مالك بن نبي )4) وجهة العالم الإسلامي

مالك بن نبي )4) وجهة العالم الإسلامي

بقلم نورالدين بوكروح - ترجمة عبدالحميد بن حسان -

شهد شهر مارس من سنة 1950 في مدينة تبسّة حدثا خطيرا سُجِّلَ في التاريخ تحت تسمية “المؤامرة”. فقد باشرت الشرطة الاستعمارية، بناءً على معلومات اسْتَقَتْها من مُخْبِرِيها، حملةً من الاعتقالات طالت مئات الأشخاص المنتمين إلى المنظمة الخاصة، وهي الجناح المسلح لحزب الشعب الجزائري (PPA). وكان أحمد بن بلة، وآخرون ممن سيلعبون دورا كبيرا في اندلاع ثورة التحرير في 1 نوفمبر 1954 مِن بين مَنْ تمّ اعتقاله في هذه الحملة. ورغم أنَّ مالك بن نبي كان بعيدا كلَّ البعد عن هذه المسألة فقد تمّ اعتقاله في تبسة، ثُمَّ أُطلِق سراحه بعد استنطاقه.

ولم تكن هذه هي الحادثة الأولى التي جرت له مع الشرطة الفرنسية. فقد تمَّ اعتقاله رفقة زوجته بتاريخ 18 أوت 1944 في فرنسا، وَوُضِعا في مُحتشد بناحية لواري Loiret، ولم يُطلق سراحهما إلاَّ في 16 أفريل 1945، ثُمّ أُعيدَ سَجنُهما مُجَدَّداً في شارتر Chartres  من 10 أكتوبر 1945 إلى 10 ماي 1946. ومنذ ذلك التاريخ لم تتوقف الشرطة عن مُضايقته حتى هاجر إلى مصر في مطلع سنة 1956.

في هذه الأثناء كان مالك بن نبي منهمكا في تأليف كتاب جديد عنوانه “وجهة العالم الإسلامي” (Vocation de l’islam)، وهو الكتاب الذي وصفه صاحبه بأنه “العمل الذي كان يُفترض أنْ يكون عُصارة عمري“. وقد أَذِنَ بنشر بعض الأوراق القيّمة في جريدة La République algérienne  في الفترة ما بين 1950 و 1951. وقد قام بذلك بغية إنقاذ أهمِّ ما في كتابه، ومَنْ يدري؟ فقد يُباغته الموت من حين لآخر (وهذه الفكرة خامرَتْه كثيرا، وسنعرف أسباب ذلك في وقت لاحق).

والواقع أنه قام بنشر الكتاب كاملا إذا أضفنا ما نُشِرَ في جريدة Le jeune musulman (1)، وهي أسبوعية باللغة الفرنسية، ناطقة باسم جمعية العلماء المسلمين الجزائريين. وكان يُفترض أن يُعنْوَنَ الكتاب بـ“البُنى التَّحْتية للمجتمع الإسلامي الحديث” بالنظر إلى أنَّ المقتطفات نُشِرت تحت هذا العنوان الشامل. وكان الدكتور عبد العزيز خالدي، وهو صديق مالك بن نبي ومُقدِّم كتاب “شروط النهضة”، هو الذي اقترح عليه العنوان الجديد. وجاء الإهداء بهذه الصيغة: “إلى سي محمد خطاب، كشهادة على الوفاء، وإلى أخي الدكتور خالدي الذي يدين له هذا الكتاب بعنوانه، ويدين له صاحبه بالكثير”.

ولم تقم دار نشر Le Seuil  ـ التي كانت بحوزتها مخطوطة هذا الكتاب منذ حوالي ثلاث سنوات ـ بنشره إلاَّ في سبتمبر 1954. ويتكوّن هذا العمل من تمهيد وستة أجزاء عناوينها: مجتمع ما بعد الموحّدين، النهضة، فوضى العالم الإسلاميّ الحديث، فوضى العالم الغربي، الطرق الجديدة، بواكير العالم الإسلامي، وخاتمة معنونة بالمآل الروحي لعالم الإسلام. وإذا كان كتاب “شروط النهضة”، 1949) قد كُتِب “من أجل إبراز الشروط التي لا بد أن يستجيب لها الفرد خدمةً لحضارةٍ ما “، فإنَّ كتاب “وجهة العالم الإسلامي” ينكبُّ على “دراسة التطورالحديث للمجتمع المسلم بالإشارة إلى الروابط الفعلية أو الممكنة بين التطور والحركة العامة للتاريخ الإنسانيّ“. فلقد سبق أن تساءل مالك بن نبي في الفقرات الأخيرة من كتاب “شروط النهضة”  قائلاً : “أيُمْكِنُ لعصرنا هذا أنْ يُنتج حضارة تشمل الإنسانية قاطبة، ولا تنحصر في شعب واحد أو تكتّل واحد؟”

يجيب مالك بن نبي هنا بأنّ ذلك هو المخرج الوحيد الذي بقي للإنسانية التي نَجَتْ مرتين من الكارثة العظمى في غضون ربع قرن فقط، لكنها لن تنجو من الثالثة التي سيُسْتعمل فيها السلاح النووي حتماً: “لم يَعُدْ هناك أيُّ معنى للمسافات في ظلّ التقنية. فلا تَبَاعُدَ بين الشعوب غير التباعد الثقافي. لقد ألغى العلم المسافات الجغرافية بين الناس، لكن هوات شاسعة بقيت بين ضمائرهم. فهناك تناقض في الأحداث والأفكار. وإذا كان من الصواب القول إنّ الأرض أصبحت كرةً ضيقة، سهلة الاشتعال، بحيث إذا اشتعلت نار في شرق الأرض انتقلت في الحين إلى غربها. لم يَعُدْ بالإمكان الفصل بين المشاكل وحلولها، كأنْ نسلك مسلك النزعة الأوروبيةeuropéanisme  من جهة، ونمارس الاستعمار من جهة أخرى… وهكذا تبدأ صفحة جديدة من التاريخ، والتي عنوانها: على الإنسانية أن تتوحّد أو تزول“.

كَتَبَ مالك بن نبي مقالا في 11 نوفمبر 1949 تحت عنوان”قطيعات وتواصلات ضرورية” Ruptures et contacts nécessaires )، وكان ذلك بخمس سنوات قبل صدور “وجهة العالم الإسلامي”. جاء في المقال”ابتداءً من الآن أصبح فكرنا في احتكاك مع محوريْن: محور الحياة الروحية الإسلامية، ومحور التِّقانة الديكارتية. علينا أن نُعِدَّ تقييما لنهضتنا آخذين بعين الاعتبار هذين المحورين معاً… ولا شك أنه سيكون لزاما علينا إعداد عملية تركيبية واسعة النطاق إذا حصل لنا الوقوف على محور مشترك يسير عليه الفكر الإنساني. ذلك أن مصيرنا ابتداءً من الآن يجب أن يتحقق في بُعدِهِ العالمي الشامل، إذْ كُلُّ طرفٍ يجب عليه أن يحقق  “الإنسان الشامل”omnihomme) حسب قول دوستويافسكي(Dostoïevski) ، أو “مُواطن العالم” Citoyen du monde) على حدّ تعبير جاري ديفيس Garry Davis“.

إنّ عنوان هذا الكتاب يطرح عدة أسئلة، وهي نفس الأسئلة التي تُطرح اليوم برُبع قرن بعد ظهور الكتاب. تلك الأسئلة هي : ما هي مكانة الإسلام والمسلمين في العالم؟ كيف للإنسان أن يعيش مسلما مع المحافظة على التناغم مع الأوطان الثقافات والأديان الأخرى؟ هل حُكِمَ على الإسلام ألاَّ يكون إلاَّ منتصرا أو منهزماً؟ ألا يوجد هناك مسلك آخر غير هذا المسلك الذي يتابع فيه الإسلام طريقه وحيداً في انتظار أن يخضع الآخرون لشعائره ويتبنَّوا رؤيته للعالم؟ أليس المشكل في هذه الرؤية ذاتها؟

إنَّ مالك بن نبي لا يطرح هذه الأسئلة بصريح العبارة، لكنّه يطرحها ضمنيّاً، ونحن نخمِّنُ أنه عادةً ما يطرحها. وكان  للفشل الذي مُنِيَتْ به النهضة بالغ الأثر في إقناعه بأنه لم يعُد من الممكن أن يكون مصير العالم الإسلاميِّ مصيرا منفرداً. ومن جهة أخرى، فإنّ الفوضى الأخلاقية التي يتخبَّط فيها الغرب لا تستدعي أيّ تنازل. فالإنسان الغربي يبدو له ناقصا من الناحية الروحية، والإنسان المسلم يبدو له ناقصا من الناحية الاجتماعية. إنّه بإزاء فرضية ونقيضها، وهو يريد أن يخرج منهما بنتيجة هي الاتجاه العالمي perspective mondialiste ، ويبدو أن مالك بن نبي هو أول مَنْ استعمل هذه الكلمة التي اشتُقَّ منها مصطلح العولمة. فقد استعمل عبارة “مسارالعولمة”processus de mondialisation) منذ سنة 19499، وهذا المفهوم لم يكن يبدو له كعملية عملاقة يتمّ فيها مزج وامتصاص مختلف الأوطان، لكنه كان ينظر إليه على أنه نظام متعدد الأطراف يتم اختراعه بمشاركة جماعية. أليس من الحق الاعتراف بأننا لا زلنا اليوم بعيدين عن هذا الحلم ؟

مالك بن نبي كان يرى أنه ليس بإمكان المسلمين أن ينافسوا الغرب في ميادين العلم والتكنولوجيا أو القوة. فعليهم أن يتخصصوا في مجال آخر، وهذا في إطار تقسيم تاريخي للمهام. وواضح، بالنظر إلى امتيازاتهم المستقاة بالمقارنة مع غيرهم، أنّ تخصصهم لا يمكن أن يكون إلاّ في المجال الروحيّ، وفي الأخلاق، والقيم الإنسانية. لكن هذه المهمة، أو هذا التخصص، لا يتماشى مع حالتهم الاجتماعية والسياسية. فيجب أن يبدؤوا بإصلاح أنفسهم ذهنيا، سياسيا واقتصاديا كي يرقوا إلى مصاف البلدان المتقدمة ويصْبُوا إلى احتلال مرتبة القدوة. إنّ هذا الدور في المجال الروحي يتمثل أولاً في رتبة “الشهادة”.

ذلك أنّ الشهادة هي المهمة الأولى التي أُسنِدَتْ إلى الإسلام والمسلمين، ومالك بن نبي لم يكن يرى نفسه إلاّ بهذه الصورة. فكل أعماله كانت تستجيب لهذا المطلب الأخلاقي، وهذا ما جعله يختار لمذكراته عنوان” مذكرات شاهد على القرن”. يقول: “إن التاريخ يبدأ بالإنسان المتكامل الذي يُطابق بين عمله من جهة وأفكاره واحتياجاته من جهة أخرى، والذي يتكفل بأداء مهمته المزدوجة المتمثلة في العمل والشهادة على غيره… إنّ العالم الإسلامي ليس جماعة منعزلة قادرة على أداء مهامها بمعزل عن الغير. فما هو إلاّ جزء من مأساة الإنسان كفاعل وكشاهد. وهذه المهمة المزدوجة تفرض عليه أن يُساير المصير الذي يتجه إليه العالم، من الناحية الروحية والمادية على السّواء. ولكي يندمج هذا العالم الإسلامي اندماجاً فعليا وفعّالاً في سيرورة التطوّر العالميّ عليه أن يعرف العالم، ويعرف ذاته، ويُعرِّفَ بنفسه، وينكبّ على تقييم القيم الخاصة به والقيم المكوّنة للتراث الإنسانيّ”.

قليلون هم المفكرون المسلمون الذين حاولوا تحليل الحضارة الغربية تحليلاً عميقاً، فمعظمهم اكتفى بإصدار أحكام تقريبية أو انتقادات لاذعة. وقد أتيح لكثير من الشخصيات الإسلامية خلال القرنين الماضيين أن تقيم في فرنسا أو بريطانيا أو ألمانيا أو الولايات المتحدة، ولفترات مُتفاوتة الطول. وكمثال عن ذلك رفاعة الطهطاوي وعياض الطنطاوي وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ومصطفى كمال باشا وطه حسين ومحمد إقبال وسيد قطب، وغيرهم. لكنهم لم يعودوا من سفرهم بنفس النتائج، ولم يستفيدوا نفس الدروس والعِبَر كما فعل مالك بن نبي. فلا أحد من المشارقة تمكّن من تحليل نفسية الإنسان الغربي وفَهْمِ مَراميها البعيدة، ولا تكلّم عن هذا الشأن كما فعل بن نبي.

وممّن ألًف كتابا حول تجربته في الغرب ـ من المشارقة ـ : المصريان رفاعة الطهطاوي(2)  وعياض الطنطاوي(3) ، والسوري أحمد فارس الشدياق(4) و التونسي خير الدين باشا(5). لكنّ مالك بن نبي يبقى هوأحسن من عرف الغرب لأنه عايشه بمشاعره ولم يكتفِ بمجاورته أو التأمل فيه من الخارج. لقد تغلغل في أعماق الغرب بفضل دراساته وزواجه وعلاقاته وقراءاته، وبفضل طول المدة التي أقام بها في فرنسا. إن صوت الحضارتين، الغربية والإسلامية، قد قرع سمعه داعيا إياه للانكباب على دراستهما لما لهما من اتصال مباشر بحياته…

فهو الذي عاش دوماً في كنفهما وبينهما. ومن بين أعمال مالك بن نبي كلها، يُعدّ كتاب “وجهة العالم الإسلامي” بحقٍّ مساحةً للمقارنة بين هاتين الحضارتين. فمنذ أنْ وطئتْ قدماه أرض فرنسا سنة 1930 راح يمعن النظر في الذات الفرنسية ، يحلل أفكارها ويفكر في موقفها تُجاهّ المسلمين. يقول:”عندما حطَّ الإنسان الأوروبيّ رحاله في العالم الإسلامي في بداية القرن الماضي، لم يحمل معه من الخُلُق المسيحيِّ إلاّ بعض التدابير التي تدعو إليها الذات المسيحية، تلك الذات التي تبدو جميلة لمن ينظر إليها من الداخل ـ أي انطلاقا من نقطة تماس فضائلها الجوهرية ـ لكن هذه الذات ستبقى منغلقة وممنوعة على المسلمين. وبالفعل، فإنّ الذات المسيحية في تعاملها مع العالم الإسلامي، هي ذات المستعمر الذي لا زالت في أذنه حكايات سمعها خلال السهرات العائلية عن جنات عدن التي تنتظره في المستعمرات، وذلك قبل أن يركب البحر متجها إلى شواطئ البربر أو الهند أو جزر السند”.

إن مالك بن نبي يعتب على الحضارة الأوروبية أنها تسببت في تأخر الشعوب التي وقعت تحت سيطرتها. ورغم أن المسلمين مغلوبون عسكريا واقتصاديا وعلميا واجتماعيا، فإنهم يرفضون الاعتراف بتفوّق الغرب من الناحية الأخلاقية. يقول: “لم يكن العالم الإسلامي يعاني من أية عقدة نقص من هذه الناحية (الأخلاق)، أي أنه لم يكن يشعر بالحاجة إلى مراجعة النفس وإعادة التفكير في العقيدة. ويبدو أنه بإمكاننا أن نعْزُوَ التراخي الأخلاقي لدى الشعوب الإسلامية المتوسطية، وإلى حدٍّ بعيد، إلى هذا الضرب من العَجْرَفَةِ المُستكينة وهذا الاكتفاء فيما يتعلَّق بدينهم الذي يوازنون بينه وبين واجهةٍ استعمارية ظَهَرَ بها الدين المسيحيّ عندهم“.

إن علاقة الجوار بين العالم الإسلامي وأوروبا  قديمة، لكننا نسجل أن العالم الإسلامي لم يحدث له أنْ تحوّل إلى المسيحية (حتى قبل ظهور الإسلام)، وأوروبا من جهتها لم تقبل أبداً بالإسلام بين ظهرانيها. لقد تصادما في الأندلس في أواخر حكم المسلمين هناك، وتصادما في الحروب الصليبية وأثناء العهد الاستعماريّ. وكانت الحضارة الغربية تريد فرض سيطرتها على العالم الإسلامي الذي لم يواجه ذلك إلاّ بنهضة وهمية. وهكذا عاد الاتصال بين هاتين الكتلتين الثقافيتين في ظرف كانت فيه أوروبا في أوج ازدهارها، بينما كان العالم الإسلامي في الحضيض. الأولى صارت مُستعمِرة، والثاني صار قابلاً للاستعمار. ومن هذه المواجهة انبثق تاريخ القرن العشرين المُثْقَلُ بالآلام وسوء الفهم والمآسي.

لقد أنجز مالك بن نبي أهمّ أعماله بين 1947 و 1962، أي أثناء العهد الاستعماري. فهو عندما يتكلم عن “مهمة الاستعمار الهدّامة للحضارة” إنَّما يتكلم عن وضع عايشه وعانى من ويلاته بشخصه وبعائلته وبفكره. لقد كان عليه أن يقبل، وعلى مضض، بنظام الأهلية (indigénat) الذي سُلِّط عليه. ولكونه ذا روح مُشِعّة، ولأنه أحسَّ الظاهرة الاستعمارية في أعماقه، فكان من الضروري أن يقوم بوصف هذه الظاهرة وإدانتها.

وهكذا راح يرفض مزاعم المستشرقين الذين يشبّهون الفتوحات الإسلامية بحملة الاستعمار، وذلك في كتابه “شروط النهضة” إذ يقول: “إنّ الاستعمار يعتبر تقهقرا في تاريخ البشرية. إنها عودة إلى العهد الروماني بعد اتساع رقعة الإمبراطورية الإسلامية، لكن هذا الاتساع كان تجربة من طراز جديد في التاريخ. وبالفعل، فلم تتخذ الإمبراطورية الإسلامية  جنوب فرنسا، ولا إسبانيا، ولا شمال إفريقيا كمستعمرات، لكنها كانت تعتبرها أمصارا مثلها مثل سوريا أو العراق. وقد سمحت تلك الإمبراطورية بأن تعيش الأقلّيات المسيحية واليهودية في كنفها بكل حرية، بل إنّ القسّ جيربار Gerbert أُتيح له أن يتعلّم العلوم الإسلامية، وهو الذي سيتولى مهام البابوية تحت اسم سيلفاستر الثاني Sylvestre II ويشنّ على الإسلام أول حملة في الحروب الصليبية“(6) .

وفي مقال بعنوان “مُعاداة الإسلام” L’anti-islam) أُلِّفَ سنة 1953 نجد: “إنّ تاريخ التوسّع الإسلامي بكامله لا يتضمن عملية اكتساح واحدة، ولا قتل طفل بأمر من قيادة عليا” (7). وفي مقالين آخرين تحت عنوان “الإمكانية الثالثة 1 و2” “La troisième perspective 1 et 2)(8) يشرح مالك بن نبي أنّ البلد الذي تعرَّض لغزو أجنبيّ تكون أمامه إمكانيتان: الأولى تتمثل في الاحتلال المؤقت الذي ينتهي بانتهاء حالة الحرب، والثانية أن يصير البلد تابعا للغزاة. في الحالة الأولى يحافظ البلد المغزو بشخصيته وخيراته، وفي الثانية يكون الذوبان اعتمادا على أساس المساواة في الجماعة التي ينتهي الغازي والمغلوب بالتفاهم على تكوينها. أما الاستعمار فهو “الإمكانية الثالثة” التي منحتها أوروبا للتاريخ. وهذه الإمكانية تعني حبس كل الموارد واستغلالها في مشروع المعمِّر وحده. وهو وضع يكون فيه الساكن الأصليّ محروما من أملاكه، مُجرَّداً من جنسيته الضائعة، وخاضعا لقانون خاصّ يُضيِّق عليه العيش من جميع النواحي.

إنه يفضح النوازع الميكيافيلية لدى الاستعمار الذي يصوّر نشاطه في الجزائر بإيعاز من أمثال ماسنيون Massignon، وستُخَصَّصُ حلقة من هذه السلسلة لهذه الشخصية لأنّ ماسينيون لعب دورا كبيرا في حياة مالك بن نبي الذي كتب : “لمواجهة التجديد الحادث في العالم الإسلامي، أقام (الاستعمار) نظاما باليا مصطنعاً يشبه خشبة مسرح تلعب فيها فرقة متكونة من المُشُعْوِذِين والباشوات والعلماء والجامعيين المزوَّرين دور المكلّفين بتقديم مشهد “الأصالة الإسلامية”، وهو المصطلح الذي سيصير بمثابة كلمة سرٍّ في السياسة الاستعمارية كلها… وها نحن أولاء نُشاهد في مقابل الجهود التجديدية المبذولة قيام نظام ظلاميّ مُهرِّج وأوهامٍ أَكَلَ الدهرُ عليها وشرب. ذلك أنَّ الاستعمار مُصِرُّ على إعادة بناء معبد الشعوذة المتردية، وفي هذا الإطار قام بالترويج لوجوه محنّطة مأخوذة من العصور الوسطى، “عهد ما بعد الموحّدين”، لكي تؤدي دورها في التأسيس لسياسة استعمارية رجعية خاصة بالأنديجينا وتحت عنوان “الإسلام التقليدي”… ومهما يكن من أمرٍ، فإنّ الاستعمار عازم على ممارسة سياسته الاستعمارية بهذه الأشكال من الانحرافات والفساد والتدليس، وهو بهذا يتحمّل قسطاً كبيرا من المسؤولية على الفوضى التي يمرّ بها العالم الإسلاميّ… فكل إنجازات الاستعمار ما هي إلاّ هدم كبير في تاريخ البشرية”.  

ولم يكن مالك بن نبي يُخامره أدنى شك في أن نهاية الاستعمار آتية لا محالة، وهو يستشرف ذلك من زاوية نظر بعيدة منفصلة عمّا يحدث في العالم. يقول: “إن العالم المعاصر هو نتاج النهاية الحتمية التي سيؤول إليها العالم الاستعماري والعالم القابل للاستعمار اللذيْن عرفناهما منذ عشر سنوات… إنّ الاستعمار لم يعد متماشيا مع شروط قيام وضع دولي لا يمكن أن يؤَسَّسَ على القوة. والضمير العالمي سيُدين الاستعمار إدانة علنية لكونه سببا في الاضطرابات والتخلف والحرب“.

لكنه لا ينفي أن تكون للاستعمار بعض الأدوار الإيجابية، وفي هذا يقول: “إنّ الاستعمار قد أعطى المجتمع الإسلاميّ فرصة لاكتشاف قيمته الاجتماعية، وذلك عندما قوّض أركان الوضع الاجتماعيّ الذي كان “إنسان ما بعد الموحّدين” (l’homme post-almohadien)   يعيش حياةً نباتية فيه، بالاستيلاء على الخيرات التي مكّنته من الاستمرار في حياته النباتية. إنّ الإنسان الغربي قد عَمِلَ عن غيرِ قَصْدٍ عَمَلَ المتفجرات التي تنفجر في ساحة السكون والتأمّل. فإنسان ما بعد الموحِّدين، شأنه شأن البوذيّ في الصين والبراهماني في الهند، أحس بالارتجاج الذي دفع به إلى الاستيقاظ“.

إنّ مالك بن نبي لم يكتف بالتفكير في مشاكل العالم الإسلامي، بل كان يفكّر في كل ما يتعلق بالعالم السائر في طريق العولمة، وهو الوضع الناتج عن الحرب العالمية الثانية بما فيه من وعود جميلة وتناقضات. وكان يرى أن تلك التناقضات يمكن أن تُحلّ إذا تمّ الاتفاق على التعايش العالمي بين مختلف الثقافات والأوطان والأديان. وإذا لم يكن مالك بن نبي هو أول من اكتشف اتجاه العالم إلى العولمة، فهو على الأقل أول من فكّر في مكانة الإسلام في تلك العولمة وعبّر عن رغبته في إحلال الإسلام تلك المكانة.

وقد تلقّتِ الأوساط الجامعية كتاب “وجهة العالم الإسلامي“ كمساهمة هامّة في معارف العالم الإسلاميّ. وكثيرة هي المجلاّت والأقلام الشهيرة التي خصصت له تعريفا وتحاليل. فهذا الكتاب فيه من حصافة الفكرة وفصاحة الكلمة والتجديد والنبرة الهادئة ما يدفع إلى الإعجاب. وهو أكثر كتب مالك بن نبي حظوة بالترجمة إلى لغات العالم، وهو أكثر الأعمال الفكرية المخصصة للإسلام ذكراً.

وممّا جاء في هذا المضمار ما كتبه أندري روبار André Robert في مجلة Esprit/ عدد ديسمبر 1954: “إنّ قيمة كتاب السيد مالك بن نبي تتجاوز كونه مجهودا معرفيّاً مُقَدَّما أحسن تقديم. إنه مجهود صادق وذو نظرة صائبة هدفها تصفية صفحة الإسلام العكرة من الداخل، وهو نظرة فاحصة  لطبيب جرّاح إلى الضمير، نظرة يحْدُوها الحرص الشديد على الفاعلية… إنّ الكاتب يُريد أنْ يُحمِّل العالم الإسلامي مسؤوليته على ضرورة التحكم في المادة بالاستفادة من التقنية الأوروبية دون التنكر للأبعاد الإنسانية التي تتجاوز حدود الأرقام…”

وقد أشار المؤرخ روجي لوتورنو Roger Letourneau في (مجلة العلوم السياسية Revue de Science Politique) إلى أنّ “كتاب “وجهة العالم الإسلامي” الذي كُتِبَ سنة 1950 ونُشِر سنة 1954 يبدو أنه يخترق حدود الزمن… والميزة الغالبة عليه هي كونه مجهوداً مُحِقّاً وشجاعا في سبيل نظرة موضوعية للوضعية. إنّ لمالك بن نبي كل الفضل في أنه يرى الأشياء كما هي لا كما يريد هو أن تكون، وأنه تنكّر للنزعة الوجدانية الجامحة تنكرا كلّيا“.

أما جون ماري دوميناخ  Jean-Marie Domenach فيرى أن مالك بن نبي “جدير بالإعجاب لأنه يترفع دوما عن النواح على المعاناة الآنية“. وقد نشر أستاذ العلوم الاقتصادية جاك أوستروي Jacques Austruy دراسة في مجلة Revue de l’Institut de sciences économiques appliquées تحت عنوان “التوجّه الاقتصادي للإسلام” قام فيها بنقل أطروحات مالك بن نبي، وذكر كتابه مرارا. وستصير هذه الدراسة فيما بعد كتابا عنوانه “الإسلام في مواجهة التطوّر الاقتصادي” ( (Ed. Ouvrières, Paris 1961.

وفي عدد من أعداد مجلة « Communauté algérienne » نُشِر مقال فيه إطراء كثير، جاء فيه: “وهكذا نشهد منعرجاً حقيقيا في تاريخ الفكر الإسلامي. فكتاب مالك بن نبي ليس ثمرة تأمل منطوي على نفسه، فهو يشهد على إرادة طيبة لدى الكاتب لدراسة المجتمع الإسلامي والغربي على السواء من الداخل وبوعي عميق، ومحاولة مدّ جسور علاقات جديدة ومتينة. أعتقد أنّ مالك بن نبي لا يساويه في تفتحه إلاّ محمد إقبال. إن هذا الموقف المشترك بين بن نبي، المفكر الجزائري، ومحمد إقبال، الفيلسوف الهندي، سببُه هو تشبّعهما العميق بالدين وثقافتهما المزدوجة“. وفي وقت لاحق سيكتب المستشرق لويس جاردي Louis Gardet في هذا السياق قائلا: “إن كتاب “وجهة العالم الإسلامي” يضع مالك بن نبي في خانة الإصلاحيين المعاصرين، وعلى وجه التدقيق في حركة الإصلاح الإسلامية الهندية الباكستانية“.عن كتاب Les hommes de l’islam », Ed. Hachette, Paris 1977.

وعندما قرأ المؤرخ الفرنسي الشهير جاك بينوا ميشان Jacques Benoist-Méchin الكتاب سنة 1960 تمكّن من الحصول على عنوان مالك بن نبي في القاهرة، وذلك عن طريق  دار النشر Le Seuil ، وكتب له رسالة تمّ العثور عليها في الأرشيف، وجاء فيها: “لا أجد العبارة المناسبة لوصف مكانة كتابكم وما أفادني به من معلومات حول العالم الإسلامي. أرى أنه واضح التصوّر، مؤثِّر ومُقنِع في الوقت ذاته. وبعد قراءته شعرْتُ بالرغبة في قراءة كل كتبكم الأخرى، وخاصة كتاب “الظاهرة القرآنية” وكتاب “شروط النهضة”. أرجوكم أن تخبروني عما إذا كان بالإمكان الحصول على هذه الكتب، ومن أين“.

وبعد عشر سنوات من هذه الرسالة، كتب بينوا ميشان لمالك بن نبي بتاريخ 28/08/1969، وكان وقتها يعرفه معرفة شخصية: “أعترف لك بأني وجدتُ متعة وثراءً في كتبكم وفي الحديث معكم. إنني أضع أعمالكم في مرتبة الريادة في تجديد الفكر الإسلامي… وكثيرا ما أعيد قراءة كتبكم وأراجعها، وفي كل مرة أجد عمقا وارتدادات واضحة. إنه ليشرِّفني ما أحظى به من التقدير لدى عقل مفكر مثلكم“.

ومعظم الناس لا يعرف أن كتاب “وجهة العالم الإسلامي” كان يُفْتَرَضُ أن تكون له تكملة بجزء ثانٍ عثرنا عليه مخطوطا في أرشيف مالك بن نبي تحت عنوان “وجه العالم الإسلامي 2”. إنّ القارىء المنتبه لآثار بن نبي يتذكّر ما يكون قد قرأه في الفقرة الأولى من خاتمة “وجهة العالم الإسلامي” : “وفي آخر هذه الدراسة تتَّضح لي الحاجة إلى جزء ثانٍ يُفترض أن يتضمن إضاءات حول بعض المسائل الجوهرية التي ظننتُ أنه يجب عليّ تركها جانباً“. وقد استكمل مالك بن نبي هذا النقص في سِرِّيَّة بكتابة هذا النص المتضمن 136 صفحة، وكان قد بدأ كتابته في لوات كليري Luat-clairet بتاريخ 5 ديسمبر 1951، وختمها في 22 جانفي 1952.

ويتضمن هذا الجزء الثاني مقدمة في 11 صفحة، متبوعة بجزئين رئيسيين:  “التعاليم السِّرِّية للعالم الحديث” و “العالم الجديد”، وتلي ذلك خاتمة في صفحتين. وينقسم الجزء الأول إلى ستة عشر فصلاً عناوينها: أسرار العالم الحديث، معنى “الدياسبورا”، اليهودي في أوروبا، أسطورة اليهودي الهائم على وجهه، اليهودي المفكر، اليهودي المواطن، اليهودي(الحديث)، اليهودي صاحب النظرية، اليهودي العالمي، اليهودي يُسقِط القِناع، نهاية عهد، الحرب، إستراتيجية الحرب المُقبِلة، حياد المسلمين، حياد المسلمين والديبلوماسية الغربية ونتائج حياد المسلمين على المستوى الدولي. أما الجزء الثاني فجاء أقصر من الجزء الأول بكثير (30 صفحة من بين 136)، وهو ينقسم إلى خمسة فصول: مشكلة حضارة، صدمة ما بعد الحرب، التخطيط والترويج، المخطط الإسلامي والأخوَّة والتَّآخي.

إنّ الأمر يتعلق إذاً بكتاب كامل كُتِبَ خلال ستة أسابيع، وهو يمكن أن يكون، بالنظر إلى موضوعه،  ذلك الكتاب الذي أشار إليه مالك بن نبي والذي عنوانه  “مشكلة اليهود”.

إنّ مالك بن نبي يرى في هذا الكتاب أن العوامل التي أدت بالعالم إلى الحربين العالميتين، وإلى إقامة دولة إسرائيل، وإلى الحرب الباردة، تلك العوامل ليست معروفة لدى جميع الناس. إنّ العوامل المُبهمة يجب أن يتمّ الكشف عنها للأجيال القادمة كي يتسنَّى لها أن تؤسس العالم الجديد على قواعد نزيهة: “لكي نفهم عالماً ما، لا يكفي أن ننظر إلى مظاهره، لكن إلى روحه. ذلك أنّ مظاهره الخارجية ليست في الغالب إلاّ ما يُظهِره مصباح سحريّ يُسقِط على الشاشة صوراً جاهزة. إن الأهمّ من ذلك هو ذلك الذكاء وتلك اليد اللّذيْن يقومان بصناعة ذلك التاريخ الوهمي. الأهمّ هو تلك القوة الخلاّقة التي تقف وراء هذه المظاهر الخارجية، أي الأسباب التي تؤدي إلى ظهورها: هي القوة التي تُرجِع المظاهر المتعددة إلى وحدة أساسية لا تظهر بنظرة العادية ،و لا تراها العين الذكية، وتستعصي على الفكر الذي لا يحسِن التفكير“.

إنَّ هذا الرَّجل، بأفكاره وكلامه، كان يرى أن التاريخ (الرسمي) ليس في الغالب إلاّ ماكياجاً للحقيقة. ومالك بن نبي ينعى على أولئك “المؤرخين الأبرياء الذين لا يرون من العالم إلاّ ما يُرى بِبَهْرَجِهِ وزينته، أي مظاهره الخارجية، لكنهم لا يرون شيئا من حقيقة كل ذلك بظلمتها وسكونها… إنّ التاريخ الحقيقي للعالم لمْ يُصْنَعْ بَعْدُ، ذلك أنّ كلّ ما تمّ صنعه ما هو إلاّ تاريخ المظاهر“.

أمَّا فيما يتعلّق بوجهة العالم الإسلامي ، فهو يعبّر بوضوح عن موقفه الفكريّ في هذه المخطوطة بقوله: “الأمر لا يتعلّق بالسيطرة على العالم، بل بإنقاذه…ولا بالسيطرة على الناس، بل بإقناعهم… لقد أتيح للإسلام أن يتوسع إلى حدّ الآن، لكنْ على طريقة انتشار النباتات البرّيّة الضارّة. غير أنَّه استغرق أربعة عشر قرنا لكي يحتلّ في هذا الإشعاع بعين الحيّز الذي يحتله اليوم. أما في المستقبل فينبغي أنْ يُغْرَسَ غرسا صحيحا، علميّاً، كي يتسنى له أن يُشِعَّ وفق مسار مُعيَّنٍ، مع أخذ كل العوامل الإيجابية والسلبية الاعتبار”.


المراجع :

(1) بعض تلك المقالات سيتمّ تعديله، أما البقية فقد أُعيدَتْ كتابتها لتتشكل منها بعد ذلك فصول ما يُعرف بـ”وجهه العالم الإسلامي”. وقد نُشِرت في جريدة La République algérienne  تحت عنوان: توطئة عامة لـ “البُنىة التَّحْتِية للعالم الإسلامي الحديث” في 14/04/1950، و”مثال رواد النهضة” في 10/11/1950، وفي 17/11/1950، وفي 01/12/1950، وفي 08/12/1950،  و “عشية  قيام حضارة إنسانية ؟” في 06/04/1951، وفي 13/04/1951، وفي 01/06/1951، وفي 29/06/1951،  و “المآل الروحي لعالم الإسلام” في 19 و 26/10/1951. أما الفصول التي نشرتها جريدة Le jeune musulman فهي: “الطرق الجديدة” في 29/05/1953، و “ظاهرة الأطوار” في 12/06/1953، و” أوَّل اتصال بين أوروبا والإسلام” في 18/06/1954.

(2) “تخليص الإبريز في تلخيص باريز” 1834.

(3) “تحفة الأذكياء بأخبار بلاد روسيا1850

(4) مؤلّف كتاب حول أنجلترا سنة 1855 ، وآخر حول مالطا سنة 1899.

(5) مؤلِّف كتاب حول فرنسا نُشِر سنة 1867.

(6) جيربار دورياك  Gerbert d’Aurillac هو بابا فرنسي، وهو أول من أدخل الأرقام العربية إلى أوروبا في القرن 10م.

(7) عن جريدة La République algérienne الصادرة بتاريخ 11 سبتمبر 1953.

(8) عن جريدة La République algérienne الصادرة بتاريخ 13 و 20 نوفمبر 1953.

آخر التغريدات: