوب متميز، سهل المنال، لا غموض فيه، كلمات منقحة يستحسنها الخاص والعام بعيدة عن التفلسف، والآراء الضيقة... ومع الأيام حول الإذاعة إلى منبر للتربية والتوجيه، وتميزت أحاديثه الإذاعية بالجدية، والدقة، والصرامة، واستحسنها الجمهور العريض، ودعمها بكثرة رسائله فأصبحت حصصاً أسبوعية دائمة في البرنامج يتولى فيها فضيلة الشيخ الجواب على أسئلة المستمعين، ويدلي برأي الدين في مختلف القضايا المادية والمعنوية، فأخذت شكلاً من أشكال الفتوى والتوجيه الديني، يراسلها كل الناس، ويستفتونها في قضاياهم الدينية والدنيوية، واستمرت الحصة بدون انقطاع»(12)، ودامت أكثر من أربعين عاماً، وبفضل هذه الحصة ازداد الشيخ شهرة حتى أضحى «أيقونة دخلت كل البيوت، وتربت على صوته أجيال من الجزائريين، فمن ذا الذي ينسى صوت ذلك الشيخ العاصمي الوقور، وهو يقول مع بداية كل حصة: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، قبل أن يشرع في إرشاد الجزائريين إلى دينهم، مستعيناً ببرهان العالم، وبيان الفقيه، وسعة إطلاع المؤرخ»، ونشير إلى أن منهج الشيخ عبدالرحمن الجيلالي في قراءة وفهم الإسلام هو منهج وسطي معتدل، حيث يذكر في هذا الشأن تلميذه، ورفيق دربه الدكتور الهاشمي العربي الذي رافقه في جميع رحلاته تقريباً إلى الكويت، ومصر، ولبنان، وتونس، والعراق، وسوريا، وليبيا، أن عبدالرحمن الجيلالي كان يعمل بالمنطق إلى أقصى الحدود، وكل ما هو مضاد للمنطق في الإسلام غير مقبول لديه ومرفوض رفضاً مطلقاً، وما تميز به في محاضراته، وأحاديثه، وأبحاثه هو أنه «كان يعتمد في محاضراته على المراجع الدينية الأساسية، والبحوث الحديثة في مجالات الطب والاجتماع. وفي هذا السياق ألقى محاضرة في شبابه في نادي النهضة بالبليدة في مايو 1933م استشهد فيها بموقف ولي عهد السويد الذي أعلن لمواطنيه أنه أقلع عن شرب الخمر، ودعاهم إلى الاقتداء به في ذلك. وتحدث أيضاً عن قيام الولايات المتحدة الأمريكية بتحريم الخمور بسائر أنواعها، وتكلم عن عدد من الدراسات الحديثة التي أثبتت علمياً أضرار الخمر المختلفة»(13).

وفي أواخر الثمانينيات، مع التحولات التي عرفتها الجزائر انفصل عن الإذاعة، ولما نصب لروائي الراحل الطاهر وطار مديراً للإذاعة الوطنية الجزائرية، حرص على إعادة الشيخ عبدالرحمن الجيلالي للإذاعة الوطنية، وطلب منه أن يواصل تقديم برنامجه الذي اشتهر به، كما وضع الطاهر وطار سيارة تحت تصرف الشيخ، ولكنه رفضها، وفضل المشي على الأقدام، وقد ساهم في الإذاعة في هذه المرحلة لفترة قصيرة، وسرعان ما غادرها نظراً للظروف الصعبة التي كانت تمر بها الجزائر، وعن إسهاماته في الإذاعة، ومدى تأثيره في المستمعين يقول الروائي الراحل الطاهر وطار: «صار صوت الشيخ عبدالرحمن الجيلالي جزءاً من وجداننا، وصارت حصته، هي كل كتابنا المرجعي، الإمام مالك وسيدي خليل، وابن أبي زيد القيرواني... لا أحد منا يشكك فيما أفتى به الشيخ، بل إن معلمي القرآن، من يمكن تسميتهم بفقهاء الدشرة، وحفاظ سيدي خليل، يعتمدونه اعتماداً مطلقاً»(?).

وفيما يتعلق بإسهاماته الصحفية، فللشيخ بصمات راسخة في التأسيس للنهضة الصحافية بالجزائر، حيث إنه كتب عشرات المقالات المتنوعة منها التاريخية، والأدبية «في عدة جرائد ومجلات من بينها: النجاح، والإقدام، والبصائر، والشهاب، وهنا الجزائر، والأصالة، والثقافة، والشعب... إلخ. وركز في مقالاته وبحوثه على أعلام الجزائر أمثال: المكي بن عزوز، ومحمد البشير الإبراهيمي، ومبارك الميلي، وبعدالحليم بن سماية، وحواضرها مثل: الجزائر، بجاية، تلمسان، قسنطينة، المدية... ليبين إسهاماته في هذه البلاد في الثقافة العربية والإسلامية في العصور القديمة والحديثة، وقد حفر بكتاباته ومحاضراته وأحاديثه مكاناً مرموقاً بين الفقهاء والمؤرخين»(14). ولعب الشيخ دوراً بارزاً في النهوض والارتقاء بالمجلس الإسلامي الأعلى بالجزائر، حيث كان يؤكد ضرورة تنظيم الحياة الأدبية والروحية، وبالتالي فلا بد من تنشيط الحركة الإعلامية من خلال تكثيف المنشورات الثقافية والإعلامية المتخصصة، فساهم في تأسيس مجموعة من الصحف، والمجلات، من بينها مجلة: «الأصالة» الجزائرية التي كانت واحدة من أهم المجلات الثقافية، والفكرية في المغرب العربي، وكانت تصدر عن وزارة التعليم الأصلي والشؤون الدينية بالجزائر، وساهمت في الترويج لملتقى الفكر الإسلامي بالجزائر، وهو ملتقى عالمي كان يحضره عمالقة المفكرين في العالم الإسلامي، إضافة إلى مفكرين من العالم الغربي، وكانت تدار فيه مناقشات فكرية مهمة، ويقول عبدالرحمن الجيلالي في حديثه عن هذه المجلة «أردنا أن تكون هذه المجلة منبراً حراً، وباباً للمناقشة، والرد فيها مفتوح للجميع، وسخرنا لهذا النشاط الأدبي مجهودات كبيرة، فانعقدت الملتقيات، واشتهر منها (ملتقى التعريف بالفكر الإسلامي)، والتي كان يُستدعى إليها أساتذة جامعيون، وباحثون من العالم الإسلامي وغيره، ويتضمن جدول الملتقيات مواضيع رئيسية تهم الأجيال الصاعدة»(15).

بدوره أسهم في ملتقى الفكر الإسلامي بأبحاثه، ومحاضراته، وتعقيباته، ومناقشاته، في أربع عشرة طبعة منه، وكذلك لعب دوراً مهماً في تنظيم نظارات وزارة الشؤون الدينية في العديد من الولايات الجزائرية، وكتب الكثير من الأبحاث عن المعالم التاريخية المهمة في الجزائر، وركز على الآثار الإسلامية العريقة، والمباني المعمارية العتيقة المنتشرة بالجزائر العاصمة، مثل: الجامع الكبير، وجامع سيدي رمضان، ومسجد ضريح العلامة عبدالرحمن الثعالبي، وسواها من المعالم التاريخية التليدة «كما توسع في أبحاثه، وركز على الزخارف المعمارية، والصناعية الدقيقة، واهتم بأشكال المحاريب، والمنابر، والمنارات وغيرها، وذهب يشير إلى الحفريات الأثرية، ونتائجها الإيجابية والسلبية، وتعددت أبحاث الشيخ، وشملت العمران والإنسان في مختلف مراحل أطوار حركة المجتمع الجزائري السياسية والعلمية، وتميزت كتاباته بالدقة والشمولية، واتسعت إلى البحوث والكشوف الأركيولوجية، والأثرية، وهذا ما جعلها تحظى بإعجاب، وتقدير واهتمام الدارسين، في الجزائر، والوطن العربي، والعالم الغربي، وقد استفاد منها عدد كبير من الباحثين المعاصرين، وتناولوها في دراساتهم وأبحاثهم بالإشادة والتقدير، واتخذوها مصادر وشواهد في كتاباتهم»(16). وكثيراً ما كان عبدالرحمن الجيلالي يربط تاريخ الجزائر بتاريخ الوطن العربي، ويربط المدن الجزائرية بالمدن العربية، وبغرض توطيد الصلات بين أقطار الوطن العربي، وتسليط الضوء على التراث المشترك، والعلاقات الوطيدة، وعندما طُلب منه الكتابة عن مدينة تلمسان الجزائرية سنة 1975م في مجلة «الأصالة»، في العدد الخاص الذي خُصص لتاريخ مدينة تلمسان وحضارتها، لم يختر أي موضوع سوى موضوع علاقة تلمسان بالقدس العربي الشريف، فأسهم في ذلك العدد بمقال موسوم بـ «تلمسان والقدس الشريف»، ومما قاله في ذلك المقال: «أنا لا أكاد أرتاح لذكر مدينة الجدار تلمسان، إلا بذكر اسمها مقروناً باسم مدينة القدس المباركة من تلك الأرض المقدسة أرض فلسطين، بل ولا أجد في نفسي اطمئناناً، ولا أشعر برضى من التاريخ ـ وأنا أكتب كلمتي المختصرة هذه عن تلمسان والحرب اليوم قائمة ما بين العرب، عرب فلسطين، وإسرائيل فلا يطيب لي ذلك ما لم أذكر بالروابط التاريخية العديدة التي تربط بين تلمسان والقدس، فهي تمتد إلى زمن بعيد ضارب في أعماق التاريخ القديم والحديث أيضاً، وهي تزيد على رابط الجنس والدين واللغة بما تأصل هناك من روابط وصلات أخرى أدبية، واجتماعية، وسياسية، وما إلى ذلك من أعمال كثيرة هي من قبيل البر، والخير، والإحسان. إن تضامن الجزائر مع فلسطين ليس هو وليد الساعة، ولا هو بنتيجة ظروف خاصة، وإنما هو متأصل في القدم، له جذوره العميقة في الأزل، يجمعه بها شعور إنساني عام فوق ما هنالك مما يجتمعان عليه من لحمة الدم واللغة والتاريخ، ومنها تلك الروابط الوثيقة التي كانت أن ربطها بين البلدين رواد المغرب العربي، ونزلوا خير منزل بتلك الديار المقدسة أرض فلسطين العربية الشهيدة...»(17). وختم المقال بقوله: «أنا أقترح اليوم ربط مدينة تلمسان بمدينة القدس الشريف تثبيتاً وثيقاً لما بينهما من علاقة الصداقة والود والإحسان، حتى تستمر هذه العلاقة متصلة، فتظل منتظمة لا تنفصم ولا تزول بحول الله»(18).
وفي العدد الذي خصصته مجلة: «الأصالة» لمدينة بجاية وحضارتها عبر العصور ساهم فيه ببحث عنوانه: «لمحة عن زحف علي بن غانية الميورقي على بجاية: 580هـ/1184م».
إضافة إلى كتابته للعديد من الأبحاث المهمة في مجلة «الثقافة» التي تصدر عن وزارة الثقافة والسياحة بالجزائر، من بينها بحثه المهم الذي كتبه عن العلامة الشيخ مبارك الميلي بمناسبة مرور أربعة عقود على وفاته سنة 1984م، فتحدث عنه بإسهاب معدداً خصاله، ومناقبه، ومشيداً بجهوده، وخدماته الجليلة، وجميع ما ذكره عبدالرحمن الجيلالي عن العلامة مبارك الميلي ينطبق عليه انطباقاً تاماً، فهو يتحدث عنه، وكأنه يصف نفسه، فيقول: «لقد وفق حقاً وصدقاً فيما اختاره هذا الرجل العظيم لخدمة أمته، فإن أهم ناحية يخدم بها العالم العامل أمته هي تطهير المعتقد مما لصق به من الضلالات والخزعبلات وتجلية عقيدة التوحيد، وإرجاع قوة الإسلام بنفي العقائد التي هي أجنبية عنه، والتي أدخلت الضعف في نفوس أهله حتى أصبحوا بسببها في أسوأ حال من حيث أوضاعهم الاجتماعية وحياتهم السياسية والاقتصادية، فللعقيدة الدينية الدور الأهم في كل ما قام به هذا الشعب الجزائري من أعمال في مختلف الميادين خلال التاريخ من يوم اعتناقه للإسلام، وذلك لأن للعقيدة الدينية دخلاً كبيراً في جميع الحركات والسكنات عند المسلمين قاطبة... ولقد كان لعلم التاريخ فضل علينا عظيم في تعرفنا إلى هذه الشخصية البارزة العظيمة، وقد كان طيب الله ثراه صبوراً دؤوباً على البحث مغالياً في التحقيق والتدقيق مع مهارة منقطعة النظير في المقابلة بين النصوص، وكانت له نظرة صائبة في استجلاء الغوامض، وحكم صادق في أسباب الحوادث ونتائجها، ومهارة في الترتيب والتبويب مع حسن سبك يجعل التاريخ كالسلسلة المفرغة»(19).

كما كان عبدالرحمن الجيلالي ملماً، وخبيراً بفن الموشحات، ولا سيما منها الموشحات الدينية، وقد زاوج بين الجوانب الدينية، والفنية، وتعود معرفته بهذا الفن منذ مزاولته لدروسه بمسجد ضريح الشيخ عبدالرحمن الثعالبي حيث «كانت فرقة الحضرة تعقد هناك حلقات للذكر كان يشرف عليها فضيلة الشيخ بوقندورة المفتي المالكي للعاصمة، وهو أستاذ محيي الدين باشا تارزي، عميد الحركة المسرحية بالجزائر، ومن مزايا احتكاك الشيخ الجيلالي ببعض أفراد هذه المجموعة الصوتية للمدائح الدينية، اهتمامه واطلاعه الواسع بأصول الطرب التقليدي الكلاسيكي، حيث التفت إلى فن النغم، والموشحات والأزجال الأندلسية، وهو فضيلته متمكن من هذه الفنون، ويدرك أصولها حق الإدراك»(20)، وعندما قرر الديوان الوطني الجزائري لحقوق التأليف تدوين الإبداعات الأدبية والفنية الجزائرية القديمة، من قصص، وألغاز، وأمثال شعبية، وموشحات، وأشعار، وغيرها من شتى الفنون الشعبية كان من أوائل الذين تمت الاستعانة بهم الشيخ عبدالرحمن الجيلالي، فأدى مهمته خير أداء، وأفاد اللجان المتخصصة في جمع التراث الغنائي والشفوي أيما إفادة، حيث إنه كان يحفظ عشرات الأمثال، والحكم، والقصص، والأشعار، والأغاني القديمة عن ظهر قلب، ولولاه لضاع جزء كبير من ذاكرة الآداب، والفنون الجزائرية.
لقد احتل عبدالرحمن الجيلالي مكانة علمية راقية، فالمتطلع لمسيرته يقف إجلالاً واحتراماً لهذه الشخصية العلمية المتميزة، بأعمالها، وإبداعاتها الكثيرة، والمتنوعة في شتى حقول المعرفة، وإذا كنا نرغب في جمع خصال الشيخ العلمية والأخلاقية فإننا نقول لقد كان عبدالرحمن الجيلالي رجلاً لطيف المعشر، واسع العلم، غزير الإنتاج، سلس الكلام، هادئ المعاملة، دقيق الملاحظة، عزيز النفس، وبرحيل هذا العلامة فإن الجزائر، والأمة العربية والإسلامية تكون قد فقدت رجلاً مخلصاً وطنياً متمسكاً بثوابت وطنه، وأمته. سيظل نضاله، وعطاؤه، وفكره المستنير ساكناً فينا ما حيينا، وسيبقى خالداً بأعماله، وإنجازاته، وكتاباته التاريخية، والفقهية، ومواقفه الصلبة، وستتخذه الأجيال الصاعدة قدوة لها في الدفاع عن قيم البلاد ووحدتها، وفي تأصيل البحث التاريخي. ولعل خير ما نختتم به هذه الورقة فقرة كتبها العلامة عبدالرحمن الجيلالي عن الشيخ المكي بن عزوز، وهو يعدد خصاله، ويشيد بجهوده، ويدعو إلى الوفاء لذكراه، وهي عبارة تنطبق عليه اليوم، حيث يقول: «إن هذا الرجل أحيا هذا القطر بعلمه فمن الواجب على القطر أن يحيي ذكره، ويخلده بعد موته»(21).

 

الهوامش والإحالات:

(1) ينظر كلمة الشيخ عبدالرحمن شيبان؛ رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، يوم تكريم العلامة عبدالرحمن الجيلالي بمؤسسة الشروق، بمناسبة بلوغه قرناً من العمر سنة 2008م، منشورة تحت عنوان «عبدالرحمن الجيلالي، بطاقة تعريف موجزة»، أسبوعية البصائر الجزائرية، العدد: 409، 14-20 رمضان 1429هـ/15-20 سبتمبر 2008م، ص 2.

(2) ينظر شهادة الدكتور عمار طالبي، جريدة الجزائر نيوز، السبت: 13 تشرين الثاني/ نوفمبر 2010، في قسم: قالوا عن العلامة. جمعها: عبداللطيف بلقايم، ص 24.

(3) ينظر شهادة الشيخ محمد إيدير شوشان، جريدة الخبر، السبت 7 ذي الحجة 1431هـ، 13 تشرين الثاني/ نوفمبر، قسم قالوا عن الشيخ عبدالرحمن الجيلالي، ص 17، جمعتها: هيبة داودي.
(4) ينظر أسبوعية البصائر: العلامة عبدالرحمن الجيلالي سيرة ومسيرة، قسم: رجال صدقوا، العدد: 09، 522- 15 ذو الحجة 1431هـ/ 15-21 نوفمبر 2010م، ص 17.

(5) عبدالكريم ليشاني: الشيخ عبدالرحمن الجيلالي نجح بعلمه الغزير وثقافته الموسوعية، أسبوعية البصائر الجزائرية، العدد: 23، 524 – 29 ذو الحجة 1431هـ/ 29 نوفمبر 2010م، ص 13.

(6) عبدالرحمن الجيلالي: تاريخ الجزائر، منشورات دار مكتبة الحياة ببيروت، بالاشتراك مع مكتبة الشركة الجزائرية، الجزائر، ط 2، 1384هـ، 1965م، ج:1، ص: 7-8.

(7) عبدالرحمن الجيلالي: تاريخ الجزائر العام، ج:1، ص: 8-9.

(8) د.م مولود عويمر: العلامة عبدالرحمن الجيلالي: ذاكرة الأمة، ينظر: أسبوعية البصائر الجزائرية، العدد: 16، 523 – 22 ذو الحجة 1431هـ/ 22-28 نوفمبر 2010، ص 17.

(9) د. عبدالملك مرتاض: نهضة الأدب العربي المعاصر في الجزائر، 1925 – 1954م، منشورات الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1983، ص: 238، 221.

(10) د. عبدالملك مرتاض: نهضة الأدب العربي المعاصر في الجزائر، 1925 – 1954، ص: 224 وما بعدها.

(11) ينظر: جريدة الشروق اليومية الجزائرية: الشيخ العلامة عبدالرحمن الجيلالي، مائة عام في خدمة القرآن والجزائر، العدد: 11، 2403، رمضان 1429هـ/ 11 سبتمبر 2008م، ص:8.
(12) عبدالكريم ليشاني: الشيخ عبدالرحمن الجيلالي نجح بعلمه الغزير وثقافته الموسوعية، المرجع السابق، والصفحة نفسها.

(13) د. مولود عويمر: المرجع السابق، والصفحة نفسها.

? جريدة الجزائر نيوز، السبت: 13 تشرين الثاني/ نوفمبر 2010م، ص 24.

(14) د. مولود عويمر: المرجع نفسه، والصفحة نفسها.

(15) عبدالكريم ليشاني: المرجع نفسه، والصفحة نفسها.

(16) عبدالكريم ليشاني: المرجع نفسه، والصفحة نفسها.

(17) عبدالرحمن الجيلالي: تلمسان والقدس الشريف، مجلة الأصالة، السنة الرابعة، العدد: 26، رجب ـ شعبان 1395هـ، 1975، ص: 104 ـ 105.

(18) عبدالرحمن الجيلالي: تلمسان والقدس الشريف، المرجع نفسه، ص: 110.

(19) عبدالرحمن الجيلالي: من وحي ذكرى مرور أربعة عقود سنوية على وفاة العلامة النابغة الشيخ مبارك الميلي (رحمه الله)، مجلة الثقافة، السنة الرابعة عشرة، العدد: 80، جمادى الثانية، رجب 1404هـ/ مارس ـ أبريل 1984م، ص: 189 وما بعدها.

(20) عبدالكريم ليشاني: المرجع السابق، والصفحة نفسها.

(21) د. مولود عويمر: المرجع السابق، والصفحة نفسها.

آخر التغريدات: