لمّا قرأ ابن باديس “نحن قسمنا بينهم”!!

بقلم: عيسى عمراني-

كان الإمام عبد الحميد ابن باديس يقيم ببيت بالإيجار، يدفع عنه والده مستحقاته، وتكاليف معاشه وما يحتاج إليه من ضروريات الحياة، فقد آتاه الله سعة من المال وزاده بسطة في الرزق، والله يؤتي ملكه من يشاء، فأسهم بذلك في تقديم خدمة جليلة للأمة، عندما مكّن ابنه من التفرّغ للعلم والدعوة الإصلاحية، وكان الشيخ يذكر هذا الجميل في مختلف المناسبات.

مرّت على الوالد أيّامٌ عجافٌ شِدادٌ، لم يعُد فيها قادرًا على توفير مطالب الحياة، ورفضت السلطات الفرنسية مساعدته عن طريق قرض بنكي، ما لمْ يأمر ابنه بأن يكفَّ عمّا يدعو إليه ويتخلّى عنه، وهيهات أن يقوم بذلك الشيخ الجليل، فاضطر إلى انتهاج سياسة التقشف، مقابل عدم الإذعان لشروط فرنسا المغرضة والانصياع لمطالبها، وممّا قام به التنازل عن البيت الذي كان يقيم به ابنه بسبب السعر الباهظ، فقد كان واسعًا كأنّه دارة (فيلّا)، يقع بـ”سيدي الجليس” أحد الأحياء العتيقة بوسط مدينة قسنطينة، واستبداله بكراء بيت متواضع بحي “باب القنطرة” بالقرب من ثانوية “حيحي المكي”، ضمن سكنات كانت تابعة للبلدية آنذاك، أسس بنيانها خصيصًا للطبقة الكادحة.

وكان الشيخ إذا احتاج إلى الاستجمام والراحة وتجديد نشاطه من الإرهاق الذهني والنفسي –وهو الذي يشتغل خمس عشرة ساعة يوميا دون مقابل مادي – يجنح إلى جو الطبيعة وسكونها، بعيدا عن المدينة وضوضائها، ويوصي أصحابه بذلك، فقد أوصاهم يومًا قائلا: “اذهبوا إلى الطبيعة وروّحوا عن أنفسكم في أحضانها، وانظروا فيها نظر المتأمل البصير، والواعي الخبير…” (1)

وتعدُّ غابة “جبل الوحش” الشهيرة بأعالي مدينة قسنطينة، المكان المفضل إلى الشيخ، يلجأ إليها للتفسح والاستمتاع بمناظرها الخلّابة، ويتأمل عبرها ويتفكّر في ملكوت السماوات والأرض، أو يطالع كتابا أو مجلة “العروة الوثقى” التي كان يصدرها الشيخان “جمال الدين الأفغاني” و”محمد عبده”، وقد تغنّى بهذا المكان الشاعري شاعر الثورة في إلياذته فقال:

وفي جبل الوحش تاهت بلادي …  شموخًا فأحنى الزمان لها

فلو شاء ربّك وصف الجنــــــا …  نِ ،ليغري الأنام..بِها شبّها(!!)

أضاع بها ذو الحجى رشــــدهُ …  وَ لو لم يخف ربّه ..ألهــــا(2)

وعلى هامش إحدى جلسات المكتب الوطني لمؤسسة الشيخ “عبد الحميد ابن باديس” قبل خمسة أعوام، وفي دردشة مع الشيخ عبد الحق ابن باديس، (الأخ الأصغر للإمام وتلميذه، وهو عضو معنا في المكتب) روى لي خلالها أنه كان يرافق الشيخ إلى غابة جبل الوحش في سيارة الوالد وكان لها سائق خاص، وذات مرة (من سنوات الثلاثينيات، ولا يذكر السنة بالتدقيق) بينما هما عائدان في السيارة طلب منه فجأة أن يكتب ما يملي عليه قائلا: أكتب، أكتب:

كم عالمٍ يسكن بيتًا بِالكِرا  *  وجــاهلٍ يمـلك دُورًا وقُــرى

لمّا قرأتُ قوله سبحانه  *  “نحن قسمنا بينهم”زال المِرار(3)

سألتُ الشيخ “عبد الحق” حينها، ثمّ أحييت الموضوع معه قبل أيام قصد التأكد من جملة من المعلومات أهمها كلمة “المرار” في البيت الثاني والمقصود منها، فقال: من المَرارة (أي الشيء المر)، قلت: فهمتُ كذلك، ولكن ألم يقل لك: (المِرا)؟ أي: المِراء وهو الجدال فقد قال تعالى:” فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاء ظَاهِراً} الكهف من الآية 22، فهي في تقديري أقرب من الناحية الدلالية، أي إنه من يقرأ الآية “نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} الزخرف من الآية 32، يرجع إلى ربه راضيًا مسلّمًا بما أعطاه قلّ أو كثر، ففي الآية حجة دامغة، مزيلة لكلّ ريب مدحضة لكل مراء.

صمت الشيخ برهة ثم قال: في الحقيقة لم أفكّر في هذه الكلمة (المِرا)، ثم إن المسافة الزمنية بعيدة مذ أملاها علي الشيخ رحمه الله، لا يمكنني أن أتذكر ذلك...(4)

وفضلًا عن الجانب الدّلالي، إن نظرنا إلى الكلمة من الناحية الشكلية تكون كلمة (المِرا) متناسبة ومتناسقة مع كلمة “الكِرا” في البيت الأول، من حيث الوزن الشعري والقافية والرّوي المحذوف (الهمزة في آخر البيتين ).

ثم استفسرته عمّا إن كان البيتان من نظم الإمام أم هما لشاعر آخر تمثل بهما، فقال: لا، لا، لا، ليسا لشاعر آخر، بل هما للشيخ، وهذا أول ما سمعتُ منه شعرًا، فقد كان حزينا انتابه شعور بالأسى والأسف عندما رأى الجاهلين يملكون الدور والقصور بينما يسكن العالم بيتا بالإيجار، فلّما تذكر الآية الكريمة زال همه وغمّه، وعبّر عن ارتياحه شعرًا.

وقد يخال قارئ البيتين ومناسبتهما أن الإمام كان يتلهف على الحياة الدنيا، كلاّ، فالمواقف التي تدل على زهد الرجل في ملذاتها، لا نحصي لها عددا وهو ابن العائلة الثرية، لقد وهب الرجل حياته كلّها “للإسلام والجزائر” وعاهد على ذلك. ألم يجب عن تساؤله “لمن أعيش؟” بجوابه: “أعيش للإسلام والجزائر”؟ ألم يقل: “إنني أعاهدكم على أنّني أقضي بياضي على العربية والإسلام كما قضيتُ سوادي عليهما، وإنّها لواجبات …وإنّني سأقضي حياتي على الإسلام والقرآن ولغة الإسلام والقرآن وهذا عهدي لكم…”؟

فالبيتان -على بساطتهما – كأنهما يحملان رسالة وعظية قرآنية بثها الإمام “ابن باديس” إلينا نحن أصحاب البضاعة المزجاة، عبر أثير أخيه، يعرض فيهما ظاهرة اجتماعية تفشت في عصره (وعصرنا) تتمثل في تمجيد الجاهل وتهميش العالم، ثمّ يفضي إلى علاجها بتذكيرنا وتقويم اعوجاجنا، إذا زاغت قلوبنا وانحرفت أفكارنا وفِكَرنا، وتلهّفت نفوسنا على زخرف الحياة الدنيا وزينتها.

وقد قال البوصيري في بردته:

من لي بردِّ جماحٍ من غوايتها…  كما يُرَدُّ جماح الخيل باللُّجُمِ

وبتضمينه تلك الآية في البيت الثاني قدّم المربّي المصلح درسًا تربويًا كافيًا شافيًا لمن ضاق صدره بسبب شظاف العيش، يوجّهه فيه إلى ضبط النفس دون مدِّ عينيه إلى ما متّع الله به الآخرين، ودرسًا توحيديا في الرّضا بما قسم الله لمن كان يؤمن بالقضاء والقدر خيره وشره.

جاء في تفسير ابن كثير قوله تعالى: “نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا” قال عز وجل مبيّنًا أنّه قد فاوت بين خلقه فيما أعطاهم من الأموال والأرزاق والعقول والفهوم، وغير ذلك من القوى الظاهرة والباطنة.”(5)

ويقول الدكتور “راتب النابلسي” في تفسيره الآية: ”إنّ كلّ ما يتعلق بدنياهم ولا يستطيعون تدبيره، قسمه الله بينهم، فجعل فيهم غنيًّا وفقيرًا، قويّا وضعيفًا، صحيحًا وسقيمًا، وسيمًا وذميمًا، وفيهم من هو على الخط الوسط، وآخرون تحت الخط الأحمر، فحظوظ الدنيا متفاوتة”(6).

فالتفاوت في شؤون الدنيا سنّة كونية فيه حكمة إلهية، به يتم توزيع المهام والحظوظ على مختلف شرائح المجتمع وفئاته بقدر معلوم، إلى قدر معلوم، بإنصاف وعدل من الله العدل. {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} الزخرف32

إنّ قارئ البيتين يلمس -فعلا- جدالًا خفيًّا بين طرْحٍ وحُكمٍ منطلقين من منطق عقلي محدود، يرى في الظاهرة (المحدّدة بـ”كم” الخبرية التي تفيد الكثرة) قسمة ضيزى غير عادلة، أخذ فيها من لا يستحق ما لا يستحق، في حين همّش صاحب الأحقية والأسبقية، وهذا يجعل النفس  تنقبض ويخيم عليها إحساس بالسأم والإحباط.

ويقابل ذلك ردٍّ عميق، مصدرُه العقيدة، يُرجِع الأمر لله القاسم المقسط، العالم بأحوال عباده، فيبعث السكينة والرضا في النفس ويزيح عنها غمومها وأكدارها.

فيحسن بالمرء أن يقف -بين الفينة والأخرى – وقفات مع نفسه يراجع فيها مرجعياته التي يستند إليها في إصدار أحكامه، واتخاذ مواقفه.


الهوامش:

1- محمد الصالح الصديق، الإمام الشيخ عبد الحميد ابن باديس من آرائه ومواقفه، دار البعث قسنطينة، الجزائر ط1، 1983 ص 46 وما بعدها.-

2- مفدي زكريا إلياذة الجزائر منشورات وزارة التربية الوطنية ، د.ط،د.ت،ص16.

(يقول مفدي في هذه الكلمة “ألها”:هذا تصوف وليس كفرًا ،وهو على مسؤوليتي الخاصة ،لأني أعتبره إيمانًا كقولي في بعض ملاحمي الثورية :وتكلّم الرشاش، جلّ جلاله…).

3- مقابلة مع الشيخ عبد الحق ابن باديس بتاريخ 13 فيفري 2015.

جلسة بالمكتب الوطني لمؤسسة الإمام الشيخ عبد الحميد ابن باديس، أفريل 2015.

4- مكالمة هاتفية مع الشيخ عبد الحق ابن باديس بتاريخ 11مارس 2020.

5- آثار الإمام عبد الحميد ابن باديس منشورات وزارة الشؤون الدينية الجزائر،ط1،1985 ،ج4، ص 109 وما بعدها.

6-عيسى عمراني المدرسة الباديسية ومناهجها الدراسية منشورات مؤسسة الشيخ عبد الحميد ابن باديس- دار الهدى عين مليلة ط1،2015 ،ص 202.

7- تفسير القرآن العظيم الإمام اسماعيل بن كثير، دار ابن باديس، الجزائر ط1،1994، ج4،ص 162.

8- راتب النابلسي، تفسير النابلسي، مؤسسة الفرسان للنشر والتوزيع عمان- الأردن ، ط1،2017، المجلد11 ، ص504.


آخر التغريدات: