جمعية العلماء ومفاتيح السؤال

جمعية العلماء ومفاتيح السؤال

بقلم: د. محمد بغداد -

محطات ثلاث، قادرة على كشف الكثير من المستور في جزء هام من مكونات تاريخ الجزائر الحديث، وبالذات في جمعية العلماء المسلمين، التي لا تزال تسيطر على زمام صراعات مؤلمة تنبجس في بعض المنعرجات ،كون ان يستند النقاش على تاريخ مكتوب وموثق، بعيدا عن الإيديولوجيات الصراعية، التي تساهم في تمديد عمر النقاش، الذي تكون صفته الأساسية أنه يجرى خارج التاريخ.

مفاجأة اللقاء

في سنة 1913 وبالتحديد في المسجد النبوي بالمدينة المنورة، كان اول لقاء بين الشيخ عبد الحميد ابن باديس والشيخ البشير الإبراهيمي، وهو اللقاء الذي كان نتيجة صدفة، فلم يسبق للرجلين اللقاء من قبل، وكل واحد منهما ذهب إلى الحجاز بقرار الهجرة وعدم العودة إلى الجزائرٍ، وتحرص رواية تاريخية وحيدة على جعل لقاء المسجد النبوي بين الرجلين، يمتد لشهر كامل من بعد صلاة العشاء إلى صلاة الصبح، تكون نتيجته انقلاب موقفهما من الهجرة إلى العودة إلى الجزائر، والاتفاق على العمل المشترك في المستقبل، دون تحديد هوية أو طبيعة أو معالم هذا المشروع.

ولم يلتق ابن باديس والإبراهيمي، بعد جلسات المسجد النبوي، إلا بعد سبعة عشر عاما، خاض كل واحد منها تجارب متنوعة وفي مواقع متباينة، ولا تسعفنا الكتابات التاريخية عن الكثير من التفاصيل عن هذه المرحلة، مما يجعلها قادرة على إضافة الكثير من التشنج المعرفي والغبش الثقافي، في المقاربة التاريخية لجمعية العلماء.

غموض المسارات

أهم ما يجلب الانتباه في تفاصيل تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، أن الذي انتخب رئيسا لها، لم يحضر اجتماعات التأسيس وحضر بعدما تم تأسيسها في نادي الترقي، دون ان تظهر تاريخيا أسباب غياب ابن باديس عن الموعد، فقط ما هو متوفر مجرد تبريرات لا تملك من مواصفات الحقيقة، فهل يعقل أن يكون من دعا إلى تأسيس جمعية للعلماء الجزائريين غائبا عن خطوات تأسيسها، وحضور الاجتماع الذي يطلق هذا المشروع، وباستحضار أجواء الثلاثينات من القرن الماضي، نواجه مشكلة تبين مسارات الشخصيات المؤسسة للجمعية، التي لم يسبق أن التقت أو تعارفت أو شكلت توجها معينا، لنكون امام اتفاق غير مسبوق على الأقل على مستوى الخطوط العريضة لمشروع الجمعية.

فالمؤسسون لم يسبق لهم أن التقوا من قبل، ولا يعرف لهم نضال في هيكل من هياكل التنظيم المتعارف عليه، دون أن تتوفر لديهم امكانيات اللقاء والتواصل قبل هذا الموعد، خاصة وان الميولات الفكرية والانتماءات الإيديولوجية لهؤلاء متباينة، فبعضهم قادم من المدارس المشرقية والآخر من المؤسسات التقليدية المحلية، وبعض من موظفي الادارة الاستعمارية، والبعض من التيار الصوفي (الطرقي) ، فكيف يمكن القبول بمنطق اتفاق هؤلاء على مشروع مشترك، وهم في قمة الاختلاف والتناقض الفكري والاجتماعي.

انبجاس التأسيس

من خلال التركيبة التأسيسية لجمعية العلماء، والهيئة الأولى التى قادتها، نجد انفسنا أمام ملاحظتين هامتين بإمكانهما صعق المتابع لحجم غياب التأريخ، أولهما أن جمعية العلماء، ظهرت براسين الاول المجلس الاداري (المكتب الوطني) واللجنة الدائمة (الهيئة المسيرة) وهي القيادة التي تكونت من ثلاثة عشر عضوا، قسمت المهام بينهم بين المهام القيادية(عبد الحميد بن باديس الرئيس ومحمد البشير الإبراهيمي نائب الرئيس ومحمد الأمين العمودي الكاتب العام والطيب العقبي نائب الكاتب العام، ومبارك الميلي أمين المال، وإبراهيم بيوض نائب أمين المال، والمستشارين، المولود الحافظي والطيب المهاجي ومولاي بن شريف والسعيد اليجري وحسن الطرابلسي وعبد القادر القاسمي ومحمد الفضيل)، والمهام التنفيذية، (عمر إسماعيل ومحمد المهدي وآيت سي أحمد عبد العزيز و محمد الزميلي والحاج عمر العنق)، إن هذه الثنائية في قيادة الجمعية لا يكفي لتبريرها العامل الجغرافي المتمثل في الإقامة في العاصمة وخارجها، فقد تولى المقيمون بالعاصمة الإدارة الفعلية للجمعية، من خلال اللجنة الدائمة وأعضاؤها ينتمون إلى التيار الصوفي (الطرقي)، وتولى المهام العليا المقيمون خارج العاصمة الذين لا ينتمون إلى التيار الصوفي (الطرقي)، وقد تولت اللجنة الدائمة القيام بالإجراءات القانونية للتأسيس وضمان انطلاق جمعية العلماء، في الوقت الذي انصرفت جماعة بن باديس إلى مدنهم تاركين الجمعية في العاصمة، بين أيدي التيار الصوفي (الطرقي).

آخر التغريدات: