السعيد الزاهري… الإعلامي المنصف بالإكبار

السعيد الزاهري… الإعلامي المنصف بالإكبار

بقلم: د.محمد بغداد –

في سنة 1956، اغتيل محمد السعيد الزاهري، في شوارع العاصمة، ليسجل اسمه في سجل شخصيات الجزائر البارزة، في القرن العشرين، وفي حميم هذا الاغتيال، طوت صفحات رجل مهم في الذاكرة الوطنية، وتجاهلته الأجيال دون أن تبذل ما يناسب مسيرة وجهاد الرجل، ما يناسب تلك المكانة العالية التي حازها، ويبدو أن الشهيد محمد السعيد الزاهري، لم تناصبه الأجيال الجديدة بغضاء التجاهل والتواري، بل ورثت تلك السلوكات من تلك الأجيال التى سبقتها.

بسرعة غادر محمد السعيد الزاهري مسقط رأسه مدينة بسكرة، لينتقل إلى جامع الزيتونة بتونس، الذي نال منه شهادة التطويع بعد أربعة أعوام من الدراسة، وحصل مع شهادة التطويع على مستويات راقية من المعرفة والعلوم، تحول إلى أحد أهم الطلبة، الذين درسوا في جامع الزيتونة، لما امتاز به من الذكاء والرغبة في المعرفة، والحرص على امتلاك ناصية العلوم، ومعها حاز علاقات اجتماعية وثقافية مهمة في المجتمع النخبوي التونسي، الذي ظفر منه بتلك المهارات الفنية والتقنية، التي كانت منتشرة فيه وبالذات المهارات والفنون الإعلامية، التي ساهمت في ترقية مستواه الفكري، وجعلته إعلاميا متمكنا من فنون الصحافة.

بمجرد عودته إلى الجزائر، سارع محمد السعيد الزاهري، إلى مباشرة تنفيذ مهاراته الإعلامية، فقام بتأسيس جريدة جريدة “الجزائر”، التي اختار لها الزاهري شعار (الجزائر للجزائريين)، وبعدها جريدة “البرق”، وذلك قبل تأسيس جمعية العلماء المسلمين، وهي الجرائد التي أعجب بها كثير ابن باديس، وانبهر بأسلوبها الإعلامي المميز، الأمر الذي جعل ابن باديس، يوكل له مهمة إدارة جريدتي”السنة” و”الصراط” ، ولكن بالرغم من قدراته الثقافية المميزة، والأدبية الراقية، وأسلوبه الخطابي المميز، ومهاراته الإعلامية، لم يتمكن محمد السعيد الزاهري من الوصول إلى الانخراط في عضوية الهيئات القيادية لجمعية العلماء المسلمين، ولم يصل إلا في الجمعية العامة الانتخابية الثانية للجمعية، أين عين عضوا مستشارا للجمعية، وهي أرقى رتبة وصل إليها محمد السعيد الزاهري.

في منتصف الثلاثينات، يكون محمد السعيد الزاهري، قد فهم رسالة جمعية العلماء، وتأكد من استحالة السماح له بالوصول إلى هيئاتها القيادية، الأمر الذي جعله ينعطف بمسار حياته نحو الفضاءات الأخرى، وبالذات السياسية منها، ويعمل على تجسيد مهاراته الثقافية والفكرية والإعلامية، وهنا شرع محمد السعيد الزاهري، في الانسحاب الصامت من جمعية العلماء، فقرر الانضمام إلى الجهاز الدعائي لحزب حركة الانتصار للحريات الديمقراطية، كمحرر في جريدة “المغرب العربي” وجريدة “عصا موسى”، مستعيدا نشاطه السياسي، الذي شرع فيه مع حزب الشعب من قبل بقيادة مصالي الحاج، الذي بقي وفيا لخطه ومنهجه السياسي، حتى بعد قيام الثورة التحريرية.

إن الاجماع الذي حصل عليه محمد السعيد الزاهري، من عبارات الإعجاب بقدراته العلمية ومهاراته الإعلامية، والثناء على قدراته الأدبية والانبهار بأسلوبه الاتصالي، جعل من جمعية العلماء المسلمين، تستفيد منها في فتح أبواب الطريق والتبشير بمشروعها، في منطقة الغرب الجزائري، وهي المهام التي نجح فيها محمد السعيد الزاهري، في وقت قصير وبقليل تكلفة، وفي نفس الوقت اعتمدت على مهاراته الإعلامية في تسيير مؤسساتها الصحفية، وضمان نجاحها دون أن تسمح بفتح الطريق أمامه للوصول إلى هيئاتها القيادية، التي بقيت أبوابها موصدة في وجهه.

من جهتها، النخب السياسية انتبهت إلى طاقات محمد السعيد الزاهري، فسعت إلى استغلالها والاستثمار فيها والاستفادة منها، والاعتماد عليها في تبليغ رسالتها، خاصة وأن محمد السعيد الزاهري، يمتلك مفاتيح النجاح التي كانت النخب السياسية تفتقد إلى أغلبها، وعبره حققت الكثير من الإنجازات، دون أن تمكن الرجل من الانتقال إلى تلك المستويات التي يعبر فيها عن أرائه وأفكاره القيادية، التي اكتسب خبراتها ومهاراتها، من محطاته التعليمية والاتصالية من قبل.

آخر التغريدات: