التعاون الاجتماعي

بقلم: الشيخ محمد البشير الإبراهيمي-

من أبهج ساعات العمر ساعة يقف فيها أخ يحادث إخوانه على بساط الشعور المشترك والإحساس الصادق والإخلاص في القول وحسن الإصغاء يتلو عليهم ما فيه العبرة من ماضيهم وحاضرهم. يذكرهم ما ليسوا عنه بغافلين من أخذ الأهبة للمستقبل المحجوب، يدعوهم إلى الجد في العمل المشترك، يدعوهم إلى التعاون في الصالحات، يدعوهم إلى نفض غبار الكسل والتواكل، يدعوهم إلى مجاراة السابقين في الحياة، يدعوهم إلى العمل لما فيه سعادة الدارين. يدعوهم إلى نبذ موجبات التفرق والتخاذل، يدعوهم إلى تقوية أسباب الإلفة والأخوة، يدعوهم إلى أخذ شؤون الحياة من أسبابها المعقولة، يدعوهم فيسمعون فيعرفون قيمة ما دعا إليه، فيفوز الداعي بفضيلة الدعوة والإرشاد إلى الحق والتنبيه إلى الواجب، ويفوز المدعو بفضيلة الاسترشاد والعمل بالنصيحة، ويلتقي الكل عند أشرف غاية في هذه الحياة وهي أداء الواجب الاجتماعي.

إخواني:

إن كنتم أولئك المستمعين فلست بذلك الداعي لولا هبة منكم نحو التقدم حركتني بعد السكون وأنطقتني بعد السكوت. قد استقر رأي جماعة من الإخوان على أن يكون موضوع المحادثة بيان فوائد الاجتماع ويعنون بالاجتماع الاتحاد … وهل تحتاج فوائد الاجتماع إلى بيان؟

فوائد الاجتماع هي ثمراته الناتجة عنه وثمراته هي ما ترون من أعمال تعجز القوة الفردية عن إتمامها، وما ترونه من مصانع تخرج المعجزات، وما ترونه من تقريب الأقطار وإخضاع البحار، وما ترونه من استخراج مواهب الأرض التي لا يستقل الفرد بإخراج جزء منها ولو خاص من الحياة، وبصفته فردا من أمة يريد أن يحتفظ لنفسه بحق تكوين اجتماعه كما يريد، ونحن في اجتماعنا هذا أو في حديثنا هذا من هذا القبيل.

إذن نحن محتاجون إلى تكوين اجتماع خاص تنتج عنه نهضة منظمة في جميع لوازم حياتنا القومية الخاصة، وألزم هذه اللوازم أربعة: الدين والأخلاق والعلم والمال.

أما اللازم الأول وهو الدين فلا نبحث في درجة أهميته من بين اللوازم فذلك أمر ضروري، وإنما نقول إن اجتماعنا يقضي بإدخاله فيما تجب العناية به، وقد ظهرت في هذه السنين حركة توسمنا فيها لأول مرة أنها ستقوم بركن من أركان نهضتنا، وكانت هذه الحركة ترمي عن قوس الحقيقة في الرجوع بالدين إلى بساطته الأولى، وأنه دين الفطرة، وأنه لا يرجع في أحكامه إلا إلى النص القطعي من كتاب محكم أو سنة قولية أو عملية متواترة، وأن كل ما ألصق بالدين من المحدثات فهو بدعة يجب اعتبارها ليست من الدين، وإن تراءت في صورة ما يقتضيه الدين. ومن الأسف أن هذه الحركة لم تنتج النتيجة المطلوبة ولم يصحبها من النظام والحكمة ما يجعلها سريعة الدخول في أذهان الناس.

- 2 -

فمن المفيد في اجتماعنا أن نعير هذه المسألة جانب الاهتمام ونسعى في تقريب حقائق الدين من أذهان الأمة على السنة الأولى في نشره وهي الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، ونسعى في إقناع الأمة بأن هذا الدين دين عملي لا تستغرق معرفة أحكامه هذه العشرات من السنين التي يبددها طلاب العلم الديني منا، وأنه يجب الرجوع في طريق الاستدلال على العقيدة إلى طريقة القرآن وهي إلفات النفس وتوجيهها إلى الاستدلال بالمخلوقات على الخالق، وأن هناك فرقا عظيما بين العقيدة والعبادة والمعاملة وأنه لا مدخل لغير المعصوم في إثبات ما هو عقيدة أو ما هو عبادة، وأن المعاملة مبنية على مراعاة مصالح البشر ونظام اجتماعهم العمراني، ولذلك كانت أغلب أحكام المعاملات المأخوذة من القرآن كلية قل أن نعثر فيها على التفصيل، وأن الأنسب لسماحة الدين وبقائه وصلاحيته لكل زمان ومكان أن يكون للزمان والمكان والعرف والعادة والبيئة مدخل في تكييف أحكام المعاملات وتطبيقها على الحوادث الجارية. وأن التاريخ شهد بأن أسلافنا كانوا يراعون هذا المعنى في إدارتهم الإسلامية وفي سياستهم للشعوب الأخرى. يصحب هذا السعي سعي آخر ملازم له وهو السعي في نشر اللغة العربية التي هي لغة الدين ولغة الآداب القومية ولغة التاريخ القومي.

وسعي ثالث لازم لهما وهو السعي في نشر التاريخ الإسلامي الصحيح بلغته، المتضمن للثقافة الإسلامية العربية، فإذا اشتمل اجتماعنا على هذه المساعي كنا قد عرفنا للاجتماع قيمته وأخذنا بثمرة من ثمراته وفائدة من فوائده وقلنا وقال الناس "إنه اجتماع منتج".

وأما اللازم الثاني وهو الأخلاق فنحن أحوج ما نكون إليه في هذا الزمان الذي كثرت فيه المبادئ العاملة على هدم الأخلاق الخيرية وكثرت فيه الأذواق المتطرفة التي تستمرئ الرذيلة على الفضيلة.

وإذا كان عقلاء الأمم التي هي أرقى منا بكثير تشكو فساد الأخلاق في أممها فمن نحن وأين نكون؟

فالواجب على اجتماعنا الذي ننشد تكوينه أن يبذل مجهودات قوية لرفع درجة الأخلاق عندنا، ومن فكري الخاص أن هذه الناحية من أمراضنا هي أيسر معالجة من جميع النواحي.

إذا أحسنا تسيير الجهود الفردية في التربية المنزلية، لأن لنا أساسا نبني عليه ولا يعسر جد العسر إحياؤه وهو الأخلاق الإسلامية المتوارثة في الجملة والتي نجد معظمها في القرآن في أوضح عبارة وأوضح بيان، ثم الأخلاق العربية المأخوذة من آدابهم التي هي أنفس ما خلفوه لنا من التراث.

فإذا تمكنا بالتدريج من قمع هذه الجراثيم الأخلاقية التي أفسدت مجتمعنا، وتكوين أفق أخلاقي، صالح، نكون قد جنينا من اجتماعنا شيئا هو ثمرة الثمرات وفائدة الفوائد. وأما اللازم الثالث وهو العلم بمعناه العام فالحقيقة الواقعة أننا لا زلنا فيه في مؤخرة الأمم، وغاية ما نبني عليه الأساس في هذا الباب هو هذا الشعور الذي نشاهده في جميع طبقاتنا وأوساطنا بلزوم العلم، وهذه الرغبة المتأججة في صدور الناشئين منا للعلم.

ودوننا في الوصول إلى القدر الصالح منه عقبات أكبرها فقدان المال، فلو اجتمعنا وتظاهرنا وملأنا الدنيا أقوالا لما أفادنا ذلك من العلم قليلا ولا كثيرا بدون مال.

إذن فالواجب على هيئاتنا المجتمعة محاربة الجهل بالعلم، ولا يتم ذلك إلا بالمال وأين المال وما أقل ما يكفي منه.

لا ننكر أن عند أغنيائنا مالا يكفي لبعض الواجب، ولكن يحول دون إخراجه في المشاريع النافعة أسباب: شح مطاع في البعض وجهل بطرق النفع العام في البعض، وأخرى نشكو منها إلى الله وهي عدم ثقة بعضنا بالبعض، هذا الخلق المشؤوم الذي أصبح خلقا ذاتيا فينا ولا نبحث عن أسبابه في هذا الحديث.

تعلمون أنه وجد في هذا القطر في عهده الأخير جماعة من أبنائه البررة حاولوا التعليم بأسلوب قريب وطريقة منظمة، كل في دائرة اختصاصه، وجعلوا أعمالهم وأوقاتهم تضحية وطنية متكلين على التضحية الوطنية من جانب الأغنياء وما جاوزوا مبادئ العمل حتى أعوزهم المال وأخطأ الاتكال، هنا وقعت المشادة الكبرى- قالوا للأغنياء: هاتوا المال، فقال بعضهم: هاتوا الثقة، وقال البعض: هاتوا الثبات، وقال بعضهم: لا ادفع مالي في غير ما يخص أهلي وعيالي.

أما الفريق الثالث فقد عذرناه لأنه مخلص لشحه وأنانيته، وأما الفريقان قبله فهما تحت رجم الظنون. وكانت خلاصة هذه المشادة أن تعطلت تلك المؤسسات العلمية النافعة في أول نشأتها وحرم الوطن من فوائدها وخرج الفريقان بالأعذار الباردة كل يتنصل من العهدة والعهدة على الجميع. لو كان لنا أيها السادة جمعيات منظمة تقوم بهذا العمل لما كنا نحرم هذا الحرمان المؤلم ولشدت عضد هؤلاء المجاهدين، ولكان لها من مكانتها شفيع عند الأغنياء يقطع عذر المعتذر منهم ويخفف عاطفة الشح من الشحيح.

إن كنا نحب- أيها السادة- أن يكون لنا أثر محمود في سبيل العلم وخطوة واسعة فيه فلنحرم على أنفسنا عقيدتين: عقيدة الاتكال على الأعمال الفردية من فريق المعلمين أو من فريق الأغنياء وعقيدة الاتكال على الحكومة.

وحسبنا أن نسعى السعي المتواصل لتأسيس جمعيات علمية. مكشوفة الجبين عريانة المقاصد تقوم للمعلمين بما عجزوا عنه من المال وتقوم للأغنياء بما طلبوه من الثقة والثبات وتنوب عن الكل في إدارة المؤسسات إدارة رشيدة تضمن سلامة العقبى والوصول إلى النتيجة.

أما البحث في أنواع العلوم التي تصلح لنهضتنا فهو معدود من لغو الحديث واحتياج الحي إلى العلم في هذا الزمن أصبح قرين احتياجه إلى الطعام.

وأما اللازم الرابع وهو المال فلا ننكر أنه أقرب نواحي نهضتنا إلى التحقيق ولا ننكر أن صلتنا بالمال لم تنقطع. وفي القطر ثروات هي نتائج جهود فردية وثروات هي بقية مما ترك الأولون. ولكن رغما عن هذا فلا مطمع لنا في اللحوق بالأمم الغنية المعتزة بغناها ولم نبلغ أن تكون لنا قيمة مالية في أسواقها الكبرى. وهذه هي درجة الاعتزاز بالمال.

نحن في هذا المقام نتحمل واجبين: واجب الاحتفاظ بما هو موجود، وواجب استثمار الموجود حتى ينمو. وإذا أردنا القيام بالواجبين فلا بد لنا من اعتبار الأصول المرعية في كل من الاحتفاظ والاستثمار، وكلنا يعتقد أن الثروات التي نمت بين أيدينا إنما نمت بعد اطراح أساليب التنمية العتيقة واستعمال الأساليب الجديدة.

(هنا وقفة)، أنبهكم أيها السادة إلى نقطة وهي أن المال ليس كبقية مقومات الحياة بل يفارقها في نظر جوهري وهو التأثر بالمزاحمة. فالزحام الشديد لا يكون إلا عليه والتكالب العنيف لا يكون إلا لأجله، وقد تموت في هذا الزحام أمة أو أمم لا تعرف كيف تزاحم ولا تحسن الدفاع حين تزاحم. فالمزاحمة في المال تضر وتنفع.

وهذا العلم، وهو قرين المال وأخوه في تكوين الحضارة الوقتية تفيد المزاحمة فيه ولا تضر. وفي هذا المقام يجب ألا نغتر بالموجود ولا نقنع بطرق الاستثمار التي قلدنا فيها غيرنا، ولا تكون هذه النتائج التي لم يكن آباؤنا يحلمون بها قاطعة لنا عن طلب المقلد. وحذار أيها الإخوان من هذه القناعة المجيعة- فوراء هذه الأمة الضعيفة طوائف هي أقوى مراسا وأصح عزائم في المزاحمة على المال. وطوائف هي أشد سواعد لجمع المال، وطوائف هي أبصر من زرقاء اليمامة بمواقع المال، وطوائف لم تكفها الجهود الفردية حتى ظاهرتها بالآلاف والملايين من أمثالها، وطوائف لم تكفها القوى البدنية حتى ظاهرتها بالقوى العقلية والكيماوية، كل ذلك لأجل المال وفي سبيل المال. حذار أن يسبق الوهم العلم أو يغشى الشك اليقين أو نركن إلى نزعة القناعة والكفاف، فإنما يحسن ذلك لو كنا وحدنا في الميدان أو كانت الوسيلة هي قوة الساعد وصحة الأبدان. أما والعلم للساعد ظهير والعقل للرجل نصير فليس من الحكمة أن نهن أو نكسل، وليس من الحكمة أن نقف في الاستثمار عند طرائق الآباء والأجداد.

ألا فليعلم كل من لا يريد أن يعلم أن سوق المال اليوم معترك أبطال وأن في جوانبه رماة ونحن الهدف، وأن مكان المال من الحياة مكان الوريد من البدن، وأن الزمان قد دار دورته وقضى الله أن يصبح المال والعدم سلاحين لا يطمع طامع في الحياة بدونهما فلننظر مكاننا منهما ومكانهما منا.

إن سنة الاجتماع تقضي ببقاء الأنسب، فإذا كنا نريد أن نكون أنسب للبقاء فها هي الحكمة الهادئة.

- 3 -

جربنا العمل الفردي- في سوق المال - فوجدناه ينتج نفعا فرديا فقلنا هو مفيد في الجملة إذ لا يتألف المجموع إلا من الفرد. ونظرنا إلى أعمال التعاون والاجتماع عند غيرنا فوجدناها تفيد فائدة اجتماعية فاستحسناها بهذا الشعور الجديد فينا، فلماذا لا يكون استحساننا سلما لخوضنا غمارها؟ أنا أعتقد أنه سيكون ولكن لماذا لا ندخل هذا الباب بالتروي والأناة. وما المانع؟ المانع فيما أرى أنه لم تزل فينا بقية من التلفت لماضينا المالي وما يصحبه من الراحة وبقية من الخمول المميت وبقية من الجبن وبقية من الميل إلى العلم النظري وبقية من التقليد في السطحيات وبقية من العاطفة الجافة، عاطفة الالتذاذ بأحاديث ما قال الناس وما فعل الناس- هذه البواقي تظاهرها عقيدة القناعة والكفاف هي التي جلبت لنا هذا الشلل، أضيفوا إلى الكل تلك الخلة المشؤومة التي ما زلنا نشكو إلى الله منها وهي عدم ثقة بعضنا بالبعض. أفلا يتكون من هذا المجموع آفة مهلكة هي السبب في كل ما نشكوه من موت عاطفة التعاون المالي فينا؟

والذي تقتضيه الحكمة الهادئة. لنحفظ أنفسنا من هذه المزاحمة المريعة هو تأسيس شركات التعاون بين الفلاحين وشركات التعاون بين التجار لتقي الصغار من الجانبين شر تحكم الأجانب في أملاكهم ومجهوداتهم، ثم تأسيس مصارف مالية صغيرة تكون واسطة بين الجميع وتكون مع ذلك مستودعا للأموال المخزونة المعطلة ومرجعا لصناديق التوفير والاحتياط التي يجب أن تصحب هذه الحركة.

أنا أعتقد أنه إن جرت هذه المساعي بالحكمة والثقة المتبادلة وجرى معها مدد آخر من أقلام الكتاب وألسنة الخطباء والمعلمين ببث روح التعاون والتوفير، فإن اليوم الذي تلمس فيه النتيجة باليد ليس ببعيد. تبقى لنا في هذا المقام عقدة واحدة تلوكها ألسنة القاصرين في العلم الديني ولم نسمع فيها ممن يعتد برأيه في الدين ويتكلم فيه بلسان الهدى والدليل كلمة واحدة، هذه العقدة هي مسألة تثمير المسلم لماله بالربا المتعارف في البنوك. والمسألة مع كونها متشعبة على الرغم منا ودينية على الرغم منا وإن كانت تمس الاجتماع فليس هذا الحديث كافيا للإلمام بأطرافها، والرجاء كل الرجاء من سادتنا علماء الدين أن يدرسوا المسألة من طرفها الديني والاجتماعي ويوافونا بآرائهم مؤيدة بالدليل ومبنية على حكمة الشريعة ومقاصدها.

إخواني:

العاقل من جارى العقلاء في أعمالهم في دائرة دينه وقوميته ووجدانه، والحازم من لم يرض لنفسه أخس المنازل، وأخس المنازل للرجل منزلة القول بلا عمل، وأخس منها أن يكون الرجل كالدفتر يحكي ما قال الرجال وما فعل الرجال دون أن يضرب معهم في الأعمال الصالحة بنصيب، أو يرمي في معترك الآراء بالسهم المصيب.

إخواني:

الأدلة قائمة على أننا محرومون من أقوال الرجال وأعمال الرجال، أقوال الرجال مقرونة بالصدق والانجاز وأقوالنا لغو من الحديث يجري على الألسنة مثل برسام المحموم، وأعمال الرجال مقرونة بنتائجها الملموسة باليد، وأعمالنا عبث من المحاكاة فنحن صبيان في العمل وإن كنا رجالا في الصورة والمظهر.

إخواني:

إن من كتم داءه قتله، ما دمنا ونحن بمعزل عن الحقائق وفي صمم عن استماع النصائح فنحن بعداء عن الحق، وما الحق إلا أن نتحد ونسعى بلا فتور. ما الحق إلا أن نتعاون، ما الحق إلا أن ندع التخاذل جانبا ونتصافح على الاستماتة في سبيل الحق، ما الحق إلا أن نزن الأشياء بموازينها فلا ندع المجال للوهم ينقض ويبرم ويبرز لنا السفاسف في صورة الجبال ويظهر لنا الجلائل بمظهر التافه الحقير، فهذا نوع غريب من أمراض النفوس ما فشا في أمة إلا وكان عاقبة أمرها خسرا.

إخواني:

نحن اليوم واقفون على أبواب حياة أدبية جديدة ومبدأ نهضة عمرانية لم تزل في طور التكون والنبات، وتدرجها في مدارج النمو متوقف على تدبيرنا، فإن أحسنا الصنع في تربيتها لم تلبث أن تؤتي أكلها وتدني جناها، وإن تواكلنا في المبدإ وتخاذلنا وتمادينا على ما نحن

عليه تأذن الله باضمحلالنا وحفت كلمة المقت علينا {سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ} إن التاريخ أفصح مخبر وأصدق ناقل وقد أخبرنا كيف كان عاقبة الذين من قبلنا وحذرنا أن نتعرض لمقت الله بما كسبت أيدينا، وأعيذكم أن تكونوا ممن تماروا بالنذر.

أقول، ولا نكران للحق، إنه ما من نقيصة كانت سببا في هلاك الأمم قبلنا إلا وهي موجودة فينا على اختلاف تقتضيه طبيعة الزمان والمكان، وان تغافل الإنسان عن عيبه لمن دواعي الغرور، والغرور من دواعي التمادي في الغي والتمادي في الغي من موجبات الهلاك، وهل نقيصة أعظم من فقد الإحساس؟

وها نحن أولاء لا شعور ولا إحساس تمر الحوادث بنا تباعا فلا نعتبر ولا نزدجر. ويسير العالم بما فيه سيره إلى الأمام ونحن في موقف لا نتبين فيه موقع أقدامنا. فكأن القطعة التي نحن عليها من هذه الأرض واقفة لا تتحرك أو كأن الأمم كلها ورثت من الأرض التحرك إلا نحن. إذا فلسنا من هذا العالم أو هذا العالم ليس منا. فقد الإحساس أصبح من أكبر مميزاتنا إلا تلك الآلام التي تحدث عند مرور الحوادث حتى إذا مرت لم نجد في أنفسنا أثرا ولا عينا.

سارت الأمم في مناهج العمران عنقا فسيحا ونحن في نومة أصحاب الكهف والرقيم، غفلنا عن أخذ الأهبة للتزاحم الاقتصادي فأدركنا سيله الجارف وسدت علينا منافذ الحياة وشتان ما بين الكسلان والعامل.

يدعو الداعي من الأمم الحية العارفة بقيمة الحياة صارخا بقومه إلى عمل يكسبهم عزا ويفيدهم قوة ويدفع عنهم ضرا. فإذا قومه مهطعون إليه استماعا لقوله فامتثالا لأمره فتحقيقا لمرماه فتنجيزا للفعل فتعاونا عليه فوصولا للمطلوب، ويدعو الداعي منا إلى خير فإذا قومه منه يسخرون وإذا كلامه لا يكاد يتجاوز لسانه كالوتر الذي لم يشتد فوقه لا يكاد السهم يخرج حتى يسقط.

أمرنا بالإرشاد والتذكير فهل ذكر الخاصة أو امتثل العامة.

أمرنا بالتواصي بالحق والتواصي بالصبر وفيهما كل خير فهل امتثلنا.

أمرنا بالعمل للدارين فخسرنا الحاضرة ويوشك أن نخسر الغائبة.

عمدنا إلى الدين وأحكامه فأخرجنا الكثير عن حقيقته وأهملنا حكمته وأسراره ووقفنا عند الصور المجردة، ثم لم نكتف بذلك حتى ألصقنا به الكثير من البدع وحملناه ما لا يطيق منها، ثم لم نكتف بذلك حتى اتخذناه مطية للتفريق فالتبس الحق بالباطل، ولا عالم يميز هذا من ذاك، وإن وجد فالخاصة له بالمرصاد والعامة في شقاق بعيد.

إخواني:

هذه نفثة مصدور ولا بد للمصدور من بث. وإني، والحق يقال، أتسلى بجمعيتكم هذه وأتوسم فيها الخير وأرجو أن تكون طليعة سعد وفأل يمن للوطن وأن تكون مثالا صالحا لبنيه يحتذون حذوه في التعاون على الصالحات والدعوة إلى النهوض.

أتمنى ذلك وأفتخر به وأنصح لحضراتكم أن لا تهنوا في العمل وأن تتحلوا بالثبات وأن لا تقنعوا بالدرجة التي أنتم عليها، فإن وراءها مطلبا أسمى وأعلى ولا يمكن الوصول إليه إلا بالتعاون الاجتماعي، فإن الأعمال الفردية قل أن تأتي بالنتيجة المطلوبة.

وأعيذكم أن تكونوا ممن يجهل قيمة النفع العام أو يعرف ولكن لا ينفع ولا يعاضد. وبقي أنكم لا تتأخرون بعد الآن عن إمداد أمثال هذه المشاريع بالمساعدة المادية والمعنوية لا سيما بعد ظهور النتائج المشتركة، وعلمكم أن المال أساس كل عمل وأن القليل مع الاجتماع كثير. وإن أثنينا عليكم فلأن الشكر مدعاة المزيد والكامل يقبل الكمال.


تعليق مجلة "الشهاب" (وهو بقلم الشيخ عبد الحميد بن باديس):

"الأستاذ الإبراهيمي صاحب هذه المحاضرة نعده- بحق- من أعيان الطبقة الأولى من كتاب الجزائر وخطبائها وأدبائها ومفكريها ورجالها العاملين على نهضتها.

وهو اليوم يباشر الأعمال المالية في ناحيته بعلم وأمانة ونشاط، ويعلم الناس هذه الصفات الثلاث في التجارة تعليما عمليا كما يدعوهم دائما إليها بقوله.

مضت مدة على هذا الأستاذ كنزا دفينا لم تجن الأمة ثمرات يراعه، وطالما وجهنا إليه عتب الصديق على الصديق فيعتذر ويعتذر، إلى أن ألقى محاضرته هاته بنادي الترقي العظيم بالعاصمة، وجاءنا بها من عنده أحد خلص أصدقائه.

نقدم شكرنا وشكر قرائنا للأستاذ ونستزيده من هذه الدرر الغوالي لنبثها بين أبناء دينه ووطنه، دام لهما".


* محاضرة ألقاها الإمام بنادي الترفي بالعاصمة عام 1929، مجلة الشهاب (الأجزاء5، 6، 7) المجلد الخامس، جوان، جويليه، أوت 1929.

آخر التغريدات: