جديدنـا:

مذكرات الشيخ عبد اللطيف سلطاني : خدمت جمعية العلماء كما لم يخدمها أحد قبلي

مذكرات الشيخ عبد اللطيف سلطاني : خدمت جمعية العلماء كما لم يخدمها أحد قبلي

وفي سنة (1366هـ 1936م) انتخبت عضوا إداريا في المجلس الإداري لجمعية العلماء، بعد أن كنت عضوا عاملا فيها من يوم تأسيسها، والتي يرأسها في ذلك الوقت مفكر الجزائر الكبير، المرحوم الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، مع إسناد المراقبة لي في عمالة قسنطينة، ولما أنشأت جمعية العلماء »معهد« الشيخ عبد الحميد بن باديس في قسنطينة سنة (1327هـ 1947م) طلب مني الشيخ البشير الإبراهيمي أن أنخرط في سلك أساتذته، فالتحقت به في شهر أكتوبر 1948 أول السنة الدراسية..

وفي سنة (1370هـ 1950م) عينني الشيخ البشير »ناظرا« فيه، لأساعد مديره الشيخ العربي التبسي ـ رحمه الله ـ على أعماله، فقد كان يطيل الغيبة في بلده، وفي سبتمبر 1951، وقع تجديد انتخاب المجلس الإداري لجمعية العلماء، فانتخبني أعضاء المجلس الإداري أمينا عاما لماليتهم، ومديرا لمركزها في الجزائر، وفي المركز موظفون يعملون في لجنة التعليم التابعة للجمعية، وآخرون يعملون في صحيفة البصائر، وآخرون في إطار الجمعية، فانتقلت من قسنطينة إلى العاصمة، وتفرغت بكليتي وفي جميع الأوقات إلى أعمال الجمعية، وذلك في المالية التي كانت غير ثابتة، مع كثرة الديون التي كانت عليها من سوء التصرف، وكل يعمل لحسابه بلا نظام ولا مراقبة، مع الأشغال الإدارية، ويضاف إلى ذلك مالية البصائر والمعهد، والشروع في تكوين مطبعة خاصة بالبصائر والجمعة، وقد تعبت كثيرا، سواء فيما يعود إلى كثرة الأشغال أو إلى سلوك بعض الموظفين الذين ألفوا الفوضى وعدم المراقبة، وعلى كل حال، فقد تقدمت تلك المشاريع وأثمرت والحمد لله، فبقيت في الجزائر إلى الآن (إلى يوم وفاته رحمه الله)، وأستطيع أن أقول بكل فخر واعتزاز: إني خدمت جمعية العلماء خدمة كبيرة من الوجهة المالية لم يخدمها أحد قبلي، باستثناء المرحوم الشيخ مبارك الميلي رحمه الله، نظرا لأمانته وعفته ونظامه مع اختلاف الزمانين، بالنظر لكثرة مشاريع الجمعية في زمني، وقلتها في زمنه، غير أن قلوب البعض من العلماء مريضة بمرض الحسد والغيرة، فجعل الله على بصرهم من أجل ذلك غشاوة لا تبصر الواقع، ونكِل أمرهم إلى الله علام الغيوب والمطلع على ما في القلوب.

ولما قامت ثورة التحرير الجزائرية في (5 ربيع الأول 1374 هـ أول نوفمبر 1954 م) قل نشاط الجمعية، إذ انصرفت جهود الأمة الجزائرية بمجموعها ـ ومنها الجمعية ـ إلى تحرير الوطن من الاستعمار الفرنسي، وضعف عمل الجمعية في ميدانها، لتفرق جميع أعضائها من جميع الأصناف والطبعاتومعلميها،للعملمنأجلإنجاحالثورة،ولظروفالحربالخاصةبها.

ولما رجع سلطان المغرب ـ المرحوم ـ محمد الخامس من منفاه في جزيرة »مدغشقر« إلى المغرب، رأت الجمعية أن توفد وفدا من أعضائها لمشاركة إخوانهم المغاربة في فرحتهم، بعودة سلطانهم الحر المناضل سالما معافى صابرا على ما أصابه من السلطات الفرنسية في سبيل وطنه وشعبه، فعينت الجمعة الوفد مركبا من الشيوخ: العربي التبسي النائب الأول للرئيس، محمد خير الدين النائب الثاني للرئيس، أحمد توفيق المدني الكاتب العام للجمعية، عبد اللطيف سلطاني أمين مال الجمعية. وهؤلاء هم أعضاء الكتب الدائم للجمعية. وبعد تعب شديد في سبيل التحصيل على جواز السفر ـ نظرا لظروف حرب التحرير الجزائرية ـ سافر الوفد المذكور يوم الأربعاء أول ربيع الآخر 1375 نوفمبر 1955م بالطائرة إلى الرباط، وبعد توقف قصير في مدينة وهران لتناول طعام الغداء، استأنفت الطائرة طيرانها إلى مدينة الرباط، فوصلناها في حدود الساعة الثالثة بعد الزوال، فوجدنا السلطان قد وصلها قبلنا في الساعة الواحدة، ووجدنا الشعب المغربي بكباره وصغاره في فرحة كبيرة، يجري في الطرقات كالسيل العرم، فما رأيت مثل ذلك اليوم في حياتي إلا يوم استقلال الجزائر في عاصمة »الجزائر« يوم 5 جويلية سنة 1962، وفي يوم الجمعة 3 ربيع الآخر 1375هـ 18 نوفمبر 1855م، حضر الوفد حفلة إلقاء السلطان لخطاب العرش صباحا، الذي ألقاه في ساحة المشور، ذلك الخطاب العظيم الذي أعلن فيه أن لقب السلطان ألغي من الآن، وعوض بلقب »الملك«، كما أعلن فيه عن إنشاء حكومة ملكية دستورية، ولما حان وقت صلاة الجمعة، انتقلنا إلى جامع أهل فاس في المشور، فأديناها معه، والجامع المذكور إلى جنب القصر الملكي، ومن الغد (أي السبت 4 ربيع الآخر 19 نوفمبر) يوم مقابلة الشعب الملك بمناسبة عودته إلى ملكه، خص الملك الوفد الجزائري بمقابلة خاصة، قبل كل المهنئين، فدخلنا إليه وجلسنا معه حصة زمنية أبلغه فيها تحية وتهنئة الشعب الجزائري له، برجوعه إلى عرشه ووطنه سالما عالي الرأس، ثم خرجنا بعد أيام من الرباط للتجوال، وتجولنا في غالب المدن المغربية ذات التاريخ والآثار الإسلامية، فزرنا الدار البيضاء ومراكش، والقنيطرة وحد كورت، في ضيافة الأخ الكريم، السيد محمد خطاب الجزائري، وهو من أكبر الفلاحين في المغرب، وأصله من بلدة »الميلية« القريبة من قسنطينة، كما زرنا مكناس وفاس وافران وتازة ووجدة، ثم عدنا إلى أرض الوطن عن طريق البر، يوم الأربعاء 29 ربيع الآخر 1375 هـ 14 ديسمبر 1955م، وقد لقي الوفد منلدنالإخوةالمغاربةـوخاصةأعضاءحزبالاستقلالـكلتعظيموحفاوةوتكريم،أينماحلوارتحل،كماوجدنامثلهذامنإخوانناالجزائريينالمستوطنينفيالمغرب.

آخر التغريدات: