جديدنـا:

يوم العلم الجزائري وعبد الحميد بن باديس

يوم العلم الجزائري وعبد الحميد بن باديس

قد يتساءل الأحباب في الدول العربية الشقيقة عن سبب اعتماد الجزائر الرسمية السادس عشر من أبريل للاحتفال السنوي بيوم العلم الجزائري.. إذ اعتادت بلادنا منذ طرد الغزاة الفرنسيين غداة الخامس يوليو 1962 الاحتفاء بهذا الحدث المصادف لذكرى وفـاة العلامـة عبد الحميد بن باديس ذات 16 نيسان أفريل من العام 1940 إثر عطاء كبير أحيا فيه أمة من موات.. وشعـبا كامـلا من ضياع في أفواه الضباع.

هل كـان فعـلا أمـة لوحـده؟

ست وخمـسون سـنة كامـلة لم تنـس الجزائـريين إمامـهم العلامـة.. مجـدد الإسـلام في الجـزائر ومحـيي أمـة أمـية كادت فرنسا أن تلتهمـها كضـفة جنوبـية وحديـقة خلفـية.. لولا رجـال عاهـدوا الله على الحـياة الحـرة الكريـمة أو الموت الجميل الشريف.. يبدو أن من أبرزهم على صعيد الصراع الفكري والحضاري الشيخ عبد الحميد بن باديس الصنـهاجي الأمازيغـي الأصـل الذي شرف السكان الأصليين للبلاد بحسن استماتته الباسـلة في الذود عن حياض المبادئ والدين واللغة والانتماء الحضاري العربي الإسلامي التلـيد..

نعم وأيـم الله لقد كان ابن باديس أمـة لوحـده.. يستحـق أكثر من الوفـاء واتخـاذ سيرة هذا الرجـل العظـيم مثال احتـذاء ومـنار اقتداء.. بل تجـديد العهـد دائما معه.. بعد أن صارت حـياته نبراسا للجـيل الصاعـد المعـتز بالعروبـة والإسـلام.. عسـى أن يحقق الأحفاد ما حلم به العلامة ورفاقه العلماء الأفـذاذ..

لقد كان رحمه الله أمة لوحـده.. عامـلاً على نشـر لغة الضـاد والقرآن..  محاولا إبقاء نقاء الإسـلام الديناميكي العلمي المتسامح.. مجـاهدا بالقـلم والفـكر واللـسان لاستـعادة جمـيع مقومـات الشخصـية الجزائـرية.. ما كلَّ ولا ملَّ.. حتى لقي ربـه..

*           *           *

لا عجب في ذلك مادام ابن باديس المولود في 5 / 12 / 1889 بقسنطينة عاصمة الشرق الجزائري.. قد نشأ في أسرة عريقة علما وفضلا.. يشهد لها تاريخ الجزائر من عهد المعز بن باديس الصنهاجي إلى العهد العثماني.. حين ذاع صيت أبي العباس أحميدة بن باديس كواحد من أشهر قضاة قسنطينة وأفاضل علمائها.. رغم أن العصور المظلمة قضت على ما كانت تتمتع به هذه الأسرة وغيرها من الأسر الجزائرية من علم ومجد وبطولة ورجولة.. فكمنت تلك الخصائص والميزات إلى أن تجلت في عبد الحميد الذي تحول برعاية الرحمن إلى همزة وصل.. تربط الأواخر بالأوائل.. وتجدد أمجاد الجزائر محاولا رفقة قلة من أقرانه أن يزيل عنها غبار الخمـول والنسـيان..

من طـلب العلـم إلى الدعـوة والتعلـيم والصحافـة

لم يظهر ابن باديس فجأة دون سابق إنذار.. ولم يسطع نجمه بسرعة البرق على غرار بعض مشاهير الدعـاة الشباب والقادة الحركيين الإسلاميين الجدد.. بل قضى نصف عمره الأول في طلب العلم الشرعي فأتم حفظ كتاب الله تعالى ثم تتلـمذ على أيـدي شيخـه حمـدان لونيـسي.. ليهاجـر بعدها إلى جامـع الزيتونـة بتونس الشقيـقة سـنة 1908 ليستزيـد من العـلم الشرعـي على علمائـه حتى أحـرز على شـهادة التطـويع في العـلوم.. وهي مـن أكـبر الشـهادات العلمـية في! ذلك العـهد.. وكان من شيوخه الذين لهم أثر في توجيهه العلمي الشيخ محمد النخلي والشيخ الطاهر بن عاشور.

*           *           *

ما كاد يستقر بقسنطينة بعد عودته من تونس سنة 1912 حتى تحركت في نفسه دواعي التشوق إلى البقاع المقدسة.. فحج واعتمر وجدد العهد بشيخه حمدان الذي زوده  برسالة إلى الشيخ محمد بخيت أحد علماء عصره في مصر، فاتصل به وبكبار الشيوخ ورجع من هنالك بإجازات وأسانيد.

عاد إلى قسنطينة ورابط بمسجد قموش يقضي بياض يومه في تعليم الشبان مبادئ العلوم والإسلام الصحيح.. ويوجههم التوجيه الحسن.. وعند إقبال الليل يلتفت إلى الكهول والشيوخ الملتفين حوله بالجامع الأخضر يدعوهم إلى الله على بصيرة ويذكرهم بأيام الله.. فكانت مجالس دروسه كثيرة الزحام، تخرجت عليه طبقة من العلماء والأدباء امتازوا بعمق التفكير وصدق التعبير فكانوا بحق رواد النهضة الجزائرية في العلم والأدب والوطنية..

*           *           *

كان من مؤسسي جريدة النجاح ثم تخلى عنها وأسس سنة 1925 جريدة المنتقِد.. وتولى رئاسة تحريرها وأسند إدارتها للشهيد أحمد بوشمال.. وكان من كتابها الشيخ مبارك الميلي، والشيخ الطيب العقبي، وقد نشرت في عددها السادس ! مقالاً للميلي تحت عنوان «العقل الجزائري في خطر»، كما نشرت في عددها الثامن قصيدة للعقبي تحت عنوان «إلى الدين الخالص» ومثل هذه القصيدة وذلك المقال يعد جراءة كبرى في ذلك العهد لتناولهما العادات المألوفة بالنقد والت! جريح.. وسارت على خطتها حتى عُطلت بقرار بعدما برز منها ثمانية عشر عدداً.. فأصدر بعد ذلك جريدة الشهاب على خطة المنتقد ومبادئها.. فلاقت في سبيل ذلك ما لاقت من العناء والصعوبات فلم تلن قناتها لغامز.. وتحالفت قوى الرجعية وكل هامز لامز على عبد الحميد حتى أصبح مهدداً في حياته..

ففي سنة 1927 بينما هو متوجه إلى سكنه بعد خروجه من درس التفسير ليلاً، إذا بأحد الجناة يحاول اغتياله، فاستغاث الشيخ فألقى الناس القبض على الجاني قبل إتمام الجريمة..

*           *           *

استحـالت الشـهاب من جـريدة أسبوعـية إلى مجـلة شهـرية فكانت سجـلاً لتاريخ الجـزائر العلمـي والسياسـي في عصر الانبـعاث بين الحربـين العالم! يتـين.. وكان يحـرر فيها عن المجتمع الجزائري المؤرخ المعروف أحمد توفيق المدني، فيما يحـرر عبد الحميد القسم الديني والقسم العلمي من المجلة.. وأهمها مجالس التذكير التي قامت وزارة الشؤون الدينية الجزائرية خلال الثمانينات بجمعها ونشرها في كتاب.. كما تولت طبع ونشر مجموعة دروسه في علم التوحيد على الطريقة السلفية.

من نادي الترقي إلى تأسيس ورئاسة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين

آمن العلامة ابن باديس بالعمل الجماعي واعتنقه منذ بداياته الأولى في الدعوة.. ففي سنة 1927 أسس الحاج المنصالي ومحمود بن ونيش وعمر الموهوب وأحمد توفيق المدني مع بعض الإخوان نادي الترقي.. الذي سرعان ما تحول إلى ملتقى حقيقي للنخبة الجزائرية المفكرة.. سـواء من كان منهم مقيماً بالعاصمة أو من كان وافداً عليها من بقية أنحاء الق! طر الجزائري الفسيح..

شهد نادي الترقي إلقاء الكثير من المحاضرات والمسامرات.. وتنظيم عديد الحـفلات والمناسبات.. فكان العلامة عبد الحميد كلما جاء إلى الجزائر العاصمة حاضر أو سامر أو اجتمع في هذا النادي العريق بالشباب الناهض المتوثب من طلبة العلم والمفكرين.. وقد تحول النادي رويدا رويدا إلى بذرة صالحة للنهضة الجزائرية.. وفي ظلال هذا النادي الدع! وي الفكري تكونت لجنة تحضيرية انبثقت عنها جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.. كان كاتبها الشيخ أحمد توفيق المدني ورئيسها عمر إسماعيل..

*           *           *

تأسست جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في الخامس مايو آذار 1931 كرد فعل عملي ميداني بعد الاحتفال بمضي قرن على احتلال فرنسا الصليبية للجزائر العربية المسلمة.. أراد علماء البلاد صفع  المحتفلين الذين كانت أصواتهم تردد الجزائر فرنسية.. بشعار العلماء المصلحين ” الإسلام ديننا.. العربية لغتنا.. الجزائر وطننا “.. وقد ظهر هذا الشعار أول ما ظهر مكتوباً على كتاب الجزائر للشيخ أحمد توفيق ثم تناولته الألسنة والأقلام ولقن للتلامذة في المدارس وذلك سنة 1931.. لم يجد علماء القطر الجزائري أفضل من العلامة عبد الحميد لرئاسة جمعية العلماء..

*           *           *

ظل الشيخ الرئيس يطوف ببعض أنحاء الجزائر للوعظ والتذكير وتفقد الرفقاء وتوجيههم كل أسبوع.. والنظام الذي كان يسير عليه هو: أن دروسه تبتدئ صباح السبت وتنتهي مساء الأربعاء، وفي ذلك المساء يغادر قسنطينة وما يعود إليها إلا صباح السبت حيث يستأنف التدريس، فتارة يقضي يومي عطلة الأسبوع بالجزائر، وتارة بتلمسا! ن وتارة ببسكرة أو غيرها من المدن..

كانت أيام الأسبوع بالنسبة إليه أيام عمل لا تخلو من مفيد أو جديد، إضافة إلى ما كان يقوم به من مشاركة أعضاء جمعية العلماء في تحرير الجريدة التي تصدرها الجمعية بلسانها.

عندما يموت الرجال

حاول الفرنسيون أيام الحرب العالمية الثانية أخذ مدرسة التربية والتعليم وإحلال اللغة الفرنسية فيها محل اللغة العربية، فقال لهم: لا أسمح بهذا حتى أموت دونه.. فحاولوا الحصول منه على كلمة يشم منها رائحة تأييد في حربهم مع الألمان فما استطاعوا، حتى أسلم الروح لباريها يوم 16 أفريل نيسان 1940 إثر مرض لازم فيه الفراش أياماً معدودات، وحامت الأقاويل حول موته، فمن قائل مات مسموماً ومن قائل أنه مات موتة طبيعية – ولا يعلم الحقيقة إلا الله – وذلك شأن الناس عند موت كل عظيم.

 

آخر التغريدات: