الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي شاهد على العصر: يتحدث عن والده الشيخ الإبراهيمي وجمعية العلماء

نقتبس شهادة الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي ابن العلامة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي في حصة شاهد على العصر التي تعدها قناة الجزيرة ويقدمها الإعلامي أحمد منصور، حيث يتطرق الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي في الحلقة الأولى لـ: الاستعمار الفرنسي يدير المساجد - التأثير النفسي لاعتقال الإمام الإبراهيمي - تأسيس جمعية العلماء المسلمين..

أحمد منصور: ولد الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي في مدينة سطيف شرق الجزائر عام 1932 والده هو الشيخ البشير الإبراهيمي أحد مؤسسي جمعية علماء المسلمين الجزائرية ورئيسها، التحق أحمد بكلية الطب بجامعة الجزائر عام ،1949 انتقل وهو في السنة الخامسة إلى فرنسا لإكمال دراسته بكلية الطب جامعة باريس حيث واصل نضاله عبر إتحاد الطلاب المسلمين في فرنسا الذي أصبح رئيسه، وبعد عامين من النشاط اعتقلته السلطات الفرنسية وأودعته سجن لاسنتيه لمدة 5 سنوات حيث قضى هذه السنوات مع الزعماء الخمسة بن بله وبوضياف وآيت أحمد وحيدر والأشرف، فكانت فرصة تاريخية سيقت إليه، أفرجت عنه السلطات الفرنسية عام 1961 وعاد إلى الجزائر في شهر يوليو عام 1962. في عهد بومدين أصبح وزيراً للتربية والتعليم ثم وزيراً للإعلام ثم وزيراً للخارجية في عهد الشاذلي بن جديد، رشح نفسه للانتخابات الرئاسية الجزائرية عام 1999 منافساً للرئيس عبد العزيز بوتفليقة وآخرين. نتابع في هذه الحلقة والحلقات القادمة شهادته على عصر الثورة الجزائرية وسنوات الاستقلال، دكتور مرحباً بك..

أحمد طالب الإبراهيمي: أهلاً وسهلاُ.

أحمد منصور: ولدت في الخامس من جانفي أو يناير عام 1932 في مدينة سطيف شرق الجزائر في عائلة علم ودين، والدك كان الشيخ البشير الإبراهيمي أحد مؤسسي جمعية العلماء، انتقلت في العام 1933 للإقامة في تلمسان كيف كانت مراتع الصبا والطفولة؟

أحمد طالب الإبراهيمي: بسم الله الرحمن الرحيم في البداية أحيّي مشاهدي الجزيرة أينما كانوا وقبل أن أجيب عن سؤالك بودي أن أبدي بعض الملاحظات: أولاً هناك أجيال من الجزائريين لم يعايشوا إلا الفترة الاستعمارية التي دامت 130 سنة ولم ينعموا برؤية استقلال بلادهم. من جهة أخرى هناك أجيال من الجزائريين لم يعايشوا إلا الجزائر المستقلة ولم يعرفوا عن الاستعمار إلا عن طريق الكتب أو الأفلام، أما الجيل الذي أنتمي إليه فكتب الله له أن يعيش مرحلة احتضار الاستعمار الفرنسي في الجزائر أي سنواته الأخيرة وأن يعيش الثورة المسلحة من بدايتها إلى نهايتها وأن يعيش الخطوات الأولى للجزائر المستقلة، فلولا انتمائي إلى هذا الجيل المخضرم لما كانت لشهادتي أي قيمة. الملاحظة الثانية أن كل فرد من هذا الجيل لم يعش الحركة الوطنية والثورة المسلحة والجزائر المستقلة في كل أمكنتها وأزمنتها وإنما عاش مرحلة معينة في مكان معين ولا يستطيع أن يتكلم بإسهاب إلا عن هذه المرحلة أما الباقي فيدخل في خانة التخمين والتحليل. أما الملاحظة الأخيرة فتنبثق من الآية الكريمة {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} [الإسراء: 36] بالنسبة للسياق التاريخي لطفولتي فكما تفضلت فقد ولدت سنة 1932 بمدينة سطيف بشرق الجزائر في بلد كانت فرنسا قد احتلته منذ قرن.

أحمد منصور: 100 عام من الاحتلال الفرنسي..

أحمد طالب الإبراهيمي: بعد مقاومة باسلة قادها الأمير عبد القادر وأحمد باي، وبعد عقدين من الجهاد انهزم الشعب الجزائري لكنه لم يستكن بل قام بانتفاضات متتالية طيلة القرن 19 أهمها ثورة فاطمة أنسومة في الوسط الجزائري وثورة المقراني في الشرق وثورة بوعمامة في الغرب، وكل هذه الانتفاضات أخمدت بالحديد والنار والاستعمار الفرنسي بالجزائر يختلف عن الاستعمار الذي عرفته دول إسلامية أخرى.

الاستعمار الفرنسي يدير المساجد

أحمد منصور: كيف سيختلف؟

أحمد طالب الإبراهيمي: كان استعمارا استيطانيا شمولياً بدأ في الاستيلاء على الأراضي وسياسة التجويع والتفقير ثم انتقل إلى المقومات الشخصية الوطنية من دين ولغة وتراث  فاستولى على المساجد وأوقافها..

أحمد منصور: كان الاستعمار هو الذي يدير المساجد؟

أحمد طالب الإبراهيمي: كان الاستعمار هو الذي يدير، استولى على كل المساجد التي ورثناها عن أجدادنا من الفتح الإسلامي إلى الدولة العثمانية مروراً بالرستميين والموحدين والزيادين فحطم وهدم بعض المساجد وحول بعضها إلى كنائس، أما البقية الباقية فاستولى عليها وأصبح هو الذي يعين الإمام ويعين القاضي والمفتي.

أحمد منصور: اسمح لي وأنت تعرف والدك من خلال الهوية الفرنسية قلت إنه فرنسي مسلم أهلي غير مجنس ماذا يعني ذلك في ظل الاحتلال الفرنسي للجزائر؟

أحمد طالب الإبراهيمي: لأن الفرنسيين اعتبرونا..

أحمد منصور: فرنسيين ولكن طبقة أخرى؟

أحمد طالب الإبراهيمي: طبقة أخرى..

أحمد منصور: طبقة أدنى..

أحمد طالب الإبراهيمي: يسموها سيجي فرنسي يعني مش مواطن أقل من المواطن..

أحمد منصور: لكن كانوا لا يحسبونكم جزائريين وإنما فرنسيين..

أحمد طالب الإبراهيمي: فرنسيين نعم.

أحمد منصور: اعتبروكم جزءا من فرنسا..

أحمد طالب الإبراهيمي: مسلمون فرنسيون مسلمون، غير متجنس لأن أقلية قليلة جداً تجنست، إذن الاستعمار استولى على المساجد وحطم الزوايا التي كانت تنشر الدين واللغة ومول حملات تبشيرية كثيرة قادها الكاردينال فيجري، كانوا يستغلون المجاعات والأوبئة ويقومون بإيواء وتمسيح اليتامى الأطفال.

أحمد منصور: رغم اعتراض والدك التحقت بالمدرسة الفرنسية في عام 1937 كيف كانت الدراسة في المدرسة في ظل الاحتلال الفرنسي؟

أحمد طالب الإبراهيمي: في الحقيقة دخلت المدرسة الفرنسية سجلني أخي في سنة.. في أكتوبر 1938 وكانت بالنسبة لي مفاجأة غريبة لأنني اكتشف عالماً أخر، واكتشفت ما يسميه الفلاسفة بالغيرية أن بجانبنا نحن المسلمين هناك طائفة تعيش في الجزائر لها دينها ولغتها وتقاليدها وهي طائفة مسيطرة لأن منها الحاكم والمحافظ والشرطي والطبيب والمهندس.

أحمد منصور: لم يكن لديك علم أن الجزائر محتلة وأن الفرنسيين هم الذين يسيطرون؟

أحمد طالب الإبراهيمي: طبعاً ولكن لم أسمع كلمة فرنسية في البيت قبل ذلك اليوم، الصدمة جاءت من هنا.

أحمد منصور: يعني لم تختلط بالفرنسيين قبل المدرسة؟

أحمد طالب الإبراهيمي: لا أبداً قبل دخولي المدرسة الفرنسية لم أختلط أبداً بالفرنسيين ولم اشعر بوجودهم حسياً طبعاً.

أحمد منصور: طيب هل انسجمت معهم حينما دخلت إلى المدرسة؟

أحمد طالب الإبراهيمي: والله بعد وقت طويل تأقلمت واستمرت دراستي الابتدائية ثم المتوسطة ثم الثانوية.

التأثير النفسي لاعتقال الإمام الإبراهيمي

أحمد منصور: حينما كان عمرك 8 سنوات تعرضت لصدمة أخرى حينما أعتقل والدك ونفي إلى مدينة آفلو التي تبعد مئات الكيلومترات وبقي هناك  لمدة عامين ما تأثير هذا على حياتك؟

أحمد طالب الإبراهيمي: قبل أن أتحدث عن آفلو لا بد أن أتحدث عن تلمسان وعن تأسيس جمعية العلماء لأن في سنة 1930 احتفلت فرنسا بالذكرى المئوية لاحتلالها الجزائر وكان احتفالا عظيماً حضره رئيس الجمهورية الفرنسية نفسه وكان هذا الاحتفال بمثابة حفل تأبين الإسلام والعربية في الجزائر.

أحمد منصور: كيف؟

أحمد طالب الإبراهيمي: ظنوا بعد 100 سنة من محاربة الدين واللغة والتراث أنهم استطاعوا أن يفرنسوا الجزائر ولكن شاءت الأقدار أن تولد جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في سنة 1931 سنة واحدة بعد ذلك الاحتلال.

أحمد منصور: هذه أسسها الشيخ بن باديس ووالدك الشيخ البشير.

أحمد طالب الإبراهيمي: هذه الجمعية تأسست وكان هدفها تصحيح العقيدة وتسليح الناشئة ضد الغزو الثقافي وقد لعبت دوراً كبيراً في إحياء الدين واللغة والتراث.

أحمد منصور: كيف سمح الفرنسيون يعني من التساؤلات التي عندي وأنا أدرس هذه المرحلة أنه كيف سمح الفرنسيون بتأسيس هذه الجمعية في الوقت الذي كانوا يحاربون فيه اللغة العربية ويحاربون التوجهات الإسلامية لدى الجزائريين ويعتبرونهم جزءاً من الفرنسيين؟

أحمد طالب الإبراهيمي: بدأت الأفكار تتطور حتى في فرنسا وكان الغطاء هو الدين، أعطيك مثالا، كان الوالد والشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله ينتقلان من قرية لقرية، من سنة 1920 إلى 1930 لأنني لم أحكِ عن الوالد ورحلته إلى المشرق لأنني أنحدر من أسرة كما قلت دين وعلم ووطنية أعطت بعض العلماء للمنطقة وكانت تقوم بتعليم الطلبة وإيوائهم وإطعامهم طيلة السنة، وأعطت للمنطقة سلسلة من العلماء كان أخرهم الشيخ المكي الإبراهيمي عم والدي، وعندما توفي الشيخ المكي هاجر جدي إلى المشرق واستقر في المدينة المنورة والتحق به والدي سنة 1911 ودرس والدي في الحرم النبوي ثم درس بالحرم النبوي وكان مولعاً بالبحث عن المخطوطات، وفي المدينة المنورة تعرف على جدي من والدتي وهو من أصل تركي ولد في تونس وهاجر إلى المدينة المنورة وتعرف على عبد الحميد بن باديس الذي زار الحجاز سنة 1913 لأداء فريضة الحج، وبدأت فكرة تأسيس جمعية علمية من ذلك الحين، وهذا الحلم الذي راود الشيخين تحقق في 1931 من 1913 إلى 1931 وفي 1917 هاجر والدي من المدينة إلى دمشق حيث عين أستاذاً للأدب العربي في أول ثانوية عصرية في دمشق سميت بالمدرسة السلطانية أو مكتب عنبر، ومن تلامذته أساتذة مشهورين مثل جميل صليبا وأديب الروماني وعدنان أتاسي، وبالإضافة إلى نشاطه كمعلم للأدب العربي كان والدي يدرس في المسجد الأموي ويلقي محاضرات في النادي العربي الذي يترأسه الدكتور عبد الرحمن شاهبندر، وفي 1920 قرر الوالد العودة إلى الجزائر بعد دخول الفرنسيين إلى دمشق، هو هجر الجزائر وألتحق به الفرنسيون إلى دمشق فقرر العودة إلى الجزائر وعاش 10 سنوات، يمكن أن نسمي هذه العشرية من 1920 إلى 1930 عشرية الإرهاصات التي أوصلت إلى تأسيس جمعية العلماء.

أحمد منصور: ما هو الدور الذي لعبته جمعية العلماء في الجزائر بعد 100 عام من الاحتلال الفرنسي؟

أحمد طالب الإبراهيمي: أولاً حاولت أن تعيد لأفكار الجزائريين أنكم مسلمون عرب ولستم فرنسيون ولكم  وطن والوطن كما علمتنا جمعية العلماء عبارة عن جغرافيا وتاريخ، عبارة عن تراب وتراث، وعبارة عن حدود وجدود، علمونا أن ندافع عن الحدود وأن نفتخر بالجدود، هذه هي دروس جمعية العلماء، كيف استطاعت أن تشتغل رغم الاستعمار، فحكي لي والدي إنه عندما كان ينتقل مع الشيخ عبد الحميد بن باديس من قرية إلى قرية ومن مدينة إلى مدينة في الشرق الجزائري..

أحمد منصور: هذا من 1920 إلى 1930.

أحمد طالب الإبراهيمي: من 1920 إلى 1930 كلما نزلوا من الحافلة في قرية إلا ووجدوا شخصاً ينتظرهم، المخابرات كان تشتغل منيح، ويصحبهم إلى الحاكم الفرنسي الذي يسألهم ما هدف زيارتكما فيقولان جئنا لنلقي درساً في تفسير القرآن الكريم، فيقدم لهم ورقة مطبوعة يلتزمان فيها بعدم الخوض في السياسة ويوقعان ويلقيان الدرس، وهكذا أعتقد أن الجمعية لعبت دوراً في إعادة الوعي للشعب الجزائري..

أحمد منصور: يبدو في الفترة من 1931 وهو تاريخ تأسيس جمعية العلماء إلى عام 1940 وهي تقريباً موعد أو تاريخ إلقاء القبض على والدك ونفيه إلى آفلو، جمعية العلماء بدأ يكون لها تأثير كبير في الجزائر لأن هناك عشرات من العلماء الآخرين غير والدك وغير الشيخ بن باديس طبعاً؟

أحمد طالب الإبراهيمي: تأسست الجمعية في عام  1931 وانتخبت عبد الحميد بن باديس رئيساً للجمعية والإبراهيمي نائباً له، وهنا أريد أن أؤكد أن في اعتقادي، اعتقادي الراسخ أن عبد الحميد بن باديس من أعظم شخصيات الجزائر في القرن العشرين، إذا كان الأمير عبد القادر من أعظم شخصيات القرن التاسع عشر للجزائر فإن بن باديس من أعظم شخصيات القرن العشرين لماذا؟ أولاً لأنه كرس حياته.. ربع قرن من حياته إلى وفاته سنة 1940 لتكوين الأجيال، فكل المعلمين الذين وجدتهم جمعية العلماء ووضعتهم على رأس المدارس هم من تلامذة الشيخ عبد الحميد بن باديس، إذن لعب دوراً كبيراً في تكوين أجيال وأجيال من المعلمين. وأنا أريد أؤكد أن كل من علم العربية في العهد الاستعماري وكان جهاداً فالفضل لبن باديس في ذلك، وكل من تعلم العربية في العهد الاستعماري فلجمعية العلماء فضل عليه بصفة مباشرة أو غير مباشرة.

أحمد منصور: الشيخ بن باديس توفي في شهر ابريل عام 1941 وأصبح والدك منذ ذلك التاريخ رئيساً لجمعية العلماء بينما كان منفياً في آفلو.

أحمد طالب الإبراهيمي: نفي الوالد في يوم 10 ابريل 1940 وتوفي بن باديس يوم 16 ابريل عام 1940 طبعاً السلطات الاستعمارية منعت الوالد لأنه نفي أن يحضر الجنازة، وحاولت السلطات الفرنسية أن تضغط على أعضاء المكتب الإداري لجمعية العلماء أن يعينوا رئيساً مواليا لفرنسا فكان موقفهم صلباً وشجاعاً فاجتمعوا وانتخبوا الإبراهيمي رئيساً لهم وهو بالمنفى.

أحمد منصور: كأنك يعني المرة الأولى التي تشعر فيها بوالدك كانت في خلال وجوده في المنفى على اعتبار أن العائلة سافرت إلى آفلو وأقامت معه، قلت لقد وضعت بالتأكيد الحكومة الفرنسية بنفيها لوالدك حدا لتعليمه وعمله بصفة عامة في الغرب الجزائري لكنها قدمت من حيث لا تقصد خدمة جليلة لأبنائه الذين أصبحوا لأول مرة ينعمون بحضوره وعلمه. الفترة دي كأن تأثير والدك فيها بدأ في هذه المرحلة؟

أحمد طالب الإبراهيمي: ربما التأثير بدأ بتلمسان لأن أهم مرحلة في حياة الوالد أعتقد هي الفترة التي عاشها في تلمسان من سنة 1933.

أحمد منصور: كان عمرك عام واحد؟

أحمد طالب الإبراهيمي: عام واحد إلى سنة 1940 بدأ الوالد نشاطه في تلمسان وهو يستعمل متجراً لأحد أنصاره، تصور أن هذا المتجر كان من الساعة 5 صباحاً إلى الساعة 8 يتحول إلى حلقة درس يلقي فيها دروسا على عشرات من الطلبة.

أحمد منصور: هل كان مسموحا أن يلقي في المساجد؟

أحمد طالب الإبراهيمي: ممنوع، المساجد كانت ممنوعة على العلماء الأحرار فكان يلقي دروسه في الأدب والبلاغة والنحو من الساعة 5 صباحاً إلى 8 وعند غروب الشمس يتحول المتجر من جديد إلى مصلى وبين صلاة المغرب وصلاة العشاء يلقي الوالد درساً في تفسير القرآن أو الحديث أو الفقه.

أحمد منصور: الحديث هنا عن اللغة العربية وعن تدريس القرآن والدين كان يعتبر في ظل وجود استعمار سحق هوية الجزائر والجزائريين وجعل اللغة الفرنسية هي اللغة الأولى في كل شيء، كان يعتبر شيئاً من المقاومة ضد الاحتلال؟

أحمد طالب الإبراهيمي: حتى أن كثيرا من المعلمين دخلوا السجن وكان جريمتهم الوحيدة أنهم يعلمون العربية، تعليم العربية كان يعتبر..

أحمد منصور: آنذاك كان والدك كان يرتكب جريمة في عرف الفرنسيين.

أحمد طالب الإبراهيمي: طبعاً كان يعتبر من ألد أعداء..

أحمد منصور: هل الدروس هذه كانت سرية أم كانت معلنة؟

أحمد طالب الإبراهيمي: هذه الدروس في المتجر وبدأ يفكر في إنشاء مدرسة حتى لا يبقى في ذلك الوضع المزري فحث التلمسانيين على جمع الأموال وشراء أرض وبناء مدرسة، وعمل ليلاً ونهاراً وهو يخطط لهذه المدرسة ودشنت مدرسة دار الحديث سماها دار الحديث وفاءاً لمرحلته الدمشقية، أما الهندسة المعمارية فكانت أندلسية، وليست بالمدرسة وإنما مركب ثقافي يحتوي على مسجد في الطابق السفلي وعلى قاعة محاضرات في الطابق الأول وعلى 10 أقسام دراسية للأطفال في الطابق الثاني.

أحمد منصور: أنا لاحظت دائماً يسألني المشاهدون أو يقولون لي كم تستغرق من الوقت مع بعض الضيوف، نحن تقريباً منذ 6 سنوات نلتقي بشكل منتظم بين باريس وبيروت لنحضر لهذه الحلقات، لكن دائما ألاحظ أن التفاصيل الدقيقة لهذه المرحلة رغم إنك كنت فيها طفلاً حتى حينما تصف يعني البيت الذي نشأت فيه وأولاد عماتك وخالاتك يعني تصفها بدقة كأنها حدثت بالأمس، التفاصيل هذه التي رسخت في ذهنك عن والدك وعن هذه المرحلة منبعها إيه؟

أحمد طالب الإبراهيمي: الدليل أن والدي لم يكن والد فقط وإنما كان رائد والمثل الأعلى والقدوة و..

أحمد منصور: في أي مرحلة حسيت بأن والدك ليس شخصا عاديا؟

أحمد طالب الإبراهيمي: ربما بمرحلة المراهقة، أما الطفولة حقيقة كان إعجاباً كبيراً بالوالد خاصة في هذه المرحلة الاستثنائية..

أحمد منصور: أنا شعرت كأنك يعني عرفت والدك في هذه المرحلة، "كان والدي قد جاوز 50 وكان متوسط الطول ذا بنية قوية، وكان في عنفوان نشاطه وكانت عيناه براقتين وأسنانه لامعة بسحنة بيضاء ولحية مقدودة، وكان يحمل عصا بسبب عرج أصيب به في طفولته، وكان يتألق طيبة وكانت ابتسامته الرقيقة تخلق من النظرة الأولى ووداً مدهشاً يسمح له بالتواصل مع أقل الناس انقيادا".

أحمد طالب الإبراهيمي: كل هذا صحيح، وربما هذه مرحلة آفلو، لماذا نفي في آفلو؟ لأن بعض نشاطه في تلمسان وتدشين دار الحديث وحضور بن باديس وألقى كلمة أذكر الشيخ عبد الحميد في تلمسان قال إن الإبراهيمي محيي تلمسان، محيي تلمسان، فمع مرور الزمن أعتقد أن السنوات التي قضاها الوالد في تلمسان أحدثت في هذه المدينة ثورة ثقافية بأتم معنى الكلمة تدخل في كل ظروف الحياة حتى في العادات والتقاليد فأصبح تعليم البنت مثلاً أمراً عادياً بينما كانت من المستحيلات حتى أنشأ مدرسة خاصة للبنات مدرسة عائشة في تلمسان..

أحمد منصور: والدك كان متفتح بشكل ربما كان يستطيع يصطدم مع عادات الناس في المشرق والمغرب في ذلك الوقت؟

أحمد طالب الإبراهيمي: حقيقة تعليم البنت في الثلاثينيات في الجزائر وأدخل المسرح لحياة الناس أنا شاهدت وأنا طفل مسرحية لأحمد شوقي في مدينة تلمسان في إحدى القاعات السينمائية.

أحمد منصور: أنا مش المسرح بس أدخله ده أنا ذهلت للافتة ربما لم تحدث من عالم تقول إن والدك وهو رئيس لجمعية العلماء استقبل في بيته الممثل يوسف وهبي وزكي طليمات والممثلين والممثلات في فرقة يوسف وهبي حينما زاروا الجزائر، يعني هؤلاء كان ينظر لهم من العلماء على أنهم ربما فسقه أو يعني استقبال والدك لهؤلاء يعني ينم عن عقلية غير طبيعية؟

أحمد طالب الإبراهيمي: في الأربعينيات أما إدخال المسرح في حياة الناس والاعتناء بالحرفيين وتشجيعهم على تعليم الحرف التي هي جزء من تراثنا كل هذه الأشياء تمت في تلمسان وشجع الحركة الكشفية ووحد بين التلمسانيين لأنهم كانوا منقسمين إلى فئة الكراغلة المنحدرين من أصول تركية وفئة الحضر، وكانت في الانتخابات تقع معارك تصل إلى العنف فوحدّ وأصبحت تقدم قوائم موحدة بالانتخابات البلدية، ووحد بين مثقفي العربية والفرنسية لأن كان تعد على الأصابع الإطارات المكونة في الجامعات الفرنسية من أطباء ومحامين فوحد بينهم وبين طلبته المكونين باللغة العربية.

أحمد منصور: يبدو أنه يعني ليس والدك فقط الذي لعب أو قام بدور كبير أو أثر كبير في حياتك كما سيأتي ولكن والدتك أيضاً "كانت أمي في 40 من العمر تنعم بالصحة والصفاء وكان وجهها يوحي بالطمأنينة ويتسم بالإشعاع ميزتها صبر جميل وهي ترعى الجميع وتسهر على كل شيء أعتقد أن ورعها الرزين ساعدها على تخطي المحن التي ألمت بها.

أحمد طالب الإبراهيمي: أدركت بعد سنوات أن والدتي التي ولدت في تونس وترعرعت في المدينة ثم في دمشق وجدت صعوبة كبيرة عند وصولها إلى الجزائر، ولكن إعجابها بالوالد وحبها لأولادها جعلها تصبر وتتأقلم مع الوضع حتى وافتها المنية سنة 1984.

أحمد منصور: والدك أطلق سراحه في سنة 1943 عاد إلى نشاطه الآن كرئيس لجمعية العلماء عدتم إلى تلمسان، في شهر مايو من العام 1945 وقعت مجزرة فادحة قام بها المحتل الفرنسي في الجزائر حيث قتل 45 ألف جزائري خرجوا للتظاهر مطالبين بالاستقلال، كان عمرك وقتها 13 سنة تقريباً 45 كان عمرك 13 عاماً هل بقي في ذهنك شيء عن هذه المجزرة؟

أحمد طالب الإبراهيمي: حقيقة في سنة 1943 أطلق سراح الوالد من آفلو، وأصبح يشمل نشاطه كل القطر الجزائري لأنه أصبح رئيساً للجمعية بعد أن كان مكلفاً بالغرب الجزائري فقط، في 1945 احتفلت فرنسا كباقي دول التحالف بانتصارها على ألمانيا النازية وقامت احتفالات في كل مدن الجزائر وخرج الشبان المسلمون في مظاهرات في جميع المدن الجزائرية يطالبون بتطبيق تقرير المصير الذي أقره ميثاق الأمم المتحدة التي ولدت في نفس السنة، فالجيش الفرنسي قام بأعمال وحشية وذهب ضحية هذه المظاهرات أو مواجهة هذه المظاهرات 45 ألف.

أحمد منصور: أنا الحقيقة كلما قرأت في هذا الموضوع أتعجب أنه لا يحظى في الكتب إلا ربما بسطر أو سطرين في وقت بعض المذابح الصغيرة التي قتل فيها عدد محدود من الناس تحظى باهتمام كبير 45 ألف جزائري يعني عدد ليس سهل يموت في تظاهرات و..؟

أحمد طالب الإبراهيمي: المدن التي عانت في هذه الأحداث هي مدن ثلاثة: صطيف وغالما وخراطة، وأعتقد أن أحداث 1945 هي الصدمة الثالثة في حياتي.

أحمد منصور: والدك أعتقل خلالها بتهمة التحريض على التظاهر.

أحمد طالب الإبراهيمي: غداة الأحداث وقضى سنة كاملة في السجن بظروف قاسية تسببت بإصابته بداء السكري.

أحمد منصور: يعني حينما أعتقل من مايو 1945 إلى مارس 1946 أصيب بمرض السكر في هذا؟

أحمد طالب الإبراهيمي: خرج ومعه مرض سكر والمفاصل رأيته مريضاً لأول مرة بعد خروجه من السجن سنة 1946.

تأسيس جمعية العلماء المسلمين

أحمد منصور: لكن في هذا الوقت حينما خرج في العام 1946 أصبحت جمعية العلماء هي قبلة الجزائريين جميعاً تقريباً أو الشيء الذي يلعب الدور الرئيسي في مقاومة الاستعمار الفرنسي؟

أحمد طالب الإبراهيمي: تحدثت عن طفولتي وصدماتي الثلاث لا بد أن ألخص الصدمة الأولى عندما كان عمري 6 سنوات ودخلت المدرسة الفرنسية، الصدمة الثانية عندما ألقي القبض على والدي واقتحمت الشرطة الفرنسية بيتنا عند الساعة الخامسة صباحاُ، والصدمة الثالثة هي أحداث 1945 حقيقة بعد أحداث 1945 أدركت ربما بصفة ضبابية أو بصفة غير واضحة أن العمل السياسي والحوار والتفاوض كلها أشياء لا تجدي نفعاً وأن الجواب الوحيد للاستعمار الفرنسي هو المقاومة.

أحمد منصور: أنت اقتربت من والدك بشكل أكبر في العام 1948 يعني حتى أنه كنت بمثابة سكرتير تكتب له الرسائل ويعتمد عليك في بعض الأمور، المرحلة دي ما الذي شكلته في حياتك من 1948 إلى 1952 ؟

أحمد طالب الإبراهيمي: لا بد أن أشير أن جيلي انتقل من الطفولة إلى الكهولة دون معرفة نعومة المراهقة وهذا النضج المبكر درسه علماء النفس بإيجابياته وسلبياته فكنت أقرأ الجرائد أهتم في السياسة سنة 1944- 1945 يعني أزاول دراستي الثانوية واستقر والدي في الجزائر وأول عمل قام به هو إنشاء مركز لجمعية العلماء بالعاصمة إذا كانت دار الحديث هي مركز الإشعاع في طفولتي فمركز الإشعاع في طور المراهقة هو مركز جمعية العلماء.

أحمد منصور: كنت تذهب بشكل دائم إلى مركز جمعية العلماء؟

أحمد طالب الإبراهيمي: دائماً يومياً كان مركز نادي العلماء حقيقة مركز إشعاع..

أحمد منصور: وخلال سنوات الدراسة؟

أحمد طالب الإبراهيمي: يلتقي فيه الكتاب والأدباء والصحفيين والزوار كل الوفود التي تأتي من المشرق والمغرب والغرب وتريد زيارة الوالد تأتي لمركز نادي العلماء هنا زارته فرقة يوسف وهبي ومجموعة من صحفيي العرب بقيادة الأستاذ حبيب جاماتي في الأربعينيات وإنعام الله خان الأمين للمؤتمر الإسلامي قادماً من باكستان وفي مركز نادي العلماء جاء صحفيون فرنسيون يساريون يتساءلون عن مصير الجزائر بعد أحداث 8/ مايو/1945 وفي مركز جمعية نادي العلماء استقبل الوالد الفيلسوف الفرنسي روجيه غارودي الذي اعترف في مذكراته أنه بدأ يفكر في اعتناق الإسلام بعد مقابلته مع الشيخ الإبراهيمي، هذا دور مركز جمعية العلماء كانت تلقى فيه محاضرات، وكان الوالد يلقي طيلة شهر رمضان كل ليلة درساً دينياً.

أحمد منصور: هنا أنا لاحظت شيء والدك دراسته في المشرق في المدينة المنورة وتدريسه في دمشق الفترة هذه هي التي جعلت منه هذا العالم الموسوعي يعني صاحب نداء الوسطية والمفهوم الواسع الشامل للإسلام؟ يعني لو بقي فقط في الجزائر لم يغادرها هل كانت نفس هذه الروح..

أحمد طالب الإبراهيمي: ربما هناك أشياء وراثية في عبقرية شخصية ولكن أعتقد وهو يعترف بتأثير أفكار جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده على مسيرته ومن الغريب أنه عندما قرر الهجرة إلى المشرق والتحق بوالده بالمدينة مر على مصر وزار شخصين، الشيخ رشيد رضا إعجاباً بمجلة المنار وأمير الشعراء أحمد شوقي لأنه كان يحفظ جل شعر شوقي.

أحمد منصور: كان والدك مربوط بالشرق تأتيه الرسالة والمجلات؟

أحمد طالب الإبراهيمي: والله عندما كان في تلمسان كانت تصله كتب من الشيخ محمد نصيف في جدة، وأشرت منذ حين إلى المراسلات لأن عندما أسس مركز جمعية العلماء في يوم من الأيام اقتني آلة راكنة باللغة العربية ولأول مرة كنا مرة نرى طابعة باللغة الفرنسية، ولكن في سنة 1947 ولأول مرة رأيت راكنة باللغة العربية، وطلب مني أن أتدرب عليها وكان بعد أن تنام الأسرة يُملي علي بالليل رسائله لعدة شخصيات عامة..

أحمد منصور: الآلة الكاتبة القديمة هذه.

أحمد طالب الإبراهيمي: آلة كاتبة نعم، ومن مراسليه أذكر الآن الشيخ إبراهيم الكتاني في المغرب والشاذلي النيفر في تونس ومحمد نصيف في جدة وبهجت البيطار في دمشق وطه حسين في مصر لأن طه حسين كوزير معارف كان له مشروع إنشاء مركز ثقافي مصري بباريس، فكتب له الوالد مرتين أو ثلاثة ليشجعه ويحثه على تجسيد المشروع لأنه كان يعتقد أن مركزاً ثقافياً مصرياً بباريس سيلعب دور الجسر بين المشرق العربي والمغرب العربي وفرنسا وضعت ستاراً حديدياً بينهما..

أحمد منصور: من القواعد..

أحمد طالب الإبراهيمي: اسمح لي كما كانت له مراسلات مع عبد الكريم جرمانوس المستشرق المجري المعروف يعيش في بودابست وجاليات مسلمة في فنلندا و..

أحمد منصور: إحنا نتكلم عن وقت لا كان في إنترنت ولا إيميلات ولا..

أحمد طالب الإبراهيمي: ولا اتصالات..

أحمد منصور: كان البريد العادي هو الذي..

أحمد طالب الإبراهيمي: أميركا اللاتينية العصبة الأندلسية إلى يومنا ما زلت أحتفظ بكتابين مهداة لوالدي احدهما ديوان عبقر للشاعر شفيق معلوف من البرازيل والآخر معجم عطية وهو قاموس عربي برتغالي من البرازيل في ألأربعينيات.

أحمد منصور: من القواعد الذهبية اللي علمك والدك إياها "قبل أن تكتب يجب أن تحسن القراءة وقبل أن تتكلم يجب أن تحسن الإصغاء".

أحمد طالب الإبراهيمي: صحيح وحاولت بعد كتابة بعض المقالات ولم يقبل فيهم أيامها أن ينشر لي في جريدة البصائر أبدا..

أحمد منصور: حتى ولو من قبيل التشجيع لك؟

أحمد طالب الإبراهيمي: أبداً، أبداً..

أحمد منصور: أنت أنهيت الثانوية العامة في العام 1949 وقررت أن تدرس في كلية الطب، لماذا اخترت الطب من المفروض إنك ابن بيت علم، سياسة رحت إلى مجال بعيد؟

أحمد طالب الإبراهيمي: ربما لأن الطب يجمع بين العلم، وكان دائماً في ذهني كلمة حكيم، الحكيم بالنسبة لي هي أكبر هدية قدمتها الحضارة الإسلامية للإنسانية إذا أخذت الرازي أو ابن سينا تجد أنهما يجمعان بين الطب والفلسفة بين النظرية والتطبيق، فربما اختياري للطب وكنت أنوي أن أتخصص في الأمراض النفسية لأن في الأمراض النفسية كذلك هناك جمع بين العلم والأدب هذه في سنة 1949.

 

آخر التغريدات: