التربية عند الإمام محمد البشير الإبراهيمي دراسة تحليلية للمنهج التربوي الذي خطّه لجمعية العلماء وعالج من خلاله مسائل التعليم

بقلم: عبدالقادر فضيل -

إنّ الذي يريد أن يتحدث عن شخصية الشيخ محمد البشير الإبراهيمي يحار في اختيار الجانب الذي يتناوله من هذه الشخصية ، ويجعله موضوع حديثه ، نظراً لتعدد الجوانب المكوّنة لشخصية هذا الرجل ، فالإبراهيمي متعدد المواهب والجوانب ، متنوع المعارف ، واسع الإطلاع .
وبما أنّ تناول هذه الجوانب ليس أمراً ممكناً في كلمة محددة كهذه ، فلا مناص من حصر موضوع الكلمة في جانب واحد ، وهذا الجانب هو الجانب التربوي ، الذي تراءى لي واضحاً من خلال استعراض أفكاره التي تناولت أهم القضايا التربوية والتعليمية ، التي كان له فيها رأي لا يختلف عن الآراء الحديثة التي تطرح في مجال إصلاح النظم التربوية ، وتطوير سياسات التعليم .
وفي هذا الإطار تتنزل كلمتي التي موضوعها : "التربية في منظور الإبراهيمي" ونتبيّن ذلك من خلال دراسة تحليلية للمنهج الذي خطّه لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين ، التي أسهم في تأسيسها ، ووضع قانونها الأساسي ، وعمل نائباً لرئيسها ، ثمّ رئيساً لها ، ومهندساً لنشاطها التعليمي والإصلاحي .

في هذا الاتجاه كان حرص الإبراهيمي على تبيان سبل تحقيق النهضة المنشودة التي هي أمل كل مواطن ، وكانت الأساس الذي قامت عليه أعمال جمعية العلماء ، ومن المعلوم أنّ نهضة الأمة مرهونة بنوع الجهود الفكرية والتربوية والعلمية التي يبذلها العلماء والمعلمون ، في مجال التوجيه والإرشاد والبناء الفكري ، وتصحيح واقع المجتمع .
إنّ أهم مرجع فكري يلتجأ إليه في ضبط النشاط التعليمي وبرمجة العمليات التربوية المدرسية والمسجدية ، وتحديد أهدافها ومضامينها واختيار الأساليب التي تحقق المراد منها ، هو النظرة إلى التربية والفلسفة التي تقوم عليها ، والاتجاهات والقيم التي يطلب من المعلمين والعلماء تكريس الجهود من أجلها ، بهدف ترسيخها في النفوس وصناعة واقع جديد .
وفي هذا الإطار نستعرض نظرات الإبراهيمي إلى التربية ، وأفكاره التي تتعلق بعدد من قضايا التعليم ، لنعرف المنهج التربوي الذي ضمنه آراءه وفلسفته في هذا المجال ، والخطّة التي رسمها لجمعية العلماء ، وعالج من خلالها مسائل التعليم .
إنّ المنهج الذي وجّه به الإبراهيمي مسيرة جمعية العلماء استخلصها من نظام التربية في الإسلام ، ومن مشكلات الواقع الذي كان واقعاً مضطرباً ، لا هو واقع منسجم مع الأمة ، ولا هو واقع مندمج مع روح العصر .
• منهج الإمام الإبراهيمي في معالجة قضايا التربية والتعليم :
لإبراز العناصر والاتجاهات المشكلة لهذا المنهج الذي نرى من خلاله الإبراهيمي العالم والمعلم والمربي ، نقف قليلاً عند مفهوم التربية ومفهوم التعليم ومفهوم المنهج ، ثمّ نأتي على بعض الاتجاهات التي تبرز لنا مكانة الإبراهيمي في عالم التربية والمربين ونظرته إلى المعلمين .
أولاً : التربية :
التربية في نظر المربين هي جهد إنساني هادف ، يوجّه لرعاية الفرد والمجتمع ، ويسعى لبناء الفكر وتثقيف العقل وتقويم السلوك ، وتقوية البدن ، وتنمية المواهب ، من أجل تحقيق الغاية التي يتطلع إليها الإنسان في حياته ، وهي بلوغ الكمال الإنساني ، أي بناء الشخصية السوية ، والتربية في منظور الإمام الإبراهيمي لا تخرج عن هذه المعاني ، فهو ينظر إلى الجهود التي يبذلها العلماء والمعلمون والمسئولون عن رعاية أفراد المجتمع من وراء هذه الجهود ، وهو إعداد الأفراد للحياة الحاضرة والحياة المستقبلية ، من خلال الدعوة إلى بناء عقولهم ونفوسهم وتنمية مواهبهم الفطرية وتنشئتهم على صحة الإدراك ودقة الملاحظة . ونستخلص هذه النظرة من عدد من أقواله ، منها : قوله المتعلق بحقوق الجيل الناشئ ، يقول فيه :
"للجيل الآتي علينا حقوق أولية مؤكدة ، لا تبرأ ذمتنا منها عند الله ... إلا إذا أديناها كاملة غير مبخوسة ... وملاك هذه الحقوق أن نعدّهم للحياة على غير الطريقة التي أعدّنا بها آباؤنا للحياة"1 .
وقوله : "انتم حراس هذا الجيل – الخطاب موجّه إلى المعلمين – والمؤتمنون عليه والقوامون على بنائه ، فابنوا عقوله على أساس من الحقيقة ، وابنوا نفوسه على صخرة من الفصائل الإنسانية ... ربوهم على استخدام المواهب الفطرية ، وعلى صدق التصور وصحة الإدراك ودقة الملاحظ"2 .
فهو في هذه الأقوال يحدد خلاصة ما ينبغي أن تسعى إليه جهود الكبار والمسئولين عن رعاية الصغار في مجال تنشئة الأجيال وفق إرادة المجتمع ، ويحدد في الوقت ذاته الأسلوب الذي يجب أن يعتمد في عملية الإعداد والتنشئة ، بحيث يكون أسلوباً ملائماً لمجريات العصر ومنسجماً مع حاجات الأجيال المتجددة .
ويوضح في هذا السياق مضمون الإعداد ، فيعدد المجالات التي ينبغي التركيز عليها مع المعلمين – الأخلاق والآداب والأفكار والاتجاهات .... – هذه الجوانب التي تشكّل التراث الفكري والقيمي أو الأمتعة كما يسميها : "الأمتعة التي يرثها جيل عن جيل ، ومنها يتكون مزاجه وتتحدد شخصيته وأفكاره"3 .
والسبيل الذي يؤدي إلى توريث هذه القيم والاتجاهات التي يرغب المجتمع في نقلها إلى أجياله هي المدرسة ، والمدرسة التي يعنيها الإبراهيمي هي المدرسة العربية أي المدرسة التي تؤسسها جمعية العلماء ، تلك المدرسة التي تعبّر عن ذاتية الأمة وتجسد مقوماتها ، وترتكز في برامجها على الأصول الحضارية والثقافية التي نشأت الأمة في كنفها ، "المدرسة التي تقدم تعليماً عصرياً يساير العصر وقوته ونظامه ، تعليماً عليه طابع الأمة وفيه أثر جهودها ، وله ما لها من روح ، وعليه ما عليها من سمات"4 .
هذه هي رؤية الإمام الإبراهيمي للتربية وهذه هي المعاني المستخلصة من آرائه وتوجيهاته للمعلمين .
أمّا السياسة التي هي (المبادئ والمنطلقات) التي تشكّل الدليل الموجّه للنشاط التعليمي وفق تصوّر جمعية العلماء ، فهي تلك الأفكار التي طرحها الإبراهيمي في رسالته الموجهة لرئيس الجمهورية الفرنسية ، التي شرح فيها ما يعانيه الشعب الجزائري من ظلم وحرمان ، وما يطلبه بخصوص حقه في التربية وتلقي العلم ، فبعد أن ذكره بالانتهاكات والمظالم التي ارتكبت في حق التعليم ومؤسساته ورجاله ، صرّح له بما يؤمن به الشعب قائلاً : "إنّ الشعب الجزائري قد أصبح من طول ما جرب ومارس في حالة يأس من العدالة ، وكفر بالديمقراطية التي يسمع عنها ولا يراها ، أصبح لا يؤمن إلا بأركان حياته الأربعة : ذاتيته الجزائرية ، وجنسيته ولغته العربيتين ، ودينه الإسلامي ، لا يستنزل عنها ، ولا ينبغي لها بديلاً"5 .
هذه المجالات هي الأركان التي تستلهم منها قضايا التعليم ويستنير بها القائمون على ذلك ، وهي التي يرجع إليها من يحاور في شأن إصلاح أوضاع البلاد ، ومناقشة الحكام ، والوقوف على واقع السياسة المنتهجة في التعامل مع الدين واللغة ، والمساجد وقضايا التعليم ، ويضيف الإبراهيمي إلى هذه الأركان التي نراها تمثل عناصر السياسة التعليمية ، والإصلاح الاجتماعي – يضيف إلى هذه الحالة – ما ينبغي أن يستلهمه القائمون على تنظيم شؤون التربية من سيرة السلف الصالح في التعامل مع القرآن والتاريخ والدين ، يقول في هذا الصدد : "أقام سلفنا الصالح دين الله كما يجب أن يقام ، واستقاموا على طريقته أتمّ استقامة ، وكانت أدواتهم لفهم القرآن روح القرآن وبيان السنة النبوية ، ودلالة اللغة ، والاعتبارات الدينية ، ومن وراء ذلك فطرة سليمة ، وذوق متمكن ونظر سديد ، وكان العلماء هم المرجع الأعلى للعامة في كل ما يحزبها من شؤون دينها ، كانوا يمثلون الاستخلاف الديني ، والوراثة النبوية تمام التمثيل ، يقودون الأمة بالحق إلى الحق"6 .
هذه الحقائق التاريخية المستخلصة من تاريخ الإسلام وسيرة السلف الصالح ، أثارها الإبراهيمي بهدف توجيه العلماء والمعلمين إليها ، لجعلوها المصدر الحي الذي يستلهم في تناول قضايا التربية والإصلاح الفكري والاجتماعي .
ثانياً : المنهج :
وأمّا المنهج فهو الخطة الفكرية التي يتبعها المفكر أو الباحث لمعالجة أمر من الأمور ، أو لبحث قضية من القضايا بغية الوصول إلى الهدف .
والمنهج هنا بالنسبة إلى الإبراهيمي هو الخطة التي رسمها لنشاطه الإصلاحي في المجال التربوي والتعليمي ، وجعلها سبيله في تناول قضايا التربية وتحديد مفهوم كل قضية ’ ورسم النموذج التعليمي المنشود الذي يراه ملائماً لانتظارات المجتمع ، ومحققاً لتطلعات الأجيال .
العناصر المشكّلة للمنهج :
من بين العناصر التي نراها بارزة في تفكير الإبراهيمي التي تشكّل منهجه في طرح قضايا التربية والتعليم ما يلي :
• نظرته الشاملة والمتكاملة لقضايا التربية والتعليم :
التعليم عنده وسيلة والتربية غاية ، والغاية تسبق الوسيلة عند بناء الخطة ، ولكن لا بدّ منهما معاً (الوسيلة والغاية) ، ويبرز هذا الأمر من خلال بيان دور الطريقة البيداغوجية التي تستخدم في التبليغ ، وعلاقة المواد الدراسية بالمتعلم ، وبحاجاته ، والمسئولية الملقاة على كاهل المعلم ، الذي يجب أن يعي دوره الحقيقي الذي يتجاوز تلقين المعرفة إلى ممارسة الفعل التربوي الذي يتجّه إلى تربية العقل وتزكية النفس ، وتهذيب الوجدان ، وصقل الذوق ، وتقويم الأخلاق ، ونجد هذا التصوّر واضحاً في أقواله التي يوجّه بها المعلمين ، ومنها قوله : "احرصوا على أن تكون التربية قبل التعليم ، واجعلوا الحقيقة الآتية نصب أعينكم ، وهي أنّ الجيل الذي أنتم منه لم يؤت في خيبته من نقص العلم ، وإنّما خاب أكثر ما خاب من نقص الأخلاق"7 .
• تربية الفكر في مشروع الإبراهيمي أهم من كثرة المعلومات :
إنّ نظراته إلى التعليم تحدد ما ينبغي أن يتجه إليه الجهد المدرسي ، فالاهتمام بنوع الأثر الذي تحدثه المعلومات المقدمة للتلاميذ أهم وأولى من كثرة المعلومات التي تحشى بها أذهانهم ، ونجد هذا الطرح التربوي واضحاً لدى الإبراهيمي في تحديده للخطة التعليمية التي اتفق مع ابن باديس عليها ، يقول في هذا الصدد : "كانت الطريقة التي اتفقنا عليها أنا وابن باديس في المدينة المنورة في تربية النشء هي أن لا نتوسع له في العلم ، وإنّما نربيه على فكرة صحيحة ولو مع علم قليل"8 .
وهو هنا لا يقلل من أهمية المادة العلمية ، وإنّما ينظر إليها على أنها وسيلة لبناء شخصية المتعلم ، فالمعرفة لا ترقى على الغاية التي تنشدها من وراء التعليم إذا انحصر اهتمامنا في النظر إليها على أنها غاية في حد ذاتها ، لذلك يوجّه اهتمام المعلمين إلى التركيز على الجانب الكيفي في تقديم المعرفة وتحقيق الغاية من المعرفة متوقف على طريقة التناول ، وانتقاء نوع المعرفة التي تبرمج ، والكم الذي يجب أن يتلاءم مع الوعاء الزمني لأنّ ما يرمي إليه التعليم الجيد هو نوع الأثر الذي تحدثه المعرفة في فكر المتعلم وفي وجدانه وسلوكه ، وليس كثرة المعلومات ، لذا يجعل الإبراهيمي الغاية من الدرس "إنماء الفكر وتربية ملكة التعليل والتدريب على الاستنباط وبناء الأمور على أسبابهم والنتائج على مقدماتها"9 .
• التعليم مسئولية الأمّة :
لقد أحسّ الإمام الإبراهيمي بهذه المسئولية التي تكفلت جمعية العلماء بها لتنوب عن الأمة في القيام بما تستطيع من هذه المسئولية لذا أوضح للعلماء العاملين معه والسائرين على دربه ، وللخيرين من أبناء هذه الأمة ممن يستطيعون الإسهام في تحمّل جزء من هذه المسئولية فقال : "للجيل الآتي علينا حقوق أولية مؤكدة لا تبرأ ذممنا منها عند الله ، ولا تسقط شهادة التاريخ علينا بها ، إلا إذا أديناها كاملة ، وملاك هذه الحقوق أن نعدّهم للحياة على غير الطريقة التي أعدّنا بها آباؤنا للحياة"10 .
فهو لا يتصور النموذج التعليمي نمطاً ثابتاً يتوارثه جيل عن جيل ، وصالح لكل زمان ومكان ، وإنّما يتصوره نموذجاً حياً متغيراً حسب الزمان والمكان والتغيرات المستجدة ، فما يصلح اليوم قد لا يصلح غداً، وما عرفناه في عهود مضت قد لا يتلاءم كله مع واقعنا الجديد .
• المدرسة التي يتطلع إليها :
ينطلق الإبراهيمي في رسم صورة المدرسة التي تتطلع إليها الأمة من تحليل واقع التعليم الفرنسي الذي كان سائداً في البيئة الجزائرية ، يقول عن هذا التعليم : "والتعليم الأجنبي – على تفاهته في الكيف وقلّته في الكم وعلى اضطرارنا إليه وإقبالنا عليه – يسبقه جهل ، وتقترن به آفات ، وتعقبه مفاسد ، وهو – على ذلك كله – يفتح عيناً ليعمي عيناً ، ومن بلغ إلى غايته منا أصبح بالطبيعة متنكراً لماضيه ودمه وقومه ، لأنّ ذلك التعليم وجده فارغاً فملأه بما يشاء لا بما نشاء نحن"11 .
لذا يضع الإبراهيمي تصوراً للتعليم الذي تريده الأمة ، والمدرسة التي يتطلع إليها ، وينطلق في هذا التصور من شرحه لنوع التعليم المراد تأسيسه فيقول : "الأمة تريد تعليماً عربياً يساير العصر وقوته ونظامه ، لا تعليماً يجعل جراثيم الفناء وتحمله نذر الموت"12 .
هو هنا يصوّر خصائص النظام التعليمي الوطني الذي يجب أن تسعى إليه الأمة ، ويركّز في تحديد معالمه على خاصيتين :
الأولى : أن يكون تعليماً عربياً في لغته وأهدافه ومضامينه ، بحيث ينسجم مع مقومات الأمة وموروثها الحضاري .
الثانية : أن يكون وطنياً وليس مستورداً ، ولا تسهم في صنعه أفكار أجنبية ، فلا بدّ أن يكون  نابعاً من عبقرية الأمة ، وعليه طابعها وخصوصياتها ، بحيث تصنعه بنفسها ووفق إرادتها ، وتضمنه الروح التي تعيش في أعماق كل فرد من أفرادها ، فكأنه يريد أن يبيّن للحكومة الجزائرية التي ستتولى تنظيم التعليم في عهد الجزائر المستقلة أنّ مسئولياتها هي تشكيل نظام تعليمي وطني يستجيب لحاجات الأمة ويتلاءم مع خصوصياتها.
ثالثاً : الغايات التربوية التي رسمها الإبراهيمي :
لقد حرص الإبراهيمي على توجيه اهتمام المعلمين والعلماء العاملين في حقل تكوين الإنسان ونشر المعرفة إلى جملة من الغايات منها :
1- تحرير العقول من الأوهام والضلالات في الدين والدنيا13
2- الدفاع عن الذاتية الجزائرية التي هي عبارة عن العروبة والإسلام مجتمعين في وطن14.
3- إحياء مجد اللغة العربية وآدابها وتاريخها15.
4- تذكير المسلمين بحقائق دينهم ، وسير أعلامهم ، وأمجاد تاريخهم16 .
5- ضرورة إحياء مجد الدين الإسلامي بإقامته كما أمر الله أن يقام ، بتصحيح أركانه الأربعة : العقيدة ، العبادة ، المعاملة ، الخلق .
6- توجيه الاهتمام إلى إنشاء جيل قرآني يتقن حفظ القرآن وأداءه ويحسن فهمه والعمل به17 .
وغاية الغايات من التربية :
توحيد النشء الصاعد في أفكاره ومشاربه ، وضبط نوازعه ، وتصحيح نظراته إلى الحياة ليكون ذلك سبيلاً لتخريج أجيال متلائمة الأذواق متحّدة المشارب ، تنظر إلى الحياة في واقعها المتغير ، وتسعى في طلب الوسائل الملائمة بإرادة قوية تدفعها إلى العمل في خدمة الدين والوطن .
هذه غايات التربية ، وأما غايات التعليم فهي :
(تثقيف الجيل في دينه ولغته وتعريفه بنفسه من خلال الإلمام بمعرفة تاريخ أمته) ، ولا يتم هذا – كما يوضّح الإبراهيمي – إلا بتوحيد منهاج التربية (أي المجالات التي يتجه الاهتمام فيها إلى بناء مكونات الإنسان) ، وبتوحيد برنامج التعليم (الذي يركّز الاهتمام فيه على تمكين المتعلم من أهم المعارف المتصلة بلغته ودينه وتاريخه وحقائق الحياة المحيطة به) .
ولا يتم توحيد المنهاج والبرنامج وفق هذا الأساس إلا بتوحيد جهاز الإشراف والتسيير ، ولا يتم ذلك إلا بتوحيد الإشراف العام18 .
بهذه الأفكار رسم الإبراهيمي الصورة المنهجية التي ينبغي أن يكون عليها التعليم نظاماً وهدفاً ومضموناً .
رابعاً : إعداد الأفراد للحياة هو الهدف من نشاط جمعية العلماء :
إنّ هذا الهدف هو لبّ العملية التربوية الذي ظلّ  الإبراهيمي يشدد عليه ويشرح الخطط والأساليب التي تستطيع تحقيقه ، وبما أنّ الحياة قسمان – كما يرى الإبراهيمي – حياة علمية وحياة عملية ، وأنّ الثانية منهما تبنى على الأولى قوةً وضعفاً فلا بدّ من أن يكون الإعداد التربوي شاملاً لنواحي الحياة العلمية وجوانب الحياة العملية ، لأنّه لا فائدة من علم لا يتحول إلى عمل أو سلوك ، ولا أهمية لعمل لا يكون أساسه العلم . لذا يلحّ الإبراهيمي على العلم فيقول مخاطباً أبناء الأمة : "إنكم لا تكونون أقوياء في العمل إلا إذا كنتم أقوياء في العلم ، ولا تكونون أقوياء في العلم إلا إذا انقطعتم له ، ووقفتم عليه الوقت كله"19 .
وهذا هو المنهج الذي سار عليه الإمام ابن باديس ، فالعلم عنده مقدم على العمل ، وهو "وحده الإمام المتّبع في الحياة في الأقوال والأفعال والاعتقادات مصداقاً لقوله تعالى : "ولا نقف ما ليس ل كبه علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولاً" [الإسراء 36] .
• نظرة الإبراهيمي إلى المعلم:
المعلم هو الركن الركين في العملية التعليمية ، لأنّه مصدر المعرفة والأداة الناقلة لها ، وعليه يتوقف نجاح ما تبذله المدرسة من جهد ، لذا وجّه الإبراهيمي اهتمامه للمعلمين وحدد لهم الأساليب التي تجعلهم مستوعبين المهام المنوطة بهم ، قادرين على أدائها عالمين بواجباتهم في مجال التعامل مع الأطفال .
ومما ذكره في هذا الصدد قوله : "إنّ كثيراً منكم – المعلمين – في حاجة إلى الاستزادة من التحصيل ... فاعرفوا كيف تدخلون من باب التعليم إلى العلم ، ومن مدخل القراءة إلى الفهم ، وتوسعوا في المطالعة يتسّع الإطلاع"20 .
هذا أحد الواجبات في مجال تنمية المعرفة وزيادة التحصيل العلمي ، أما الواجبات المطلوبة في مجال التعامل مع الأطفال فالمرجع فيها خصائص الأطفال ، التي يحددها الإبراهيمي من خلال قوله ، "إنّ من الطباع اللازمة للأطفال أنهم يحبون من يتحبب إليهم ، ويميلون إلى من يحسن إليهم ، ويأنسون بمن يعاملهم برفق ، فواجب المربي الحاذق ، إذا أراد أن يصل إلى نفوسهم من أقرب طريق أن يتحبب إليهم ويقابلهم بوجه متهلل ، ويظهر لهم من الحنان والعطف ما يحملهم على محبته ، فإذا أحبوه أطاعوه ، وإذا أطاعوه وصل إلى توجيههم إلى ما يريد .... فإذا ملك نفوسهم حبب إليهم المدرسة والقراءة والعلم" .
ومن التوجهات البيداغوجية التي تصلح أن يجعلها المعلمون دليلهم في العمل المدرسي هي أنّ الأهم في عملية التدريس هي الروح التي تسود الحصص التعليمية ، والعلاقة التي تربط المعلم بالمتعلم ، يقول في هذا الشأن : "ليس المهم المادة العلمية التي يفرضها البرنامج والكتب ، إنّما المهم هو ما تفيض به نفوس المعلمين على نفوس تلاميذهم من أخلاق طاهرة قويمة ، يحتذونهم فيها ، ويقتبسونها منهم ، وما يبثّونه في أرواحهم من قوة وعزم فلو كانت البرامج تكفي في التربية لكان كل عالم مربياً" ويعني بذلك أنّ هناك فرقاً بين الذي يمتلك المعرفة وبين المربي الذي يعرف كيف يقدم المعرفة ، ويتعامل مع المتلقين للمعرفة .
• المنهج الذي سلكه الإبراهيمي في تكوين المعلمين :
زيادة على الاجتماعات التي كان يعقدها مع المسئولين عن التعليم العربي بالمدارس الحرة ، ومع المفتشين الذي عينتهم (لجنة التعليم العليا) لمتابعة العمل المدرسي وتكوين المعلمين من خلال النصائح والإرشادات ، زيادةً على هذه الجهود كانت الكلمات والمقالات الواعظة التي يكتبها الإبراهيمي والموجّهة أساساً إلى المعلمين كانت بمثابة برنامج تكويني يستهدف رفع مستوى المعلمين ، وتنمية خبراتهم وإكسابهم المعرفة الصحيحة بحقيقة الأطفال وبطبيعة العملية التعليمية وما تستلزمه ، وبالطرائق البيداغوجية التي ينبغي اعتمادها في تنمية الوعي بالمسئولية المنوطة بهم .
فالمتتبع لهذه المقالات يلمس بوضوح أفكار الإبراهيمي التربوية المتعلقة بأهداف التعليم ، وبنوع المحتوى ، والأساليب التي تمكّن المتعلمين من إدراك الأمانة الثقيلة التي تحملوها والتي تتطلب الصبر والتضحية والإيمان ، فكثيراً ما يصفهم بالطائفة المجاهدة أو الصابرة على مكاره الحياة ، المحرومة من الراحة والاطمئنان ، هذه الطائفة هي عماد جمعية العلماء في اجل وظائفها (التربية والتعليم) وهي العصب المدبر لحياة هذه الحركة المباركة .
إنّ الوصول إلى بناء فلسفة أو تحديد سياسة واضحة لإيقاظ وعي الأمة وتعبئتها يتطلب قراءة تأملية لواقع المجتمع ، ودراسة شاملة لكل عناصر هذا الواقع ، وتتبع الأحداث التي مرت وتمر بها الأمة ، هذا هو الطريق لخدمة الأمة ، ويقول الإبراهيمي في شأن ذلك ما يلي :
"من أراد أن يخدم هذه الأمة فليقرأها كما يقرأ الكتاب وليدرسها كما تدرس الحقائق ، فإذا استقام له ذلك استقام العمل ، وأمن الخطأ فيه ، وضمن النجاح والتمام له ، فإذا تصدى لأي عمل يمسّ الأمة من غير درس لاتجاهاتها ولا معرفة بدرجة استعدادها كان حظه الفشل" .
ومما ذكره الإبراهيمي في هذا الاتجاه أن أولى المهام التي تكفلت بها جمعية العلماء وهي جزء من رسالتها ، هي تحرير العقول من الأوهام والضلالات في الدين والدنيا لأنهما في نظر جمعية العلماء المسلمين لا ينفصلان ، إذ أنّ تحرير العقول من الأوهام سبيل ممهد إلى تحرير الأبدان من الاستعباد ، ثمّ يقول : "وإنّ تحرير العقول لأساس لتحرير الأبدان وأصل له ، ومحال أن يتحرر بدن يحمل عقلاً عبداً ويقصد بالعقل العبد : العقل الجاهل الخامل الذي تسيطر عليه الأوهام وتتحكم فيه الخرافات ، العقل الذي لا يرى الحقيقة حقيقة ، والوهم وهماً ، ولا يعرف كيف يتخلص من الوهم ، وهذا النوع من التحرير لا يقوم به ولا يقوى عليه إلا العلماء الربانيون المصلحون المخلصون ، وهذا ما كانت تسعى إليه جمعية العلماء" .


الهوامش:
1- آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي ، ج 3 ، ص 272 .
2- المصدر نفسه ، ص 272 .
3- المصدر نفسه ، ج3 ، ص 273 .
4- المصدر نفسه ، ج3 ، ص 283 .
5- المصدر نفسه : ج3 ، ص 92 .
6- المصدر نفسه ، ج1 ، ص 164 .
7- المصدر نفسه ، ج3 ، ص 264 .
8- المصدر نفسه ، ج5 ، ص 280 .
9- المصدر نفسه ، ج3 ، ص 272 .
10- المصدر نفسه ، ج3 ، ص 273 .
11- المصدر نفسه ، ج3 ، ص 275 .
12- المصدر نفسه ، ج3 ، ص 283 .
13- المصدر نفسه ، ج3 ، ص 56 – 62 .
14- المصدر نفسه ، ج3 ، ص 56 – 62 .
15- المصدر نفسه ، ج3 ، ص 56 – 62 .
16- المصدر نفسه ، ج3 ، ص 56 – 62 .
17- المصدر نفسه ، ج3 ، ص 204 .
18- انظر مقال حقوق الجيل الناشئ علينا ، ج3 ، ص 273 وما بعدها
19- المصدر نفسه ، ج3 ، ص 203 .
20- المصدر نفسه ، ج3 ، ص 268 .


مجلة الوعي (الجزائر) العدد2 / نوفمبر2010

www.ibrahimi.net

آخر التغريدات: