زهور ونيسي: نهضة الشيخ ابن باديس بالجزائر أكبر من نهضة محمد عبده بمصر

المجاهدة والروائية والوزيرة الجزائرية الدكتورة زهور ونيسي تبوح بذكرياتها لـ"الراية الأسبوعية " : نهضة الشيخ عبد الحميد بن باديس بالجزائر أكبر من نهضة الإمام محمد عبده بمصر وتكشف عن تحضيرها كتاب عن ابن باديس... وننوه أننا اقتبسنا من الحوار الجزء الذي تحدثت فيه الدكتورة زهور ونيسي على نضال المرأة في الثورة وعن دور الحركة الإصلاحية ورائدها الشيخ ابن باديس في الجزائر.

- ولدت في ديسمبر 1936 بقسنطينة.. مدينة الجسور المعلقة مدينة الحنين والبكاء والأرق، مدينة الأبطال والشهداء والثوار تلك البقعة المقدسة من أرض الجزائر بلد المليون ونصف المليون شهيد تلك التي تشبه عروس البحر في بهائها فألهمت الشعراء وألهبت أحاسيس المفكرين ولونت فرشاة الرسامين ولوعت بحبها أصحاب القلوب الرقيقة، هام بحبها هؤلاء جميعاً وزيادة أنها ليست مجرد مكان أصم، بل كائن حي ولد في رحم الزمان كبر وترعرع وأحب وتزوج وأنجب آلاف العظماء الذين عاشوا في رحمه..

- إنها قسنطينة، تلك التي أمها الكثيرون ليتيمموا بماء محبتها وتمازجت فيها أهازيج الفرح فلونت التواريخ بثورات عديدة وكفاحات ونضالات لا تحصي من قبل عشاقها الذين ذابوا في ذرات تراب محبتها فوقع في هواها كاتب ياسين، مالك حداد وأحلام مستغانمي كما وقعت أسيرة كل هذه التفاصيل والمنمنمات المكافحة والمجاهدة د.زهور ونيسي أولي المجاهدات في الثورة الجزائرية التي حملت وسام الاستحقاق الوطني وتقلدت مناصب عليا ثقافية واجتماعية وإعلامية وسياسية، إنها أول امرأة ترأس وتدير مجلة الجزائرية النسوية وهي أول امرأة جزائرية يعهد إليها بمنصب وزاري في عهد الشاذلي بن جديد حيث تولت حقيبتي الشؤون الاجتماعية والتربية الوطنية واختيرت عضوا بمجلس الشعب الوطني في الفترة من 77 إلي 82 والاهم من هذا كله أنها أديبة كبيرة لها أكثر من سبع مجموعات قصصية وروائية تعشق الجزائر وتدين بالفضل للمثقفين المصريين وتتمني أن تطوف الوطن العربي بدون جواز سفر.. إنها المناضلة د. زهور ونيسي التي كان ل الراية هذا اللقاء.. لقاء البوح والتواصل :

لا أحد ينسي دور المناضلات الجزائريات في الدفاع عن شرف بلادهن.. كلنا يعرف جميلة بوحريد، وجميلة بوعزة لكننا نجهل الكثيرات ممن كان لهن أياد بيضاء علي الثورة الجزائرية دعينا نعرج علي هذه المرحلة المهمة من تاريخك الذي لا ينفصل بالطبع عن بصمة وهوية الوطن وكيف بدأت علاقتك بثورة التحرير الجزائرية ؟

- في الحقيقة كانت أعمارنا أثناء انضمامنا لثورة التحرير الجزائرية كشباب أقل من 20 عاماً أنا لن أقول مثل كثيرين قالوا إنهم انضموا للثورة باختيارهم على أساس أنها مسألة قضية لكنني أؤكد أننا كنا في سن الشباب نحب اللعب والمرح والملابس الزاهية وتسريحات الشعر الجميلة لكننا فجأة ودون إنذار وجدنا أنفسنا في خضم المعركة.. معركة التحرير والمحيط الصغير ومثله الكبير كان مشغولاً بهذه القضية.. قضية التحرير فذكرياتي مع الثورة ليست قديمة لأنها ما تزال تعيش معي حتى اليوم بتفاصيلها الصغيرة والكبيرة لأنها مؤثرة وفاعلة أكثر من أي شيء آخر.

هل يمكنني القول أنكم لم تعيشوا شبابكم مثل سائر الشباب ؟

- هذا صحيح لأن من يتحمل المسؤولية في عمر 17 أو 18 عاماً وهذه المسؤولية لم تكن مسؤولية فرد لكنها مسؤولية وطن وآخرين كما انها مسؤولية نجاح هذه العملية أعتقد انه لا يعيش مرحلة الشباب، خاصة وأننا بعد الاستقلال كنا محظوظين.

محظوظون لأنكم شاركتم في الكفاح؟

- لا لأننا نجونا من الموت كما ساعدنا الحظ في إعطائنا حق التمتع بالاستقلال والحرية لكن للأسف الجيل الذي يكافح يظل دائماً يكافح لان المسؤولين يقولون 5 يوليو 1962 ان الاستقلال وسيلة وليس غاية.

بمعني أنكم تابعتم الكفاح أليس كذلك؟ - هذا ما حدث فلم نتمتع بفرحة الاستقلال حينما حصلت عليه بلادنا لكننا دخلنا في مرحلة جديدة هي مرحلة التشييد والبناء من أجل التعمير ثم مرحلة الدراسة التي انقطعنا عنها 1956 بسبب إضراب الطلبة الجزائريين والتحاقهم بالثورة ثم بنهم شديد دخلنا الجامعة لنحصل علي الشهادات ولنكون يداً في البناء كما كنا كذلك في عملية التحرير ونصير أهلاً للمرحلة الضخمة التي تنتظرها الجزائر المستقلة فقنبلة تهدم جسراً ليست أبداً مثل لبنة تبني هذا الجسر.

إنها أصعب بكثير ومع الأيام استطعنا أن نجد أنفسنا في الدراسة واكتساب الدرجات العلمية وتحمل المسؤوليات المختلفة في الصحافة والإعلام حيث عملت كعضو مؤسس لمختلف الصحف الوطنية وخصوصاً الجرائد الصادرة باللغة العربية.

تجريم العربية

أعلم أن فرنسا كانت قد أصدرت قوانين تجرم تعلم اللغة العربية وتصادر الجرائد الصادرة بها أو تحرقها؟

 

- هذا حقيقي لذا كانت الصحف التي تصدر بالعربية قليلة ونادرة حتى بعد الاستقلال لان الاحتلال كان قد منع الجزائريين طيلة قرن وربع من تعلم لغتهم وذلك بقوانين لذا كانوا بعد الاستقلال يقدسون العربية ويبحثون عمن يعلمهم إياها وكان لمصر الشقيقة والأساتذة الذين جاؤوا إلينا من سوريا ومن غيرها من الدول العربية الفضل والدور الكبير في تكوين النشء الجزائري علي اللغة العربية وذلك بتعاونهم في المدرسة الجزائرية التي عندما جاءها الاستقلال لم تكن موجودة لان الاستعمار الفرنسي كان قد راهن علي ان دخول المدارس لن يكون مجدياً بل ولن يحدث من الأصل.

لماذا كل هذا اليقين ؟

- لسبب بسيط وهو أنهم سحبوا كل إطاراتهم وكل معلميهم وهدموا المدارس حتى المكتبة التي كانت تحت الفندق الذي نجلس به الآن الاوراس فقد حرقوا أهم الكتب والوثائق التي كانت تضمها - غيظاً وغضباً- لان هذا الشعب الذي كانوا يعتبرونه أمياً ومتخلفاً التي جاءت فرنسا لتحرره وتمدينه وتحضره استطاع أن يهزمها.

من بقي في ذاكرتك من رفيقات الجهاد ؟

- كثيرات.. لكن منذ قليل أثناء عرض مسرحيتي دعاء الحمام بمهرجان المسرح الوطني بالجزائر قابلت رفيقتي زهرة حفيظ.

تلك التي رفضت الاعتراف عليك وزملائك وتحملت التعذيب؟

- نعم وقد كان موقفاً بطولياً منها وشجاعة نادرة فحينما قبضوا عليها عذبوها ورفضت الإدلاء بأسمائنا وخاصة انأ فأنكرت علاقتها بي وهكذا نجوت من السجن والتعذيب وتحملت هي عني وتخيلي لقد أبكتني لأنها كانت طوال العرض تبكي.

ربما تذكرت التاريخ الطويل والكفاح؟

- هذا ما قالته فقد وجدت التاريخ والأحداث التي عشناها بدمائنا منذ 50 عاماً مجسدة على خشبة المسرح تضج بالحياة والحركة وكأن التاريخ يعيد نفسه!

(...)

لكنك بالفعل أول من كتب الرواية بالعربية في الجزائر ؟

-نعم .

(...)

كان بإمكانك مسايرة الواقع الجزائري المفروض وتكتبين بالفرنسية كما فعل الكثيرون وتصبحين أكثر شهرة كما حدث مع كثير من الكتاب الجزائريين وكتاب المغرب العربي لاحتضان فرنسا لهم وتبني أعمالهم.. فهل استقرارك علي اختيارك وتمسكك بالعربية نابع عن توجه أيدلوجي منك ؟ أم أنه إيمان بمقولات العربية والقومية ؟ أم أن لديك تبريراً آخر؟

انه التكوين.. تكويني كسليلة حركة إصلاحية من قسنطينة، فوالدي كان تلميذاً للشيخ العلامة الإصلاحي الكبير عبد الحميد بن باديس والذي كان له دوره في اتخاذي هذا المسار.

كيف ؟

-هو الذي حدد للشعب خيار اللغة، فاختياره للعربية كلفة رسمية شعبية هو الذي أرجع الشعب الجزائري إلي دينه الصحيح، وهو الذي أخرج الشعب الجزائري من الخرافات والشعوذات التي التصقت بالدين الإسلامي الحنيف، هذا الرجل صاحب حركة نهضوية كبيرة.

مثل حركة محمد عبده في مصر ؟

-أستطيع ان أقول أنها أكبر من نهضة محمد عبده ؟

كل النهضويين وأصحاب الحركات التنويرية الذين جاءوا بعد محمد عبده تأثروا به وبجمال الأفغاني هذا واقع لا يمكن إنكاره .

-أنا لا أنكر تأثره بهذين التنويرين الجليليين، لكن الشيخ عبد الحميد بن باديس كان أكبر منهما تأثيراً وقوة.

لماذا ؟

-لأنه أعتمد علي الشعب في حركته ولم يعتمد علي النخبة .

كيف ؟

لقد أسس الشيخ في كل حي وفي كل قرية مدرسة يتم بناؤها من مال الشعب لتدرس اللغة العربية .

ألم تكن العربية وتدريسها ممنوعة بمقتضي القوانين الفرنسية ؟

-نعم.. وهذا كان تحدياً كبيراً منه، فقد كسر وخرق هذه القوانين التي فرضها علينا الاستعمار في العشرينيات والثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي واوجب تعليم العربية كلغة أولى.

كانت اللغة العربية أكثر الكائنات ظلماً في الجزائر في تلك الفترة اليس كذلك؟

-لأنهم كانوا يعلمون انتماءاتنا للحضارة العربية الإسلامية.. وان هذه الانتماءات تجعلنا أكثر أيمانا وقوة عند مجابهتهم.. لذلك كانوا يحطمون هذا الجانب لكنني أيضا على المستوي الشخصي لم استطع التخلي عنه حيث كان جزءاً أساسياً من تكويني لذلك إنني انتصر للغة العربية في كل وقت.

(...)

وماذا عما تعدين عن العلاقة ابن باديس ؟ هل ستأتين بالجديد الذي لا يعرفه الكثيرون عن هذا العلامة النهضوي الكبير كالتعرض لحياته الأسرية مثلاً وخصوصيات علاقاته أثناء مرحلة الثورة الجزائرية ؟

-نعم.. فلقد بدأت الكتابة منذ يوم ميلاده حتى أسجل أيضا ما في قسنطينة من عادات اجتماعية وظروف وتقاليد وحتى المكان هنا سيكون بطلاً لديك أيضاً.. وقسنطينة بوجه خاص.

حتى لا أكون متناقضة مع نفس، فالمكان بطل وبطل كبير انه بطل أكثر من الزمان لأنه ثابت غير متحرك أما الزمان فيتبدل ويتغير.

وأقول لك شراً، لقد ندمت أشد الندم أنني قبلت الكتابة عن ابن باديس.

لماذا ؟

-لأنني وجدت نفسي أقرأ في أكثر من 600 مرجع في وقت واحد علاوة علي المكتبات والانترنت وسفري مرتين إلي فرنسا.

وهل أوصلتك رحلة البحث المضنية هذه إلي الجديد في حياته ؟

-وجدت أشياء عظيمة ومبهرة، حركة وطنية من أروع ما يكون فقد استطاع الاستعمار ان يجعل اباه يتبرأ منه .

لماذا ؟

-لأنه صاحب حركة وطنية شعبية .

وما علاقة والده بهذا ؟

-كان والده حينها نائباً في البرلمان الفرنسي مما سيتعارض مع أهدافه ومخططاته، فقد كان عبد الحميد بن باديس ضد فرنسا وضد الوظيفة تحت لوائها .

وكيف كان رد فعل والده إزاء تمسكه بآرائه ؟

-حرمه من جميع حقوقه في ثروته.

(...)

 

آخر التغريدات: