جهود الإمام عبد الحميد بن باديس في الإصلاح الديني والاجتماعي من خلال تفسيره للقرآن الكريم 2/2

جهود الإمام عبد الحميد بن باديس في الإصلاح الديني والاجتماعي من خلال تفسيره للقرآن الكريم 2/2

بقلم: د. ياسر عطية عطية الصعيدي

المبحث الثاني: منهجه في تفسير القرآن

أولا - المنقول في تفسير الإمام ابن باديس:

أ - تفسير القرآن بالقرآن :

بيان القرآن للقرآن من أحسن طرق التفسير التي يلجأ إليها المفسر، فقد أجمع السلف والخلف على صحة هذه الطريقة التي يجب الأخذ بها عند التعرض للقرآن بالتفسير، يقول السيوطي: ( قال العلماء من أراد تفسير الكتاب العزيز طلبه أولا من القرآن؛ فما أجمل منه في مكان فقد فسر في موضع آخر، وما اختصر في مكان فقد بسط في موضع آخر منه، وقد ألف ابن الجوزي كتابا فيما أجمل في القرآن في موضع وفسر في موضع آخر منه.)(45)

وقد أشار ابن باديس إلى أهمية تفسير القرآن بالقرآن ونصح بالانتباه إليه فقال: ( وما أكثر ما تجد في القرآن بيان للقرآن، فاجعله من بالك تهتد إن شاء الله إليه.)(46)

1ـ بيان معنى الآية :

عند تفسيره لقول الله تعالى: {وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا}(47)، يبين ابن باديس معنى هذه الآية بذكر آيات أخرى توضحها وتبينها فيقول: (الأمم كالأفراد تمر عليها ثلاثة أطوار: طور الشباب وطور الكهولة وطور الهِرَم… وما من أمة إلا ويجري عليها هذا القانون العام وإن اختلفت أطوارها في الطول والقصر كما تختلف الأعمار. هذه السنة الكونية التي أجرى الله عليها حياة الأمم في هذه الدنيا أشار إليها في كتابه العزيز في غير ما آية، فذكر أعمال الأمم وأنها مقدرة محددة بآجالها في مثل قوله تعالى: "وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ"(48). وذكر إنشاء الأمم على أثر الهالكين في مثل قوله تعالى:" وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ"(49). وذكر طور شباب الأمة ودخولها معترك الحياة في مثل قوله تعالى: "عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ"(50) فإن بني إسرائيل ما استخلفوا في الأرض حتى قووا واشتدوا وتكونت فيهم أخلاق الشجاعة والنجدة والحمية والأنفة بعد خروجهم من التيه، وذلك هو الطور الأول، طور الشباب للامة الإسرائيلية، وذكر الطور الثاني، وهو طور الكهولة واستكمال القوة وحسن الحال ورغد العيش في مثل قوله تعالى: " وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ"(51). وذكر الطور الثالث طور الضعف والانحلال في مثل قوله تعالى: "وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا"(52)، وإهلاكهم يكون بعد إسباغ النعمة وإقامة الحجة عليهم وتمكن الفساد فيهم وتكاثر الظلم منهم، فإهلاكهم هو نهاية الطور الثالث من أطوار الأمم الثلاثة. وإلى خاتمة الطور الثالث وعاقبته جاء البيان في قوله تعالى: " وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا كان ذلك في الكتاب مسطورا ".)(53)

2 ـ بيان معنى المفردات :

يبين ابن باديس معنى الوفاء بالعهد في قول الله تعالى: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا}(54)، فيقول: ( أوفى بعهد إذا أتى بما التزم تاما وافيا، والعهد من عهد إليه بالشيء إذا أعلمه به؛ قال تعالى: "وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ"(55)، أي: أعلمناه. فالعهد هو الإعلام بالالتزام أو الإعلام بما يلتزم. فمن الأول عاهدت زيدا على كذا ، أي أعلمته بالتزامي له، وتعاهد القوم على الموت، أي أعلم بعضهم بعضا بالتزامه. والثاني : عهد الله إلى العباد إلى إعلامهم بما عليهم أن يلتزموه.)(56)

ويبين معنى الذل في قول الله تعالى: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا}(57)، فيقول: ( يكون الذل بمعنى ضعف الحال، وهذا قد يكون لأهل التوحيد والإيمان كما في قوله تعالى: "وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ"(58)، ويكون بمعنى اللين المشوب بالعطف، وهذا من صفات المؤمنين الممدوحة إذا وقعت في محلها كما في قوله تعالى:" أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ"(59)، ويكون الذل بمعنى خنوع القلب وخضوعه وانكساره للضعف والافتقار، وهذا هو الذي لا يكون من المؤمن الموحد إلا لربه كما في حديث دعاء القنوت: "ونخنع لك" أي: نذل ونخضع لك، وهذا الخنوع هو أساس العبادة القلبية، فلذلك لا يكون إلا لله … من مظاهر هذا الخنوع الذي لا يكون إلا لله الطاعة والانقياد، وهي أيضا لا تكون إلا له، وقد قال تعالى: "أَفَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ"(60)، أي أطاعه واتبعه كما قال تعالى: "وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ"(61)، فمن تبع مخلوقا وأطاعه فبما يأمره وينهاه دون أن يكون في طاعته مراعيا طاعة الله فقد عبده واتخذه ربا فيما أطاعه فيه.)(62)

3 ـ تعضيد المعاني اللغوية :

وكما عُني ابن باديس ببيان معنى الآية وبيان معنى المفردات بآيات من القرآن فقد استمد من آيات القرآن كذلك معينا لتعضيد المعاني اللغوية؛ فمثلا عن تفسيره لقول الله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً}(63) يبين معاني " لولا " اللغوية فيقول: ( "لولا" مع المضارع للتحضيض نحو:" لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ"(64)، ومع الماضي للوم والتوبيخ نحو:" لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ "(65)، وهي هنا مع الماضي فتكون للوم على عدم حصول المذكور وحصول ضده، والمقصود من اللوم هنا الاعتراض على عدم نزوله جملة واحدة ونزوله مفرقا، فالمعترض عليه هو نزوله مفرقا )(66)

ب - تفسير القرآن بالحديث :

عُنِيَ ابن باديس بتفسير القرآن بالحديث الشريف عناية خاصة؛ فهو يعلم أنه المصدر الثاني للتشريع، وأن ما أجمل في القرآن جاءت السنة شارحة له ومفصلة ومبينة. وهو يعلم كذلك أن أحسن طريق للتفسير بعد تفسير القرآن بالقرآن هو تفسير القرآن بالحديث، فهو يقول: ( وعلَّمنا القرآن أن النبي صلى الله عليه وسلم هو المبين للناس ما نزل إليهم من ربهم، وأن عليهم أن يأخذوا ما أتاهم وينهوا عما نهاهم عنه، فكانت سنته العملية والقولية تالية للقرآن.)(67)

وتعددت طرق رواية الحديث عند ابن باديس، فنراه في أغلب الأحيان يستشهد بالأحاديث الصحيحة، ويذكر مصدرها وراويها، من ذلك ما ذكره عند تفسيره لقول الله تعالى: {أَقِمْ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا}(68)، مبينا الترغيب والترهيب الوارد في الآية، ومستشهدا عليه بما ورد فيها من أحاديث صحيحة، مع ذكره لمصدر الحديث وراويه، فقال: ( قد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في الترغيب في امتثال هذا الأمر "أقم الصلاة" في الترهيب من مخافته من الأحاديث ما فيه مقنع ومزدجر؛ فمما جاء فيهما حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: خمس صلوات كتبهن الله عز وجل على العباد، فمن جاء بهن لم يضيع منهن شيئا استخفافا بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة."، رواه مالك وغيره.(69)، ومما جاء في الترغيب حديث أبي هريرة k قال:"سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات هل بقي من درنه شيء؟ قالوا: لا يبقى من درنه شيء، قال: فكذلك مثل الصلوات الخمس يمحوا الله بهن الخطايا." رواه الشيخان في صحيحيهما(70)، ومما جاء في الترهيب حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة." رواه مسلم وغيره بنحوه(71). وحديث بريدة رضي الله عنه مرفوعا:"العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر." رواه أحمد وأصحاب السنن، وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم.)(72)

ونادرا لا يذكر ابن باديس راوي الحديث وسنده ويكتفي بذكر مضمون الحديث دون نصه أو الإشارة إلى مصدره، مكتفيا بذكر وروده في كتب الصحاح، ومن أمثلة ذلك ما ذكره عند تفسيره لقول الله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}(73)، يقول: (… كل هذا تجده في مواعظ النبي صلى الله عليه وسلم. وكان صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيح إذا خطب وذكر الساعة اشتد غضبه وعلا صوته واحمّرت عيناه وانتفخت أوداجه، كأنه منذر جيش.(74))(75)

ولابن باديس علم واسع بالحديث الشريف، فهو يتتبع الحديث الذي يستشهد به في مصادر الحديث، ويتنبه إلى الاختلاف بين الروايات، فإن وجد رواية فيها اختلاف بالنقص أو الزيادة وفي هذه الزيادة إفادة للمعنى ذكر هذه الزيادة وأشار إلى مصدرها ووضح مدى الإفادة منها، من ذلك ما ذكره عند تفسيره لقول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمَنُ وُدًّا}(76)؛ حيث يقول: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن الله إذا أحب عبدا دعا جبريل فقال: إني أحب فلانا فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض. وإذا أبغض عبدا دعا جبريل فيقول: إني أبغض فلانا فابغضه، فيبغضه جبريل، ثم ينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يبغض فلانا فابغضوه فيبغضونه، ثم توضع له البغضاء في الأرض." رواه بهذا اللفظ مسلم(77)، ورواه البخاري وغيرهما. وزاد الطبراني: ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم:" إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمَنُ وُدًّا "(78)، فارتبط الحديث بالآية بزيادة الطبراني، وبيَّن النبي صلى الله عليه وسلم بقراءة الآية أن هذا القبول الذي يجعل لمن أحبه الله في أهل الأرض -والمراد بهم من يعرفونه منهم- هو نوع الود المذكور في الآية، وبين أن أهل القبول في الأرض محبوبون في أهل السماء قبل أهب الأرض، وبين أن سبب ذلك القبول هو محبة الله لهم، فمن أحبهم حببهم لعباده.)(79)

وقد تتعدد طرق رواية الحديث في المصدر الواحد، وتختلف إحداها عن الأخرى بالزيادة أو النقص، فينص ابن باديس على ذلك، ويوضح أيها جاء بالزيادة، وماذا أفادت هذه الزيادة، فمثلا عند تفسيره لقول الله تعالى: {وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا}(80)، يفسر ابن باديس الآية موضحا أن النبي T هو آخر النبيين، وأن رسالته عامة للناس أجمعين، فيستشهد بالحديث الدال على ذلك فيقول: ( صح عن النبي T أنه قال:" أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وجعلت لي الأرض طيبة طهورا ومسجدا فأيما رجل أدركته الصلاة صلى حيث كان، ونصرت بالرعب بين يدي مسيرة شهر، وأعطيت الشفاعة."، وذكر اللونين الأحمر والأسود لقصد التعميم. هكذا جاء الحديث عن جابر بن عبد الله في صحيح مسلم، وجاء فيه من طريق أبي هريرة زيادة :"وختم بي النبـيُّون"(81)، فتعميم رسالته وختم النبوة به في هذا الحديث الصحيح من طريقيه من مقتضى معنى الآية، فإنه لما عممت رسالته ولم يكن معه رسول في حياته وختمت به النبوة فلا يكون كذلك بعد وفاته ثبتت له كرامة الخصوصية وعظمة المنزلية وجزالة المثوبة، وهو ما كنا بيَّـنَّاه في معنى هذه الآية، وما أحسن التفسير تعضده الأحاديث الصحاح.)(82)

ولم يرد في تفسير ابن باديس من الغريب سوى حديث واحد، ذكر أنه ورود في كتب الغريب دون الإشارة إلى مصدره أو سنده أو راويه، فعند تفسيره لقول الله تعالى: {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنْ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ}(83)، يقول: ( وفي حديث ذكره أهل الغريب: "من يزع السلطان أكثر ممن يزع القرآن"، ومعناه أن يكفهم عن الشرِّ خوفُ السلطان وعقابُه الدنيوي أكثر ممن يكفهم عن الشر الوعدُ والوعيدُ في القرآن.)(84)

وهذا الحديث ذكره الغزي في كتابه: "إتقان ما يحسن من الأخبار الدائرة على الألسن"، وهو من كتب الضعيف، ونصه: ( إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.)(85)، وذكر ابن عبد البر في التمهيد أنه من كلام عثمان ابن عفَّان، فقد روى بسنده عن ابن القاسم قال : (حدثنا مالك أن عثمان بن عفان كان يقول: "ما يزع الإمام أكثر مما يزع القرآن" أي: من الناس، قال: قلت لمالك: ما "يزع" ؟ قال: يكٌفٌّ.)(86)

ومعرفة ابن باديس بالحديث الشريف لا تتوقف عند حدود الرواية ومعرفة صحيحه من ضعيفه، بل تتعدى إلى معرفة الفرق بين الحديث الموقوف والحديث المرفوع، نجد هذا واضحا جليا عند تفسيره لقول الله تعالى: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا}(87)، حيث يقول: (شر المهاجرين للقرآن هم الذين يضعون من عند أنفسهم ما يعارضونه به، ويصرفون وجوه الناس إليهم وإلى ما وضعوه عنه؛ لأنهم جمعوا بين صدهم وهجرهم في أنفسهم وصد غيرهم، فكان شرهم متعديا وبلاؤهم متجاوزا، وشر الشر وأعظم البلاء ما كان كذلك، وفي هؤلاء جاء ما ذكره الإمام ابن القيِّم في كتاب:"إعلام الموقعين" عن حماد بن سلمة ثنا أيوب السختياني عن أبي قلابة عن يزيد بن أبي عميرة عن معاذ بن جبل قال:" تكون فتن فيكثر المال ويفتح القرآن حتى يقرأه الرجل والمرأة والصغير والكبير والمنافق والمؤمن، فيقرؤه الرجل فلا يتبع فيقول: والله لأقرأنه علانيأنه علانية [ فيقرأه علانية ](88) فلا يتبع، فيتخذ مسجدا ويبتدع كلاما ليس من كتاب الله ولا من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإياكم وإيَّاه فإنه بدعة وضلالة."، قاله معاذ ثلاث مرات ا.هـ (89) … وهذا الحديث وإن كان موقوفا على معاذ فهو في حكم المرفوع(90) لأنه إخبار بمغيب مستقبل، وهذا ما كان يعلمه الصحابة ـ رضوان الله تعالى عليهم ـ إلا بتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد تحقق مضمونه في المسلمين منذ أزمانولا حول ولا قوة إلا بالله.)(91)

وبمثل هذا قال السيوطي عند تعريفه للحديث الموقوف؛ فهو يقول: (… قول الصحابي:" كنا نقول أو نفعل كذا " إن لم يضفه إلى زمن النبي صلى الله عليه وسلم فهو موقوف وإن أضافه فالصحيح أنه مرفوع … ومثله بالإخبار عن الأمور الماضية من بدء الخلق وأخبار الأنبياء، والآتية كالملاحم والفتن وأحوال يوم القيامة، وعما يحصل بفعله ثواب مخصوص أو عقاب.)(92)

وتعددت مجالات استشهاده بالحديث الشريف، ومنها: ـ

1ـ بيان معنى الآيات :

يبين ابن باديس معنى قول الله عز وجل: {وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا}(93)، مستشهدا بالحديث الشريف فيقول: ( العامل في أمر تعبدي كالصلاة والصدقة والحج والعلم فهذا إذا لم يرد الآخرة أصلا فهو موزور غير مشكور. وفيه جاء حديث أبي هريرة في الصحيح قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن أول الناس يقضي يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟، قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كذبت، ولكنك قابلت لأن يقال جريء، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل تعلم العلم وعلَّمه وقرأ القرآن فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فماذا عملت فيها؟، قال: تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم وقرأت القرآن ليقال هو قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما علمت فيها؟، قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقي في النار."(94)، وهذا الذي كان من هؤلاء هو الرياء، وهو أن يفعل العبادة ليقال إنه مطيع.)(95)

2ـ بيان معنى المفردات :

ويبين ابن باديس معنى "هونا" في قول الله تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا}(96)، فيقول: (هونا: هان الأمر يهون هونا بمعنى سهل، ومنه:"هو عليَّ هيِّنٌ " أي سهل، وشيء، ويقال: "هيْن" بالتخفيف. ومن صفات المؤمن أنه " هيِّن ليِّن " من الهون بمعنى السهولة في أخلاقه ومعاملته، وفي مسند أحمد عن ابن مسعود مرفوعا: " حرم على النار كل هيِّن ليِّن سهل قريب من الناس."(97)، وهو على ما فسرنا من السهولة في أخلاقه ومعاملته.)(98)

ج - تفسير القرآن بأقوال الصحابة والتابعين :

1ـ بيان معنى الآية:

عند تفسيره لقول الله تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا}(99) يستشهد برأي عمر ابن الخطاب وأم المؤمنين عائشة فيقول: ( ليس من الهون في المشي التثاقل والتماوت فيه، وروي أن عمر ابن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ قال لجماعة رآهم كذلك:" لا تميتوا علينا ديننا أماتكم الله "، وان عائشة ـ رضي الله عنها ـ رأت قوما يتماوتون فسألت عنهم فقيل لها هؤلاء قوم من القراء، فقالت: لقد كان عمر من القراء، وكان إذا مشي أسرع، وإذا تكلم أسمع، وإذا ضرب أوجع، وكان مشيه ـ رضي الله عنه ـ إلى السرعة خلقةً لا تكلفا والخير في الوسط.)(100)

2ـ بيان معنى المفردات :

يبين ابن باديس معنى "لزاما" في قول الله تعالى: {قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا}(101) مستدلا بقول ابن مسعود والحسن البصري فيقول: ( أخرج البخاري في كتاب التفسير عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: خمس قد مضين الدخان والقمر والروم والبطشة واللزام.(102) ورواه في مواضع أخرى من صحيحه … وفسَّر ابن مسعود البطشة الكبرى بيوم بدر، وفسر اللزام به أيضا، فهي في الحقيقة أربعة وعدّها خمسا باعتبار الوصفين البطش والملازمة. وفسر الحسن اللزام بعذاب يوم القيامة، ومن عادة السلف أنهم يفسرون اللفظ بما يدخل في عمومه دون قصد للقصر عليه ولا منافاة حينئذ بين التفسيرين، فيكونون قد توعدوا تكذيبهم بلزوم عذاب الدنيا وعذاب الآخرة.)(103)

د - بعض قضايا علوم القرآن :

1ـ أسباب النزول :

إن بيان سبب النزول يعين المفسر على توضيح معاني الآيات؛ فكثير من آيات القرآن نزل مناسبا لحادثة معينة، يقول ابن باديس عند بيانه للحكمة في نزول القرآن مفرقا: ( من محاسن هذه الشريعة أنها نزلت بالتدريج المناسب … ومن محاسنها نسخ المحكم عند انتهاء المصلحة التي اقتضت تشريعه وانقضاء زمنها لحكم آخر أنسب منه للبقاء في الأزمان كما كان في آيتي المتوفى عنها في سورة البقرة، وما كان ذلك ليتأتى إلا بتفريق الآيات في الإنزال. وكانت الوقائع تقع والحوادث تحدث والشبه تعرض والاعتراضات ترد فكانت الآيات تنزل بما تتطلبه تلك الشبه من رد وتلك الاعتراضات من إبطال، إلى غير ما ذكرنا من مقتضيات نزول الآيات المعروفة بأسباب النزول.)(104)

وعليه فقد استعان ابن باديس ببيان أسباب النزول في تفسير القرآن وتوضيح معانيه، من ذلك ما ذكره عند تفسيره لقول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمَنُ وُدًّا}(105) فيقول: ( كان السابقون الأولون من المؤمنين أول الإسلام بمكة مبغوضين من أهل مكة المشركين، مهجورين منهم مزهودا فيهم، ومن أشد الآلام على النفس وأشقها أن يعيش الإنسان بين قومه مبغوضا مهجورا مزهودا فيه، خصوصا مثل تلك النفوس الحية الأبية، فأنزل الله الآية تأنيسا لأولئك السادة ووعدا لهم بأن تلك الحالة لا تدوم، وأنه سيجعل لهم ودا فيصيرون محبوبين مرغوبا فيهم.)(106)

2ـ المكي والمدني :

من فوائد العلم بالمكي والمدني تمييز الناسخ من المنسوخ؛ فيما إذا وردت آيتان أو آيات من القرآن الكريم في موضوع واحد وكان الحكم في إحدى هاتين الآيتين أو الآيات مخالفا للحكم في غيرها ثم عرف أن بعضها مكي وبعضها مدني فإننا نحكم بأن المدني منها ناسخ للمكي نظرا إلى تأخر المدني عن المكي، ومن فوائده أيضا: معرفة تاريخ التشريع وتدرجه الحكيم.(107)

وجاءت أمثلة تحديد المكي والمدني عند ابن باديس قليلة جدا، من ذلك ما ذكره عند تفسيره لقول الله تعالى: {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا}(108) مبينا أن هذه الآية حيث يقول: ( نزلت هذه الآية بمكة والنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله تعالى عليهم يلقون من المشركين ما يلقون، والمسلمون في ضعف من العدد وقلة، والمشركون غلبتهم وقوتهم وكثرة عددهم فيبطل الشرك ويذهب سلطانه. وقد صدق الله وعده ففتح عليهم مكة، وتمت لهم على المشركين النصرة، وللإشارة إلى إنجاز هذا الوعد وصدق الخبر قرأ النبي صلى الله عليه وسلم الآية يوم فتح مكة.)(109)

3- الحروف المقطعة في فواتح السور:

اختلف أهل التأويل في الحروف التي في أوائل السور، فقال جماعة من المفسرين: هي سر الله في القرآن، ولله في كل كتاب من كتبه سر، فهي من المتشابه الذي أنفرد الله تعالى بعلمه ولا يجب أن يتكلم فيها، ولكن نؤمن بها كما جاءت. وقال جمع من العلماء كبير: بل يجب أن نتكلم فيها، ونلتمس الفوائد التي تحتها، والمعاني التي تتخرج عليها، واختلفوا في ذلك على أقوال عديدة: فروي عن أبن عباس وعلي أيضا أن الحروف المقطعة في القرآن اسم الله الأعظم إلا أنا لا نعرف تأليفه منها وقال قطرب والفراء وغيرهما: هي إشارة إلى حروف الهجاء، أعلم الله بها العرب حين تحداهم بالقرآن أنه مؤتلف من حروف هي التي منها بناء كلامهم، ليكون عجزهم عنه أبلغ في الحجة عليهم إذ لم يخرج عن كلامهم. وقال قوم: روي أن المشركين لما أعرضوا عن سماع القرآن بمكة وقالوا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه نزلت ليستغربوها فيفتحون لها أسماعهم فيسمعون القرآن بعدها فتجب عليهم الحجة، وقال جماعة: هي حروف دالة على أسماء أخذت منها وحذفت بقيتها. وقال زيد بن أسلم: هي أسماء للسور، وقال الكلبي: هي أقسام أقسم الله تعالى بها لشرفها وفضلها وهي من أسمائه. وقيل غير هذا من الأقوال فالله أعلم.(110)

وإلى مثل ذلك أشار ابن باديس عند تفسيره لأول سورة يس~ ، فبين أن للعلماء طريقتان في مثل هذا اللفظ مما افتتحت به بعض سور القرآن، الأولى: أنه لفظ له معنى يعلمه الله، فهو من المتشابه الذي لا يعلمه الراسخون، وإنما يؤمنون به ويردون علمه إلى عالمه. الثانية: أن هذه الفواتح قد فهمت العرب المراد منها، ولذلك لم تعترض على البيان بها، ويوضح اختلاف المتأولين فيها فيقول: ( منهم طائفة تكلمت على كل لفظ من ألفاظ الفواتح وذكرت له معنى، واختلفوا في تلك المعاني التي ذكروها، وهي كما ذكر الإمام ابن العربي:"لا سبيل إلى تمييز واحد منها بدليل لأنه معدوم، ولا بأثر لأنه غير منقول."، ولا تطمئن إلى شيء منها القلوب التي عاشت على اليقين، ولا تسلم واحد منها العقول التي اعتادت قَفْوَ العلم على نور الدليل. ومنهم طائفة أخذتها كلها بوجه واحد، فقال بعض: إنها حروف تنبيه تقرع الأسماع فتلفت السامعين إلى الاستماع والتدبر لما اشتملت عليه من الأحكام والعقائد والآداب وغيرها من مقاصد القرآن … وقال بعضهم: إنها حروف تعجيز وإفحام وتقريع؛ لأن القرآن الذي عجزوا عن معارضته من هذه الحروف وأخواتها تركبت كلماته، فكأنما يقال لهم: ما هذا الذي عجزتم عنه إلا كلام من كلامكم، وما ركبت كلماته إلا مما ركبت منه كلماتكم، وهذا لعجزهم ولتقريعهم أوجع، ومما يؤيد هذا أن أكثر هذه الفواتح ذكر بعده الكتاب المعجز وصفاته.)(111)

هـ - الجانب الفقـهي :

1ـ أصول الفقه :

لاستنباط الأحكام الفقهية من النصوص يحتاج الفقيه إلى علم أصول الفقه الذي يشتمل على قواعد عامة بمقتضاها تفهم النصوص الشرعية وتصبح صالحة للدلالة على أحكام شرعية معينة. ولا غنى للمفسر عن معرفة هذه القواعد كذلك؛ حتى يتمكن من فهم آيات القرآن المتضمنة للأحكام ومن ثم يمكنه تفسيرها وبيان أحكامها.

وقد تضمن تفسير ابن باديس كثيرا من القواعد الأصولية، من ذلك ما ذكره عند تفسيره لقول الله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا}(112)، حيث يقول: ( جاء أسلوب هذه الآيات تدرجا من الخاص إلى العام؛ فقتل الأولاد قتل للنفس التي حرم الله، والزنا كالقتل للنفس كما قدمناه. وجيء هنا بالنهي الصريح عن قتل النفس، وأكد مقتضى النهي بوصف النفس بقوله "التي حرّم الله"، والتحريم هو المنع، فحرّم الله معناه منع الله، والتقدير حرّم الله قتلها، فحذف لدلالة " لا تقتلوا" عليه، فالنهي عنه هو القتل، والمحرم هو القتل، فتأكد المنع بالنهي والتحريم. وفي إسناد التحريم إلى الله بعث للنفوس على الخشية من الإقدام على المخالفة، وتنبيه لها على ما يكفها عن الإقدام، وهو استشعار عظمة الله.)(113)

ومن القواعد الفقهية التي ذكرها ابن باديس في تفسيره قول الأصوليين: "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب "، يقول الشوكاني: (وقد أطلق جماعة من أهل الأصول أن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وحكوا ذلك إجماعا.)(114)، ويقول السبكي: ( فالصحيح الذي عليه الجمهور وبه جزم في الكتاب أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب)(115)، وبمثل ذلك قال ابن باديس عند تفسيره لقول الله تعالى: {وَلَا تَقْتُلوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا}(116)، مبينا عموم حكم الآية فيقول: ( العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، والحكم يعم بعموم اللفظ، كما أن ذكر سبب القتل في الآية لا يقتضي التخصيص لأنه ذكر لتصوير الحال الذي كانوا عليه؛ فالقتل حرام لأي سبب كان.)(117)

2ـ قضايا فقهية :

تناول ابن باديس كثيرا من القضايا الفقهية في تفسيره، وخاصة تلك التي تتعلق بأحوال المجتمع الإسلامي في عصره، من هذه القضايا قضية الحجاب بالنسبة للمرأة وخروجها للعمل، وقضية ولاية المرأة، وحكم المجتهد إذا أفتى مستندا إلى ما يفيد الظن من أخبار الآحاد، والقصاص، والزواج، وغيرها من القضايا الفقهية. ونتناول من هذه القضايا قضيتين اثنتين للتمثيل على كيفية معالجته للقضايا الفقهية:

- ولايـة المرأة :

يتوقف ابن باديس عند قول الله تعالى: { إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ }(118) فيبين حكم الإسلام في ولاية المرأة قائلا: ( ثبت عن النبي T أنه قال: " لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة"(119)، قاله لما بلغه أن الفرس ملكوا عليهم امرأة. فاقتضى هذا أن لا تلي المرأة ولاية لا إمارة ولا قضاء، وأيدت هذا النصَّ الصحيح السنةٌ العملية فأخذ به جمهور أئمة الإسلام، وجاءت روايات عليلة عن بعضهم لم يلتفت إليها ولم يعمل بها.)(120)

ثم يعلل رأيه قائلا: ( لا تصلح المرأة للولاية من ناحية خلقتها النفسية، فقد أعطيت من الرقة والعطف والرأفة ما أضعف فيها الحزم والصرامة اللازمين للولاية، وفي اشتغالها بالولاية إخلال بوظيفتها الطبيعية الاجتماعية التي لا يقوم مقامها فيها سواها، وهي القيام على مملكة البيت وتدبير شئونه، وحفظ النسل بالاعتناء بالحمل والولادة وتربية الأولاد.)(121)

ويرد ابن باديس على من يقول: إن في تاريخ الأمة الإسلامية نساء تولين الحكم وازدهر ملك قومهن في عهدهن كشجرة الدر في مصر في العصر الأيوبي، فيقول: ( هذا اعتراض بأمر واقع ولكنه لا يرد علينا؛ لأن الفلاح المنفي هو الفلاح في لسان الشرع، وهو تحصيل خير الدنيا والآخرة، ولا يلزم من ازدهار الملك أن يكون القوم في مرضاة الله، ومن لم يكن في طاعة الله فليس من المفلحين ولو كان في أحسن حال فيما يبدو من أمر دنياه، على أن أكثر من ولوا أمرهم امرأة من المم إذا قابلهم مثلهم كانت عاقبتهم أن يغلبوا.)(122)

- القِصَـاص:

يبين ابن باديس أحكام القصاص عند تفسيره لقول الله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا}(123) فيقول: (بين تعالى بقوله:"إلا بالحق" أن القتل المحرم هو القتل بالباطل، وأن القتل بالحق ليس بمنهي عنه. وبين الحق في الحديث الصحيح بقوله T " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الزاني الثيِّب، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة "(124)، في غير هذه الثلاث أو يقال يتقدم هذا الحصر في الورود عليها، وهذا القتل الحق لا يتولاه أفراد الناس في بعضهم وإنما يتولاه الإمام الذي إليه القيام بتنفيذ الأحكام وفصل الحقوق … وأعظم ما يكف الشخص عن نفس أخيه خوفه على نفسه، فلذلك شرع الله تعالى القصاص بين النفوس، وبيَّن تعالى ذلك بقوله:"ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا" المظلوم من قتل عمدا عدوانا، والولي هو القريب، والسلطان هو التسلط، والمعنى: ومن قتل عمدا عدوانا فقد جعلنا لقريبه تسلطا بتمكينه من القصاص … وكفاء النفس نفس فلا يقتل إلا القاتل بما قتل دون غيره ودون تمثيل به، وبيَّن تعالى هذا بقوله:"فلا يسرف في القتل" أي: لا يتجاوز القصاص المشروع، لأن الإسراف ظلم ومثير للحفائظ فينسلل الشر.)(125)

ويستنكر ابن باديس أن يأخذ أهل القتيل قصاصه بأيديهم لأن ذلك من اختصاص الولي الذي جعل الله هذا السلطان، وهذا الفعل يسمى في صعيد مصر بالثأر، وهي عادة مرفوضة في الإسلام بنص القرآن؛ يقول ابن باديس: ( الموتور هو من قُتل قريبه، ولفقد القريب لوعة ربما تذهب بالنفس إلى شر غاية، فذكر بقوله تعالى:"إنه كان منصورا"، فإن قريب المقتول قد نصره الله بما جعل له من القصاص، فإذا لم يستوف له في الدنيا استوفى له في الأخرى.)(126)

ثانيا - المعقـول في تفسـير ابن بـاديس:

أ : الجانب الكلامي:

تعرض ابن باديس للعديد من المسائل الكلامية، التي تدل على غزارة معرفته واتساع أفقه، وكان في كل ما ذهب إليه من آراء موافقا لمذهب أهل السنة والجماعة وإن لم يصرح بذلك، ومن أهم المسائل التي تعرض لها:

- الصفات الإلهية :

البحث حول الذات الإلهية وما يتعلق بها من الصفات والأفعال هو أهم مقاصد علم الكلام، ، أو كل مقصوده عند البعض، والصـفات الإلهية أهـم تلك المباحث، وحولها اختلفت آراء المتكلمين إثباتا أو تعطيلا وتحقيقا أو تأويلا.(127) ، وقد عالج ابن باديس في هذا الجانب جملة من المسائل المتعلقة بصفات الله سبحانه؛ كحقيقة وجوده، ووحدانيته، وتنزيهه، وإرادته، وعلمه وقدرته، من ذلك ما ذكره عند تفسيره لقول الله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي}(128) يتحدث عن وجود الله سبحانه ووحدانيته فيقول: ( الاعتراف بوجود خالق للكون يكاد يكون غريزة مركوزة في الفطرة، ويكاد لا تكون لمنكريه ـ عنادا ـ نسبة عددية بين البشر. ولكن أكثر المعترفين بوجوده قد نسبوا إليه ما لا يجوز عليه ولا يليق بجلاله من الصاحبة والولد والمادة والصورة والحلول والشريك في التصرف في الكون والشريك في التوجه والضراعة إليه والسؤال منه والاتكال عليه.)(129)

وعند تفسيره لقول الله تعالى: { لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا}(130) يتحدث عن توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية فيقول: (وجيء باسم الرب في مقام الأمر بقصر العبادة عليه تنبيها على أن الذي يستحق العبادة هو من له الربوبية بالخلق والتدبير والملك والإنعام، وليس ذلك إلا له فلا يستحق العبادة بأنواعها سواه. فهو تنبيه بوحدانية الربوبية التي من مقتضاها انفراده بالخلق والأمر … وكما انتظمت هذه الجملة توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية كذلك انتظمت مع الآية السابقة التوحيد العلمي والتوحيد العملي؛ فالأولى: نهي عن أن تُعتقد الألوهيةُ لسواه، وهو يتضمن النهي عن اعتقاد ربوبية سواه، وهذا ممن باب العلم. والثانية: أمر بأن تكون عبادتك مقصورة عليه لأنه هو ربك وحده، وهذا من باب العمل. فمن وحَّد الله جل جلاله في ربوبيته وألوهيته علما وعملا فقد استكمل حظه من مقام هذا الأساس العظيم.)(131)

- الشـفاعة :

اختلفت الآراء حول قضية شفاعة النبي T في أمته يوم القيامة، ودام هذا الاختلاف حتى عصرنا الحاضر بين مثبت وناف، وكان لابن باديس رأيه في هذه القضية، وقبل أن نبين رأيه هذا يجب التنبيه على أن موقفه في كل أمور الغيب والشفاعة منها تتوقف عند قبول الروايات الصحيحة ولا تتعداها فهو يقول: ( أحوال ما بعد الموت كلها من الغيب فلا نقول فيها إلا ما كان لنا به علم بما جاء في القرآن العظيم أو ثبت في الحديث الصحيح. وقد كثرت في تفاصيلها الأخبار من الروايات مما ليس بثابت، فلا يجوز الالتفات إلى شيء من ذلك. ومثل هذا كل ما كان من عالم الغيب مثل الملائكة والجن والعرش والكرسي واللوح والقلم وأشراط الساعة وما لم يصل إليه علم البشر.)(132)، وأما حديثه عن الشفاعة وكون الرسول صلى الله عليه وسلم هو المخصوص بها دون سائر الخلق فقد ذكره عند تفسيره لقول الله تعالى: {وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا}(133)، حيث يقول: ( المقام المحمود هو مقامه صلى الله عليه وسلم للشفاعة العظمى، يشفع للخلائق وقد جهدوا من كرب الموقف فجاءوا إلى كبراء الرسل عليهم الصلاة والسلام يسألونهم أن يشفعوا لهم إلى ربهم ليفصل القضاء ويريحهم من كرب الموقف، فيتدافع الشفاعة أولئك الرسل صلوات الله عليهم، ويتنصلون منها بأعذار رهيبة للرب جلّ جلاله حتى ينتهوا إليه T فيتقدم فيشفع ويسأل فيُعطى، كما جاء هذا مفصلا في الأحاديث الصحيحة المستفيضة … ثم له صلى الله عليه وسلم بعد هذه الشفاعة العظمى شفاعات أخرى بينتها صحاح الأحاديث.)(134)

- حكم تارك الصلاة :

للعلماء آراء كثيرة في تارك الصلاة عامدا أو متكاسلا، يقول البغدادي: (وقد بلغ من تعظيم شأن الصلاة أن بعض الفقهاء أفتى بكفر من ينكرها عامدا وإن لم يستحل تركها، كما ذهب إليه أحمد بن حنبل، وقال الشافعي بوجوب قتل تاركها عمدا وإن لم يحكم بكفره إذا تركها كسلا لا استحلالا، وقال أبو حنيفة بحبس تارك الصلاة وتعذيبه إلى أن يصلى.)(135)

وهذا هو رأي أهل السنة وإلى مثله أشار ابن باديس عند تفسيره لقول الله تعالى: {أَقِمْ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا}(136) حيث يقول: ( قد قال بكفر تارك الصلاة جماعات كثيرة سلفا وخلفا مستدلين بحديث جابر وحديث بُرَيْدة الصريحين في كفره، وذهبت جماعة أخرى كذلك إلى عدم كفره على عظم جرمه مستدلين بحديث عبادة بن الصامت المتقدم الصريح في جعله ف يالمشيئة، والكافر مقطوع له بدخول النار، ويجيبون عن حديث جابر وبريدة بأن المراد من كفر تارك الصلاة هو الكفر العملي، والكفر قسمان: اعتقادي وهو الذي يضاد الإيمان، وكفر عمل وهو لا يضاد الإيمان، ومنه كفر تارك الصلاة غير المستحل للترك، وكفر من لم يحكم بما أنزل الله كذلك. وبهذا يجمع بين الأحاديث. وكفى زاجرا للمرء عن ترك الصلاة أن يختلف في إيمانه هذا الاختلاف.)(137)

ويتعرض ابن باديس لمسألتين أصوليتين عند تفسيره لقول الله تعالى: {إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ}(138)

الأولى- هل لقاتل النفس ظلما وعدوانا من توبة ؟

طرح ابن باديس هذا السؤال وأخذ في جوابه متتبعا أقوال الصحابة والتابعين وأئمة الفقه وعلماء الكلام فيه، فقال: ( ذهب ابن عباس في المشهور عنه الذي رواه الشيخان وغيرهما أنه لا توبة له، وقال في هذه الآية: إنها نزلت في المشركين … فأما من دخل في الإسلام وعقله ثم قتل فلا توبة له، وقال في هذه الآية: إنها آية مكية نسختها آية مدنية وهي آية النساء:"وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا"(139)، ومراده بالنسخ التخصص، يعني أن لفظة "من" في "إلا من تاب" عامة تشمل القاتل فتقتضي بعمومها أن له توبة، وأن آية النساء التي جاءت في القاتل خصصتها وأخرجته من عمومها … وذهب جمهور السلف وأهل السنة إلى أن للقاتل توبة، ونظروا في هذه الآية إلى عموم لفظها لا إلى خصوص سبب نزولها، وجعلوا عموم "ومن يقتل" في آية النساء مخصصا بـ "من تاب" المستثنى في هذه الآية، فابن عباس خصص "من تاب" بـ " من يَقْتُل" وهم عكسوا فخصصوا "من يقتل" بـ "من تاب"، ويرجح تخصيصهم العمومات الدالة على قبول التوبة من كل مذنب، مثل قوله تعالى:"وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرْ اللَّهَ يَجِدْ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا"(140)، وقوله:" وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنْ السَّيِّئَاتِ "(141)، وقوله:"وَقَابِلِ التَّوْبِ"(142)، وحديث:"التائب من الذنب كمن لا ذنب له"(143) في عمومات كثيرة، والظواهر إذا كثرت تفيد القطع.)(144)

الثانية - هل يخرج غير التائب من النار ؟

يقول ابن باديس: ( استثنى الله من مضاعفة العذاب والخلود فيه مهانا، فبقي غير التائب للخلود. والخلود كما قدمنا في الآية السابقة طول البقاء ولا يقتضي التأبيد، فقد يكون معه التأبيد وقد لا يكون، فمع التأبيد لا خروج ومع عدمه الخروج. وغير التائب الذي بقي للخلود المطلق في الآية هو المشرك والقاتل والزاني، فأما المشرك فلا خروج له من النار لقوله تعالى:"إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ"(145)، وأما القاتل والزاني إذا كانا من أهل الإيمان فإنهما يخرجان بعد شديد العذاب بما معهما من الإيمان لأحاديث صحيحة … وهذا من عدل الله ورحمته؛ فإنه أذاقهم من العذاب الشديد والهوان المخزي جزاءهم، ثم أخرجهم من النار وما أضاع عليهم إيمانهم.)(146)

- يرد على غلاة المتصوفة :

وجه ابن باديس بعض اهتمامه في تفسيره للرد على غلاة المتصوفة، ومدح المعتدلين منهم، فهو يرى أن التصوف الحق هو ما يدفع صاحبه للعمل الجاد على إصلاح مجتمعه، وأسس هذا التصوف يجب أن ترجع إلى الكتاب والسنة والتأسي بالصحابة رضوان الله عليهم والسلف الصالح، فنجده مثلا عند تفسيره لقول الله تعالى: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا}(147) يقول : ( التزوج وطلب النسل هو السنة، سنة النبي T وسنة أصحابه عليهم الرضوان، وسنة عباد الرحمن، وليس من شريعته الحنفية السمحة الرهبانية والتبتل، وقد رأى قوم من الزهاد رجحان الانقطاع إلى العبادة على التزوج والاشتغال بالسعي على الزوج والذرية فرد عليهم أئمة الدين والفتوى بأن في التزوج اتباعا للسنة وفي السعي على الأهل ما هو من أعظم العبادة، وفي التزوج تكثير سواد الأمة والمدافعين عن الملة والقائمين بمصالح الدين والدنيا، وفي هذا ما فيه من الأجر والمثوبة. وفي التبتل مخالفة السنة وانقطاع النسل وضعف الأمة وتعطيل المصالح وخراب العمران، وكفى بهذا كله شرا وفسادا.)(148)

ويزعم بعض المتصوفة أنهم يعبدون الله تعالى لا خوفا من ناره ولا طمعا في جنته ولكن محبة فيه فقط، فيرد عليهم ابن باديس زعمهم هذا مبينا أن مبدأ الثواب والعقاب مبدأ تربوي وضعه الله تعالى، وإلا ما خلق الجنة ولا خلق النار، فعند تفسيره لقول الله تعالى: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا}(149) فيقول:( زعم قوم أن أكمل أحوال العباد أن يعبد الله تعالى لا طمعا في جنته ولا خوفا من ناره، وهذه الآية وغيرها رد قاطع عليهم … وزعموا أن كمال التعظيم لله ينافيه أن تكون العبادة معها خوف من عقابه أو طمع في ثوابه، و أخطئوا فيما زعموا؛ فإن العبادة مبناها الخضوع والذل والافتقار والشعور بالحاجة والاضطرار وإظهار العبد هذه العبودية بأتمها، ومن أتم مظهر لها أن يخاف ويطمع كما يذل ويخضع؛ ففي إظهار كمال نقص العبودية القيام بحق التعظيم والإجلال للربوبية، ولهذا كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام هم أشد الخلق تعظيما لله، ومن أكثرهم خوفا من الله، وتعوذا من عذاب الله، وسؤالا لما عند الله. وكفى بهم حجة وقدوة، وإن هذه المقالة تكاد تفضي إلى طرح الرجاء والخوف، وعليهم مبنى الأعمال لما فيهما من ظهور العبودية بالذل والاحتياج.)(150)

ب - الجـانب اللغـوي :

للغة دور كبير في تفسير النص القرآني وتوضيح معناه، وإذا ما استعرضنا تفسير ابن باديس وجدناه يفسر القرآن وألفاظه تفسيرا لغويا، مستمدا تفسيره من المعنى الوضعي للكلمة واستعمالاتها في اللغة، فعند تفسيره لقول الله تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا}(151)، يقول: ( تبارك: مادة برك كلها ترجع إلى الثبوت، منها بروك الإبل استناختها، والبِرْكَة كالقِرْبَة مثل الحوض يثبت فيها الماء، والبركاء الثبات في الحرب، ومنها البَرَكَة بمعنى الزيادة، ولا ينمو ويزيد إلا ما كان ثابت الأصل، وشأن ثابت الأصل أن ينمو ويزيد، فلم تخرج عن الثبوت، وتبارك من البَرَكَة، فمعناه تزايد خيره، والله تعالى له الكمال ومنه الإنعام فتبارك أي تزايد كماله وإنعامه فلا تحصى إنعاماته ولا تحد كمالاته، وثبوت الكمال ينافي وينفي ضده، فيقتضي التنزه عن النقص.)(152)

ونراه يستدل بأقوال العرب لبيان معاني المفردات؛ فمثلا يفسر كلمة"محسورا" في قول الله تعالى: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا}(153) بقوله: ( والمحسور: المتعب المضنى الذي انكشفت عنه القوة ولم تبق به قدرة على شيء. تقول العرب: حسرت البعير، أي أنضيته وأتعبته بالسير حتى لم يبق به قدرة عليه، والجمل لا يقطع الطريق ويصل إلى الغاية إلا إذا حافظ صاحبه على ما فيه من قوة فسار به سيرا وسيطا … ولكن لما كان المحسور هو الذي ذهبت قوته فلا قدرة له على شيء، فقد نقول إن البخيل أيضا مبغوض من الناس مخذول منهم، فلا يجد في ملماته معينا ولا في نوائبه معزيا، فهو أيضا ضعيف الجانب لا قوة له.)(154)

ويتعرض ابن ياديس لبيان معاني بعض حروف الجر واستخداماتها في أكثر من موضع، من ذلك بيانه لمعاني حرف الجر "مِنْ "، فعند تفسيره لقول الله تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ}(155)، يقول: ("مِنْ" لابتداء الغاية أو للتبعيض؛ لأنه نزل مبعضا، فكل بعض نزل منه فهو شفاء ورحمة.)(156)

ويستخدم ابن باديس معرفته بمعاني " إلى" واستخداماتها ليبين حكما فقهيا في قول الله تعالى: {أَقِمْ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا}(157)، فيقول: ( أفادت اللام السببية أن ميل الشمس سبب في وجوب الصلاة، وإلى عند التجرد عن القرائن لا يدخل ما بعدها في حكم ما قبلها، لكن هنا قامت القرينة الشرعية ـ وهي مشروعية الصلاة في الليل ـ على أن ما بعد إلى داخل في حكم ما قبلها، فهو محل أيضا لإقامة الصلاة فيه.)(158)

وأما عن استخدامات الأبنية الصرفية فقد ساق ابن باديس أكثر من مثال على ذلك، فعند تفسيره لقول الله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً}(159)، يتحدث عن صيغة التضعيف "فعَّل" فيقول: ("نُزِّل" : يأتي مرادفا لأنزل، والتضعيف أخو الهمزة، ويأتي مفيدا للتكثير فيفيد تكرر النزول وتجديده. وخرج على هذا قوله تعالى:"نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ"(160)، وأما هنا فلا يصلح حمله على التكثير المفيد للتدريج لئلا يناقض قولهم جملة واحدة، فيكون من التضعيف المرادف للهمزة. وعندي أن "نزَّل" المضاعف يَرِد لكثرة الفعل ولقوته، فجاء لكثرته في آية آل عمران المتقدمة، وجاء لقوته في هذه الآية؛ لأن إنزال الجملة مرةواحدة أقوى من إنزال كل جزء من الأجزاء بمفرده.)(161)

ويحرص ابن باديس على بيان الفروق اللغوية بين الألفاظ المتشابهة، فعند تفسيره لقول الله تعالى: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيل}(162)، يوضح الفرق بين الفقير والمسكين وهي من الفروق اللغوية الدقيقة فيقول: ( قد ذكر في آية الزكاة الفقير والمسكين، والحق أنهما متغايران، والراجح أن الفقير من له بلغة لا تكفيه، والمسكين من لا شيء له، فهو أشد حالا من الفقير، ولذا لما أريد هنا ذكر أحدهما اقتصر عليه تنبيها بالأعلى في الفقر على الأدنى، فالمراد أهل الفقر ولحاجة كلهم.)(163)

وتظهر براعة ابن باديس النحوية في استخدامه إعراب الآيات كوسيلة مساعدة لتفسير القرآن وبيان معانيه، فمثلا عند تفسيره لقول الله تعالى: {قلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا}(164)، يقول: ( جواب "لولا " محذوف لدلالة ما تقدم، وتقدير الكلام: لولا دعاؤكم ما عبا بكم، وجملة " فقد كذبتم " واقعة موقع التعليل لكلام مقدر تقديره ـ والله أعلم ـ : لا يعبأ بكم فقد كذبتم، أي: لأنكم قد كذبتم، فالفاء تعليلية، وأما جملة " فسوف يكون " فمتسببة عما قبلها، فالفاء فيها سببية، وضمير يكون عائد على العذاب المفهوم من المقام.)(165)

ج - الصور البلاغية :

تعرض ابن باديس لمباحث بلاغية عديدة في تفسيره، منها:

- الإيجاز :

هو جمع المعاني الكثيرة في الألفاظ القليلة، وهو نوعان: إيجاز الحذف ويكون بحذف قسم من العبارة مع وجود قرينة تميز القسم المحذوف. والثاني: إيجاز القصر وهو أداء المعاني الكثيرة بأقل قدر ممكن من الألفاظ. (166)

ومن أمثلته ما ذكره عند تفسيره لقول الله تعالى: {لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا ـ إلى ـ وَلَا تَجْعلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا}(167)، قائلا: ( قد أوتي رسول الله صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم، واختصر له الكلام اختصارا، فالآية من كتاب الله والأثر من حديث رسول الله تجد فيه من أصول الهداية ودقيق العلم ولطيف الإشارة في لفظ قليل وكلام بيِّن ما فيه الكفاية وفوق الكفاية لمن أوتي العلم ومنح التوفيق. فهذه ثمان عشرة آية من سورة الإسراء قد أتت في إيجاز ووضوح على أصول الهداية الإسلامية كلها، وأحاطت بأسباب السعادة في الدارين من جميع وجوهها. وهي فوق بلاغتها التي عرف العرب أعجازها بسليقتهم وأدركه علماء البيان بعلمهم ومرانهم قد جاءت معجزة للخلق من أي جنس كانوا وبأي لغة نطقوا بما جمعت من أصول الهداية التي تدركها الفطر وتسلمها العقول. وإنك لست واجدا مثلها في مقدارها وأضعاف مقدارها من كلام الخلق بجمع ما جمعت من هدي وبيان، وهذا أحد وجوه إعجاز القرآن العامة التي تقوم بها حجته على الناس أجمعين.)(168)

- الإطنـاب :

وهو الإشباع في القول وترديد الألفاظ المترادفة على المعنى الواحد.(169)، وهو إما بالإيضاح بعد الإيهام ليرى المعنى في صورتين مختلفتين أو ليتمكن في النفس فضل تمكن، أو لتكمل اللذة بالعلم به، أو لتفخيم الأمر وتعظيمه.(170)

ومن أمثلته في تفسير ابن باديس ما ذكره عند تفسيره لقول الله تعالى: {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا}(171) حيث يقول: (جملة "إن الباطل كان زهوقا" إطناب بالتذييل.)(172)

وعند تفسيره لقول الله تعالى: {كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا}(173) يبين الإيجاز الواقع في هذه الآية بعد الإطناب الواقع في الآيات قبلها فيقول: ( إن الغاية التي يسعى إليها كل عاقل هي السعادة الحقة، وإن التكاليف الإسلامية كلها شرعت لسوقه إليها، ولما كانت أصولها قد تضمنتها الآيات السابقة أمرا ونهيا بطريق الإطناب والتفصيل أعيد الحديث عنها في هذه الآية بالإيجاز والإجمال قصدا للتأكيد وتقرير هذه الأصول العظيمة في النفوس، مع اشتمال هذه الآية الموجزة على ما لم يشتمل عليه ما تقدمها.)(174)

- الاستعارة المكنية :

هي تشبيه حذف منه وجه الشبه والأداة، واستبدل المشبه به بشيء من لوازمه، وذكر فيه المشبه فقط. ومن أمثلتها ما ذكره عند تفسيره لقول الله تعالى: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ}(175)، حيث يقول: (مضى فيما تقدم أدب القول، وهذا أدب الفعل وبيان الحال التي يكون عليهما؛ فالوالدتان عند ولدهما في كنفه كالفراخ الضعيفة المحتاجة للقوت والدفء والراحة، وولدهما يقوم لهما بالسعي كما يسعى الطائر لفراخه، ويحيطهما بحنوه وعطفه كما يحيط الطائر فراخه، فشبَّه الولد في سعيه وحنوه وعطفه على والديه بالطائر في ذلك كله على فراخه، وحذف المشبه به وأشير إليه بشيء يلازمه وهو خفض؛ لأن الطائر هو ذو الجناح، وإنما يخفض جناحه حنوا وعطفا وحياطة لفراخه، فيكون في الكلام استعارة بالكناية.)(176)

- الاستعارة التمثيلية :

هي استعمال اللفظ المركب في غير ما وضع له لعلاقة المشابهة مع وجود قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي. ومثالها ما ذكره ابن باديس عند تفسيره لقول الله تعالى: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا}(177) حيث يقول: ( شبِّهت حالة وهيئة البخيل المسيك الذي لا يكاد يرشح بشيء ولا يقدر لبخله على إخراج شيء من ماله بحالة وهيئة الذي جعل يده مغلولة مجموعة بغل إلى عنقه، فذاك لا تتوجه نفسه للبذل ولا تمتد يده لعطاء، وهذا لا تعتد يده للتصرف. ونقل الكلام المركب الدال على المشبه به فاستعمل في المشبه على طريق الاستعارة التمثيلية لتقبيح حالة البخيل … وشبِّهت حالة المسرف الذي لا يبقى على شيء بحالة الشخص الباسط لكفَّيْه فلا يمسكان عليه من شيء، فذلك يملك المال ولكنه يسرفه لا يبقى له منه شيء، وهذا قد يمر الشيء على يده ولكنه لا يبقى فيها شيء، ونقل المركب الدال على المشبه به إلى المشبه استعارة تمثيلية أيضا.)(178)

- المجاز المرسل :

هو استعمال اللفظ المركب في غير ما وضع له لعلاقة غير المشابهة، مع وجود قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي. ومثاله ما ذكره عند تفسيره لقول الله تعالى: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ}(179)، حيث يقول: ( "وجعلنا آية النهار مبصرة" فقد وضعت كذلك من أول خلقها مبصرة يبصر بها، والإسناد مجازي، كما تقول: لسان مُتَكَلِّم، أي: مُتَكَلَّم به، فيسند الشيء إلى ما يكون به من آلة وسبب.)(180)

- الكنايـة :

هي لفظ أريد لازم معناه مع قرينة لا تمنع من إرادة المعنى الأصلي. ومثالها ما ذكره عند تفسيره لقول الله تعالى: {وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمْ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا}(181)، حيث يقول: ( وقوله "تُعْرِضَنَّ " من الإعراض وهو الانصراف عن الشيء، وهو هنا كناية عن عدم العطاء، لأن من يأبى أن يعطي يعرض بوجهه ولو قليلا، ولما كان الإعراض كناية عن عدم العطاء فإنه يشمل عدم العطاء عند السؤال الذي قد يكون معه الإعراض بالفعل ولو قليلا، ويشمل عدم العطاء لمن هو أهل لأن يعطى مع عدم وجود السؤال.)(182)

د - الإعجـاز العلـمي :

عني كثير من العلماء في العصر الحاضر ببيان وجوه الإعجاز العلمي في القرآن، متتبعين الآيات التي تحوي في مضمونها حقائق علمية توصل العلماء التجريبيين إليها في العصر الحديث، وظهر ما يسمى بالتفسير العلمي للقرآن في محاولة لفهم عبارات القرآن الكريم في ضوء ما أثبته العلم، والكشف عن سر من أسرار إعجازه.(183)

وكان ابن باديس من هؤلاء العلماء الذين اهتموا ببيان جانب الإعجاز العلمي في القرآن كما اهتموا ببيان الإعجاز البياني، فعند تفسيره لقول الله تعالى: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا}(184)، يبين وجه الإعجاز العلمي في هذه الآية فيقول: ( فتفيد الآية أن القمر كان مضيئا ثم أزيل ضوءه فصار مظلما، وقد تقرر في علم الهيئة أن القمر جرم مظلم يأتيه نوره من الشمس. واتفق علماء الفلك في العصر الحديث بعد الاكتشافات والبحوث العلمية أن جرم القمر ـ كالأرض ـ كان منذ أحقاب طويلة وملايين السنين شديد الحمو والحرارة ثم برد، فكانت إضاءته في أزمان حموه وزالت لما برد. لنقف خاشعين متذكرين أمام معجزة القرآن العلمية، ذلك الكتاب الذي جعله الله حجة لنبيه T وبرهانا لدينه على البشر مهما ترقوا في العلم وتقدموا في العرفان. فإن ظلام جرم القمر لم يكن معروفا أيام نزول الآية عند الأمم إلا أفرادا قليلين من علماء الفلك، وأن حمو جرمه أولا وزواله بالبرود ثانيا ما عرف إلا في هذا العهد الأخير، والذي تلا هذه الآية وأعلن هذه الحقائق العلمية منذ نحو أربعة عشر قرنا، نبيٌّ أمّيٌّ أمّيّةً كانت في ذلك العهد أبعد الأمم عن العلم، فلم يكن ليعلم هذا ويقوله إلا بوحي من الله الذي خلق الخلائق.)(185)

وعند تفسيره للآيات الأولى من سورة يس~ يقول: ( العقيدة الثانية: القرآن كلام الله ووحيه، ودليلها أنه حكيم؛ فما فيه من العلم وأصول العمل لا يمكن أن يكون إلا من عند الله في عقائده ودلائلها وأحكامها وحكمها وآدابه وفوائدها، إلى ما فيه من حقائق كونية كانت مجهولة عند جميع البشر وما عرفت لهم إلا في هذا العصر الخير، ومن أشهرها مسألة الزوجية الموجودة في جميع هذا الكون حتى أصغر جزء منه وهو الجوهر الفرد المركب من قوتين موجبة وسالبة، وجاءت هذه المسألة في آيات كثيرة منها قوله تعالى: "وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْن لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ"(186)، ومنها مسألة حياة النبات التي جاءت في مثل قوله تعالى: "وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ"(187)، ومنها مسألة تلاقح النباتات بواسطة الرياح التي تنقل مادة التكوين من الذكر إلى الأنثى، جاءت في آيات كثيرة منها قوله تعالى:"وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ"(188)، فهذه حقائق علمية كونية أجمع علماء العصر أنها من المكتشفات الحديثة، ولم تكن معلومة عند أحد من الخلق قبل اكتشافها، ولا كانت عندهم الآلات الموصلة إلى معرفتها.)(189)

خـاتـمة

وبعد: ففي نهاية المطاف يمكننا القول إن تفسير ابن باديس على الرغم من قلة حجم ما وصلنا منه إلا أنه أعطانا صورة كاملة عن كيفية توظيفه لفهمه للقرآن الكريم، وتوجيه تفسيره وجهة عصرية تتواءم مع روح العصر الذي يعيشه، واتباع منهج مدرسة التفسير الحديثة التي تزعمها الإمام محمد عبده وأخذت على عاتقها بعث روح التجديد في فهم القرآن الكريم وتنزيله للتطبيق على أرض الواقع، ومسايرة التقدم العلمي والمعرفي والحضاري الذي يعيشه المفسر.

وبيَّن البحث أن الإمام عبد الحميد ابن باديس يُعَدُّ من الأئمة المجددين الباعثين روح النهضة في الأمة على أسس القرآن وهدايته، ويرجع ذلك إلى أمرين:

الأول: نظره في القرآن على أنه كتاب هداية وإعجاز ومنهج حياة، وفيه كل الحلول لمشكلات المجتمع وأفراده.

الثاني: معالجته للقضايا الجزئية التي تهم الأفراد، ومحاولة الغوص معهم في مشكلاتهم وهمومهم، وإيجاد الحلول لها من القرآن الكريم، ثم الانطلاق من هذه الجزئيات إلى معالجة القضايا الكلية التي تخدم المجتمع ككل.

وقد تميز تفسير ابن باديس من حيث الشكل بالوضوح والسهولة واختيار التعبير الذي يتلاءم مع عقلية المتلقي أو القارئ. ومن حيث المضمون اهتم بإبراز الصور اللغوية والقواعد النحوية، وتوظيف التفسير توظيفا يخدم المجتمع وأفراده.

هذا، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.


الحــواشي

(45) الإتقان في علوم القرآن : جلال الدين السيوطي، طبع دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى 1987، 2/175.

(46) ابن باديس حياته و|آثاره : 1/501.

(47) سورة الإسراء : الآية 58.

(48) سورة الأعراف : الآية 34.

(49) سورة الأنبياء : الآية 11.

(50) سورة الأعراف : الآية 128.

(51) سورة النحل : الآية 112.

(52) سورة الكهف : الآية 59.

(53) ابن باديس حياته وآثاره : 1/295.

(54) سورة الإسراء : الآية 34.

(55) سورة طه : الآية 115.

(56) ابن باديس حياته وآثاره : 1/260.

(57) سورة الإسراء : الآية 24.

(58) سورة آل عمران : الآية 123.

(59) سورة المائدة : الآية 54.

(60) سورة الجاثية : الآية 23.

(61) سورة القمر : الآية 3.

(62) ابن باديس حياته وآثاره : 1/219، 220.

(63) سورة الفرقان : الآية 32.

(64) سورة النمل : الآية 46.

(65) سورة النور : الآية 13.

(66) ابن باديس حياته وآثاره : 1/413.

(67) نفسه : 1/409.

(68) سور الإسراء : الآية 78.

(69) هذا الحديث رواه الإمام مالك في الموطأ في باب الأمر بالوتر ونصه: (وحدثني عن مالك عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان عن بن محيريز أن رجلا من بني كنانة يدعى المخدجي سمع رجلا بالشام يكنى أبا محمد يقول: إن الوتر واجب، فقال المخدجي: فرحت إلى عبادة بن الصامت فاعترضت له وهو رائح إلى المسجد، فأخبرته بالذي قال أبو محمد، فقال عبادة: كذب أبو محمد؛ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "خمس صلوات كتبهن الله عز وجل على العباد فمن جاء بهن لم يضيع منهن شيئا استخفافا بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة") موطأ الإمام مالك، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، طبع دار إحياء التراث العربي، بيروت (د. ت)، 1 / 123.

(70) الحديث رواه الإمام مسلم بهذا اللفظ في باب" المشي إلى الصلاة تُمحى به الخطايا وتُرفع به الدرجات"، ورواه الإمام البخاري في باب "الصلوات الخمس كفارة"، ونصه: (حدثنا إبراهيم بن حمزة قال: حدثني بن أبي حازم والداروردي عن يزيد عن محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه صلى الله عليه وسلم كل يوم خمسا ما تقول ذلك يبقي من درنه؟، قالوا: لا يُبقي من درنه شيئا، قال: فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بها الخطايا.") صحيح البخاري، تحقيق مصطفى ديب البغا، طبع دار ابن كثير ، بيروت، الطبعة الثالثة 1987م، 1 / 197.

(71) رواه مسلم في صحيحه في باب "بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة"، ينظر صحيح مسلم، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، طبع دار إحياء التراث العربي ، بيروت، (د.ت)، 1/87.

(72) ابن باديس حياته وآثاره : 1/311. وانظر أمثلة أخرى 1/185، 310، 366.

(73) سورة النحل : الآية 125.

(74) ورد الحديث كاملا في صحيح مسلم ، باب "التغليظ في ترك الجمعة" ، ونصه : ( وحدثني محمد بن المثنى حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم، ويقول: بعثت أنا والساعة كهاتين ويقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى، ويقول: أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدى هدى محمد، وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة، ثم يقول: أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، من ترك مالا فلأهله، ومن ترك دينا أو ضياعا فإليَّ وعليَّ.) صحيح مسلم : 2 / 592.

(75) ابن باديس حياته وآثاره : 1/188. وينظر كذلك 1 / 251، 262.

(76) سورة مريم : الآية 96.

(77) صحيح مسلم باب "إذا أحب الله عبدا حببه إلى عباده"، 4/2030.

(78) رواه الطبراني بسنده عن ثوبان في المعجم الأوسط في باب "من اسمه أحمد"، ونصه: (عن ثوبان عن النبي قال: إن العبد يلتمس مرضاة فلا يزال كذلك فيقول الله: يا جبريل إن عبدي فلانا يلتمس أن يرضيني فرضائي عليه، قال فيقول جبريل: رحمة الله على فلان، وتقول حملة العرش، ويقول الذين يلونهم حتى يقوله أهل السماوات السبع، ثم يهبط إلى الأرض، فقال رسول الله: وهي الآية التي أنزل الله عليكم في كتابه :"إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا"، وإن العبد ليلتمس سخط الله فيقول: يا جبريل إن فلانا يسخطني، إلا وإن غضبي عليه، فيقول جبريل: غضب الله على فلان، ويقول حملة العرش، ويقول من دونهم، حتى يقوله أهل السماوات السبع، ثم يهبط إلى الأرض.) المعجم الأوسط للطبراني: تحقيق طارق عوض الله محمد، طبع دار الحرمين، القاهرة، 1415هـ ، 2/ 57،58.

(79) ابن باديس حياته وآثاره : 1/343.

(80) سورة الفرقان : الآية 51.

(81) صحيح مسلم : كتاب "المساجد ومواضع الصلاة" 1/370 ، 371.

(82) ابن باديس حياته وآثاره : 1/426.

(83) سورة النمل : الآية 17.

(84) ابن باديس حياته وآثاره : 2/26.

(85) إتقان ما يحسن مـن الأخبار الدائرة على الألسن : محمد بن محمد الغزي، تحقيق خليل محمد العربي، مكتبة الفاروق الحديثة، القاهرة، الطبعة الأولى 1415هـ، 1/381.

(86) التمهيد : ابن عبد البر النمري، تحقيق مصطفى العلوي ومحمد البكري، طبع وزارة عموم الأوقاف والشئون الإسلامية بالمغرب، 1387هـ، 1/118.

(87) سورة الفرقان : الآية 30.

(88) سقط من النص المطبوع وهو وارد في نص الحديث المذكور في إعلام الموقعين.

(89) إعلام الموقعين عن رب العالمين : أبو عبد الله ابن القيم، تحقيق طه عبد الرؤوف سعد، طبع دار الجيل، بيروت، 1973م، 1/60.

(90) الحديث المرفوع هو: (ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم خاصة من قول أو فعل أو تقرير سواء أكان متصلا أو منقطعا ). والحديث الموقوف هو: (ما روي عن الصحابي من قوله أو فعله أو نحو ذلك متصلا كان أو منقطعا.) ينظر المنهل الروي : ابن جماعة، تحقيق محيي الدين رمضان، طبع دار الفكر، دمشق، الطبعة الثانية 1406هـ ، 1/40.

(91) ابن باديس حياته وآثاره : 1/409، 410.

(92) تدريب الراوي في شرح تقريب النووي: جلال الدين السيوطي، تحقيق نظر محمد الفاريابي، نشر مكتبة الكوثر، الرياض، الطبعة الأولى 1994م، 1/164.

(93) سورة الإسراء : الآية 19.

(94) روي في صحيح مسلم باب "من قاتل للرياء والسمعة استحق النار" 3/1513.

(95) ابن باديس حياته وآثاره : 1/205.

(96) سورة الفرقان : الآية 63.

(97) مسند أحمد : أحمد بن حنبل، طبع مؤسسة قرطبة، مصر ( د.ت)، 1/415.

(98) ابن باديس حياته وآثاره : 1/436.

(99) سورة الفرقان : الآية 63.

(100) ابن باديس حياته وآثاره : 1/ 439.

(101) سورة الفرقان : الآية 77.

(102) رواه البخاري في كتاب التفسير (تفسير سورة الفرقان 4/1785 ، تفسير سورة الدخان 4/1825) .

(103) ابن باديس حياته وآثاره : 1/504.

(104) نفسه : 1/417.

(105) سورة مريم : الآية 96.

(106) ابن باديس حياته وآثاره : 1/341.

(107) مناهل العرفان : محمد عبد العظيم الزرقاني ، طبع دار الفكر، بيروت ، الطبعة الأولى 1996م، 1/137.

(108) سورة الإسراء : الآية 81.

(109) ابن باديس حياته وآثاره : 1/325.

(110) الجامع لأحكام القرآن : أبو عبد الله القرطبي، تحقيق أحمد عبد العليم البردوني، طبع دار الشعب ، القاهرة، الطبعة الثانية 1372هـ، 1/155 (بتصرف).

(111) ابن باديس حياته وآثاره : 2/57.

(112) سورة الإسراء: الآية 33.

(113) ابن باديس حياته وآثاره : 1/256.

(114) إرشاد الفحول : محمد بن علي الشوكاني، تحقيق محمد سعيد البدري، طبع دار الفكر، بيروت، الطبعة الثانية 1972م، 1/ 230.

(115) الإبهاج : علي بن عبد الكافي السبكي، طبع دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى 1404هـ ، 2/ 185.

(116) سورة الإسراء : الآية 31.

(117) ابن باديس حياته وآثاره : 1/ 254.

(118) سورة النمل : الآية 23.

(119) رواه البخاري في صحيحه في باب " كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى كسرى وقيصر"، ونصه: (حدثنا عثمان بن الهيثم حدثنا عوف عن الحسن عن أبي بكرة قال: لقد نفعني الله بكلمة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام الجمل بعد ما كدت أن ألحق بأصحاب الجمل فأقاتل معهم قال لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهل فارس قد ملكوا عليهم بنت كسرى قال لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة.) ( 1 /1610 ).

(120) ابن باديس حياته وآثاره : 2/43.

(121) ، (122) نفسه : 2 / 44.

(123) سورة الإسراء : الآية 33.

(124) رواه مسلم في صحيحه في باب "ما يباح به دم المسلم"، ونصه: ( حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا حفص بن غياث وأبو معاوية ووكيع عن الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزان، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة.) ( 3 / 1302 )

(125) ، (126) ابن باديس حياته وآثاره : 1/ 257.

(127) ينظر المدخل إلى دراسة علم الكلام: حسن محمود الشافعي، نشر مكتبة وهبة، الطبعة الثانية 1991م، ص31.

(128) سورة يوسف : الآية 108.

(129) ابن باديس حياته وآثاره : 1/178.

(130) سورة الإسراء : الآية 22.

(131) ابن باديس حياته وآثاره : 1/ 218.

(132) نفسه : 1/ 273.

(133) سورة الإسراء : الآية 79.

(134) ابن باديس حياته وآثاره : 1/ 317.

(135) الفرق بين الفرق وبيان الفرقة الناجية : عبد القاهر البغدادي، طبع دار الآفاق الجديدة، بيروت، الطبعة الثانية 1977م، 1/133.

(136) سورة الإسراء : الآية 78.

(137) ابن باديس حياته وآثاره : 1/312.

(138) سورة الفرقان : الآية 70.

(139) سورة النساء : الآية 93.

(140) سورة النساء : الآية 110.

(141) سورة الشورى : الآية 25.

(142) سورة غافر : الآية 3.

(143) ينظر الحديث في المعجم الكبير : أبو القاسم الطبراني، تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي، نشر مكتبة العلوم والحكم، الموصل، الطبعة الثانية 1983م، 10/150.

(144) ابن باديس حياته وآثاره : 1 / 479.

(145) سورة النساء : الآية 116.

(146) ابن باديس حياته وآثاره : 1 / 478.

(147) سورة الفرقان : الآية 74.

(148) ابن باديس حياته وآثاره : 1 / 495.

(149) سورة الفرقان : الآية 65.

(150) ابن باديس حياته وآثاره : 1 / 445.

(151) سورة الفرقان : الآية 1.

(152) ابن باديس حياته وآثاره : 1/377.

(153) سورة الإسراء : الآية 29.

(154) ابن باديس حياته وآثاره 1/247.

(155) سورة الإسراء : الآية 82.

(156) ابن باديس حياته وآثاره : 1 / 327.

(157) سورة الإسراء : الآية 78.

(158) ابن باديس حياته وآثاره : 1 / 308.

(159) سورة الفرقان : الآية 32.

(160) سورة آل عمران : الآية 3.

(161) ابن باديس حياته وآثاره : 1 / 414.

(162) سورة الإسراء : الآية 26.

(163) ابن باديس حياته وآثاره : 1 / 241.

(164) سورة الفرقان : الآية 77.

(165) ابن باديس حياته وآثاره : 1 / 503.

(166) ينظر الجامع لفنون اللغة العربية والعروض : عرفان مطرجي، طبع مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، الطبعة الأولى 1987م، 83 ـ 86.

(167) سورة الإسراء : من الآية 22 إلى الآية 39.

(168) ابن باديس حياته وآثاره : 1 / 215.

(169) ينظر صبح الأعشى في صناعة الإنشا : أحمد بن علي القلقشندي، تحقيق يوسف علي طويل، طبع دار الفكر، دمشق، الطبعة الأولى 1987م، 2 /360.

(170) ينظر الإيضاح في علوم البلاغة : أبو عبد الله القزويني، طبع دار إحياء العلوم، بيروت، الطبعة الرابعة 1998م، 1 / 186.

(171) سورة الإسراء : الآية 81.

(172) ابن باديس حياته وآثاره : 1 / 324.

(173) سورة الإسراء : الآية 38.

(174) ابن باديس حياته وآثاره : 1 / 277.

(175) سورة الإسراء : الآية 24.

(176) ابن باديس حياته وآثاره : 1 / 228.

(177) سورة الإسراء : الآية 29.

(178) ابن باديس حياته وآثاره : 1 / 246.

(179) سورة الإسراء : الآية 12.

(180) ابن باديس حياته وآثاره : 1 / 196.

(181) سورة الإسراء : الآية 28.

(182) ابن باديس حياته وآثاره : 1 / 244.

(183) ينظر التفسير العلمي للقرآن الكريم في الميزان : أحمد أبو حجر، طبع دار قتيبة، بيروت، الطبعة الأولى 1991م، ص 87.

(184) سورة الإسراء : الآية 12.

(185) ابن باديس حياته وآثاره : 1 / 196.

(186) سورة الذاريات : الآية 49.

(187) سورة الأنبياء : الآية 30.

(188) سورة الحجر : الآية 22.

(189) ابن باديس حياته وآثاره : 2 / 65، 66.

د. ياسر عطية عطية الصعيدي

أستاذ اللغة العربية والدراسات الإسلامية المساعد

قسم اللغة العربية -كلية الآداب- جامعة المنيا بمصر

آخر التغريدات: