مالــك بــن نبــي (1) الظَّاهرة القرآنية

بقلم: نورالدين بوكروح- ترجمة: عبدالحميد بن حسان -

لم يباشرْ مالك بن نبي (1905-1973) تأليف كتابه الأول الذي عنوانه “الظاهرة القرآنية : طرح حول القرآن”  «  Le phénomène coranique: essai d’une théorie sur le Coran »   إلاَّ في الأربعين من عمره . وقد ظهر الكتاب في فيفري 1947 في دار النشر الجزائرية (النهضة) التي تمّ تأسيسها عاما قبل ذلك من قِبَل الإخوة ميموني. وجاء تقديم الكتاب بقلم عبد الله دراز، الشيخ الأزهري الذي طارت شهرته بعد ذلك، وهو الذي اقترح عليه جمال عبد الناصر، بعد انقلاب 1952، أن يترأس الأزهر. وقد تمّت ترجمة الكتاب ونشره بالعربية في القاهرة عشر سنوات بعد تأليفه (أي سنة 1957). وهو يتألَّف من مقدمة وأَحَدَ عشر جزْءاً، وهي كالآتي : الظاهرة الدينية، حركة النّبوّة، أصول الإسلام، الرّسول، كيفية الوحي، قناعة الرسول الشخصية، وضعية (الأنا) المحمدي في ظاهرة الوحي، المفهوم المحمّديّ، الرسالة، مميزات الوحي الظاهراتية ومفاهيم قرآنية هامّة.

 

لقد أتيح لمالك بن نبي وهو يتابع دراسته في فرنسا بين 1930 و 1936 أنْ يلاحظ أنَّ الطلبة المغاربة والمشارقة الآتين لاستكمال دراساتهم عُرْضَةٌ للتأثُّر بالأفكار الاستشراقية. ذلك أنّ النُّخَبَ الإسلامية، وبسبب قصورها عن إنتاج فكر مُحيّنٍ، وجدت نفسها تابعة للمدارس الاستشراقية ـ خاصة منها الفرنسية والأنجليزية ـ والتي تسعى لتحقيق أهداف ليست بالبريئة في جميع الحالات. وكان مالك بن نبي يرى أنَّ أغلب هؤلاء المستشرقين مُكلَّفون بمهمة إخراج النخبة المسلمة التي تدرس في الجامعات الأوروبية عن دينها. وقد كَتَبَ حول هذا قائلاً:  “إنَّ النهضة الإسلامية تتلقَّى كلَّ أفكارها التقنية من الثقافة الغربية… فكثيرون هم الشبان المسلمون المتعلّمون الذين يَسْتَقُون نظرتهم إلى الدين، بل وحتى ما يتعلق بالوجدان الروحي أحيانا، مِنْ كتابات المختصين الأوروبيين”.

وإذا كان البنَّاءُ يبدأُ عمله من الأسس، فإنَّ تلك الأسس بالنسبة لمن ينوي عرض فكره كما يُعْرَضُ البِناءُ المُنجَزُ، طابقاً بعد طبَق، تلك الأسس هي الإسلام والقرآن والسنة النبوية وسيكون عليه أن يُثْبِتَ صحّة تلك الأسس ويواجه بها شكوك الإلحاد وعنف الفلاسفة الإلحاديين الذين ذاع صيتهم آنذاك. وقد عَمَدَ المؤلّف إلى استيفاء هذا الشرط بمنهجية، وذلك بإثبات نزول القرآن ثُمَّ إثبات أنّ حامل الرسالة ـ أي النبيّ ـ لم يتدخّل في النصّ القرآنيّ .

لم يكن بين أيدي المسلمين زمن تأليف هذا الكتاب سوى حجج وبراهين استقوها من التفسير القديم ، والذي مفاده أنّ القرآن الكريم نصٌّ مُعْجِزٌ تستحيل مُحاكاتُه… فذلك سلاحهم الوحيد الذي ينافحون به عن عقيدتهم. وكان المثقفون منهم – سواء أكانوا إصلاحيين أم حَدَاثيين – ينطلقون في مُقارباتهم مِنْ مُنْطلقات دينية صرفة. أمّا مالك بن نبي فكان يرى أنّ التحصّن بالعقيدة وحدها لم يَعُدْ كافيا لِصدِّ هجمات الأفكار الجديدة المُعادية للعقلية الدينية في حدّ ذاتها. فكان لا بد من البحث عن شيء جديد لا يقف عند حدود سلطة القدماء، ويستجيب لمتطلبات نخبة ” صارت تحدوها روح الإقدام والإيجابية”، على حد تعبير بن نبي. وبعبارة أدقّ، كان لا بد أن تنضوي القناعات الدينية تحت راية جديدة هي راية العقل. وهذا ما آلى به على نفسه لمّا قال:  “إن استطعنا إعداد الأسس العقلية الضرورية لهذه القناعة، فذلك ما نرجوه، وإلاّ فَحسْبُنا إثارة نقاش دينيّ موَسَّع وممنهج بغاية استدراج المثقف الجزائري بلُطْف ليضع بنفسه تلك الأسس لعقيدته“.

وقد حرص بن نبي منذ البدء على أن يُشعِر القارئ بأن كتاب “الظاهرة القرآنية ” الذي ألَّف مُعظمه في مُحتشد فرنسي أواخرَ الحرب العالمية الثانية، هذا الكتاب ما هو إلاَّ مؤشر للمؤلفات التي ستأتي بعده، والتي يتطلب إعدادها معارف لغوية وأركيولوجية واسعة من أجل  “تتبع آثار مسألة الكتب المقدسة منذ النُّسخ الإغريقية ثٌمّ اللاتينية للتوراة، والكتابات الماسورية والآشورية والآرامية”. وهو يقدم عرضا موجزا حول الظروف التي أحاطت بتأليف كتابه، ويُخبرنا بأن هذا الكتاب هو إعادة تأليف للنسخة الأصلية التي أُتْلِفَتْ، دون أن يذكر ظروف هذا الإتلاف، يقول:  “ونحن نعتقد بأننا أنقذنا أهمّ ما فيه، أي الحرص على المنهج التحليلي في دراسة الظاهرة القرآنية”، ويحدد الهدف المزدوج المقصود بقوله: “إتاحة فرصة للشبّان المسلمين للتأمل في الدين، هذا من جهة، ومن جهة أخرى اقتراح إصلاح مناسب للروح السائدة في التفسير التقليدي“.

ولقد عمد بن نبي في عمله إلى ربط الإسلام بالظاهرة الدينية في مجملها، وذلك بإحلال النبي محمد (ص) مكانَه ضمن سلسلة الأنبياء، واعتبار نزول القرآن الكريم كخاتمة لعقيدة التوحيد. لم يكن بن نبي يقصد الدعوة إلى الإسلام على الإطلاق، ولا إثبات أفضليته على اليهودية أو المسيحية، ولم تكن تُساوره أدنى نية للحط من قيمة الأنبياء الآخرين. وهو بهذا يطبق قول المولى تعالى تطبيقا فعليّاً: ” قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم“(آل عمران، الآية 64,

هذا مع أنّ موقف المسيحية(1) واليهودية من الإسلام على نقيض ذلك، إذ يتهم أتباع هاتين الديانتين رسولنا (ص) بالاحتيال والسرقة من كتاب موسى، رغم ما في التوراة من مفارقات بلغت حدّا لم يجد معه اجتماع الفاتيكان الثاني سنة 1965 مناصا من الاعتراف بأن كتب العهد القديم “تتضمن أمورا لا استقامة فيها وأمورا لاقيمة لها”.

يقول موريس بوكاي المتخصص في عرض الكتابات على مِحَكِّ المعطيات العلمية : ” أمَّا بخصوص القرآن، فإنّ هناك أفكارا خاطئة سادت لمدّة طويلة في بلداننا، وهي لا تزال سائدة، وتتعلق بمضمون القرآن وتاريخه… ليس هناك أدنى شك في أن النصوص المقتبسة من القرآن والتي تتضمن حقائق حول الإنسان يمكن أن تبعث على الدهشة، وذلك ما جرى لي عندما اكتشفتها. وإضافة إلى ذلك فإن مقارنة النص القرآني بنص التوراة فيها فائدة كبيرة: فكلاهما يذكر إلها خالقا، لكننا سرعان ما نلاحظ أنّ تفاصيل وصف الخلق في نص التوراة ـ وهي غير مقبولة من وجهة نظر علمية ـ تلك التفاصيل لا وجود لها في القرآن. وبالمقابل فإن هذا الأخير يتضمن عبارات مُدهشة عن الإنسان: ففي حدود المُدْركات الإنسانية، لا يمكن الوقوف على تفسير شافٍ لوجود تلك الألفاظ زمنَ نزول القرآن، وذلك بمجرد أخذ المستوى الذي كان عليه العلم آنذاك بعين الاعتبار. ولم يحدث أن عولجت هذه الملاحظات في أية مُداخلة علمية في الغرب عندما قدّمْتُ لأكاديمية الطب في 9 نوفمبر 1976 عرضاً حول بعض المفاهيم الفيزيولوجية والجنينية الموجودة في القرآن، أي قبل الاكتشافات الحديثة بنحو أربعة عشر قرنا“. وتبعا لذلك ، وقف موريس بوكاي على هذه النتيجة الدّامغة:  ” لو كان محمد هو مؤلّف القرآن، فإننا لا نجد تفسيرا لتمكّنه من اكتشاف الأخطاء العلمية الموجودة في التوراة، ثُمّ حذفها جميعاً  “(2)

ولم يُنْكِرِ الإسلام على الإطلاق قُربَه من الديانات السماوية الأخرى التي جاء تأكيداً لها واستمرارا. وتشهد على ذلك عدة آيات قرآنية، مثل قوله تعالى :  ” شَرَعَ لكم من الدِّينِ ما وصَّى به نوحاً والذي أوحيْنا إليك وما وصَّينا به إبراهيمَ وموسى وعيسى أنْ أَقِيمُوا الدِّين ولا تتفرَّقوا فيه، كَبُرَ على المُشرِكين ما تدعوهم إليه، اللهُ يجْتَبِي إليهِ مَنْ يشاءُ ويَهدي إليه مَنْ يُنِيبُ ” (الشورى13(.  بل إنَّ هناك شواهد قرآنية أخرى تدُلُّ على أنّه لن يكون للمسلمين أي امتياز على باقي المؤمنين. يقول تعالى:” إِنَّ الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابين من آمَنَ باللهِ واليوم الآخر وعمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أجرُهم عندَ ربِّهم ولا خوفٌ عليهمْ ولا هُمْ يحزنون ” (البقرة 62).

وقد تعرّض مالك بن نبي لهذا الشأن في فصل تحت عنوان” العلاقة بين القرآن والتوراة”، فقال: “إنَّ القرآن يصرِّح بقوّة بأنه ينتسب إلى الخط التوراتي. وهو يُطالب دوماً بمكانته في السياق التوحيديِّ، وتبعاً لذلك فهو يؤكد بصراحة إمكان وجود مطابقة بينه وبين أجزاء التوراة الخمسة الأولى، وبينه وبين الإنجيل. وهو يصرِّح ، وبصفة قاطعة، بأنه ينتسب إلى تلك السلالة من الكتب السماوية، وهي الحقيقة التي يُذكِّرُ بها الرسول (ص) عند الحاجة. ومن بين الآيات التي تنطوي على تلك القرابة بين القرآن من جهة والتوراة والإنجيل من جهة أخرى قوله تعالى: ” وما كان هذا القرآن أنْ يُفترى مِنْ دون الله، ولكنْ تصديقَ الذي بين يديْهِ وتفصيلَ الكتاب لا ريبَ فيه من ربِّ العالمين ” ( يونس 37). وممَّا سبق، يَستنتِج بن نبي ما يأتي: ” ومع هذا فإنَّ هذه القرابة تُبْقِي على صفةٍ مُمَيِّزةٍ للقرآن الكريم، وهي: أنَّ القرآن يظهر وكأنه يُتمِّمُ، بل ويُصحِّحُ ما جاء في التوراة في أكثر مِنْ شأْنٍ “.

لكنَّ بن نبي يلاحظ أنَّ القرآن لم يتوقف عند حدود تأكيد الفكر التوحيدي بل زاده بُعداً ومدى. فاليهودية تستند إلى مبدإ اختيار إسرائيل لتؤسس ” نظاما كاملا، طابعُه ديني ونزعته قومية. فالله في الدين اليهوديّ يكاد يكون ألوهية قومية. وتزداد هذه الصورة صحّةً عندما نلاحظ أن الأنبياء والرسل الذين جاؤوا من بعد، من آموس إلى عيسى الثاني، كانوا كلهم رافضين بشدّة لهذه الروح الانفرادية. فكل الأنبياء المنتمين لهذه الحركة الإصلاحية، مثل زكرياء، سيبذلون جهودهم في سبيل إعادة مكانة الاله لتصوره الكوني الشمولي”.

أمّا في المسيحية فإنَّ فكرة التوحيد لحقَها ما لحقها من تشويه، فَلَمْ يَعُدِ اللهُ إلهاً واحداً، بل صار متعدِّداً. وأدهى مِنْ هذا فإنَّ الله صار في صورة إنسان حسب ما تنصُّ عليه أعجوبة التثليث. وفي كلتا الحالتين فإنَّ الإسلامَ لم يأتِ تكراراً للعقائد التي تقوم عليها الديانات السابقة له، بل ألغاها بإعلانه أنَّ الله واحد عند جميع البشر. يقول بن نبيّ:   “إنّ تعدد الآلهة وتشبيه الله بالبشر فكرة منبوذة بصفة نهائية”، ويضيف : ” وهكذا تغلغلت الفلسفة الدينية المستوحاة من القرآن في ثقافة التوحيد. ومن يدري؟ فقد يكون الحِراك الذي ظهر في الفكر المسيحي بعد نزول القرآن ـ من الحركة الألبيجية Mouvement Albigeois  إلى حركة الإصلاح ـ ، قد يكون ذلك، بشكل مباشر أوغير مباشر،  من وحي التصور الميتافيزيقي الذي جاء به القرآن “.

هذا هو معنى انتساب الإسلام إلى الحنيفية (3) . وفي سعيه إلى تلخيص الأخلاق الخاصة بكل ديانة من ديانات التوحيد الثلاثة استنتج مالك بن نبي أنه إذا كانت الوصايا العشرالواردة في أجزاء التوراة الخمسة تدعو إلى ” ترك فعل الشّر”، وان الاناجيل تدعو الى “عدم محاربة الشر بالشر” فإن القرآن الذي جاء تلخيصا وتحسينا للأخلاق السابقة له ” يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر”.

قام مالك بن نبي بموازنة بين الرواية القرآنية والرواية التوراتية لقصة  سيدنا يوسف عليه السلام، وإبراز أوجه المطابقة والاختلاف، ثُمَّ استنتج من ذلك أنَّ النبي محمداً (ص) لم يكن على علم بالكتب اليهودية والمسيحية، وأنَّ وسطه الاجتماعي كان بعيدا كل البُعد عن أيَّة تأثيرات أو امتدادات للمسيحية واليهودية، وأنَّه، في زمن الرسول (ص) لم تكن هناك ترجمة عربية للتوراة ( مع أنّ هناك رواية تقول بأنّ وَرَقَة النصراني، وهو إبن عم خديجة بنت خويلد، كانت عنده نسخة عربية للإنجيل). وقام المؤلف بالموازنة نفسها فيما يخص خروج العِبْرِيين من مصر تحت قيادة موسى عليه السلام والنهاية المأساوية التي آل إليها فرعون، واستخرج نقاط الاتفاق والاختلاف بين هذين الكتابين السماويين.

وفي هذا المضمار فإننا نجد أنّه إذا كانت التوراة تُفيدنا بأنّ فرعون مات غرقا في الماء الذي أحاط به وبجنده من كل جانب، فإن القرآن الكريم يُثْبِتُ هذه الأحداث ويُؤكِّدُها، لكنه يضيف إلى الرواية عنصرا جديدا في قوله تعالى: ” فاليومَ نُنَجِّيك ببدنك لتكون لمن خلفَك آيةً، وإنَّ كثيراَ من النَّاسِ عن آياتنا لغافلون” (يونس 92). وقد انطلق بن نبي من صريح النَّص في هذه الآية ليستنتج أنَّ فرعون لم يمُتْ في الطُّوفان، بل تعرَّض لصدمة دفعت به إلى تغيير اسمه واعتناق عقيدة التوحيد (4). وعندما سعى بن نبي إلى التعرّف على فرعون من بين الأُسَرِ التي حَكَمَتْ مصر، بَدَا له، استنادا إلى الوثائق التي اطَّلَع عليها، أنه أمِنْهوتيب Amenhotep  الذي صار يُسمّىأخناتون Akhenaton زوج نيفرتيتي Néfertiti. ومعروف في تاريخ مصر العريق والطويل أنّ هذه الشخصية، أي أخناتون، ويُعرف كذلك باسم أمنوفيس Aménophis اشتهر بأنّه الفرعون الوحيد الذي حاول أن يُطوِّرَ المعتقدات الدينية المصرية (وعلى منوال ثوري) في اتجاه التوحيد.

فهذا الفرعون بذل كل ما في وسعه لِيُعبِّرَ عن عزمه التخلِّي عن عقيدة الشرك، إذ اتَّخذ لنفسه عاصمة جديدة ابْتَنَاهَا في المكان المسمَّى اليوم بـالعمارنة، وأطلق عليها اسم أختاتون. وقد حاول كثير من الباحثين إيجاد تفسير لمسارعة ورثة أمنهوتاب الرابع Amenhotep lV بطمس الإصلاحات الدينية العجيبة التي قام بها هذا الأخير. أمّا بالنسبة لمالك بن نبي، فإنّ ذلك يُعْزى إلى أنّ هذا الملك آلَ به الأمْرُ إلى الإيمان بعقيدة التوحيد. ويعتقد سيجموند فرويد Sigmund Freud أنَّ أمنهوتاب الرابع لم يؤسس ديناً جديداً. يقول فرويد: “لقد عاصر هذا الملك الشاب حركة جديدة فانضمَّ إليها، ولم يكن بحاجة إلى التأسيس لشيء جديد بنفسه”. ويُشير أب التحليل النفسي ـ فرويد ـ إلى حقيقة هذه العبادة الجديدة التي ظهرت في عهد أمنهوتاب الرابع، فيقول:“يكن يعبد الشمس كشيء ماديٍّ بل يعبدُها باعتبارها رمزاً لكائن إلهي تتجلّى طاقته في أشعتها. ولقد أضاف بهذا عنصراً جديدا لنظرية الإله الواحد، وأدَّى ذلك إلى ظهور عقيدة التوحيد، وهذا العنصر الجديد هو ميزة الإطلاق. ففي أحد أناشيده نجده يقول بوضوح: “يا أيُّها الإله الأوحد الذي لا إله غيره بإزائه” (5).

ويُفيدُنا فرويد كذلك بأنَّ هذا الفرعون مَنَع عبادة الآلهة وآمون ، وممارسة السِّحْرِ، والإيمان بأساطير أوزيريس ومملكة الأموات. ويعتقد أنّ النبي موسى عليه السلام، والذي لم يكن عبريّا، بل كان مصريّا، قد وجد أهمّ أسس الدين الذي أتى به في ديانة أخناتون، وأن الجلاء من مصر لم يأتِ إلاَّ بعد موت هذا الأخير (6).

وقد اهتمّ موريس بوكاي Maurice Bucaille بهذه المسألة في كتابه “التوراة والقرآن والعلم  «  La Bible, le Coran et la science (7) قبل أن يُخَصِّصَ لها كتاباً بكامله، عشرين سنة بعد هذا، حيث ينحو في الاتجاه المُعاكس لـ مالك بن نبي و سيجموند فرويد. فهو يرى أنَّ فرعون قد مات غرقاً بالفعل، وأنّ جثمانه تمَّ العثور عليه طبْقاً لوعد الله الذي ينصّ عليه القرآن. فإنقاذُهُ لم يكن إلاَّ بجسمه. وهذا الفرعون هو مينابْتَاهْ Mineptah ابن رمسيس الثاني Ramsès II وولِيُّ عهدِهِ.

إنَّ جثامين كل الفراعنة المعنيين بالأحداث التي ورد ذكرها في الكتب السماوية قد تمّ العثور عليها في نهاية القرن 19 بمقبرة طيبة Thèbes الواقعة في المكان المسمى سهل الملوك، حيث تمَّ تحنيطها لأزْيَدَ مِنْ 3000 سنة. وقد ثبتَ من تسلسل عهود فراعنة مصر القديمة أنّ أمينوفيس الرابع Aménophis lV لم يكن معاصرا للنبيّ موسى عليه السلام. ذلك أنّ هذا الأخير كانت له مواجهة مع رمسيس الثاني قبل أن يهاجر إلى بلاد مَدْيَنَ، ثُمَّ إلى الملك منيبته Mineptahh الذي هو فرعون المذكور في تاريخ عبور البحر.

أمَّا أخناتون Akhenaton فيكون قد مات قبل ميلاد النبيّ موسى عليه السلام بنصف قرن.

ومع هذا فإن مالك بن نبي يتفق في طرحه مع المأثور لدى اليهود، إذ يُحدِّدُ زمن وقوع الجلاء من مصر في عهد أمنهوتيب ، لكنَّه يختلف معه فيما يذهب إليه اليهود مِنْ أنَّ “الثورة الدينية التي قام بها أمنهوتيب لا تَدِينُ بشيء للنبيِّ موسى لأنّها حدثت قبل بعثته”. فقد كتب أندري نيهير  André Neherr قائلاً: “أَحْرَى بِنا أنْ نربط العلاقة بين المغامرة الروحية العجيبة التي قام بهاأمنهوتيب الرابع وبين تلك التي قام بها موسى. فأمنهوتيب صار يسمّى إخناتون ( أي: ابن آتون) وعاصمته إخوتاتون. وأدنى ما يجب الإقرار به هو أنّ مغامرة أمنهوتيب هي لحظة التوحيد الوحيدة في التاريخ القديم كله، باستثناء إسرائيل . وهي على أيَّة حال مُطابقة لتفسيرالتوراة سنة 1768 الذي يعتبر أمينوفيس الرابع هو الفرعون الحاكم أيام جلاء اليهود من مصر”.

ومعلومٌ أنَّ كتاب ” الظاهرة القرآنية ” قد عُرِضَ على شيخ الأزهر (دراز)، قبل نشره، لكي يحرر مقدمته. وقد حرص شيخ الأزهر في تلك المقدمة على لَفْتِ انتباه القارئ إلى بعض النقاط التي يختلف فيها مع بن نبي، لكنه لم يُشِرْ، لا هو ولا مترجم الكتاب إلى العربية ،عبد الصبور شاهين، إلى هذه المسألة الهامة ـ أي عقيدة التوحيد في عهد أمنهوتيب ـ التي يُفترض ألاّ تغيب عن رجال مُتضلِّعين في العلم بالقرآن، وعن مصريين ذوي دراية أوسع من غيرهم بتاريخ مصر.

وقد راح مالك بن نبي يُبْرِزُ ذلك التطابق بين مضامين بعض آيِ القرآن الكريم وبين آخِرِ ما وصلتْ إليه الاكتشافات العلمية. إنّه لم يتّخذ هذا العمل اختصاصا، ولو أنه كان ينوي تأليف كتاب عنوانه “على آثار خُطى الفكر العلمي في الإسلام” . فليس من الأهمّية بمكان عنده أن يُشْفًعَ الطابع الإلهي للقرآن باكتشافات علميّة. وعلى نقيض ذلك، كان يخشى على المسلمين الوقوع في مغبَّةِ ( الشَّغف بالأعاجيب) وفي الغطرسة الصِّبيانية.

وسيُصدر مالك بن نبي، ثلاثين سنة بعد هذه المحطة، كتابه المُعَنْوَن: “انتاج المستشرقين وأثرها في الفكر الإسلاميِّ الحديث” (9) الذي يجب اعتباره بمثابة تكملة لمقدمة “الظاهرة القرآنية”. يقول فيه: ” ليس المهم أن نتساءل عمّا إذا كان القرآن يتضمَّن إشارةً إلى اكتشافٍ عِلميٍّ ما، لكن المهم أن نتساءل عمّا إذا كان بإمكانه أنْ يوجِدَ الجوَّ المناسب للتطوُّرِالعلميِّ، وعمّا إذا كانت مبادئه النفسية قادرة على تفجير الآليات الضرورية لاكتساب المعرفة ونقلها. هنا تكمن مشكلة العلم، ليس من زاوية نظر فلسفة العلوم، لكن من زاوية نظر نفسية اجتماعية. ذلك أنَّه من زاوية النظر الأولى يكفي الاستشهاد باكتشافين علميين أتت بهما الحضارة الإسلامية وكان لهما كل الفضل على التطور العلمي الحديث، لكي نُبرر وجود الفكر الإسلامي في مصاف الفكر الإنساني. وبالفعل، فهل كان بإمكان التطور المُذهل الحادث في مجال الفيزياء أن يَحدُث دون توفّر طرق حساب بالغة السرعة وُجِدَتْ بفضل إنشاء نظام رقميّ مناسب ؟ فالنظام العُشريُّ الذي يسمح بكتابة قيمة ثابتة مثل عدد أفوجادرو Avogadro بتسعة أرقام فقط، هذا النظام هو صاحب الفضل في ذلك التطور الحادث في الفيزياء… وهذا الإنجاز من نتاج الحضارة الإسلامية، وبعبارة أدقّ: حدث ذلك بفضل المناخ الفكريّ الذي تكوّن بفضل المفهوم القرآني للعلم. والوضع نفسه في العلوم الدقيقة، فلولا إسهام علم الجبر العربيّ في الانتقال من النظام الرقميّ إلى نظام الرياضيات الصِّرْفة لما أُتيح كلّ ذلك التطور في مختلف العلوم الدقيقة. وعلم الجبر ظهر بدوره في المناخ الفكري الذي ساد بفضل المفهوم القرآني للعلم. وإنه من قبيل الإطناب والحشو أن نضيف أن القرآن لم يأتِ بالنظام الرقمي العشري ولا بفكرة الحساب الجبريّ. لقد جاء بشيء أهمّ من ذلك، إنه المناخ المعنوي والفكريّ الذي شهِد ميلاد نظرة جديدة إلى العلم”.

إنَّ كتاب “الظاهرة القرآنية” عمل مِن إنجاز عالِم. فقد كان مالك بن نبي مثل الباحث في مخبره، إذ راح يسبرأغوار الآيات القرآنية، يأخذ منها عيِّنات ويُخْضِعُها للفحص تحت المجهر. ولم يخرج من كل ذلك مكتفياً اكتفاءً ساذجاً، بل خرج بنتيجة عامة تشمل كل مظاهر الحياة التاريخية. يقول: “إن القرآن يرسم لوحة مُدْهِشة للمأساة الأبدية التي تعيشها الحضارات ، ويدعونا إلى النظر فيها بإمعان”. وقد تَطَلَّبَ هذا العملُ روحاً علميَّةً مشفوعةً بأحدث التطورات العلمية في مختلف المجالات، وباطّلاعٍ كامل على الديانات. هذا رغم أنّ الكتاب تمَّ تأليفه في مُحتشَد على يدِ رجُل كان يُمكن أنْ يتمَّ إعدامُه لو ثبتَتْ التُّهمُ الموجهة إليه. لكن مالك بن نبي بدلاً من أن ينشغل بمصيره هو، آلَى على نفسه أن يضع بين أيدي المؤمنين في كافة الأديان ما يكفل لهم الراحة المتأتية من اليقين العقليِّ.

ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ مالك بن نبي مرّ على مرحلة من الشك قبل أن يؤلف “الظاهرة القرآنية”، وقد أشار إلى ذلك هو نفسه. وبالفعل، ففي آخر الكتاب يذكر الحرج “والأفكار المسبقة التي تنتاب المثقف، فهو في حيرة أمام هذا الترتيب غير المعتاد في الأفكار (المُعبَّر عنها في القرآن)، وأمام طبيعتها العجيبة أحيانا”. لكنه، وبمزيد من قراءته للقرآن، كان يكتشف النظام الذي بُنِي به ويفهم هندسته وطبيعته “وهما ليستا كهندسة وطبيعة الموسوعات العلمية أو الكتب التعليمية المختصة بمجال معيَّن“. وهكذا تبيّن له أنَّ كُلاًّ من القرآن والنبي (ص) والسنّة النبوية، أمور تنطوي على الأدلة العقلية التي تُثبت صحّتها. وانتهى الأمر بمالك بن نبي إلى اليقين والتخلي عن الأفكار المسبقة.

ولقد تسنَّى لمالك بن نبي بتأليفه لهذا الكتاب أنْ يُحقِّق وجوده الفكري، ذلك أنه تحرَّر نهائيا من إبهام كبير: فالمشكلة ليست في الإسلام، بل في الطريقة التي فهمه بها المسلمون والكيفية التي يطبّقونه بها. وهكذا حقّق الكاتب  بهذا الإنجاز انتقاله النوعي من مُجَرَّد دراسة الظاهرة الدينية إلى الاهتمام بالجانب النفسيّ، ومن حدود النظرة الميتافيزيقية إلى آفاق فلسفة التاريخ الشاسعة.

وعند صدور كتاب “الظاهرة القرآنية” قام الأستاذ مَهدَاد (1896-1984)، وهو نائب عن الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري UDMA بتقديمه في الصحافة ذات التّوجّه الوطنيّ قائلاً: ” إنّ كتاب مالك بن نبي، بالإضافة إلى إتاحته مخرجاً من مُعضلة العقيدة بطريقة الأستاذ المقتدر، فإننا نتوقّع له ذيوعاً معتبراً بالنظر إلى الانعكاسات النفسية والاجتماعية التي سيثيرها… إنّنا إذْ نُحيّي (الظاهرة القرآنية ) كنقطة انطلاق لحركة التجديد الدينية الضرورية في بلدنا هذا، فإننا نتمنّى بإخلاص أن يكون صَرْحاً أَوَّلَ في الفكر الجزائري المتجدد بفعل الاحتكاك بالغرب“. عن جريدة Egalité” ، الناطقة باسم حزب UDMA بتاريخ 10 أفريل 1947، وهي الجريدة التي سيصبح اسمها ( La République algérienne)  ابتداءً من فيفري 1948.

وفي فيفري 1954، أعلن طبيب فرنسي ذو ثقافة علمية واسعة إسلامه في مسجد باريس. إنه الدكتور إيمانويل بينْوا Emmanuel Benoist الذي صرّح لإحدى الصّحف: “كان القرآن هو العامل الأساسي والنهائي الذي حَدَاني إلى إعلان إسلامي. لقد شرعتُ في دراسته بنظرة المثقف الغربي الناقدة، وإنني مَدِين كثيراً للعمل الشيِّق الذي أنجزه مالك بن نبي والذي عنوانه “الظاهرة القرآنية”. فقد اقتنعتُ بعد قراءته بأن القرآن كتاب إلهيّ، إذ أن بعض آياته تتضمن نفس المفاهيم والاكتشافات العلمية الحديثة. وهذا ما جعلني أقتنع بشكل نهائي“.

وقبل أن يتفرّغ لإشكالية النهضة الإسلامية، سيتيح مالك بن نبي لنفسه قسطا من الترويح عن النفس بكتابة روايةٍ، هي الرواية الوحيدة من بين آثاره، إنّها رواية (لبّيْك Lebbeik ).

 

المراجع:

لقد أشار موريس بوكاي Maurice Bucaille في كتاب (التوراة والقرآن والعلم،)، الصادر عن دار SNED بالجزائر سنة 1976، إلى التغيّرات التي طرأت على موقف أعلى السلطات الدينية المسيحية تُجاه الإسلام خلال العشريات الأخيرة، ويستشهد بوثيقة رسمية عنوانها: ( توجيهات من أجل حوار بين  المسيحيين والمسلمين)، وهي الوثيقة التي تمّ إعدادها بمناسبة اجتماع الفاتيكان2 ، وهي تدعو المسيحيين إلى التخلي عن “الصورة البالية والموروثة عن الماضي أو المشوّهة بسبب أفكار مسبقة أو فتن”، كما تدعوهم إلى “الاعتراف بالظلم الذي اقترفه الغرب المسيحي في الماضي في حق المسلمين”.

عودة لـ”من اين جاء الانسان؟” منشورات سيقرس،باريس 1981

« L’homme d’où vient-il ? », Ed. Seghers, Paris 1981.

أسلمَتْ الباحثة الجامعية الفرنسية المستشرقة إيفا دي فيتراي – مييروفيتش Eva de Vitray-Meyerovitch في 1955. وكانت آنذاك تُشرِف على تسيير مصلحة العلوم الإنسانية في المركز الوطني للبحث العلمي CNRS. تقول بخصوص إسلامها: ” لقد وجدْتُ في الإسلام ما أصبو إليه من وحدة كونية. فأنا لا أستطيع تصوُّرَ أنَّ الله يتجلَّى بصورة حصرية لشعبٍ مُخْتارٍ، مثلما هو الاعتقاد في اليهودية، أو لكنيسة مُعيَّنة، مثلما هو الوضع في المسيحية. وبما أنّ الله هو الحقيقة بالأساس، فإنه لا يُعْقَلُ أنْ يتجلَّى بعدّة طرق. فطريقة تجلِّيه باعتقادي لا يمكن أن تكون إلاَّ واحدةً… إنّ الفكرة الجوهرية التي ينبني عليها الإسلام هي كونه تذكيرا بأهمّ ما جاء في مِلَّة إبر اهيم… ولقد فكّرْتُ كثيرا قبل أنْ أتَّخذَ قراري لأنني كنت أريد أن أكون متأكِّدةً من نفسي. فقبل إعلاني عن إسلامي تابعت دراسات في علم الدين المسيحيّ لمدَّة ثلاث سنوات لأتأكَّد من أنني لا أدخل إلى الإسلام بسبب جهلي بالمسيحية. فالإسلام بالنسبة لي هو التسمية المشتركة لباقي الديانات الأخرى”. Pierre Assouline «Les nouveaux convertis », Ed. Albin Michel, Paris 1982.

وفي 17 ديسمبر 2005، بادرت “مجموعة حميد الله” (Fondation Hamidullah) بتكريم مالك بن نبي وإيفا دو فيتراي مييروفيتش ومحمد حميد الله في باريس. وكان السيد بوكروح من بين المُحاضرين في هذه المناسبة.

إنّ الآيات القرآنية التي تروي كل هذا تتمثل في قوله تعالى: ” وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتْبعَهم فرعونُ وجنوده بغْياً وعدْواً، حتّى إذا أدركه الغرقُ قال آمنْتُ أنَّه لا إله إلاَّ الذي آمَنَتْ به بنو إسرائيل، وأنا من المسلِمين” (90) ءَالْآنَ وقدْ عصيْتً قَبْلُ وكنتَ من المُفسِدين (91) فاليومَ نُنَجِّيك ببدنك لتكون لمن خلفَك آيةً، وإنَّ كثيراَ من النَّاسِ عن آياتنا لغافلون (92) يونس 90-92. وقوله تعالى: “فأَتْبَعَهم فرعونُ بجنودِهِ فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهم” (طه، 78). وقوله تعالى: “يَقْدُمُ قومَهُ يومَ القيامةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ، وبِيسَ الوِرْدُ المورودُ” (هود 98).

هذه ترجمة حرفية للجزء الأول من التشهّد في الإسلام: أشهد أن لا إله إلاَّ الله.

“Moïse et le monothéisme”, Ed. Gallimard, Paris 1948. (النبي موسى وعقيدة التوحيد)

المرجع نفسه.

“موسى و وجهة اليهود” منشورات سوي، باريس 1957

« Moïse et la vocation juive », Ed. du Seuil, Paris 1957.

منشورات Révolution africaine، الجزائر 1968.

 

المصدر: كتاب "جوهر فكر مالك بن نبي"، منشورة دار النشر سمر سنة 2016

آخر التغريدات: