ابن باديس نادى بالتحرير قبل ثورة نوفمبر وله الفضل في بلورة الفكر التحرري والحث على مناهضة الاستعمار

في هذا الحوار يفتح الدكتور عمامرة قلبه ليعتصر رحلة نصف قرن من النضال والتعليم والكتابة في كلمات شاهد على أقسى المراحل التاريخية التي مرت بها الجزائر ودور ابن باديس وجمعية العلماء فيه.

كونك من أبرز تلامذة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، كيف تعلم جيلكم اللغة العربية وهو في قبضة استعمار أراد أن يطمس الهوية قبل اغتصاب الأرض؟

لا أحد من جيلي ينكر فضل الشيخ عبد الحميد بن باديس في تعلمنا العربية والإسلام· فقد كان رائد الإصلاح من خلال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين· فهو من أنشأ المدارس الحرة والنوادي للتعليم، إلى جانب التعليم في المساجد التي لم تكن خاضعة لسيطرة فرنسا· وبالتحديد أنشأ ابن باديس أكثر من 150 مدرسة في مختلف مدن الجزائر وقراها تعلم الشباب العربية والإسلام، وتغرس فيهم الوطنية· وللتاريخ لابد من الإشارة إلى مساهمة حزب الشعب الجزائري والجمعيات الخيرية في الجنوب الجزائري والزوايا في منطقة القبائل·

هناك أطراف تنقص من دور ابن باديس في بلورة الفكر التحرري والحث على مناهضة الاستعمار· ما تعليقك وأنت شاهد على المرحلة؟

لقد رفع الشيخ العلامة ابن باديس راية التغيير والإصلاح منذ بداياته عبر كافة القنوات التي استعملها لتوعية الشعب الجزائري، بداية بالتعليم الذي أشرنا إليه، إلى الصحافة؛ حيث أسس عام 1925 جريدة المنتقد التي كانت حربا على فرنسا وعلى الفكر الطرقي الموالي للمستعمر الذي أشاع في الناس أن احتلال فرنسا قضاء من الله ولاراد له· كما كان محاربا للبدع والخرافات ورافضا لفكرة الاندماج· ولأن ابن باديس نادى بالتحرير قبل ثورة نوفمبر، إذ نجد أن أكثر من 700 طالب في جمعية العلماء المسلمين بقسنطينة التحق بالثورة عند اندلاعها·

كان مشوارك التعليمي حافلا بالجولات فمن مدارس جمعية العلماء إلى الزيتونة بتونس إلى جامع الأزهر وجامعات مصر·· حدثنا عن هذه الرحلة العلمية؟

سافرت إلى تونس بعد الدراسة الابتدائية بمدارس الجمعية وتحصّلت في الزيتونة على شهادة التحصيل عام 1950، وعدت إلى الجزائر لأزاول التعليم بمدارس جمعية العلماء، وفي سنة 1951 تحصّلت من الجمعية على منحة إلى مصر كأول طالب في البعثة باعتباري متحصلا على شهادة التحصيل· ومما أذكره من تجربتي في الزيتونة زمالتي لعدد من الأسماء الجزائرية الكبيرة اليوم، أمثال عبد الحميد مهري والشيخ عبد الرحمان شيبان والراحل محمد الشريف مساعدية والدكتور عبد الله شريط ومحمد الميلي والأستاذ لمين بشيشي·

في مصر كانت لك ذكريات ذهبية عندما كنت رئيسا لبعثة جمعية العلماء المسلمين، خاصة تلك التي جمعتك بالرئيس الراحل هواري بومدين·· بماذا تحتفظ منها اليوم؟

الرئيس الراحل هواري بومدين أو ''محمد بوخروبة'' كما عرفته مطلع الخمسينيات، سبقني إلى القاهرة لأنه سافر وحده من تونس إلى القاهرة على رجليه ليلتحق بالأزهر، لأنه لم يكن يحمل شهادة· ودرس هناك في ظروف شديدة نظرا لضعف المنحة التي كان يتقاضاها من رواق المغرب العربي، إلى أن وصل الشيخ البشير الإبراهيمي إلى القاهرة وكلفني برئاسة البعثة وضم إليها كل جزائري في مصر، وكان بومدين من الذين دمجوا في البعثة فقمت بإشراف البشير الإبراهيمي بنقل بومدين من الأزهر إلى ثانوية ''المدرسة الخديوية''، واشترطت علينا المدرسة ألاّ يسأل بومدين أثناء الدرس وأن يجلس في آخر القسم لأنه كان يكبر الطلبة سنا·

كيف استقبل بومدين هذه الشروط؟

بنفس راضية تماما، لأنه كان تواقا إلى الدراسة النظامية التي كانت أحسن من الدراسة في جامع الأزهر مع الأعاجم الذين يأتون من سائر أنحاء العالم· كان ذلك عام 1952، وكان الشيخ البشير الإبراهيمي يدفع جنيها مصريا في الشهر لقاء تعليم بومدين· وفي عام 1955، وعندما ذهبت أتفقده في مدرسته، أخبرني المدير أنه غاب منذ مدة إلى أن رأيت صورته في إحدى المجلات رفقة العقيد بوصوف في ولاية وهران، وهو من قادة الثورة·

وعلى الصعيد الثقافي والفكري، ماذا تذكر اليوم من العصر الذهبي في مصر الخمسينيات؟

أسس البشير الإبراهيمي في مصر صالونا سماه ''ندوة الأصفياء''، يحضره أبرز العلماء والساسة ورجال الدين في مصر· وكان الإبراهيمي يصحبني إليها وهناك توطدت علاقتي بعلماء الإخوان المسلمين أمثال عبد الله دراز وسيد قطب· وكنت قبل ذلك قد درست عند طه حسين في جامعة القاهرة كما كنت أرتاد مجالس العقاد في دار الهلال، وتوفيق الحكيم في الأهرام، وأحمد أمين رئيس تحرير مجلة الثقافة، وأحمد حسن الزيات رئيس تحرير الرسالة، كما كانت لي صداقة مع محمد حسنين هيكل، رئيس تحرير الأهرام آنذاك·

هل كانت القضية الجزائرية حاضرة في تلك المجالس الأدبية؟

لم تكن حاضرة تماما.. لقد نجحت فرنسا إلى ذلك الوقت في تغييب القضية الجزائرية إلى درجة أن كثيرا من المثقفين العرب كانوا يسألون إن كان هناك إسلام في الجزائر.

 

* عن يومية الخبر – بتصرف

 


آخر التغريدات: