حجاب المرأة المسلمة في نظر جمعية العلماء المسلمين الجزائريين

حجاب المرأة المسلمة في نظر جمعية العلماء المسلمين الجزائريين

بقلم: بلال بريغت-

كل بلد ثقافات! والثقافة هي سلاح قوي عند معظم الشعوب، فهي وسيلة لتحقيق الإنجازات الباهرة للشعوب، وفي العالم العديد من الثقافات المختلفة بحسب موقعها من بلد لآخر، وبحسب قوة تمسكها بالأصول والقيم المتمثلة في سلوكيات الآباء المتقدمين، وقد زاد توسع الثقافات لدى الشعوب بما أحدث من ابتكارات واختراعات، مما زاد في ثقافة أفراد هذه الشعوب، وقد تختلف الثقافة التي يملكها الفرد داخل مجتمعه ذلك بأن يكون مثقفاً في وسط بيئته بشكل يغاير ثقافة قومه، فيكون هذا الفرد متميزا على حسب ثقافته المغايرة أو الزائدة عن ثقافة قومه ليكتسب مهارات وقدرات تمكنه من التأثير على مجتمعه إما من الأسوأ إلى الأحسن أو العكس، وكل هذه عوامل تساهم بشكل كبير في النهوض بالبلد إذا استغلت على وجهها الصحيح.

هذا وبالنظر إلى القدرات والمهارات لدى أفراد هذا البلد الذي نعيش فيه فإننا نرى العجيب والغريب، خاصة بين طبقة المثقفين من الإعلاميين والمأجورين، إذ عرف عن هؤلاء قدرات ومهارات عالية الجودة أو عالية الدقة في التسابق نحو النزول إلى أسفل السافلين، ومهارات خارقة في قلب الحقائق وتزوير التاريخ، فهم يعمدون إلى تاريخ أجدادهم ويسلخونه سلخا، كما يفعلون الآن بلباس المرأة المسلمة أو بالأحرى بجلباب المرأة المسلمة، فقولهم أن اللباس الإسلامي غريب عن المجتمع الجزائري! وأن الجلباب والنقاب مظاهر غريبة!!، يعطيك بعد هذه المهارة في إعطاء صاحبها وجها من حديد لكي يقول مثل هذا الكلام، مع أن مساحيق التجميل تجعل وجوههم ثخنة لا يتأثرون بالعوامل الخارجية إلا أن مهارة التزوير تجعله أكثر قوة، كما أن لهذه المهارة سرا غريبا في ترسيخ الأباطيل والأراجيف في عقول الناس ذلك بتكرارها ليل نهار وفي كل وقت وفي أي مناسبة، ومن ثم يتعودها الناس وترسخ في أذهانهم فتقلب الحقائق عندهم فيصبح الحق باطلا والباطل حقا، فهنيئا لدولتنا الغالية بهذه النخبة المثقفة التي تمتلك مهارات عالية تساهم بشكل كبير في نسف قيم وأخلاق أمتنا، هنيئا لقناة النهار وغيرها على هذه الميزات النادرة والدرر النفيسة التي حيرت العقول وأبهرت النفوس.
إن من الواجب علينا أن نعرف الناس بتاريخ أجدادهم لعلهم يستيقظون من سباتهم العميق، ليعرفوا ما كانوا ينكرون أو ما استنكروه، وما جهلوه وتجاهلوه من قيمهم التي كانت لهم أساس مجدهم القديم.
وفي هذا المقال سوف نتكلم بحول الله وقوته عن لباس المرأة المسلمة في هذا البلد المسكين الذي ابتلي بأبناء خذلوه وباعوا قيمه ومحامده، الذين سخَّروا كل ما لديهم ليهموا المرأة المسلمة أن الإسلام يريد حجبها وإقصائها عن الحياة خاصة في أمور الستر والحياء، فبان من مقصدهم أن الأمر الأكثر إزعاجا هو أمر الحجاب، وزاد الطين بلة أن غرّ بها أعداء الإسلام وخُيل لها أن الجلباب المقصود في الشرع لا يواكب العصر بل هو عادة لا دخل للدين فيه بل هو عادة ثقيلة وقديمة أكل عليها الدهر وشرب، ومما جهله هؤلاء أو تجاهلوه أن الحجاب دين لا دخل للعادة فيه بل جاءت به جميع الرسالات كاليهودية والنصرانية، فلنأخذ مثلا العهد القديم لنجد فيه لفظ البرقع والحجاب والنقاب، وتأمل معي في هذه النصوص من العهد القديم: «وَرَفَعَتْ رِفْقَةُ عَيْنَيْهَا فَرَأَتْ إِسْحَاقَ فَنَزَلَتْ عَنِ الْجَمَلِ. وَقَالَتْ لِلْعَبْدِ: ‘مَنْ هَذَا الرَّجُلُ الْمَاشِي فِي الْحَقْلِ لِلِقَائِنَا؟’ فَقَالَ الْعَبْدُ: هُوَ سَيِّدِي. فَأَخَذَتِ الْبُرْقُعَ وَتَغَطَّتْ»(1).
كما نجد أيضا كما في سفر إشعياء: «خُذِي الرَّحَى وَاطْحَنِي دَقِيقاً. اكْشِفِي نُقَابَكِ، شَمِّرِي الذَّيْلَ»(2). كما تجد أيضا في سفر نشيد الأناشيد مع أنه سفر إباحي بأتم معنى الكلمة إلا أني اخترت منه ما يوافق الموضوع، ومما جاء فيه: «... عَيْنَاكِ حَمَامَتَانِ مِنْ تَحْتِ نَقَابِكِ»(3).
وداء في سفر دانيال: «وكانَت سوسَنَّةُ لَطيفَةً جِدّاً جَميلَةَ المَنظَر. ولَمَّا كانَت مُبَرقَعَة، أَمَرَ هذانِ الفاجِرانِ أَن يُكشَفَ وَجهُها، لِيَشبَعا من جَمالِها»(4).

وفي العهد الجديد نجد النصرانية تحض المرأة على الحجاب مع زجرها عن التكشف والسفور وأمرها بالحجاب عند الصلاة؛ فنجد فيه ما يلي: «احْكُمُوا فِي أَنْفُسِكُمْ: هَلْ يَلِيقُ بِالْمَرْأَةِ أَنْ تُصَلِّيَ إِلَى اللهِ وَهِيَ غَيْرُ مُغَطَّاةٍ؟»(5)، وفيه أيضا: «وَأَمَّا كُلُّ امْرَأَةٍ تُصَلِّي أَوْ تَتَنَبَّأُ وَرَأْسُهَا غَيْرُ مُغَطّىً فَتَشِينُ رَأْسَهَا لأَنَّهَا وَالْمَحْلُوقَةَ شَيْءٌ وَاحِدٌ بِعَيْنِهِ. إِذِ الْمَرْأَةُ إِنْ كَانَتْ لاَتَتَغَطَّى فَلْيُقَصَّ شَعَرُهَا. وَإِنْ كَانَ قَبِيحاً بِالْمَرْأَةِ أَنْ تُقَصَّ أَوْ تُحْلَقَ فَلْتَتَغَطَّ»(6)، وفيه: «وَكَذلِكَ أَنَّ النِّسَاءَ يُزَيِّنَّ ذَوَاتِهِنَّ بِلِبَاسِ الْحِشْمَةِ، مَعَ وَرَعٍ وَتَعَقُّل، لاَ بِضَفَائِرَ أَوْ ذَهَبٍ أَوْ لآلِئَ أَوْ مَلاَبِسَ كَثِيرَةِ الثَّمَنِ»(7).

وفي كتاب «تعاليم الرسل» الذي يعتبر الكتاب الثاني للتشريع الأرثوذكسي: «لا تتشبهن بهؤلاء النساء أيتها المسيحيات إذا أردتن أن تكن مؤمنات، اهتمي بزوجك لترضيه وحده، وإذا مشيت في الطريق فغطي رأسك بردائك فإنك إذا تغطيتي بعفة تُصانين عن نظر الأشرار»(8).

وفي نفس الكتاب أيضا: «يكون مشيك ووجهك ينظر إلى أسفل وأنت مطرقة مغطاة من كل ناحية، أبعد من كل حميم غير لائق يكون في حمام مع ذكور، كثيرة هي إشراك الفسقة، لا تستحم امرأة مؤمنة مع ذكور، وإذا غطت وجهها فتغطيه بفزع من نظر رجال غرباء، وإلا فكيف تدخل إلى حمام وهي مكشوفة مع ذكور».

فهذه نصوص من ديانة محرفة تعترف بالستر وتغطية الوجه فما بال قومنا يلومون نساء المسلمين من الستر والحياء؟

وعليه أردت في هذا المقام أن أنقل بعض المقالات المنشورة على جرائد جمعية العلماء المسلمين في دفاعهم عن الجلباب وحجاب المرأة المسلمة عموما ليعرف القارئ الكريم أن ما يقال اليوم قيل البارحة، وأن أسلافهم من علماء بلدهم قد دافعوا عن دينهم بما يحتم عليهم الواجب الديني فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.

ومما لفت انتباهي أيضا أن لدعاة التمدن والتحضر وطرح الحجاب سلفا آخر غير الغرب الكافر، بل من بني جلدهتم وهم الصوفية عليهم من الله ما يستحقون، إذ نقل الشيخ محمد السعيد الزاهري العضو الإداري لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين في مقاله الموسوم بـ: «إلى زيارة سيدي عابد»(9)، قصة وقعت له مع إحدى النساء اللائي حضرن الزيارة فقال: «... ولم نكد ننصرف إلى مكان آخر حتى أحسست يدا ورائي تجتذبني ردائي فالتفت فإذا الفتاة بعينها ومينها وبادرتني بقولها: عزمتك بسيدي عابد إلا أعطيتني برنوسك هذا لأتنكر فيه، وأتفرج على هذه المرأة فقد أعجبني رقصها ... قلت: ولماذا تتنكرين؟ قال: أما رأيت ما عملوا بي الآن؟ ... قلت: وأين حائكك الذي تحتجبين به، وتتلفعين فيه؟ فرمتني بنظرة شزراء نكراء، وقالت بلهجة الاستنكار: بوه!! ... تبغي لي العمى والجدري!؟ ... قلت لها: حاشا لله، اعيذك بالله من كل سوء، وكيف ذلك؟ قالت: كل امرأة تحتجب في سيدي عابد فإنها لا بد أن يشوه الجدري وجهها، ولا بد أن يصيبها العمى، فقلت لها: يكذبون عليك يا بنيتي....».
فأنت ترى أخي الكريم أن الصوفية عمدوا إلى خلع حجاب المرأة المسلمة بحجة أن زيارة سيدهم عابد لا تبيح التحجب ومن تحجبت في زيارته يصيبها الجدري والعمى نسأل الله السلامة والعافية.
وقبل هذا وفي بداية مقاله: «زيارة سيدي عابد» يروي أحاديثه في القطار الذي كان ينقلهم إلى مكان الزيارة، إذ رأى شابا يضع على ركبتيه جريدة ويقص على السامعين ما يقرأه، ومن بين ما نقله الشاب عن هذه الجريدة أن امرأة نصرانية تزوجت بشيخ طريقة ولم تسلم وجهها لله، بل أصبحت تنشر التنصير من خلال تلك الزاوية، وبأموال الزاوية نفسها، ثم ينقل الشيخ الزاهري أن تلك الفرنسية زارها صحفي فرنسي وجرت بينهما محاورة، والذي يهمني من هذه المحاورة ما يتعلق بالحجاب إذ يقول الشيخ الزاهري: «ومنذ بضعة أشهر كان أحد الصحفيين الفرنسيين زار هذه السيدة المسيحية في زاويتها وجرى بينه وبينها حديث طويل نشره تباعا في هذه الصحيفة نفسها (وأشار إلى الجريدة المنشورة على ركبتيه – أي على ركبة الشاب-)، ومما قال فيه: ولما هممت بالانصراف من عندها طلبت إليها أن تقف لي لحظة قليلة لكي ألتقط صورتها، فاعتذرت لي بأنها في لباس مبتذل لا يناسب التصوير، فقلت لها: يكفي أن تستري راسك وعنقك ببخنق أو بجلباب، فأساءت فهم كلامي وقالت لي في شيء كثير من الغضب والكبرياء: لماذا؟ إنني فرنسية مسيحية قبل كل شيء ولم أكن مسلمة، ولا عربية في يوم من أيام حياتي فكيف تطلب مني أن أسدل النقاب على وجهي، وأحتجب كما تحتجب العربيات المسلمات الجاهلات».

فأنت ترى أخي الكريم كيف استنكرت هذه الفرنسية على الصحفي لما أشار إليها بالاحتجاب، وكيف وصفت المتجلببات بالجاهلات، وهذا يدل على أن صيحات دعاة السفور مستمدة من أسيادهم الفرنسيين، وكلام الفرنسية خير دليل على ما أقول.

كما يدل ما نقله الزاهري أن الكفار يعرفون أن الجلباب من خصائص المسلمات ولهذا لما أخبرته أن ثيابها مبتذلة أخبرها بأن تتجلبب لأنها زوجة مسلم في ظنه.

ثم ينقل الشيخ الزاهري ما شاهده في زيارة سيدي عابد من فجور وفسوق فقال نقلا عن أحد المغرورين الذين حضروا الزردة: «... ومن كراماته – أي سيدهم عابد – أننا معشر الرجال نستمتع في أيام الزيارة بالأوانس والنساء الجميلات من ربات الحجال المقصورات في الخيام، نشاهد فيهن الجمال البديع سافرا مجردا دون برقع أو حجاب...».

ثم سأل الزاهري أحد ركاب القطار عن عدد النساء الزائرات لهذا الولي فقال: «... وكم نسبة النساء منهم؟ قال إنهن سبعون بالمائة – أي من مجموع الزوار – أو أكثر من ذلك بقليل.
قلت- أي الزاهري -: ومالي أراهن سافرات غير محتجبات؟

قال: لأنهن زائرات...».

ثم قال في وصفه لمكان الزيارة: «... وقد رأينا حلقا كثيرة كحلق الذكر، فلما دنونا منها رأينا النساء وهن سافرات قد جلسن بين الرجال...».

والشاهد من هذه النقولات عن الشيخ الزاهري أن الحجاب والبرقع كانا معروفين في وسط المجتمع الجزائري، لهذا ترى الشيخ قد استغرب وجود نساء سافرات، وسأل تلك الفتاة عن حجابها الذي خلعته لأنها قد قامت بفعل مخالف لما عليه نساء المسلمين في ذلك الوقت، والملاحظ كذلك في هذه الزيارة ما يقوم به الرجال من التمتع بوجوه النساء السافرات ترخيصا من سيدهم عابد! فعطل هؤلاء الصوفية حكمة الله في فرض الحجاب، فإنه ما فرض إلا لمنع الوقوع في المحرم، فإن حكمة الشارع تقتضي حماية العباد من الوقوع في الزنا، وهذا ما بينه ابن باديس رحمه الله كما في تفسيره حين: «وقد حمى الشرع الشريف العباد من هذه الفاحشة – أي فاحشة الزنا- بما فرض من الحجاب الشرعي، وهو ستر الحرة ماعدا وجهها وكفيها وجميع ثيابها عند الخروج بالتجلبب، وبما حرم من تطيب المرأة، وقعقعة حليها عند الخروج، وخلوتها بالأجنبي، واختلاط الرجال بالنساء»(10).

وفي هذا المعنى يؤكد الشيخ أحمد حماني رحمه الله أن المرأة يجب أن يكون لباسها محتشما وألا تبدي زينتها للرجال حين قال: «وأما لباسها فيجب أن يكون محتشما ساترا لمفاتنها، ولا يجوز أن تظهر أمام الرجال الأجانب في حالة الزينة، تفوح منها الروائح الذكية المنبهة القوية، أو لابسة الحلي الملفتة للأنظار والأسماع، أو الثياب الكاشفة، أو الواصفة لأعضائها المغرية المثيرة للنزوات الجنسية، أو مستعملة للأصباغ والأدهان والروائح: كالكحل، والحناء، وأحمر الشفائف، وغيرهم. كل هذا من تبرج الجاهلية الأولى، حرام لما فيه من إغراء واضح للرجال المرضى، ذوي الأخلاق المنحلة، ودعوتهم للتحرش بها، ومغازلتها، ومطاردتها، وطمعهم فيها، وظنهم السوء بها، وأقل ما يصيبها منهم من شرور، أن يتكلموا في عرضها، ويحسبوها سهلة المنال لمن أرادها، (فاجرة) تلبي رغبة من دعاها.... فالمرأة التي تظهر في المجتمع ظهورا عاديا، لابسة لباسا محتشما، سائرة سيرا عاديا، متكلمة كلاما واضحا بعيدا عن الخضوع والإغراء، هي المرأة التي يرغب الرجال في زواجها، ويريدونها للزواج. أما المرأة المتبرجة تبرج الجاهلية الأولى، الملتوية اللسان خضوعا وإغراء، فإن الرجال يطمعون فيها للمتعة العابرة الحرام، ولا يريدونها للحلال، وحتى الفاسق منهم لا يريدها عندما ينوي الزواج»(11).

كما نهى رحمه الله النساء من السباحة وإبداء أجسامهن أمام الناس فقال: «... ولكن الذي يمنعه الإسلام ويرحمه قطعا، هو أن تكشف النساء أجسامهن، ويبدين محاسنهن أمام الناس، بالكيفية التي يكن عليها عند السباحة، سواء أكان هذا في المسابح العامة، أو على الشواطيء، أو في نفس الدور، أو في المدارس.

مثل هذه الحال لا يجوز – بنص القرآن – أن تظهر بها الفتاة ولا المرأة إلا أمام زوجها فقط»(12).
وعندما سألته أحد التائبات عن لبس الجلباب كما في سؤالها: هل يسمح لي الدين الآن بأن ألبس جلبابا؟ وكانت قد سألته عدة أسئلة قبل وبعد هذا السؤال فرد رحمه الله بعد أن أجابها على أسئلة أخرى: «... وأما بقية أسئلتكم فالجواب عنها ما يأتي: 1- يسمح لك الدين بلبس الجلباب...»(13).
والجلباب هو ما كان فضفاضا لا يصف وثخنا لا يشف وفي هذا يقول الشيخ أحمد حماني رحمه الله: «فلباس المرأة إذا كان سابغا – أي كاملا فضفاضا لا يصف أعضاء جسمها، وكان ثخنا لا يشف عما تحته بحيث تمكن رؤيته – شاملا للرأس والأطراف هو حجابها ولو كشفت وجهها وكفيها وأمام الأجانب، وما خاف ذلك مثل كشف أطرافها أو شعرها أو ظهرها أو ساقها، أو لبست ثيابا شفافة تكشف أعضاء لمن أراد أن ينظر إليها حتى يرى بشرتها، أو لبست ثوبا خفيفا مضغوطا على جسمها يبرز مفاتنها كالثديين والأكفال، هذه ليست متحجبة ولو سترت وجهها وكفيها»(14).

كما بين رحمه الله أن المرأة إذا سترت ما يجب عليها ستره، وكشفت ما يجوز لها كشفه، فليس للزوج أن يجبرها على أكثر من ذلك، فإن فعل وأمرها بفعل حرام، فلا طاعة له عليها، وإن أمرها بما هو ليس بحرام فالأفضل لها أن تطيعه تجنبا للخصام(15).

وربما المقصود من كلام الشيخ رحمه الله: «وإن أمرها بما هو ليس بحرام فالأفضل لها أن تطيعه تجنبا للخصام»، أن الحجاب قد يختلف في كيفية خياطته من بلد لآخر فمثلا الملاية عندنا مع أنها جلباب إلا أنها تختلف في طريقة خياطتها عن أنواع أخرى من الجلابيب، لهذا دعا الشيخ رحمه الله إلى لبس المعتاد والشائع في مجتمعنا خشية الوقوع في لباس الشهرة واجتنابا للخصومات بين الأزواج، فقال رحمه الله: «... أما إن كانت مستورة الجسم – كما تقدم – لا يبدو منها ما هو محرم، وقد اشتهت هي أن تلبس ما اعتاد الناس أن يسموه الحجاب الشرعي، فعليها أن تطيع زوجها ما دامت لم تخالف الشرع في أثوابها السابغة الثخينة؛ لأن (الحجاب الشرعي) يوشك أن يُشَهِّر بها ويجعلها معروفة بعلامة بين الناس، ولباس الشهرة ممنوع شرعا، فإذا كانت صادقة في رغبتها في الحجاب فلتلبس لباس الأمهات والجدات، أعني الملاية والنقاب»(16).

ولا شك أن الملاية هي الملاءة، ولا شك أن الملاءة هي الجلباب المقصود في الشرع جاء في تاج العروس (2/175): «قيل هو ما تغطي به المرأة أو هو ما تغطى به ثيابها من فوق، كالملحفة، أو هو الخمار، كذا في المحكم ونقله ابن السكيت عن العامرية، وقيل هو الإزار، قاله ابن الأعرابي، وقد جاء ذكره في حديث أم عطية، قيل: جلبابها: مُلاءتها تشتمل بها...».

لهذا فإن لبست المرأة الملاية فقد حققت المطلوب منها من التجلبب والستر.

والشاهد من كل ما نقلته أن مجتمعنا الجزائري كان معروفا بالحشمة والحياء، ولبس البرقع والنقاب كان شائعا في وقت قريب وليس بالبعيد، فكيف يقول قائلهم أن هذا اللباس غريب عن المجتمع الجزائري؟
إن أبناء وبنات المسلمين في خطر محقق من هذه الهجمات الشرسة التي لم تبق للدين قيمة ولا للأخلاق مسحة، فعلى الآباء أن يسخروا كل ما يملكون للحفاظ على قيم أبنائهم وبناتهم، وذلك بغرس القيم الإسلامية فيهم منذ النشأة الأولى حتى يشبوا على الإيمان والدين السليم والأخلاق العالية، وفي هذا أقدم نصيحة غالية للأستاذ الأَدِيب الأَحمَدِي نويوات رحمه الله للآباء لعلها تجد آذان صاغية وقلوب واعية، قال رحمه الله: «أيها الأب الكريم! إن تربيةَ ولدك، وفلذة كبدك موكولةٌ إليك وأمانةٌ بين يديك، إن شِئت جعلتَهُ هَزَارًا في عُشِّهِ يتغنَّى، وبلبلاً بين الرِّياض يُشجِي بصوته العذب، وإن شِئت جعلتَهُ غُرابًا يُطارد الدود في الأرض، وبُومةً على الخرائِب تصيح.

ألا فَلْنَتَّقِ اللهَ رَبَّنَا في أولادنا، وشبابنا، ونغرس فيهم القِيَم الروحية، ليشبُّوا على كريم الخصال، وجميل الفِعال، لتتحقق بهم الآمال، وتصِل بهم الأمةُ إلى منازل العِزة في العالَمين. وحتى يكون في مأمنٍ من الضلال، والاِنحلال الخُلقي الذي وقع فيهِ الكثير مِن شباب العالم في هذا العصر المليءِ بالمُغرِيات، والاِنحرافات، والذي ركَّز فيه الاستعمارُ جهوده على غزو أفكار الشباب، وصَبْغِها بالصبغة الضالَّة، حيث عجزت جيوشُه الزاحفة نحو البلدان والحصون، فاتَّجَهَ بأغراضه الدنيئة نحوَ الأفئِدة والعقول، وحشد لذلك كل طاقاته الخبيثة، مِن الأزياء الفاضحة، والأقلام الرخيصة، و(المُوضَات) الصارخة، كلُّ ذلك ليَعُوقَ الشبيبةَ عن مسيرتها إلى الأهداف الكريمة، والأغراض النبيلة، فبَاتَ لِزَامًا علينا – نحنُ الآباء- أن نُسَلِّحَهُم بالدين، ونُعَبِّئَهُم بالإيمان، ونُزَوِّدَهُم باليقين، حتى يصمُدُوا في وَجهِ ذلك التيار الجارِف الذي تلاطمت أمواجه، وعصفت ريحُه في بلاد أوربا، فأَهْلَكَ الحرث والنَّسل، ودَمَّرَ الأَخلاق والقِيَم، حتى أصبحت دعواتُ الإصلاح لا جَدوَى منها، وصيحاتُ المصلحين وصرخاتُهُم إنما هي صرخاتٌ في وَاد، أو نَفْخَةٌ في رماد، وكأنهم مَن عَنَاهُم الشاعر العربي بقَولِهِ:

لقد أسمعتَ لو نَادَيْتَ حَيًّا*** ولكِن لا حياةَ لِمَن تُنَادِي»(17).

هذه نصيحة من محب لأبناء وطنه، غيور على دينه وعرضه وبلده، عكس دعاة الانحلال الذين يحاولون بقدر المستطاع رمي أبنائنا في مستنقع الانحلال، وإقناع المسلمات الجزائريات أن الجلباب والبرقع والحجاب أمور دخيلة على مجتمعهم، وأنها عادات قديمة ليست متعلقة بالدين، فقبلت الفكرة عند البعض مع الأسف الشديد وأصبحوا أبواقا لها يدافعون عنها ويلتمسون الأعذار لتبرجهم المخزي بكل فخر وشجاعة نكاية في الشريفات والله المستعان.

وبالنظر إلى هذه الشبهات نجدها ليست بجديدة، بل استعملها أسلافهم على عهد الاستعمار الفرنسي فقاموا بإعادة نشرها وإحيائها من جديد.

وإذا كانت هذه الشبهات قديمة فمن المحتمل أن يكون هناك رد يردع هذه الترهات، ولا بد أن يكون، إذ لا يخلو زمان من القائم بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فوفقنا بفضل الله واهتدينا إلى مقالات رائعة جميلة للشيخ الأديب حمزة بكوشة رحمه الله بعنوان: «حجاب المرأة دين والمبالغة فيه عادة شريفة في الإسلام وقبله» منشورة بين طيات جريدة البصائر يرد فيها على مزاعم من قالوا أن الحجاب عادة وليس دين، وهي مقالات رد بها الشيخ على ما كتبه مصطفى بن حلوش المستغانمي على أرصفة البصائر حول الحجاب بعنوان: «طواف وفد المؤتمر في عمالة وهران» يقول فيه أن الحجاب عادة ثقيلة! فقامت الخصومة بينهما حول هذا الموضوع وبان فيه الحق أيما تبيان، لهذا كان من واجبنا أن نعمل على إخراج هذه الدرر الدفينة ونفض الغبار عليها والاعتناء بها وإخراجها للناس مصححة منقحة ليعم بها النفع ولتكون ردا على العلمانيين الناعقين الذين يريدون خلع جلباب الحياء عن نساء المسلمين بما صوروه لها، فنسأل الله أن ينصرنا على هؤلاء الظالمين والله وحده الموفق والهادي إلى سواء السبيل والحمد لله رب العالمين.


الهوامش:
(1): سفر التكوين (24 :64-65).
(2): سفر إشعياء (2:47).
(3): سفر نشيد الأناشيد (1:4).
(4): سفر دانيال (13 :31-32).
(5): رسالة بولس الأولى إلى أهل كورونثوس (13:11).
(6): المصدر السابق (11 :5-6).
(7): المصدر السابق (9:2).
(8): تعاليم الرسل (ص27).
(9): انظر زيارة سيدي عابد بقلم الزاهري في الصراط السوي، السنة الأولى، العدد: (6)، (ص:6)، وفي العدد: (8) ، (ص:04)، وفي العدد: (12)، (ص:4)، وفي العدد: (13)، (ص:4)، وفي العدد: (16)، (ص:2).
(10): تفسير ابن باديس (1/244) ت. أبي عبد الرحمن محمود الجزائري.
(11): فتوى بعنوان: النظرة الحرام، أنظر: فتاوى الشيخ أحمد حماني (2/441).
(12): فتوى بعنوان: السباحة للمرأة أمام الناس، أنظر: فتاوى الشيخ أحمد حماني (2/435).
(13): فتوى بعنوان: تخاف عقاب الله وتريد التوبة، أنظر: فتاوى الشيخ أحمد حماني (2/455).
(14): فتوى بعنوان: هل للزوج أن يمنع زوجته من ارتداء الحجاب؟، أنظر: فتاوى الشيخ أحمد حماني (3/210).
(15): فتوى بعنوان: هل للزوج أن يمنع زوجته من ارتداء الحجاب؟، أنظر: فتاوى الشيخ أحمد حماني (3/209).
(16): فتوى بعنوان: هل للزوج أن يمنع زوجته من ارتداء الحجاب؟، أنظر: فتاوى الشيخ أحمد حماني (3/211).
(17): الأديب موسى الأحمدي نويوات: حياته وآثاره (ص109-110).

لا تعليقات

اترك تعليق

آخر التغريدات: