سيرة عالم شُغل ببناء الإنسان عن تأليف الكتب

بقلم: سيد يوسف-

من رجلا يقول عن أمته "إن الأمة الجزائرية ليست هي فرنسا، ولا يمكن أنتكون فرنسا، ولا تريد أن تصير فرنسا، ولا تستطيع أن تصير فرنسا لو أرادت، بل هي أمةبعيدة عن فرنسا كل البعد...، في لغتها، وفي أخلاقها، وعنصرها، وفي دينها، لا تريدأن تندمج ولها وطن معين هو الوطن الجزائري"...لهو رجل يقظ عقله نقية سريرته... بسيرته تنهض الأمة...فمن يا ترى يكون عبد الحميد بن باديس؟

قبس من نشأته :

هو عبد الحميد بن محمد المصطفى بن مكي بن باديس ولد في مدينة قسنطينة في ( 11من ربيع الآخر 1307هـ = 4 من ديسمبر 1889م)، ونشأ في أسرة كريمة ذات عراقة وثراءودين، فأبوه كان حافظًا للقرآن، ويُعد من أعيان المدينة، وعُرف بدفاعه عن حقوقالمسلمين في الجزائر، وينتمي إلى أسرة مشهورة في الشمال الإفريقي اشتهر من رجالها "المعز بن باديس" (398-454هـ = 1008- 1062م)، الذي انفصل بالدولة الصنهاجية عنالدولة الفاطمية، وأعلن مذهب أهل السنة والجماعة مذهبًا للدولة.

حفظ القرآنوهو في الثالثة عشرة من عمره، ثم انتقل إلى العالم الكبير "حمدان الونيسي" بجامعسيدي محمد النجار، وتلقى منه العلوم العربية والإسلامية، وكان لهذا العالم أثرايجابي في نفس صاحبنا... ودلالة ذلك أن أراد ابن باديس الهجرة إلى المدينة المنورةليلحق بشيخه هناك لكن والده منعه من ذلك لصغر سنه، وبعث به إلى تونس لاستكمالدراسته في جامع الزيتونة، وكانت منارة العلم في الشمال الإفريقي، وتلقى العلم فيالزيتونة على جماعة من كبار العلماء البارزين، فلازم العلامة محمد الطاهر بن عاشور،وأخذ عنه الأدب، وكان له تأثير كبير عليه عبر عنه ابن باديس بقوله: "بث فيّ روحًاجديدة في فهم المنظوم والمنثور، وأحيت مني الشعور بعز العروبة والاعتزاز بها، كماأعتز بالإسلام".

أساتذته :

تأثر ابن باديس بمجموعة من العلماء كان منهم :

*حمدان الونيسى حيث تلقى منه العلوم الإسلامية كما مر بنا.

*محمد الطاهربن عاشور حيث تلقى منه علوم اللغة والأدب.

*محمد النخلي القيرواني حيث تلقى منهدروسا في ما يحيى القلوب من رقائق.

* البشير صفز"، حيث تلقى منه دروسا فيالتاريخ.

*حسين أحمد المدني" عالم الهند الكبير الذي نصحه بخدمة الإسلام فيالجزائر لأنه في حاجة إلى أمثاله.

* محمد نجيب المطيعي حيث التقاهونهل منه بعض الحكمة.

* والشيخ أبو الفضل الجيزاوي التقاه.

من بعض جهوده :

*حين عاد إلى الجزائر عزم على بعث نهضة علمية جديدة، فألقى دروسه فيالجامع الكبير بقسنطينة وفي الجامع الأخضر، وعاد بالناس المحرومين إلى رياض القرآنالوارفة الظلال حيث ألقى دروسه في تفسير القرآن بالجامع الأخضر، فاستمع إليهالمئات، وجذبهم حديثه العذب، ونظراته الدقيقة، وفكره المتّقد، واتخذ ابن باديس منهذا المسجد مدرسةً لتكوين القادة وإعداد النخبة التي حملت مشعل الإصلاح، وأخذت بيدالأمة إلى الطريق المستقيم، وكان يبدأ دروسه بعد صلاة الفجر، ويقضي نهاره معلمًاالأطفال الدينَ وعلوم العربية حتى بعد صلاة العشاء، ثم يستأنف دروسَه في تفسيرالقرآن الكريم من التاسعة مساءً حتَّى منتصف الليل للكبار، وداعيًا إياهم إلىالالتزام بالدين وتغيير ما بأنفسهم حتى يغير الله ما بهم.

* قاوم ابن باديسبعض أصحاب الطرق الصوفية في الجزائر الذين اتخذهم الاستعمار الفرنسي وسيلةً للسيطرة على عقول الشعب الجزائري، ووصفهم بأنهم ابتدعوا أعمالاً وعقائد من عند أنفسهم،معتقدين أنهم يتقربون بها إلى الله.

* أتم تفسير القران في دروسه على حلقاتمتصلة استمرت خمس وعشرين سنة، واحتفلت الجزائر بختمه احتفالاً قوميًا في قسنطينةفي (13 من ربيع الآخر 1357هـ = 12 من يونيو 1938م).

* أنشأ مكتب كان نواةًللتعليم الابتدائي فوق مسجد سيدي بومعزة، ثم انتقل إلى مبنى الجمعية الخيرية الإسلامية التي تأسست سنة (1336هـ = 1917م)، ثم تطوَّر هذا المكتب إلى مدرسةٍعصريةٍ كبيرةٍ تتسع لأعداد كبيرة من الأطفال.

* أسس جمعية التربية والتعليمالإسلامية في سنة (1349هـ =1931م) ؛ بهدف نشر الأخلاق الفاضلة والمعارف الدينيةوالعربية، والصنائع والحرف اليدوية، واستعان في سبيل تحقيق ذلك بإنشاء :

** مدرسةللتعليم.

** وملجأٍ للأيتام.

** ونادٍ للمحاضرات.

** ومصنع لتعليمالحرف.

وقد انشأ عبد الحميد بمساعي الجمعية تلك 170 مدرسة بالإضافة إلىكتاتيب انتشرت في كل مكان و التي اخذ الفرنسيون بمحاربتها من كل اتجاه، وكانتالجمعية ترسل النابغين من طلابها الذين واصلوا التعليم لاستكمال دراستهم في بعضجامعات الدول الإسلامية، كما كانت الجمعية تُعفى البنات من مصروفات التعليم،ويتعلَّمن بالمجَّان، تشجيعا لهن على التعليم. أما البَنون فلا يُعفى منهم إلا غيرالقادرين.

* أنشأ لجنةً من أعضاء جمعية التربية والتعليم تُعنى بالطلبة،وتساعد المحتاجين منهم من الصندوق المالي المخصص لهذه المهمة، وكان يموَّل منتبرعات الأسخياء والمحسنين الذين شجعتهم أعمال الشيخ وجهوده التعليمية على التبرعلرعاية الطلاب.

* أصدر جريدة المنتقد سنة (1345هـ = 1925م) ورأس تحريرها،لكن المحتل عطلها، فأصدر جريدة الشهاب في السنة نفسها، وعمد "ابن باديس" إلىاستغلالها في توسيع دائرة نشاطه التعليمي، ليشمل أكبر عدد ممكن من الناس، فخصصافتتاحياتها لنشر مختارات من دروسه في التفسير والحديث، تحت عنوان: "مجالسالتذكير"، واستمرت الشهاب في الصدور حتى سنة (1358هـ = 1939م).

* ودعا إلىعقد مؤتمر إسلامي في الجزائر سنة (1355هـ = 1936م)؛ للحيلولة دون تنفيذ مؤامرةإدماج الشعب الجزائري المسلم في الأمة الفرنسية المسيحية، التي كان ينادي بهابعضنواب الأمة الجزائريين، ورجال السياسة الموالين لفرنسا، ونجح "ابن باديس" ورفاقه فيالقضاء على هذه الفكرة الخبيثة، وإفشال فكرة الاندماج مع فرنسا التي خُدع بها بعضالجزائريين.

ابن باديس مجاهدا الاستعمار :

أثمرت جهود ابن باديس فيإنشاء جمعية العلماء المسلمين في سنة (1350هـ = 1931م)، وجعلت شعارها "الإسلامديننا، والعربية لغتنا، والجزائر وطننا"، وانتخب العلماء الشيخ "عبد الحميد بنباديس" رئيسًا للجمعية، وأدركت الجمعية أهمية التربية والتعليم في تحقيق أهدافهاوالمحافظة على كيان الأمة في مواجهة جهود مستميتة من المستعمر الفرنسي للقضاء علىالهوية الإسلامية؛ ولهذا اهتمت بإنشاء المدارس التي تُعنى بالمناهج العربيةالإسلامية، وحثت الأمة على إرسال أبنائها إلى مدارسها؛ بهدف تعليم أكبر عدد ممكن منأبناء الأمة تعليمًا صحيحًا.

ووجهت عنايتها إلى التعليم في المساجد، فكما لامسجد دون صلاة، فكذلك لا مسجد دون تعليم؛ ولذا وضعت الجمعية برامج واسعةً لنشرالتعليم الديني والثقافة العربية للصغار والمبتدئين، واستكمال ثقافة من درسواباللسان الفرنسي، كما عنيت بإرسال الوعاظ إلى القرى لنشر الوعي الإسلاميبينهم...وقد نجحت جهودهم أيما نجاح رغم أن الاستعمار الفرنسي قد أغلق نحوًا من ألفمدرسة ابتدائية وثانوية وعالية، كانت تضم نحو مائة وخمسين ألف طالب، ووضعت قيودًاعلى فتح المدارس.

من مواقفه مع الاستعمار الفرنسي :

* عندما سافر وفديمثل المؤتمر الإسلامي الجزائري إلى باريس قابلهم ولادييه مدير الشؤون الجزائرية في الحكومة الفرنسية و الذي هدد أعضاء الوفد بقوله : "أن لدى فرنسا مدافع طويل في 18يونيو 1936م " فتصدى له بن باديس بكل شجاعة و قوة و قال : " أن لدينا مدافع أطول" !.

* صادف 1937 عام احتفالهم بمرور قرن على احتلالهم قسطنطينة و أرادوا إشراكالأهالي به لكن بن باديس أصدر منشور 28 ديسمبر باسمه يطلب فيه من الأهالي مقاطعةهذا الاحتفال فاستجاب له الشعب و خاب أمل الفرنسيين.

من أقواله :

كانينشد الشعر إلى شعبه ليغرس بهم بذرة الوطنية و العروبة فيقول :

شعـــبالجزائر مسلم                   وإلى العـــــروبة ينتسب

من قـال حـاد عن أصله                   أو قال مــــات فقدكذب

يـا نشــئ أنت رجاؤنا                     وبـك الصـباح قـد اقترب

آثار ابن باديس :

انشغل ابن باديس ببناء الإنسان وإنقاذ الأجيال التي ولدت في أحضانالاستعمار عن تأليف الكتب، ومعظم إنتاجه الفكري مقالات ودروس ألقاها في المساجدوالمدارس، سلُم لنا بعضها وفُقد معظمها الآخر، وقد جُمع كثير من آثاره بعد وفاته،منها :

- تفسير ابن باديس.

- مجالس التذكير من حديث البشير النذير، طبعتهوزارة الشئون الدينية بالجزائر(1403هـ/1983م).

- العقائد الإسلامية من الآياتالقرآنية والأحاديث النبوية.

- رجال السلف ونساؤه، وهي مجموعة من المقالات ترجمفيها "ابن باديس" لبعض الصحابة.

- وقد جمع "عمار طالبي" معظم آثار "ابن باديس" ونشرها في الجزائر في أربعة مجلدات سنة (1388هـ = 1968).

وفاة ابن باديس :

في أيامه الأخيرة مرض مرضًا شديدًا فوافته المنية، في (8 من ربيعالأول 1359هـ = 1940م) عن واحد وخمسين عامًا.

في النهاية :

كانت هذىسيرة رجل انشغل ببناء أفراد يخدمون قضية الحق والخير ولربما طواه النسيان قليلاولكن... أبدا لن يمحى من ذاكرة الأمة ففي بنيها من يحيون دراسة تلك القمم بفهم وعلموبصيرة راشدة عساهم يفيدون الإسلام والمسلمين.

آخر التغريدات: