عالمية فكر الشّيخ البشير الإبراهيمي

بقلم: محمّد بومشرة -

عملت جمعية العلماء في داخل الوطن الجزائري على رصّ الصّفوف وتنوير العقول لتحريرها، فما كان لها أن تعمل في حيّز ضيّق منغلقة على نفسها في عمل محلّي كما يحلو لمن جهلوا جمعية العلماء المسلمين تاريخيا أن يصفوها، وتجاهلوا حتّى نشاطاتها العظيمة التي أنصفها علماء ومفكّرو العالم الإسلامي، فتقالّها الآخرون بزعمهم وانصرفوا عنها، بل كانت للجمعية جولات وصولات، وصدى واسع لتدويل القضية الجزائرية في العالم بما أوتوا من عُدّة الرّجال وقوّة الإعلام على بساطتها متوكّلين على الله سبحانه وتعالى، بقيادة الشّيخين العلاّمة عبد الحميد بن باديس ونائبه العلاّمة البشير الإبراهيمي.

شهادات حيّة عن فكر الشّيخ الإبراهيمي:

وهذا الدّكتور جميل صليبا أستاذ الفلسفة المعروف على المستوى العالمي، وصاحب التّآليف الفلسفية العديدة، وهو أحد تلامذة الشّيخ البشير الإبراهيمي يقول عن شيخه: "من عجيب أمر الشّيخ أنّ النّاس كانوا لا يهتمّون به عند لقائه لأوّل مرّة، حتّى إذا تكلّم أو احتجّ أو خطب ألهب النّفوس حماسة وجعل القلوب تشرئبّ إليه للاستماع بفصاحة لسانه وسحر بيانه. يدخل المجلس كزهرة ذابلة فإذا هو بعد الأخذ بناصية الكلام أشبه شيء بكوكب درّي." الشّيخ محمّد البشير الإبراهيمي بأقلام معاصريه، الصفحة: 55 و57/7. شركة دار الأمّة، الطّبعة الأولى-وزارة الثّقافة والسّياحة- الجزائر 1985. والطّبعة الثّانية-دار الأمّة، الجزائر 2007.

"فبين عبد الرّحمن الكواكبي والشّيخ البشير الإبراهيمي أكثر من قاسم مشترك وأكبر ما يجمعهما مقاومة الاستعمار والاستبداد، باعتبارهما مسألتان أو ظاهرتان شغلتا الفكر الإصلاحي وما زلتا في أجزاء عديدة من البلاد العربية والإسلامية." د- أسعد السّحمراني. الشّيخ محمّد البشير الإبراهيمي بأقلام معاصريه، الطّبعة الثّانية دار الأمّة، الجزائر 2007.

وفي مصر أمّ الدّنيا كما يقال عنها، كان لأعضاء جمعية العلماء صولات وجولات فيها، "فقد التفّ حول الشّيخ الإمام البشير الإبراهيمي العلماء والدّعاة فأفادوا منه الشّيء الكثير، فقد استطاع الشّيخ البشير الإبراهيمي بتضلّعه في علم البيان والنّحو والصّرف واللّغة أن يكون أميراً للبيان في العالم العربي والإسلامي دون منازع، متفوّقا أمير البيان شكيب أرسلان. مجلّة الأمّة إسلامية-شهرية-جامعة. العدد 46، صفحة 56 و57. شوّال 1404هـ /يوليو 1984م.

وفي ندوة انتظمت بدار جمعيات الشّبان المسلمين بالقاهرة سنة 1963، شارك فيها أستاذنا الشّيخ الإبراهيمي بمحاضرة عن الجزائر، حضرها نخبة من العلماء الأعلام. وعندما أنهى كلامه صعد المنصّة الدّكتور منصور فهمي أستاذ طه حسين وزكي مبارك حينما استمع إلى محاضراته، وقبل أن يدخل إلى المنصّة خلع حذاءه ودخل حافيا وهو يقول: "إنّ هذا المنبر الذي يقف فيه الشّيخ أصبح ساحة مقدّسة ينبغي أن يدخلها النّاس كما يدخلون الحرم، وأُعلن هنا أنّي لم أر ولم أسمع في حياتي من هو أفصح وأبلغ من الشّيخ البشير. لهذا أتوجّه إليه قائلا: أنت ملك العربية لهذا العصر.. ملكت نواصيها ونواصينا. وإنّي أدعو العلماء والأدباء في الوطن العربي إلى أن يلقوا إليك بمقاليد اللّغة والبيان." وبعد ذلك أعلن الأستاذ كامل كيلاني المبايعة.

يقول الشّهيد الأستاذ سيّد قطب: "وإنّني لأكتفي اليوم بهذه الكلمات القلائل تحيّة لجمعية علماء الجزائر وشيخها الجليل الذي يحاورنا اليوم، فيبعث فينا من روحه القوي شعاعا حارا، ويشعرنا بأنّ في العالم الإسلامي رجالا... رجالا من طراز فريد ولن يموت هذا العالم وهو يبعث من أعماقه بمثل هؤلاء الرّجال." مذكّرات الشّيخ خير الدّين ج1، ص:401.

قال الإمام محمّد الغزالي: "كان فقيها ذكي الفكرة، بعيد النّظرة." مجلّة الوعي الإسلامي –فكرية، ثقافي. تصدر عن دار الوعي. العدد 2، الصفحة 45. ذو القعدة وذو الحجّة 1431 هـ/ نوفنبر 2010م.

وقال أيضا: "إنّما جذبنا الرّجل بإيمانه العميق، وحزنه الظّاهر على حاضر المسلمين، وغيظه المتفجّر ضدّ الاستعمار، ورغبته الشّديدة في إيقاظ المسلمين ليحموا أوطانهم ويستنقذوا أمجادهم، وخيّل لي أنّه يحمل في فؤاده آلام الجزائريّين كلّهم وهم يكافحون الاستعمار الفرنسي، ويقدّمون المغارم سيلا لا ينقطع حتّى يحرّروا أرضهم من الغاصبين الطّغاة، وكان في خطابته يزأر كأنّه أسد جريح، فكان ينتزع الوجل من أفئدة الهيابين، ويهيج في نفوسهم الحميّة لله ورسوله، فعرفت قيمة الأثر الذي يقول: (إنّ مداد العلماء يُوزن يوم القيامة بدم الشّهداء)." الشّيخ محمّد البشير الإبراهيمي بأقلام معاصريه.شركة دار الأمّة، الطّبعة الأولى-وزارة الثّقافة والسّياحة- الجزائر 1985. والطّبعة الثّانية-دار الأمّة، الجزائر 2007. دفّة الغلاف الأخيرة.

ويقول الشّيخ العلاّمة الدّكتور يوسف القرضاوي: "ولقد لقيت العلاّمة الإبراهيمي مرّتين في القاهرة، واستمعت إليه وأُعجبت به. إحداهما في قاعة الشّيخ محمّد عبده، حينما دعوناه ليتحدّث في الحفل الكبير الذي أُقيم لتوديع كتيبة شباب الأزهر المسافرة إلى قناة السّويس لقتال الإنجليز." والثّانية نسي مناسبتها. ويضيف قائلا: "وقد كان الشّيخ إذا تحدّث يتدفّق كأنّه البحر الثُّجاج، ويتألّق كأنّه السّراج الوهّاج، وأشهد أنّه شدّ الحاضرين جميعا بيانه النّاصع، وخطابه الرّائع، وسعة اطلاعه على الأدب والتّاريخ، واستشهاده بحكم البلغاء، وروائع الشّعراء، ووقائع المؤرّخين."

ويقول المفكّر والباحث المصري الأستاذ الدّكتور محمّد عمارة في محاضرة بعنوان الشّيخ الإبراهيمي إمام في مدرسة الأئمّة: "وبعد ثورة الشّريف حسين بن علي 1854-1931م حاكم المدينة المنوّرة يومئذ ضدّ الخلافة العثمانية ولحساب الإنجليز وكان الشّيخ البشير ضدّ هذه الثّورة تمّ ترحيل الكثير من سكّان المدينة إلى الشّام، ومنهم الشّيخ البشير ووالده في النّصف الأخير من 1916 فاستقرّ بدمشق قرابة أربع سنوات."

ويواصل الدّكتور محمّد عمارة: "وبعد الإفراج عنه، عاد إلى قيادة العمل الإصلاحي كأقوى ما يكون عزما وأصلب ما يكون عودا. وفي 07 مارس 1952 بدأ الشّيخ البشير رحلته الثّانية المشرق فأقام بالقاهرة أسبوعا.. وفي باكستان قرابة ثلاثة أشهر، ألقى فيها –بمختلف مدن باكستان- نحوا من سبعين محاضرة في الدّين والاجتماع والتّاريخ والإصلاح.. ثمّ ذهب إلى العراق فطوف بِمُدُنِهِ نحوا من ثلاثة أشهر ألقى فيها عشرات من المحاضرات.. ثمّ رحل إلى الحجاز في موسم الحجّ 1952 وألقى في الحرمين الشّريفين العديد من الدّروس والمحاضرات.. ثمّ رجع إلى القاهرة في 24 أكتوبر من نفس العام –ربيع أوّل 1372 هـ- ومنها عاود التّرحال إلى العراق والحجاز وسوريا والأردن والقدس لعدّة مرّات.. محاضرا في الدّعوة إلى الإصلاح، ومدرّسا بالمساجد الكبرى، وفي بعض المدارس لعلوم الإسلام والعربية.. ومعرّفا بالقضية الجزائرية، وداعيا إلى مناصرة شعبها وثورتها التي قامت في عام 1954، ومدافعا عن القضية الفلسطينية، وسائر قضايا الأمّة الإسلامية. وفي القاهرة التي اتّخذها مركزا لنشاطه انتخب عضوا عاملا بمجمع اللّغة العربية سنة 1961."

يقول الدّكتور محمّد فاضل الجمالي أستاذ في الجامعة التّونسية (العراق): "للشّيخ البشير آراء في التّربية الإسلامية يحتاج إليها عالمنا الإسلامي في كلّ أرجائه."

ويقول أيضا: "حضرت في خريف سنة 1951 اجتماع الجمعية العمومية للأمم المتّحدة المنعقد في "قصر شاو" في باريس بوصفي رئيسا للوفد العراقي، وانتخبت نائبا لرئيس الجمعية العمومية في تلك السّنة. نزلت في فندق "كريون" الشّهير، وذات يوم زارني وفد جزائري يرأسه شيخ جليل هو العلاّمة المجاهد الشّيخ البشير الإبراهيمي، وكان الشّيخ رحمه الله يجمع بين البيان السّاحر والحجّة الدّامغة والدّعابة المستظرفة.

وقد طلب إليّ إثارة قضية الجزائر في الأمم المتّحدة، فأجبته إنّ ذلك غير ممكن في الظّروف الرّاهنة لاسيّما وأنّ قضية المغرب لم يمكن درجها في جدول أعمال الدّورة الحالية بل أُجّل النّظر فيها إلى الدّورة القادمة في نيويورك. وبعد تناول الطّعام وقف الشّيخ البشير خطيبا في الحاضرين منوّها بقضية الجزائر. وكان من جملة ما قاله: "أنّ الجزائر ستقوم قريبا بما يُدهشكم من تضحيّات وبطولات في سبيل نيل استقلالها، وإبراز شخصيتها العربية الإسلامية."

ويقول الدّكتور محمّد صالح الجابري –المنظّمة العربية للتّربية والثّقافة والعلوم-: "إنّ البشير الإبراهيمي كان يتحمّل مسؤولية الإشراف على توجيه الطّلبة الزّيتونيّين المهاجرين إلى تونس أثناء فترة ترؤّسه للجمعية وقبلِها، وكان شديد الاهتمام بقضاياهم، منشغلا بأوضاعهم، كثير الاتّصال بهم سواء في الجزائر أو تونس."

وممّا جاء في مذكّرات الدّكتور جميل صليبا عن الشّيخ البشير الإبراهيمي: "أسعدني الحظّ بلقائه بعد ذلك في بغداد خلال الاحتفال بذكرى ابن سينا، فسرّني ما لقيه لدى الحكومة العراقية من حفاوة وتكريم خاص. نظرت إلى مكانه في إحدى الحفلات الرّسمية، فإذا هو في الصّفّ الأوّل بين الوزراء والسّفراء بخلاف المستشرقين والعلماء الأوروبّيّين الذين وُضعوا في الصّفّ الثّاني أو الثّالث. قال لي (ماسينيون) وكان من الذين ألقوا كلمة في المهرجان، أنّه يريد أن يحتجّ لدى الحكومة العراقية على تقديم الإبراهيمي عليه. فلمّا سألته عن سبب نقمته قال لي: أنّ هذا الرّجل من ألدّ أعدائي، كتب في البصائر أنّي عملت على حرمان الجزائريّين حقّ الاستمتاع بأوقافهم مع أنّي في الحقيقة حفظتها من الضّياع بتنظيمها والاشراف عليها." الثّقافة، مجلّة تصدرها وزارة الثّقافة والسّياحة بالجزائر، العدد 87 الصفحة 57، شعبان ورمضان 1405 هـ / مايو ويونيو 1985م.

أمّا في المدينة المنوّرة فكان الشّيخ البشير الإبراهيمي يُلقي دروسا في المسجد النّبوي الشّريف وعمره لا يتعدّى أربعة وعشرين عاما.

وفي سوريا درس ودرّس بالمدرسة الأشرفية، يقول الدّكتور جميل صليبا كنّا ندرس اللّغة العربية في مكتب عنبر بدمشق على الأستاذ الشّيخ عبد القادر مبارك، فلمّا نُقل إلى المدرسة الحربية عهدت وزارة المعارف إلى الشّيخ محمّد البشير الإبراهيمي في التّدريس مكانه، فأُعجبنا بسعة علمه، وقوّة ذاكرته، واستقامة منهجه لأنّه كان يملي علينا المتنبّي والبحتري وأبي تمّام عن ظهر القلب من أوّلها إلى آخرها، ويُقرّب معانيها من أفهامنا بالتّفسير المحكم والشّرح الدّقيق والتّحليل الأدبي الجميل. حتّى ولّد في نفوسنا حبّ اللّغة العربية وآدابها.

يقول الدّكتور أحمد طالب الإبراهيمي في مذكّراته، الجزء الأوّل الصّفحة 57 حين يتحدّث عن اتّصالات والده الشّيخ البشير الإبراهيمي مع مراسليه في العالم: "كان والدي يملي عليّ حينئذ مراسلاته، وكان يملي في المتوسّط رسالتين أو ثلاثا في اليوم؛ يبعث بها إلى مراسليه الموزّعين عبر العالم في أمريكا اللاّتينية وآسيا وأروبا والمشرق خاصّة. وأصبحت بعض الأسماء مألوفة عندي مثل الشّاعر شفيق معلوف في ساوباولو، والمستشرق عبد الكريم جرمانوس في بودابست، وراعي العلماء والأدباء محمّد نصيف في جدّة، والكاتب طه حسين في القاهرة وغيرهم..." إلى أن يقول: "...وأتحسّر كثيرا على ضياع الرّسائل التي وجّهها والدي إلى طه حسين، عندما تولّى وزارة المعارف، والمتعلّقة بمشروع إنشاء معهد ثقافي مصري في باريس، كان والدي يشجّعه بكلّ ما لديه من قوّة."

كما لا ننسى دولتي الهند وباكستان كانت لجمعية العلماء بصمات فيهما، ومودّة مع الشّيخ أبي الأعلى المودودي وغيره من العلماء...لقد أرسل الشّيخان البشير الإبراهيمي والفضيل الورتلاني إلى حضرتي صاحبي الفخامة السّيّد غلام محمّد حاكم باكستان العام، ودولة السّيّد محمّد علي رئيس الوزارة الباكستانية -كراتشي- برقيّة في قضيّة عالِم من أكبر علماء الإسلام ومن أعظم دعاته وهو الشّيخ أبو الأعلى المودودي الذي حُكم عليه بالإعدام ثمّ بأربع عشرة سنة سجنا والتي جاء في محتواها أنّ هذا الحُكم أحزن مئات الملايين من المسلمين في العالم، وأفرح أعداء الإسلام كلّهم.. طالع كتاب: آثار محمّد البشير الإبراهيمي الجزء الرّابع الصّفحة 697.

ومثل هذا النّوع من البرقيات رسالة احتجاج إلى رئيس جمهورية مصر العربية في ذلك الوقت لتخفيف حُكم الإعدام الصّادر في حقّ الكاتب والدّاعية الإسلامي الشّهيد سيّد قطب، إلاّ لأنّه قال ربّنا الله.

وفي مجلّة "مجمّع اللّغة العربية" بدمشق، العدد 41 بتاريخ أبريل 1966، كتب عالِم الشّام ومحقّقه الأستاذ الكبير محمّد بهجة البيطار مقالا تأبينيّا للشّيخ البشير الإبراهيمي كعضو في المجمّع، وكعالم مجاهد، وكأستاذ لأجيال من الشّباب في المشرق وفي المغرب، وجاء في المقال قوله: "...وقد كان لنعيه بدمشق رنّة أسف وحزن شديدين عند عارفي فضله وأدبه، إذ كان قضى مدّة دعي فيها إلى تدريس اللّغة والأدب في (تجهيز دمشق) فكان المجلّى في دروسه، وتخرّج عليه عدد وافر كان لهم أثر ظاهر في مجتمعنا العربي، ومنهم الدّكتور (جميل صليبا) زميلنا في المجمّع العلمي، وهو أحد المعجبين بأدب الأستاذ الإبراهيمي."

يقول الأستاذ محمّد خمّار في محاضرته عنوانها: لمحات إنسانية من حياة الإمام الإبراهيمي: "كان الشّيخ الإبراهيمي رحمه الله بحرا في العلوم والمعارف، من ذلك أنّه حينما قدم إلى القاهرة عام 1952 كان من ضمن البرنامج الذي وُضع له زيارة كلّية الآداب بجامعة القاهرة، فدخل إلى عدّة أقسام دراسية في اللّغة والتّاريخ وعلم الاجتماع؛ فكان كلّما دخل قسما وطُلب إليه أن يقول كلمة يأخذ رأس موضوع الدّرس من الدّكتور المحاضر ويتحدّث فيه بعذوبة واستفاضة وفصاحة كمن يغرف من بحر حديث العالِم المتعمّق بما حيّر وأدهش الأساتذة والطّلبة الذين تعوّدوا على التّخصّص الضّيّق وضرورة مراجعة معظم الأساتذة للمصادر والاسترشاد بالمذكّرات قبل إلقاء المحاضرة وأثناءها." الشّيخ محمّد البشير الإبراهيمي بأقلام معاصريه. شركة دار الأمّة، الطّبعة الأولى-وزارة الثّقافة والسّياحة- الجزائر 1985. والطّبعة الثّانية-دار الأمّة، الجزائر 2007. ص: 353.

ولم يكتفِ الشّيخ الإمام محمّد البشير الإبراهيمي وهو يتابع بفكره وقلبه وأعصابه وإحساسه كلّ بلاد الإسلام، بل امتدّ همّه وفكره إلى الأقلّيات الإسلامية التي تعيش في الغرب وفي غيره.

ويقول عنه الدّكتور إبراهيم مدكور الأمين العام لمجمع اللّغة العربية بالقاهرة: "لقد عشنا مع البشير لحظات، وعرفناه في طفولته وصباه، وتابعناه في كهولته وشيخوخته، أقمنا معه حيث أقام، ورحلنا حيث رحل، ووقفنا على أعماله الجليلة، وآثاره الخالدة، واستخلصنا من حياته الدّرس النّافع، وجزاه عن الإسلام والعروبة خير الجزاء."

قضية فلسطين في فكر الشّيخ الإبراهيمي:

وتبقى قضية فلسطين قضية كلّ مسلم حرّ، على الرّغم من أنّ الجزائريّين كانوا يعانون من ظلم الاستدمار وعنف الاحتلال وسياسة التّشويه للهُوية الجزائرية ومسخها، فلم ولن يتخلّوا على فلسطين وجعلت جمعية العلماء المسلمين فلسطينَ جزءا من قضيّتها الأساسية.

قال الرّئيس عبد العزيز بوتفليقة: "ولم يُنس همّ الجزائر الإمامَ الإبراهيمي همومَ العرب والمسلمين، فناصر جميع قضاياهم من المغرب إلى المشرق، ونالت قضية فلسطين –لخصوصيتها- الاهتمام الأكبر، فأسّس لجنة لمساعدة فلسطين، وعرض مكتبته للبيع للتّبرّع بثمنها إلى فلسطين، ودَبَّجَ بقلمه البليغ سلسلة من المقالات عنها، قال فيها الدّكتور فايز الصّايغ الأستاذ بالجامعة الأميركية ببيروت: إنّه لم يُكتب مثلها من يوم جرت الأقلام في قضية فلسطين."

ممّا كتب الشّيخ الإبراهيمي عن قضية فلسطين:

قال الشّيخ البشير الإبراهيمي في مقال نُشر في العدد الخامس من جريدة البصائر سنة 1948 بعنوان "تصوير الفاجعة": "يا فلسطين! إنّ في قلب كلّ مسلم جزائريّ من قضيّتك جروحا دامية، وفي جفن كلّ مسلم جزائريّ من محنتك عبرات هامية، وعلى لسان كلّ مسلم جزائريّ في حقّك كلمة متردّدة هي: فلسطين قِطعة من وطني الإسلامي الكبير قبل أن تكون قطعة من وطني العربي الصّغير؛ وفي عنق كلّ مسلم جزائري لك –يا فلسطين- حقّ واجب الأداء، وذمام متأكّد الرّعاية، فإن فرّط في جنبك أو أضاع بعض حقّك فما الذّنب ذنبه وإنّما هو ذنب الاستعمار الذي يحول بين المرء وأخيه والمرء وداره والمسلم وقِبلته. "

ويقول أيضا في نفس المقال: "أيظنّ الظّانّون أنّ الجزائر بعراقتها في الإسلام والعروبة تنسى فلسطين، أو تضعها في غير منزلتها التي وضعها الإسلام من نفسها، لا والله ويأبى لها ذلك شرف الإسلام ومجد العروبة ووشائج القربى.."

ويقول أيضا في نفس المقال متحدّيا الصّهاينة في ذلك الزّمن وهي في أوجّ قوّتها وجبروتها وطغيانها بعد التّآمر على فلسطين واحتلالها: "أيّها العرب! إنّ قضية فلسطين محنة امتحن الله بها ضمائركم وهممكم وأموالكم ووحدتكم، وليست فلسطين لعرب فلسطين وحدهم وإنّما هي للعرب كلّهم، وليست حقوق العرب فيها تنال بأنّها حقّ في نفسها، وليست تنال بالهوينا والضّعف، وليست تنال بالشّعريات والخطابيّات، وإنّما تنال بالتّصميم والحزم والاتحاد والقوّة. إنّ الصّهيونية وأنصارها مصمّمون، فقابلوا التّصميم بتصميم أقوى منه وقابلوا الاتّحاد باتّحاد أمتن منه.

وكونوا حائطا لا صدع فيه ** وصفّا لا يرقّع بالكُسالى."

وقال الشّيخ البشير في مقال موسوم "العرب واليهود في الميزان عند الأقوياء"، الجزء الثّاني من آثار محمّد البشير الإبراهيمي الصّفحة 501:

"..وويح الجميع!.. إنّ غرس صهيون في فلسطين لا ينبت، وإذا نبت فإنّه لا يثبت، فانتظروا إنّا معكم من المنتظرين."

ويختم المقال: "أيّها العرب، أيّها المسلمون! إنّ فلسطين وديعة محمّد عندنا وأمانة عمر في ذمّتنا وعهد الإسلام في أعناقنا، فلئن أخذها اليهود منّا ونحن عصبة إنّا إذًا لخاسرون."

ومن أراد أن يتمعّن في هذا الموضوع بقلب يتعصّر دما وأعين تذرف دمعا عليه بقراءة "عيد الأضحى وفلسطين" وعناوين أخرى بالجزء الثّاني من آثار محمّد البشير الإبراهيمي بالصّفحات الأخيرة منه.

لم يكن الشّيخ البشير الإبراهيمي بالذي يخطب في كلّ النّوادي بلا عمل، ويبكي على فلسطين في المؤتمرات، بل ترأّس لجنة إغاثة القدس، ومازالت تؤتي أُكلها إلى يومنا هذا بنَفس طويل وثوب جديد.

الخلاصة:

وعمل حاقدوه وكتب باغضوه في زمانه، وحتّى يومنا هذا على التّقليل من شأنه والاستخفاف به لكن أوسعوا في ذكره عالميا في عدّة ملتقيات خاصّة به وزادوه طيبا. قال الشّاعر الحكيم:

يخاطبني السّفيه بكلّ قبح **** وأكره أن أكون له مجيبا

يزيدني سفاهة وأزيد حلما **** كعود زاده الإحراق طيبا

وأثناء عودتي إلى بعض المراجع لأبيّن عالمية فكر الشّيخ البشير الإبراهيمي لم أتمكّن من جمعها لكثرتها ليس عجزا منّي، وإنّما هو بحث متواضع حتّى أتمكّن من إلقائه على الحاضرين بدون أن يحومهم الملل ورغم محاولتي للاختصار، غلبتني المعلومات المتهاطلة فالموضوع كان أكبر منّي ولكنّني عزمت على خوضه لكثرة المراجع والاستعانة بها.

الخاتمة:

أختم مقالي بأبيات للأستاذة مها غريب بجامعة الجزائر من قصيدة موسومة بالصّوت الخالد، وممّا تقول:

صوت "البشير محمّد" أعظم به **** رجلا توهّج فطنة وكمالا..!

شهم فقيه، عالم، ومؤرّخ، **** رأس البلاغة – خطبة ومقالا

أسد إذا الإسلام ريع عرينه **** شحذ اليراعة وامتطى الأهوالا

ماذا أقول عن "البشير" وفضله **** أنّي وجدت الفصل فيه محالا

هو شمس عرفان، وبحر مكارم، **** أن قال أتبع قوله الأفعالا

عملاق فكر ناهض، وعقيدة **** قد خطّ في كلّ الفنون مجالا

رجل كان الوحي فيه منزل **** مَنْذَا يُطاول سيّدا مِفْضالا ؟؟

فلقد رأيتك في الشّام منارة **** وبمصر نورا، والحجاز بلالا

في القدس تهتف للجهاد مندّدا **** بالغاصبين، وتنذر الأقيالا

في الرّافدين، وفي الجزائر في ربى **** لبنان، تزرع وحدة ونضالا

في المغرب الأقصى، وتونس، تبني **** للدّين صرحا يوقظ الآمالا

في المشرقين وفي المغارب كلّها **** أعطيت علما، بل غرست خصالا

ولطالما عرّيت وجه مزيّف **** ولطالما فصلته أشكالا

اللّهمّ اجعلنا مخلصين لأرواح شهدائنا وخاصّة لروح المرحوم الإمام الهمام الشّيخ البشير الإبراهيمي، تغمّده الله تعالى برحمته، وأسكنه فردوس جنانه واجعلنا أوفياء لجهاده.

 

المراجع:

· الملتقى الدّولي للإمام محمّد البشير الإبراهيمي بمناسبة الذّكرى الأربعين لوفاته. الجزائر قصر الثّقافة في 13 و14 ربيع الثّاني 1426 هجرية، الموافق لـ: 22 و23 مايو 2005م.

· مذكّرات الشّيخ محمّد خير الدّين. الجزء الأوّل. المؤسّسة الوطنية للكتاب.

· مذكّرات جزائري أحلام ومحن 1932-1965. للدّكتور أحمد طالب الإبراهيمي. الجزء الأوّل. دار القصبة للنّشر.

· آثار محمّد البشير الإبراهيمي الجزء الرّابع الصّفحة 697.

· الشّيخ محمّد البشير الإبراهيمي بأقلام معاصريه.شركة دار الأمّة، الطّبعة الأولى-وزارة الثّقافة والسّياحة- الجزائر 1985. والطّبعة الثّانية-دار الأمّة، الجزائر 2007.

· الثّقافة، مجلّة تصدرها وزارة الثّقافة والسّياحة بالجزائر، العدد 87 الصفحة 57، شعبان ورمضان 1405 هـ / مايو ويونيو 1985م.

· مجلّة الوعي الإسلامي –فكرية، ثقافي. تصدر عن دار الوعي. العدد 2، الصفحة 45. ذو القعدة وذو الحجّة 1431 هـ/ نوفنبر 2010م.

آخر التغريدات: