|
إن
التحليل الذي اعتمده ابن باديس في تبيان
حقيقة العناصر المكونة للشخصية الوطنية
وتحديد مفهوم كل عنصر من عناصرها طرح
فيه جملة من المعاني والتحديدات التي
أضافت غلى عناصر التعريف عناصر اخرى
وظيفية وتاريخية تحدد من خلالها
المفهوم المتكامل والدال الذي اعطاه
ابن باديس للإسلام واللغة العربية
والوطن الجزائري, ذلك المفهوم الذي
يتطابق مع شعوره الوطني ونظرته
الاجتماعية, وفكرته الفلسفية, واتجاهه
الديني, وفيما يلي تبيان حقيقة كل عنصر
كما يراها ابن باديس.
الإسلام
ديننا :
الإسلام
في منظور ابن باديس منهج هداية ونظام
اجتماعي شامل تنتظم ضمن فصوله أمور
الحيتة الدنيا, ومطالب الحياة الأخرى,
لأن الإسلام في جوهره, وكما فهمه ائمة
السلف هو سعي جاد إلى المواءمة بين
الطبيعة والإنسان وبين الحياة البشرية
في جوانبها المادية, والحياة البشرية في
جوانبها الروحية, وهو بهذا يسع الأوطان
والأقوام والأجناس, وستوعبها ويحترم
الأديان ويعترف بها, ويدعو إلى حسن
المعاملة حتى مع المخالفين للدين, غير
المحاربين, مصداقا لقوله تعالى : "لا
يناهكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في
الدين غير المحاربين, ولم يخرجوكم من
دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله
يحب المقسطين" (الممتحنة : 8) فالإسلام
دين عدل وإنصاف وتسامح, لأنه كما يقول
ابن باديس : " دين الإنسانية التي لا
نجاة لها ولا سعادة إلا به, لأن خدمتها
لا تكون إلا على أصوله".
ومن
أقوله التي تؤكد فيها هذا المفهوم قوله :
"الإسلام عقد اجتماعي عام فيه ما
يحتاج إليه الإنسان في جميع نواحي
الحياة لسعادته ورقيه, وقد دلت تجارب
الحياة كثيرا من علماء الأمم المتمدنة
على أن لا نجاة للعالم مما هو فيه إلا
بإصلاح عام على مبادئ الإسلام ويقصد هنا
في ضوء المبادئ والقواعد التي يدعو
إليها الإسلام".
إن
الإسلام الذي يراه ابن باديس طريقا
لخلاص الأمة من أوضاعها المتردية هو
الإسلام الإيجابي الذي يحارب السلبية
والجمود, والاستكانة والاستسلام لليأس
والكسل, ويناهض كل أشكال الاستغلال
والاضطهاد, والتميز العرقي والجنسي,
ويدفع المنتمين إليه إلى الثورة على ما
في نفوسهم من ضعف وجبن وتردد, وعلى
الأوضاع الفاسدة التي تعوق مجتمعهم عن
النهوض والتقدم ومقاومة التخلف بكل
أشكاله.
فابن
باديس حرص على تحديد مفهوم يعطى للإسلام
والذي يجمع بين الاعتقاد والسلوك, وبين
العلم والعمل, أو بين البناء الفردي
والباء الاجتماعي, بين الدين والسياسة
بين الدين والدنيا, بين المحافظة على
مقومات الأمة وبين العمل للسير بها في
ركاب الحضارة المعاصرة, وبعبارة أخرى
بين التشبت بحقيقتها كأمة لها وجود
متميز وبين التطلع إلى الأخذ بأسباب
التقدم والتطور, لمسايرة الركب, هذا هو
الإسلام الذي ظل ابن باديس يدعو إليه
ويجاهد في سبيل بعثه نقيا صافيا كما كان
في عهوده الأولى.
العربية
لغتنا :
اللغة
في الأساس مستودع قيم الأمة, والحافظة
لكيانها والرمز المعبر عن حقيقتها,
والوعاء الحامل لهويتها وتراثها, فهي
عقل الأمة وروحها ووجدانها, وأساس
وحدتها, وعماد تفكيرها, ومنطلق نهضتها.
واللغة
من جهة أخرى هي الجسر الذي يصل أبناء
الأمة بأسلافهم, وبما تركوه من مجد وفكر,
وهو الذي يصلهم بأبنائهم وأحفادهم في
المستقبل, ويعزز الروابط بين أفراد
الأمة الواحدة.
وابن
باديس الذي حفظ القرآن وتأثر بحقائقه,
وتشرب الثقافة العربية الإسلامية منذ
صغره امتلأت نفسه حبّا لهذه اللغة,
وتقديرا لقيمتها الثقافية, فدرسها ودرس
تاريخها وآدابها, وعرف الوظائف الحية
التي تضطلع بها, والقيم التي تزخر بها,
وأدركبعمق ارتباطها بالإسلام, وبوجدان
الإنسان المسلم, لأنها الأداة التي بها
يناجي ربه, ويفهم القرآن, ويطلع على
حقائق الإسلام والتراث, وبها يتواصل مع
ابناء جنسه ويحسّ بانتمائه القويّ إلى
أمته, وبأن هذه اللغة جزء من كيانه وركن
من أركان شخصيته.
نورد
فيما يلي نصا لابن باديس يحدد فيه مكانة
اللغة العربية وارتباطها بالتاريخ
وعلاقتها بالعقيدة والفكر والوجدان,
ويشير إلى خصائصها, ويحدد من خلال ذلك
نظرته غليها فيقول : " علينا أن نعرف
تاريخنا ومن عرف تاريخه جدير بأن يتخذ
لنفسه منزلة لائقة به في هذا الوجود...
ولا رابط تربط ماضينا بحاضرنا الأغر
والمستقبل السعيد إلا هذا الحبل المتين
: اللغة لغة الدين لغة الجنس, لغة
القومية, لغة الوطنية المحروسة...
غنها
وحدها تارابطة بيننا وبين ماضينا, وهي
وحدها المقياس الذي نقيس به أرواحنا
بأرواح أسلافنا, وبها نقيس من يأتي
بعدنا من أبنائنا وأحفادنا الغرّ
الميامين أرواحهم بأرواحنا, وهي وحدها
اللسان الذي نعتز به, وهي الترجمان عما
في القلب من عقائد وما في العقل من أفكار
وما في النفس من آلام وآمال...
إن
هذا اللسان العربي العزيز الذي خدم
الدين وخدم العلم وخدم الإنسانية هو
الذي نتحدث عن محاسنة منذ سنين, فليحقق
الله أمانينا".
الجزائر
وطننا :
الجزائر
بالنسبة إلى ابن باديس هي وطنه الخاص,
وهي عنده ليست اقليما جغرافيا فحسب,
ولكنه كيان حي من البشر الذي يعيشون فيه,
وتؤلف بينهم روابط الدين واللغة
والتاريخ, يقول في الشطر الثاني من
السؤال (لمن أعيش) أعيش للإسلام
والجزائر :
"...أما
الجزائر فهي وطني الخاص الذي تربطني
بأهله روابط من الماضي والحاضر
والمستقبل بوجه خاص, وتفرض علي تلك
الروابط لأجله - كجزء منه - فروضا خاصة ,انا
اشعر بأن كل مقوماتي الشخصية مستمدة منه
مباشرة, فأرى من الواجب أن تكونخدماتي
أول ما تتصل بشيء تتصل به مباشرة وكما
أني كلما أردت أن أعمل عملا وجدتني في
حاجة إليه, إلى رجاله وإلى ماله, وإلى
آلامه وآماله, وكذلك أجدني أعمل - إذا
عملت - قد خدمتُ بعملي ناحية أو أكثر مما
كنت في حاجة إله, وهكذا.
ويشرح
ابن باديس هذه الأوطان ويرتبها ترتيبا
طبيعيا في دوائر متداخلة ومتكاملة, في
مقال بعنوان : "الوطن والوطنية"
صدره بشعار جريدة (المنتقد) وهو : "الحق
فوق كل أحد والوطن قبل كل شيء", قال
فيه : " بهاتين الجملتين منذ نيف وعشر
سنين توجنا جريدة المنتقد الشهيدة
وجعلناهما شعارا لما تحمله في رأس كل
عدد منها. هذا آيام كانت كلمة الوطن
والوطنية كلمة إجرامية لا يستطيع أحد أن
ينطق بها, وقليل جدا من يشعر بمعناها,
وإن كان ذلك المعنى دفينا في كوامن
النفوس ككل غريزة من غرائزها, لا سيما في
أمة تنسب إلى العروبة, وتدين الإسلام,
مثل الأمة الجزائرية ذات التاريخ
المجيد...."
|