“علم الزمن” في رؤية العلامة ابن باديس

بقلم: حسن خليفة-

“صورة الزمن عند الإمام ابن باديس”.. ذلك هو عنوان الكتيب، صغير الحجم، كبير النفع والأثر، الذي أصدره الباحث الكاتب الدكتور محمد بابا عمّي، ضمن سلسلة “كتابك”، سنة 2017.

يتيح هذا الكتيب للقارئ فوائد مهمّة، يمكن أن يجعلها آليات في إعادة صياغة إعمار الوقت في حياته.

لكن هنا أيضا ما يمكن استفادته من سطور الكتيب، بصورة جيدة ومبسَّطة، وهو كيفية فهم الإمام ابن باديس للزمن/ الوقت، وكيفية تنزيله لذلك الفهم الدقيق على أرض الواقع في حياته المثمرة المفيدة النافعة. إنه الفهم الدقيق والصحيح لحقيقة الزمن، بل لحقيقة الحياة، وهو ما يُرجى الاستفادة منه على نطاق واسع في حياتنا اليوم.

نعلم جيدا أن ثمة علوما كثيرة اهتمت بالزمن من نواح عدة، فلسفية، وثقافية، وعلمية، واجتماعية، وإدارية وتنموية… لكن الفهم الأعمق للزمن هو ما يمكن تلخيصه في قول ابن باديس رحمة الله عليه:

“إن عمر الإنسان أنفسُ كنز يملكه، ولحظاته محسوبة عليه، وكل لحظة تمرّ معمورة بعمل مفيد فقد أخذ حظّه منها وربحها، وكل لحظة تمرّ فارغة فقد غبن حظه منها وخسرها.. فالرشيد الرشيد هو من أحسن استعمال ذلك الكنز الثمين، فعمّر وقته بالأعمال، والسفيه السفيه من أساء التصرّف فيه، فأخلى وقته من العمل”.

وخلاصة فهم الإمام للزمن: إن حياة الإنسان تقاس ـ فقط ـ بما ينجزه ويقدِّمه من خير وفضل وبرّ، وقد ترجم الإمام ابن باديس ذلك ترجمة عملية واقعية؛ إذ كانت حياته فعلا في الزمن وإنجازات متعيّنة حقيقية، وكانت حياته بذلا وجهدا وجهادا وعملا متصلا ممتدا في الزمن، ليله كنهاره، وصيفه كشتائه.. ولعلّ الحاجة قائمة لنتعرّف بشيء من التبسيط على بعض ذلك:

– كان يدرّس في اليوم أكثر من 14 درسا، لمختلف الفئات، رجالا ونساء وكبارا وصغارا، لا تقلّ مدة الدرس عن أربعين دقيقة.

– كان يعمل منذ ما قبل صلاة الصبح إلى منتصف الليل، وما بعده بقليل.

– كان لا ينام إلا أربع ساعات وربما أقلّ، كما سجل ذلك أكثر الدارسين لحياته ومنهم الأستاذ محمد الصالح الصدّيق، وتركي عمامرة، وعبد الكريم بوصفصاف، وصلاح الدين الجورشي وغيرهم.

– كان وقته مقسّما بين: التعليم (للطلبة)، التدريس (للعامة)، وتفسير القرآن الكريم، القراءة النّهمة الدائمة (بشغف) للكتب والمجلات والصحف، وبعض ذلك الوقت للكتابة في المجلات والصحف التي أصدرها باسمه أو باسم الجمعية.

– كان لا يعطي من وقته للأكل غير اليسير من الزمن، بل ولا يأكل إلا مما يأكل منه طلبته وتلاميذه، وقصة غضبته من أحد محبيّه الذي أراد أن يكرمه بـ”شواء” معروفة، ولعله من المناسب الإحاطة بها هنا. فقد حدّث السيد شريفي عمرو صاحب المكتبة الجزائرية بالعاصمة، وهو ممن عاشروا الإمام ابن باديس وعرفوا عنه الكثير، كتب عن الحادثة ما مؤدّاه:

“خرج الشيخ من مقصورته بجامع سيدي قموش بقسنطينة ذات يوم، فطلب من السيد زواوي مولود، وهو من تجار بني عباس، أن يبحث عمن يشتري له نصف لتر من اللبن، وأعطاه آنية، فرآها (ذلك الشخص) فرصة لإكرام الشيخ، فذهب بنفسه إلى شوّاء واشترى صحنا من اللحم المختار، وعاد إلى الشيخ وهو يكاد يطير من شدة الفرح، ولما قدّمه إليه استشاط (الإمام) غضبا، وقال له في لهجة شديدة وصارمة: ألا تعلم أنني ابن مصطفى بن باديس، وأن أنواعا مختلفة من الطعام اللذيذ تُعدّ كل يوم في بيته لو أردتُ التمتع بالطعام، ولكن ضميري لا يسمح لي بذلك، وطلبتي يسيغون الخبز بالزيت، وقد يأكله بعضهم بالماء” (محمد الصالح الصديق، ابن باديس من آرائه ومواقفه).

إن العبرة في هذه الشهادة ترسخ قناعة ربانية هذا الإمام وفهمه العميق لحقيقة الدنيا، بملذاتها وشهواتها وأخطرها هو شهوة البطن، كما هو واضح في سلوك الكثير منّا للأسف الشديد؛ إذ يمكن للمرء منّا أن “يخلي عرشو على كرشو”.

إن الطعام بالنسبة إلى الإمام هو مما يقيم به الإنسان أوده لا غير، وثمة لطائف في منهجه الإصلاحي؛ إذ يشترط حين سفره واستضافته هنا وهناك.. طعاما واحدا كما وصف ذلك الفضيل الورتلاني الذي صحبه في جولاته في أنحاء الوطن شرقا وغربا شمالا وجنوبا. (الآثار. ج 4).

والعبرة بعد هذا، أنه ليس في برنامج الإمام، في حساب الزمن، وقت مخصوص للأكل والطعام كما هو الشأن عندنا اليوم؛ إذ نقضي ساعات وساعات في الأكل والمشرب وشرب الشاي أو القهوة، وهو وقت نتساهل فيه كثيرا، مع أنه منتقص من أعمارنا في كل حال.

– كان سفر الإمام جهادا، يسافر للمشاركة في الأنشطة العلمية والثقافية، فلا يُرى في سفره إلا تاليا للقرآن الكريم، أو قارئا لكتاب أو مجلة، أو متحدثا ومستعما في حديث مع مرافقيه. بما يعني أن وقته في السفر ـ أيضاـ محسوب وموظّف في ما يفيد.

– وقد سبق أن أشرنا إلى حديثه عن كون عمر الإنسان أنفسَ كنز يملكه، وذلك في شرحه لحديث النبيّ- صلى الله عليه وسلم- المروي عن ابن عباس- رضي الله عنهما- الذي قال فيه- صلى الله عليه وسلم-: “نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ”. رواه البخاري.

– وفي ربط الصلة بالأوقات في تفسيره لطائف عظيمة في فهمه للوقت/ الزمن؛ إذ يؤكد على “وجوب أن نجعل لكل عمل وقته، وبذلك ينضبط للإنسان أمرُ حياته، وتطّرد أعماله، ويسهل عليه القيام بكثير منها. أما إذا ترك أعماله مهملة غير مرتبطة بوقت؛ فإنه لا بد من أن يضطرب عليه أمره ويتشوّش باله، ولا يأتي إلا بالعمل القليل، ويُحرم لذة العمل…” إلى آخر ما جاء في تحليله النفيس في مجالس التذكير في تفسير سورة الإسراء.

إن الحديث يطول في هذا الأمر، ولكنه حديث في لبّ اللبّ بالنسبة إلى ما نعانيه من التقصير بسبب فهمنا الخاطئ للوقت. وحق لنا أن نقول: إنه ركن خطير مهم قائم بذاته في صناعة الحضارة، يجب أن تُراعى فيه القواعد والشروط والأسباب والوظائف والنتائج والثمرات، والقياس، والتخطيط، والمتابعة، والتدقيق، والصرامة، والمحاسبة، وعدم التساهل.. ومن هنا قلنا “علم الزمن” وقد رأينا فهم الإمام قبل نحو ثمانين عاما كاملة للزمن،

آخر التغريدات: