صفحة البدايةالتعريف بالموقع هيئة التحرير  | البحثراسلنا

اجعل موقع ابن باديس صفحة الاستقبال لديك 

 

" إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم "

 

 

 

: المراجع

إمام الجزائر لـ د. عبد القادر فوضيل و أ. محمد صالح رمضان -

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الوجه السياسي لابن باديس

لم يكن هدف ابن باديس الخوض في المسائل السياسية البحتة, ولكن الوضع المتردي الذي كانت تعيشه بلاده والانتهاكات والمظالم التي كان يتعرض لها الشعب فرضت عليه أن يدخل هذا الميدان من مداخل مختلفة. وإن لم يصرح بذلك, ويخوض في بعض المسائل التي يراها جديرة بالمناقشة, والتي كان يحرص من خلال تناوله على اكساب المواطنين وعيا بحقوقهم, وبأشكال الظلم المسلط عليهم, وإدراكا لحقيقة ما يجري في وطنهم, ليعرفوا - كنتيجة لذلك - ما يجب فعله...

لقد خاض ابن باديس منذ أن فرض على نفسه هذه المهمة معارك نضالية شديدة دفاعا عن الكيان الجزائري, وقد انتهج في نضاله هذا أساليب متعددة إصلاحية وتربوية وسياسية, فكانت مواجهاته السياسية ساخنة تظهر في الصدام مع الإدارة الفرنسية وعملائها, وفي الدعوة إلى تحضير الرأي العام وتعبئة الجماهير للمطالبة بحقوقهم, كما كانت تظهر في الاجتماعات التي تعقد للنظر في أوضاع الجزائر, وتحديد المطالب التي ترفع إلى السلطة الفرنسية, وفي تقديم العرائض والاحتجاجات, وفي الردود الصحافية, التي كان أساسها الدفاع عن الشخصية الجزائرية, وكرامة المواطن التي اصبحث محل مساومة.

ولم يكن ابن باديس في كل هذه المجابهات يخفي أفكاره السياسية التي كان يعبر عنها بلهجة حادة أحيانا تنبئ عن شخصية قوية وجريئة, وثقة عالية بالنفس, وعن تفكير منسجم يظهر معه تفكير الخصوم ضعيفا ومتهافتا, وحتى الحكام لم يسلموا من نقده لهم وتسفيه أفكارهم, والتنديد بأساليب معاملتهم لأبناء البلد الذين استعانوا بهم في وقت الشدة والحروب, وتعنيفهم على المماطلة في تنفيذ الوعود التي كانوا يلوحون بها.

ومن الأمور التي تشكل الوجه السياسي لابن باديس والعمل الاصلاخي الذي أعطاه كل حياته ما يلي :

1- مجابهة الإدارة الفرنسية والدخول في صراع معها.

2- الدعوة إلى عقد مؤتمر إسلامي والمساهمة فيه.

3- دعوة النواب إلى مقاطعة المجالس النيابية.

4- محاورة لجنة البحث البرلمانية الفرنسية.

5- نداء إلى سكان قسنطينة لمقاطعة الاحتفالات القرنية لاحتلال المدينة.

6- موقفه السياسي من وعود حكومة فرنسا.

7- موقفه من إرسال برقية التضامن مع فرنسا ضد التهديد الألماني.

8- محاولة أخرى للتحاور مع حكومة فرنسا.

9- تقديم العرائض والاحتجاجات.

10- الردود على التصريحات.

11- مقاومة سياسة الاندماج والتجنيس.

12- موقفه من مساومة الولاية العامة وإغراءاتها.

13- رأيه في الحرية والاستقلال.

14- استخلاص لأصول الولاية (الحكم) في الإسلام.

15- دوره في إخماد نار الفتنة بين اليهود والمسلمين صيف 1934.

 

تحليل مكونات شعار الحركة الإصلاحية

إن التحليل الذي اعتمده ابن باديس في تبيان حقيقة العناصر المكونة للشخصية الوطنية وتحديد مفهوم كل عنصر من عناصرها طرح فيه جملة من المعاني والتحديدات التي أضافت غلى عناصر التعريف عناصر اخرى وظيفية وتاريخية تحدد من خلالها المفهوم المتكامل والدال الذي اعطاه ابن باديس للإسلام واللغة العربية والوطن الجزائري, ذلك المفهوم الذي يتطابق مع شعوره الوطني ونظرته الاجتماعية, وفكرته الفلسفية, واتجاهه الديني, وفيما يلي تبيان حقيقة كل عنصر كما يراها ابن باديس.

الإسلام ديننا :

الإسلام في منظور ابن باديس منهج هداية ونظام اجتماعي شامل تنتظم ضمن فصوله أمور الحيتة الدنيا, ومطالب الحياة الأخرى, لأن الإسلام في جوهره, وكما فهمه ائمة السلف هو سعي جاد إلى المواءمة بين الطبيعة والإنسان وبين الحياة البشرية في جوانبها المادية, والحياة البشرية في جوانبها الروحية, وهو بهذا يسع الأوطان والأقوام والأجناس, وستوعبها ويحترم الأديان ويعترف بها, ويدعو إلى حسن المعاملة حتى مع المخالفين للدين, غير المحاربين, مصداقا لقوله تعالى : "لا يناهكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين غير المحاربين, ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين" (الممتحنة : 8) فالإسلام دين عدل وإنصاف وتسامح, لأنه كما يقول ابن باديس : " دين الإنسانية التي لا نجاة لها ولا سعادة إلا به, لأن خدمتها لا تكون إلا على أصوله".

  ومن أقوله التي تؤكد فيها هذا المفهوم قوله : "الإسلام عقد اجتماعي عام فيه ما يحتاج إليه الإنسان في جميع نواحي الحياة لسعادته ورقيه, وقد دلت تجارب الحياة كثيرا من علماء الأمم المتمدنة على أن لا نجاة للعالم مما هو فيه إلا بإصلاح عام على مبادئ الإسلام ويقصد هنا في ضوء المبادئ والقواعد التي يدعو إليها الإسلام".

إن الإسلام الذي يراه ابن باديس طريقا لخلاص الأمة من أوضاعها المتردية هو الإسلام الإيجابي الذي يحارب السلبية والجمود, والاستكانة والاستسلام لليأس والكسل, ويناهض كل أشكال الاستغلال والاضطهاد, والتميز العرقي والجنسي, ويدفع المنتمين إليه إلى الثورة على ما في نفوسهم من ضعف وجبن وتردد, وعلى الأوضاع الفاسدة التي تعوق مجتمعهم عن النهوض والتقدم ومقاومة التخلف بكل أشكاله.

فابن باديس حرص على تحديد مفهوم يعطى للإسلام والذي يجمع بين الاعتقاد والسلوك, وبين العلم والعمل, أو بين البناء الفردي والباء الاجتماعي, بين الدين والسياسة بين الدين والدنيا, بين المحافظة على مقومات الأمة وبين العمل للسير بها في ركاب الحضارة المعاصرة, وبعبارة أخرى بين التشبت بحقيقتها كأمة لها وجود متميز وبين التطلع إلى الأخذ بأسباب التقدم والتطور, لمسايرة الركب, هذا هو الإسلام الذي ظل ابن باديس يدعو إليه ويجاهد في سبيل بعثه نقيا صافيا كما كان في عهوده الأولى.

العربية لغتنا :

اللغة في الأساس مستودع قيم الأمة, والحافظة لكيانها والرمز المعبر عن حقيقتها, والوعاء الحامل لهويتها وتراثها, فهي عقل الأمة وروحها ووجدانها, وأساس وحدتها, وعماد تفكيرها, ومنطلق نهضتها.

واللغة من جهة أخرى هي الجسر الذي يصل أبناء الأمة بأسلافهم, وبما تركوه من مجد وفكر, وهو الذي يصلهم بأبنائهم وأحفادهم في المستقبل, ويعزز الروابط بين أفراد الأمة الواحدة.

وابن باديس الذي حفظ القرآن وتأثر بحقائقه, وتشرب الثقافة العربية الإسلامية منذ صغره امتلأت نفسه حبّا لهذه اللغة, وتقديرا لقيمتها الثقافية, فدرسها ودرس تاريخها وآدابها, وعرف الوظائف الحية التي تضطلع بها, والقيم التي تزخر بها, وأدركبعمق ارتباطها بالإسلام, وبوجدان الإنسان المسلم, لأنها الأداة التي بها يناجي ربه, ويفهم القرآن, ويطلع على حقائق الإسلام والتراث, وبها يتواصل مع ابناء جنسه ويحسّ بانتمائه القويّ إلى أمته, وبأن هذه اللغة جزء من كيانه وركن من أركان شخصيته.

نورد فيما يلي نصا لابن باديس يحدد فيه مكانة اللغة العربية وارتباطها بالتاريخ وعلاقتها بالعقيدة والفكر والوجدان, ويشير إلى خصائصها, ويحدد من خلال ذلك نظرته غليها فيقول : " علينا أن نعرف تاريخنا ومن عرف تاريخه جدير بأن يتخذ لنفسه منزلة لائقة به في هذا الوجود... ولا رابط تربط ماضينا بحاضرنا الأغر والمستقبل السعيد إلا هذا الحبل المتين : اللغة لغة الدين لغة الجنس, لغة القومية, لغة الوطنية المحروسة...

غنها وحدها تارابطة بيننا وبين ماضينا, وهي وحدها المقياس الذي نقيس به أرواحنا بأرواح أسلافنا, وبها نقيس من يأتي بعدنا من أبنائنا وأحفادنا الغرّ الميامين أرواحهم بأرواحنا, وهي وحدها اللسان الذي نعتز به, وهي الترجمان عما في القلب من عقائد وما في العقل من أفكار وما في النفس من آلام وآمال...

إن هذا اللسان العربي العزيز الذي خدم الدين وخدم العلم وخدم الإنسانية هو الذي نتحدث عن محاسنة منذ سنين, فليحقق الله أمانينا".

الجزائر وطننا :

الجزائر بالنسبة إلى ابن باديس هي وطنه الخاص, وهي عنده ليست اقليما جغرافيا فحسب, ولكنه كيان حي من البشر الذي يعيشون فيه, وتؤلف بينهم روابط الدين واللغة والتاريخ, يقول في الشطر الثاني من السؤال (لمن أعيش) أعيش للإسلام والجزائر :

"...أما الجزائر فهي وطني الخاص الذي تربطني بأهله روابط من الماضي والحاضر والمستقبل بوجه خاص, وتفرض علي تلك الروابط لأجله - كجزء منه - فروضا خاصة ,انا اشعر بأن كل مقوماتي الشخصية مستمدة منه مباشرة, فأرى من الواجب أن تكونخدماتي أول ما تتصل بشيء تتصل به مباشرة وكما أني كلما أردت أن أعمل عملا وجدتني في حاجة إليه, إلى رجاله وإلى ماله, وإلى آلامه وآماله, وكذلك أجدني أعمل - إذا عملت - قد خدمتُ بعملي ناحية أو أكثر مما كنت في حاجة إله, وهكذا.

ويشرح ابن باديس هذه الأوطان ويرتبها ترتيبا طبيعيا في دوائر متداخلة ومتكاملة, في مقال بعنوان : "الوطن والوطنية" صدره بشعار جريدة (المنتقد) وهو : "الحق فوق كل أحد والوطن قبل كل شيء", قال فيه : " بهاتين الجملتين منذ نيف وعشر سنين توجنا جريدة المنتقد الشهيدة وجعلناهما شعارا لما تحمله في رأس كل عدد منها. هذا آيام كانت كلمة الوطن والوطنية كلمة إجرامية لا يستطيع أحد أن ينطق بها, وقليل جدا من يشعر بمعناها, وإن كان ذلك المعنى دفينا في كوامن النفوس ككل غريزة من غرائزها, لا سيما في أمة تنسب إلى العروبة, وتدين الإسلام, مثل الأمة الجزائرية ذات التاريخ المجيد...."

 

خصوصيات الحركة الإصلاحية التي قادها ابن باديس

في البداية ينبغي أن نؤكد حقيقة أن الحركة الإصلاحية التي تزعمها ابن باديس لم تنشأ من عدم, ولم تنطلق أعمالها من فراغ, بل سبقتها جهود فردية متفرقة زمانا ومكانا, كان لها دور في تهيئة النفوس والعقول لتقبل فكرة الإصلاح, والتطلع إلى حياة فكرية جديدة تساير روح العصر وتستجيب لتطلعات الأمة.

إن هذه الجهود كانت بمثابة إرهاصات ممهدة للحركة الإصلاحية التي قادها ابن باديس التي نود هنا أبراز بعض خصوصياتها, وقد برزت هذه الإرهاصات من خلال نشاط من خلال نشاط بعض العلماء الذين كان لدروسهم وكتاباتهم تأثير مباشر في بعث حركة فكرية هيأت الجو الملائم لنشر الدعوة الاصلاحية والثورة على الجمود.

ومن العلماء الذين نقلوا الفكرة الإصلاحية إلى الجزائر بعد ان عاشوها في المشرق وتشربتها نفوسهم : الشيخ البشير الإبراهيمي, والشيخ الطيب العقبي اللذان كان لهما أثر  واضح في تهيئة الجو النفسي والفكري والسياسي لتأسيس الحركة الإصلاحية في الجزائر.

وبهذا توجها ابن باديس من خلال التعليم ومعاركه الصحافية إلي تكوين قاعدة شعبية عامة منتظمة تتبنى أفكاره, وترتبط بتوجيهاته. ومن هنا نتبين أن مثل هذه الظروف القاسية لم تعرفها الحركات الإصلاحية في الجزائر تتميز بأمور عديدة, ورغم هذه الظروف الصعبة والمعقدة أحيانا نجحت هذه الحركة أيما نجاح, وهيأت جيشا من الوطنيين كان عُدّة الثورة عند انطلاقها في سنة 1954 وعماد بناء الدولة في بداية الاستقلال.

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ عبد الحميد بن باديس ©  2005 مركز الشهاب للإعلام -  تصميم عبد المالك حداد   

يحق لمن شاء أخذ ما يريد من مواد الموقع بثلاث شروط : عزو ما يأخذ إلى موقع الإمام عبد الحميد بن باديس www.binbadis.net،

الثاني : الأمانة في النقل وعدم التغيير في النص المنقول ولا حذف شيء منه، ثالثا : عدم استخدام مواد المواقع للأغراض التجارية، والله الموفق.

لأفضل استعراض، الرجاء ضبط دقة الشاشة على