آليات الإمام الشيخ عبد الحميد بن باديس في فهم الواقع وتقويمه

بقلم: د. نور الدين سكحال-

يقرر أحد الدارسين للجهود الدعوية والإصلاحية المعاصرة أن كثيرا من الذين اشتغلوا بالدعوة الإسلامية لم يمتلكوا الآليات التي تجعلهم قادرين على فهم واقع المجتمعات التي تحركوا للدعوة فيها، وتقويمه تقويما صحيحا، وذلك حين يقول:" قد تكون مشكلة الحضارة اليوم أن الذين أدركوا آليات فهم الواقع لم يؤمنوا بالخطاب الإلهي، وكثير من الذين آمنوا بالخطاب الإلهي لم يدركوا آليات فهم الواقع"[i].

ونريد في هذا المقال أن نثبت أن الحكم المطلق الذي خلص إليه هذا الدارس ليس صحيحا بإطلاق، وذلك من خلال عرض تجربة أحد أعلام الإصلاح في الجزائر في محاولة فهم الواقع الذي قاد حركة إصلاحية للنهضة به نهضة شاملة.

فالمتتبع للعمل الإصلاحي الذي قام به العلامة الإمام عبد الحميد بن باديس في إطار جمعية العلماء المسلمين الجزائريين سيجد أنه استخدم آليات كثيرة لفهم واقع مجتمعه، ومعرفة أسباب ما ظهر فيه من انحطاط وتخلف وفساد، نقف فيما يأتي عند بعضها.

بداية يقرر الشيخ ابن باديس أن تقويم الواقع بالحكم على بعض مظاهره بالفساد وعلى أخرى بالصلاح، اعتمادا على مجرد الملاحظة العابرة والسريعة لذلك الواقع، للخلوص إلى أحكام عامة على هذا الواقع، غير مقبول من الناحية العلمية لأنه مبني على مجرد الظن، ويؤكد عدم جوازه من الناحية الدينية استنادا إلى ما فهمه من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا سمعت الرجل يقول هلك الناس فهو أهلكهم"[ii]، يقول الشيخ ابن باديس:" لا يجوز الحكم على عموم الناس بالشر والفساد ولو كان ذلك ظاهرا بينهم فاشيا فيهم، لأنه حكم بدون علم، وظن سوء بمن يكون في غمار الناس على خلاف ما يكون عليه أكثرهم، هذا إذا حكم حكما لمجرد الإخبار، فأحرى وأولى إذا زاد على ذلك تحقيرهم "[iii].

وفي هذا السياق ينتقد الشيخ ابن باديس أمير الشعراء أحمد شوقي حين حكم على الجزائريين بأنهم شعب مسخت شخصيته، وانسلخ من انتمائه العربي، وبنائه هذا الحكم على مجرد ملاحظات عابرة لأحوال من تعامل معهم حين زار الجزائر العاصمة، قال الشيخ منتقدا لهذا المسلك غير العلمي في تقويم الواقع:" أما شوقي فقد قدر له أن يزور هذه الجزائر في شبابه، وينزل بعاصمتها أربعين يوما للاستشفاء، ويقول عنها:" ولا عيب فيها سوى أنها قد مسخت مسخا، فقد عهدت مساح الأحذية فيها يستنكف النطق بالعربية، وإذا خاطبته بها لا يجبيك إلا بالفرنسية"، فاعجبوا لاستدلال على حالة أمة بمساح أحذية منها!، ولا يجمل بي أن أزيد في موقفي هنا على هذا "[iv].

فهذا الحكم على الشعب الجزائري، وهذا التعميم في حقه غير مقبول من شخص متعلم، لاعتبارات بينها الشيخ ابن باديس من خلال عباراته هذه منها: قصر المدة التي لبثها شوقي في الجزائر، والتي لم تتجاوز الأربعين يوما، ثم الظروف الصحية لشوقي التي تجعل غالب إقامته في المستشفى وقد جاء للعلاج، ثم لأن العينة التي انطلق منها لتعميم ذلك الحكم على الشعب الجزائري لا تعد عينة ممثلة للشعب الجزائري بكل فئاته وشرائحه.

وحين مراجعتنا لما كتبه الشيخ ابن باديس، ولما قام به من عمل إصلاحي، يمكن أن نستخلص الآليات الآتية التي اعتمدها الشيخ أو دعا إلى اعتمادها ليكون تقويم حركة الإصلاح للواقع تقويما سليما، وحكمها عليه حكما صحيحا:

أولا- الانخراط الفعلي في الواقع :

الآلية الأولى التي اعتمد عليها الشيخ ابن باديس في تقويم الواقع الذي عاصره، هي الانخراط الفعلي في هذا الواقع، والاحتكاك المباشر به في دوائره المختلفة، فقد عايش الناس بكل فئاتهم وطبقاتهم، وتعامل معهم، ووقف على كثير من مشكلاتهم ، و كان له حضور دائم في مناشطهم المتنوعة، في حالات السرور والانبساط، وحالات الحزن والألم.

ومكنه هذا الانخراط الفعلي في الواقع من كسب خبرة كبيرة بهذا الواقع، وتجاوز مجرد الملاحظة السطحية لما يبدو له من مظاهر قد تخدع من يعتمد عليها في تقويمه والنظر إليه، وذلك من خلال الحوارات التي كانت تدور بينه وبين الناس من حوله، وقد كان إماما يلجأ إليه الناس في كثير من شؤونهم، سواء تعلق الأمر بطلب بيان حكم الشرع في بعض ما تلبسوا به من عمل، أم لفض النزاعات والخصومات التي تكون بينهم، ولاستشارته في بعض ما يخصهم لثقتهم بسداد رأيه.

ثانيا- إخوانه من العلماء والمصلحين:

لم يكن الشيخ ابن باديس يكتفي بنظرته الخاصة إلى الواقع، التي قد تلتفت إلى بعض الجوانب وتهمل جوانب أخرى، فكان يستعين ببعض إخوانه من المصلحين لمناقشة الأوضاع التي عليها مجتمعه والمجتمعات المرتبطة به، أو التي لها أثر عليه من قريب أو من بعيد.

واشتهر من هذه اللقاءات لقاءاته مع الشيخ البشير الإبراهيمي بالمدينة المنورة، التي امتدت لمدة ثلاثة أشهر كاملة يتدارسان في كل ليلة من لياليها الوضع في الجزائر، وأسباب ما تعانيه من ترد وانحطاط[v].

واستمرت لقاءاته بالشيخ البشير الإبراهيمي بعد عودتهما إلى الجزائر، فكان لهما لقاء مرة كل أسبوعين أو كل شهر على الأقل، لتعميق فهمهما للواقع الجزائري ومواكبة التطورات فيه، يقول الإبراهيمي عن الموضوعات التي يطرقانها في هذه اللقاءات:" فنزن أعمالنا بالقسط، ونزن آثارها في الشعب بالعدل، ونبتي على ذلك أمرنا، ونضع على الورق برامجنا للمستقبل بميزان لا يختل أبدا، وكنا نقرأ للحوادث والمفاجآت حسابها، فكانت هذه السنوات العشر كلها إرهاصات لتأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين"[vi].

كما كان الشيخ ابن باديس يستعين في محاولة فهم الواقع العربي والإسلامي بما يصله من معلومات عن طريق بعض المصلحين أمثال الأمير شكيب أرسلان ومفتي القدس الشيخ الأمين الحسيني كما يؤكد ذلك أحد الدارسين[vii]

ثالثا- المؤتمرات السنوية:

ليأخذ الشيخ ابن باديس صورة دقيقة عن الأوضاع في الجزائر في مناطقها المترامية، ويمكن الحركة الإصلاحية التي يقودها من تقويم الواقع الذي تحركت لإصلاحه تقويما علميا، اقترح على رجالاتها تنظيم مؤتمرات سنوية للنظر في الواقع نظرة متجددة، ولملاحظة المنجزات التي تحققها الحركة في كل مرحلة من مراحل سيرها، وكلف بعض العاملين بإعداد تقارير ميدانية لتكون مدار النقاش في هذه المؤتمرات، ويعطينا الشيخ البشير الإبراهيمي صورة عن الموضوعات التي كان الشيخ ابن باديس يطلب من الأعضاء إعداد تقارير فيها فيقول:" وقد سن رئيس جمعية العلماء في هذه السنة [ 1935م] سنة صالحة فعهد ( في ظرف ضيق ) إلى طائفة من أعضاء الجمعية الإداريين والعاملين أن يضعوا تقارير محدودة في مسائل مهمة لها الشأن الأول في اجتماعيات الجزائر، ولها المقام الأول من اهتمام جمعية العلماء، وهي:

1. الأمية وآثارها وطرق مقاومتها.

2.  التعليم بقسميه المسجدي والمكتبي، وشرح أحواله وعوارضه التي هو عليها الآن، وكيف ينبغي أن يكون.

3.الإسراف المالي ومظاهره في الولائم والمآتم.

4. الوعظ والإرشاد والطرق التي ينبغي أن يؤدى بها.

على أن تلقى تلك التقارير في المؤتمر لتكون نموذجا للأعمال التي تقوم بها الجمعية، وليبدي ذوو الرأي آراءهم في طرق تنفيذها"[viii].

وإن كانت التقارير التي قدمت في هذا المؤتمر – كما لاحظ عليها الإبراهيمي[ix]- تفتقر إلى الدقة في إعدادها، ولم يعتمد المعدون لها على الإحصاءات التي هي الأساس في التقارير التقويمية، وذلك بسبب ضيق الوقت الذي كان أمام أعضائها لإعدادها، إلا أنها كانت خطوة أولى أراد من خلالها الشيخ ابن باديس جعل هذه المؤتمرات فرصة للنظر في الأوضاع والأعمال بتقارير ميدانية يتطور المنهج الذي تعد به في مؤتمرات موالية.

رابعا- الزيارات الميدانية:

من الآليات لتي اعتمدها الشيخ ابن باديس في أخذ صورة مباشرة عن واقع مجتمعه، ما كان يقوم به من زيارات لمدن الجزائر وقراها، شمالا وجنوبا، و شرقا وغربا، ولن نفصل الحديث عن هذه الزيارات أو الرحلات في هذا المقام[x]، بل نكتفي فقط بتسجيل بعض الملاحظات التي كان الشيخ ابن باديس يبديها في هذه الزيارات، تتعلق بالجهات التي يتصل بها في كل زيارة، والأعمال التي يقوم بها، وبعض الخلاصات التقويمية التي كان يسجلها على واقع المدن والقرى التي كان يزورها، إدارة ونخبة متعلمة وجمهورا عاما.

يحدثنا الشيخ ابن باديس عن البرنامج الذي كان يسير عليه في زياراته الميدانية هذه فيقول:"ماذا كنت أقوم به في كل بلدة: كنت أزور في الأكثر قبل كل شيء المسجد، لأن البداية به هي السنة، ولألفت نظر الأمة إلى حرمة المسجد وفضله ...، ثم أزور ممثل الحكومة في البلدة من (بريفي) أو (سوبريفي) أو متصرف، ثم أزور ممثل الأمة الفرنسية والعربية وهو (المير) إذا كان بالبلدة (مير)، ثم ألقي الدرس العام في المسجد"[xi].

والهدف من هذا البرنامج أن يأخذ الشيخ ابن باديس صورة واضحة عن السلطة السياسة في المدينة متمثلة في ممثل الحكومة، وممثل المواطنين في بلديتهم، لما لهذه السلطة من أثر كبير على المدينة وأهلها، وعلى الجمعية ونشاطاتها فيها،ويأخذ صورة عن المجتمع ممثلا في أعيانه ونخبته، ثم في جمهوره العام، وذلك في لقاءات ومجالس خاصة تنظم له، فيدور النقاش فيها حول الأوضاع في البلدة، و تعرض فيها عليه بعض القضايا التماسا لمساهمته في حلها.

وكان الشيخ ابن باديس يسجل بعض الخلاصات التي يخرج بها من هذه الزيارات الميدانية، فيها إشارات إلى بعض الجوانب الإيجابية التي لاحظها، و أمور سلبية لفتت انتباهه، نورد عينات منها من خلال ما نشره بقلمه في الشهاب.

فمنها مثلا ما قاله تعليقا على زيارته لمدينة مليانة*:"ممن عرفنا بها المفتي الشيخ وكال محمد، عالم قرأ سنوات بالأزهر، وأعجبني منه أنني وجدته يطالع شرح تجريد أحاديث البخاري، فشكرت له عنايته بالسنة، وقلت له: إننا نعرف عقلية الرجل من معرفتنا بالكتب التي يطالعها، فمن لا نرى له عناية بالسنة فإننا لا نثق بعلمه، واجتمعنا بالعالم المفكر المثقف الثقافة الصحيحة الشيخ أحمد آل حاج حمو القاضي، وبغيرهما من الفضلاء، ...وقد ظهر لي أن عامة مليانة قليلة الرغبة في العلم، فيها فتور وخمود، قيض الله لهم من يوقظهم"[xii].

ومنها ما قاله تعليقا على زيارته لمدينة الأصنام**:" ممن عرفنا من فضلائها مفتيها العالم الماجد الشيخ الوانوغي بن الشيخ بومزراق الزعيم المقراني المشهور، والشيخ يمثل شهامة أسرته وكرمهم وهمتهم إلى معارف أكسبته إياها الأسفار والتجارب،وهو القائم بالخطبة والتدريس في جامعها، والعلامة الألمعي الشيخ طالب شعيب القاضي بها ( والقاضي الآن بالعاصمة)، فما شئت من علم وأخلاق وفصاحة، واطلاع على شؤون الوقت، وعدالة ونزاهة...وبلدة الأصنام بلدة تجارية وفي أهلها ذكاء وفهم وقبول للتعليم"[xiii].

وسجل الشيخ ابن باديس بعد زيارته لمدينة وهران عاصمة الغرب الجزائري ملاحظتين تتعلق إحداهما بالجمهور من العامة، وتتعلق الثانية بالنخبة المتعلمة باللسان الفرنسي، قال الشيخ:" ولقد رأيت من أهل هذه العاصمة الغربية لقطرنا الجزائري تعطشا للعلم وإقبالا على سماعه، ولقيت فيها نخبة الفضلاء ذوي المعارف المتعلمين بالفرنسية على جانب من الدين والقومية"[xiv].

أما في زيارته لمدينة بسكرة· فقد سجل الشيخ ملاحظة أشاد فيها بما لاحظه من وعي عند المتعلمين من أهل هذه المدينة، حيث تعاونوا رغم اختلافهم في المذهب بين إباضية ومالكية على إرساء قواعد لعمل تعليمي تربوي بمدينتهم، قال الشيخ:" من أعظم ما يدخل السرور على قلب المسلم أن يرى إخوانه المسلمين يمثلون معنى الأخوة الإسلامية تمثيلا عمليا مثل ما شهدته ببسكرة من مالكيتها وإباضيتها، فجماعتهم واحدة، ورأيهم واحد، وشوراهم في المصالح العامة واحدة، وما تنطوي عليه القلوب لابد أن يظهر على الأقوال والأعمال، فاهتداء السادة البسكريين –مالكية وإباضية- إلى تسمية مدرستهم بمدرسة الإخاء هو أثر ما تنطوي  عليه قلوبهم من معنى الأخوة الصحيح التي ربطها بها الإسلام، وتشاهد روح التضامن والتآخي بادية في إدارة المدرسة من الجانبين، وفي التعليم بها كذلك وفي الأبناء المتعلمين من المالكية والإباضية الممتزجين ببعضهم ليشبوا على ذلك التآخي وذلك الاتحاد"[xv].

وهناك ملاحظات أخرى سجلها الشيخ ابن باديس كنتائج استخلصها من زياراته لعدد من المدن والقرى، منها قوله :" عرفتني تنقلاتي في بضع قرى ما في قلوب عامة المسلمين الجزائريين من تعظيم للعلم وانقياد لأهله إذا ذكروهم بحكمة وإخلاص.

ما حللت بقعة إلا التف أهلها حولي يسألون ويستمعون في هدوء وسكون، وكلهم أو جلهم منتمون للطرق من مقدم وشاوش وخوني"[xvi].

وقوله بعد رحلة أخرى:" حاصل ما تيقنته من هذه الرحلة: أولا استعداد الأمة لكل خير، ثانيا مساعدة الحكومة عليه، ثالثا تمركز الجمعية عندهما وثقتهما بها"[xvii].

وقد سار علماء الجمعية ممن كانوا يحيطون بالشيخ ابن باديس على نفس النهج، فكانوا يستثمرون الرحلات التي يقومون بها داخل الوطن وخارجه للتعرف على الواقع من خلال المعاينة المباشرة، وعدم الاكتفاء بما يصلهم من أخبار قد لا تعطي صورة صادقة عن هذا الواقع لأسباب كثيرة، فهذا الشيخ البشير الإبراهيمي يحدد الهدف من زيارته لمجموعة من الأقطار العربية والإسلامية فيقول: "أنا في رحلة استطلاعية إلى الأقطار الإسلامية، وقد مررت بمصر وأنا على نية العودة إليها إن شاء الله.

والغرض الأول الأهم من هذه الرحلة هو دراسة أحوال المسلمين في مواطنهم، والتعرّف إلى قادة الرأي فيهم بالعلم والحكم، والامتزاج بمجتمعاتهم، حتى أتبيّن الحقائق مشاهدة وعياناً، لأن الأخبار التي تصلنا عن إخواننا النائين عنا تصلنا غامضة مختصرة، أو مطوّلة مستفيضة، وكلا الطريقين مشوه للحقيقة، مصور لها بغير صورتها، خصوصا في هذا الزمان الذي أصبحت الأخبار فيه سلعا تباع وتشتري على أيدي سماسرة يعوجون المستقيم، ويروّجون للسقيم، تبعاً لأغراض ليس شيء منها في مصلحتنا[xviii].

خامسا- وسائل الإعلام :

في الدائرة الواسعة للواقع الذي عاصره، المتمثلة في الواقع العربي والإسلامي، والواقع الإنساني، كان الشيخ ابن باديس يعتمد في فهم هذه الدائرة الواسعة وتقويمها على ما كان يقرؤه في الصحف والمجلات، العربية منها والأجنبية، وعلى ما تنقله الإذاعات من أخبار.

من الصحف العربية التي كان يقرؤها: النجاح، والنور، والمرصاد، ومن الصحف التونسية صحيفة الزهرة، ومن الصحف الفرنسية:جريدة الطان le temps الفرنسية، ولاديباش dépêche de constantine la ، ومن المجلات: مجلة المنار لرشيد رضا، ومجلة الفتح لمحب الدين الخطيب.

لكن الشيخ ابن باديس ينبه إلى أنه ينبغي التعامل مع هذه الآلية بحذر كبير، بسبب أن الإعلام في أحيان كثيرة، ولأسباب متعددة، لا ينقل الحقائق كما هي في الواقع، وقد يلجأ إلى التزييف والكذب والبهتان لتحقيق بعض الأغراض.

وفي هذا الإطار ينتقد الشيخ ابن باديس الإذاعة التي أنشأتها سلطات الاحتلال في الجزائر، ويؤكد أن ما تبثه على أمواجها من حصص وبرامج لا تعكس واقع للمجتمع الجزائري، ولا تعطي صورة صحيحة عنه، ويقارن بينها وبين الإذاعة التي أنشأتها نفس الإدارة بتونس والتزمت فيها بشيء من الموضوعية والمصداقية.

ولأهمية كلام الشيخ ابن باديس في تحديد نظرته إلى الإعلام واعتباره مصدرا لمعرفة الواقع نورد هذا النص الذي يقول فيه: " عندما تكون حكومة أمة منها تكون ما تظهر به الحكومة أمتها هي مظاهر تلك الأمة، وعندما تكون حكومة أمة من غيرها لا تكون ما تظهر به تلك الحكومة الأمة هي المظاهر الحقيقية لتلك الأمة، فما تظهر به الإدارة الأمة الجزائرية هو ما ندعوه " مظاهرنا الرسمية"، فهل تلك هي مظاهر  الأمة الجزائرية الحقيقية؟.

من مظاهر الأمم اليوم ما تنشره مذاييعها على موجات الأثير، فيطلع العالم على ما عندها من علم وأدب وفن، ويعرف درجة ما بلغت إليه من رقي، وللجزائر مذياع..قد أسسته الإدارة منذ سنوات، وجعلت فيه سويعات للعربيةـ ويا ليتها لم تجعل ـ فكانت تلك السويعات مقصورة على صحون الحاكي وحفلات الطرب وأخبار معينة، ومواضيع أخرى ليست بذات قيمة علمية ولا أدبية ولا فنية، إلى سوء الأداء، ونكرة الصوت، وعامية ثقيلة كأنها رطانة في كثير من المرات، فكان هذا المذياع الكذوب يظهرنا للعالم أمة ماتت فيها العربية واندثر منها العلم والأدب والفن، وأصبحت في أحط دركات الجهل والتقهقر، فهل هذه حقيقة الأمة الجزائرية؟ لا والله.

لقد كنا نألم من هذا المذياع، وكنا نعده نكبة من نكبات الجزائر، ولكننا كنا نسلي أنفسنا بأنه مذياع معروف النسبة..فلا يتخذ حجة علينا، حتى أنشئ هذه السنة مذياع قوي في تونس الشقيقة وأخذنا نسمع منه المحاضرات القيمة في العلم والأدب والفن والتاريخ والصحة وتدبير المنزل والاقتصاد والفلاحة، والوعظ والإرشاد، فصور تونس العزيزة كما هي في رقيها وحضارتها.

هذا والإدارة التي أسست المذياع هنالك أخت التي أسست المذياع هنا، فإذا لا يبقى عند من يسمع المذياعين من الشعوب إلا الاعتقاد بأن الجزائر مصابة من نفسها بالعقم والقحط، فتجدد ألمنا وتضاعف، وفهم من لم يكن يفهم منا ما يراد بنا على الخصوص"[xix].

كما انتقد الشيخ ابن باديس في سياق آخر الصحافة الفرنسية التي تحيد في بعض الأحيان عن الموضوعية في عملها الصحفي، بسبب التعصب الذي يتحكم في عقول بعض أصحاب الأقلام فيها، يقول الشيخ ابن باديس:" لا ننكر أننا معجبين بالآداب الفرنسية، و لا ننكر أننا مع المعجبين فوق ذلك بالصحافة الفرنسية الكبرى، وما لها من بديع نظام، ومهرة أقلام، وجرأة وإقدام، لهذا يؤلمنا ويزعجنا ويملأ نفوسنا حسرة وإشفاقا أن نرى الآداب الفرنسية وأن نرى الصحافة الفرنسية الكبرى تنحط أحيانا إلى دركة الهذر واللغو والسخافة، وتنغمس في حمأة التعصب الممقوت المظلم، فنكر على غيرها ما تستحسنه لنفسها، وتعتبر الفضيلة عندها رذيلة عند غيرها، ثم تلجأ إلى باب الاختلاق والإفك والبهتان"[xx].

فالإعلام آلية مهمة للتعرف على واقع المجتمع في أوضاعه المختلفة في نظر الشيخ ابن باديس، لكن عندما يعكس هذا الإعلام بصورة صادقة هذا الواقع، ولا يتحقق ذلك إلا حين يلتزم القائمون به بالموضوعية والصدق في أعمالهم.

سادسا- استثمار مناهج العلوم الاجتماعية ونتائجها في تقويم الواقع:

استثمر الشيخ ابن باديس ما كان متاحا له في عصره، من نتائج استخلصت في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية، وشعر ابن باديس بأهمية هذه العلوم في فهم الواقع الإنساني من خلال دراسته لكتاب المقدمة للعلامة عبد الرحمن بن خلدون، الذي اجتهد فيه مؤلفه في وضع قواعد تعين على الفهم الصحيح للواقع الإنساني، والإشارة إلى بعض القواعد والسنن التي تحكمه.

ولاشك أنه كان لمدرسة المنار التي انطلقت من فكر جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده دور في توجيهه صوب هذه العلوم، كما كان لأستاذه البشير صفر الذي كان يجمع بين علوم التراث والعلوم المعاصرة دور في تعميق هذا البعد في تكوينه.  

وكمثال على اهتمام الشيخ بتوظيف هذه العلوم في فهمه للواقع وقضاياه، ما نلحظه من استفادته من المنهج الإحصائي في بيان دور العامل الديني في التشجيع على المحافظة على النسل واستمراريته، حيث نجده يقول :"فالشعب الجزائري يزداد في العام اثنين وثلاثين ومائة ألف، والشعب التونسي يزداد في العام خمسين ألفا، بينما بعض الشعوب غير الإسلامية يقف عن الازدياد ويخاف النقصان رغم ما عند هذا من العناية وما عند أولئك من الإهمال"[xxi].

سابعا- الدين وتقويم الواقع:

من الأمور التي لا يجهلها دارس لتاريخ الجزائر، بل ولتاريخ الأمة العربية والإسلامية، أن الدين الإسلامي لعب دورا أساسيا في بناء جوانب كثيرة من واقع هذه المجتمعات ، في سلوك الفرد وسلوك الجماعة، وأرسى فيه كثيرا من العادات والتقاليد، حيث يصعب على أي دارس لهذا الواقع أن يفهم كثيرا من التصرفات والأعمال إن لم يكن مستحضرا لدور الدين في تشكيلها.

وباعتبار الشيخ ابن باديس نشأ في أحضان مجتمعه منذ نعومة أظافره، وتلقى تعليمه في مؤسسات كان الدين أساس التعليم فيها، فقد أعانه ذلك كثيرا في فهم منطلقات ما يصدر عن أفراد مجتمعه من تصرفات، وتقديم تفسير سليم لما يلحظه في واقع مجتمعه من ظواهر وأحداث.

كما أن علمه بالدين مكنه من تقويم وضع الدين في واقع المجتمع باعتباره من أهم العوامل التي تحركه للإصلاح.

ثامنا- الاستعانة بالتاريخ في تقويم الواقع:

من الآليات التي استعان بها الشيخ ابن باديس في فهم واقع مجتمعه والحكم عليه، الماضي التاريخي الذي يعد هذا الواقع امتدادا له، حيث إن كثيرا من الأمور الإيجابية و كذا التصرفات والأعمال السلبية إنما هي موروث انتقل إلى هذا الواقع عن طريق الآباء والأجداد.

فنجد الشيخ في أحيان كثيرة يلجأ في تقويمه لواقع المجتمع وفهم بعض أوضاعه إلى ماضيه، كما فعل عندما رد على من حكم على الشعب الجزائري بأنه مسخت شخصيته العربية الإسلامية، وتبدلت شخصية أخرى سيطرت عليها الثقافة الفرنسية واللسان الفرنسي، فأكد " أن الأمة التي صبغها الإسلام وهو صبغة الله، وأنجبتها العرب وهي أمة التاريخ، وأنبتتها الجزائر وهي العاتية على الرومان والفاندال، لا تستطيع ولن تستطيع أن تمسخها الأيام ونوائب الأيام"[xxii].

وإشارته في مناسبات عدة أن من كان يعتقد أن الشعب يرضى بالذل والتبعية والهوان فهو مخطئ ، مهما بدت له بعض المظاهر التي قد تقنع من ديدنه الاكتفاء بما يوحي به الظاهر، دون أن يتعمق في فهم الحقائق، ويضرب على ذلك الأمثلة من تاريخ هذا المجتمع، الذي لم يستسلم أبدا لغاز محتل أو لحاكم مستبد.

هذه هي أهم الآليات التي أعانت الشيخ ابن باديس على فهم واقع مجتمعه وواقع المجتمعات التي عاصرها، ومن خلال النظر في هذه الآليات يمكن أن نخرج بالنتائج الآتية:

- لقد كان الشيخ ابن باديس يدرك أهمية فهم الواقع وتقويمه تقويما صحيحا في نجاح حركة الإصلاح في علاج ما بمجتمعها من أدواء، واستثمار ما يمتلكه هذا المجتمع من قدرات وكفاءات وإشراكها في تحقيق أهداف الإصلاح.

ولم يكن من العلماء الذين يعتقدون أن الإصلاح إنما يتم بمجرد استحضار النصوص من القرآن والسنة، والاجتهاد في تبليغها إلى الناس دون فهم دقيق لواقعهم، يحدد لهم ما الذي يبلغ على الفور، وما الذي يؤجل حتى تتوفر الظروف المناسبة لمخاطبة الناس به.

- كما كان يدرك أن فهم الواقع وتقويمه ليس عملية سهلة، يمكن الاكتفاء فيها بأيسر جهد، والاعتماد فيها على مجرد ملاحظة الوقائع ملاحظة سطحية، بل إن الآليات المتعددة التي اعتمدها في فهم هذا الواقع وتقويمه تدل على إدراكه أنها عملية بالغة التعقيد.

- لاحظنا أن الشيخ ابن باديس كان يوجه المشاركين في مؤتمرات الجمعية إلى إعداد تقارير ميدانية عن واقع المجتمع في جوانب محددة، وواقع العمل الإصلاحي، وذلك بهدف الانتقال في عملية تقويم الواقع من الدراسة النظرية المجردة إلى دراسة هذا الواقع دراسة ميدانية تستند إلى الإحصاءات والملاحظة الدقيقة له.

وهذا التوجيه من ابن باديس يعد " سنة صالحة" كما قال عنها الشيخ البشير الإبراهيمي، وإن كانت التقارير المعدة في البداية تعاني من بعض القصور، فإن الخطوة نفسها ذات قيمة ودلالة في إدراك الشيخ لأهمية الدراسة الميدانية المبنية على أسس علمية في فهم الواقع وتقويمه.

- إن سبب ما نجده عند الشيخ ابن باديس من توجه نحو استخدام آليات معاصرة في فهمه لواقع مجتمعه، هو جمعه في تكوينه بين تكوين أصيل في العلوم الإسلامية، واستيعاب لبعض العلوم الإنسانية المعاصرة.

وقد استفاد هذه المعاصرة في تكوينه من أستاذه البشير صفر الذي يعد من العلماء القلائل الذين جمعوا بين التعليم العربي الإسلامي والتعليم الغربي الأوروبي، مع إتقانه لعدة لغات حية بسب دراسته بجامعة السربون بباريس، يقول ابن باديس عنه:" إنه رجل بنى ما أخذه من العلوم باللغات الأجنبية على ثقافة إسلامية عربية، وبذلك استطاع أن يخدم أمته وأن يحتل قلبها"[xxiii]، وكذا من احتكاكه المستمر بالنخبة الجزائرية المتعلمة في المدارس الفرنسية، كما يظهر ذلك جليا من خلال الحوارات الكثيرة التي كانت تدور بينه وبينهم، و قد أشار إلى بعضها فيما كتبه في الشهاب والمعاصرة[xxiv].

ويمكن أن نقول بعد تسجيلنا لهذه الملاحظات أن الشيخ ابن باديس في إطار الحركة الإصلاحية التي كان من قادتها حاول الإفادة من كل ما كان متاحا في عصره من آليات لفهم الواقع وتقويمه ، وكان من المنتظر ممن جاء بعده ممن يحملون فكره، ويتبنون منهجه في الإصلاح، أن يستفيدوا هم كذلك مما أتاحته العلوم الإنسانية من مناهج وأساليب في دراسة الواقع وتقويمه، ولكن ذلك لم يحدث لأسباب كثيرة أرجعها أحد الدارسين إلى أمرين اثنين حين أشار إلى التراجع في الاهتمام بفهم الواقع عند الحركات الإصلاحية المعاصرة حيث قال:" ذاك ما فعل جمال الدين الأفغاني حينما طوف بالعالم الإسلامي يختبر علله وأدواءه، ثم اقترح منهجه الإصلاحي السياسي، وما فعل الإمام محمد عبده في درسه للعلل الاجتماعية، ثم اقتراح منهجه الإصلاحي الاجتماعي ...، وكان من المنتظر بحسب تنامي الصحوة الإسلامية، أن يتقدم هذا الوصل بين الفكر والواقع، في حلقات متتابعة من النضج، يفضي الأعم منها إلى الأخص، وتُستخدم فيه الوسائل العلمية المساعدة على تحليل الواقع، وفهم ملابساته وأسبابه، تمهيداً في ذلك لتنزيل الدين عليه، حتى ينصلح بحسبه فيما زاغ منه عنه، ولكن عوامل عطلت حركة التقدم في هذا الوصل، لعل من أهمها ما بلغه الواقع الإسلامي في ذاته من تعقّد شديد،  وما قوبلت به الصحوة الإسلامية من صدّ عنيف، ... شغلها عن التطور الطبيعي في معالجة الواقع، ودفع بفصائل منها إلى نزعة مثالية كثيراً ما تؤول إليها حركات الإصلاح لمّا تقابل بالتنكيل"[xxv].

 

الهوامش:

[i] - عبد المجيد النجار، في فقه التدين فهما وتنزيلا، ج1، ص:16.

[ii] - مسلم، صحيح مسلم، كتاب البر والصلة، باب النهي عن قول هلك الناس، حديث رقم: 6850.

[iii] - عبد الحميد بن باديس، مجالس التذكير من كلام البشير النذير، ط1، دار البعث، قسنطينة الجزائر، 1403هـ/1983م، ص: 79.

[iv] - عبد الحميد بن باديس، آثار الإمام عبد الحميد بن باديس، ج3 ، ط1، دار البعث، قسنطينة الجزائر، 1405هـ/ 1984م، ص:80.

[v] - البشير الإبراهيمي، مجلة مجمع اللغة العربية، ع 21، ص: 141، سنة 1964، القاهرة. تركي رابح، الشيخ...رائد التربية..، ص: 172.

[vi] ـ البشير الإبراهيمي، مجلة الثقافة، س15، ع 87، ص: 21.

[vii] ـ Charles R Ageron, histoire de l'algerie contemporaine, p:333.

[viii] - محمد البشير الإبراهيمي، مقدمة سجل مؤتمر جمعية العلماء المسلمين الجزائريين،د.ط، دار الكتب، الجزائر، 1982،ص:9

[ix] -  محمد البشير الإبراهيمي، مقدمة سجل مؤتمر جمعية العلماء المسلمين الجزائريين،1982، ص: 9.

[x] - قدم الدكتور محمد بن قينة دراسة جيدة عن رحلات ابن باديس داخل الجزائر وخارجها، نشرت في مجلة الموافقات، العدد السادس، 1997-1998م.

[xi] - عبد الحميد بن باديس، آثار الإمام عبد الحميد بن باديس، ج4 ، ط1، دار البعث، قسنطينة الجزائر، 1406هـ/ 1985م، ص:260.

*  مليانة مدينة تابعة لولاية عين الدفلى، تقع في الشمال الغربي الجزائري. 

[xii] - عبد الحميد بن باديس، آثار الإمام عبد الحميد بن باديس، ج4 ،ص:244.

** مدينة تقع في الشمال الغربي الجزائري، أصبحت تسمى بعد الزلزال الذي ضربها سنة 1982م الشلف.

[xiii] - عبد الحميد بن باديس، آثار الإمام عبد الحميد بن باديس، ج4 ، ص: 244-245.

[xiv] - عبد الحميد بن باديس، آثار الإمام عبد الحميد بن باديس، ج4 ، ص:251.

·  مدينة بالجنوب الشرقي تبعد عن مدينة قسنطينة ب 120 كلم.

[xv] - عبد الحميد بن باديس، آثار الإمام عبد الحميد بن باديس، ج4 ،ص: 257.

[xvi] - عبد الحميد بن باديس، آثار الإمام عبد الحميد بن باديس، ج4 ، ص:225.

[xvii] - عبد الحميد بن باديس، آثار الإمام عبد الحميد بن باديس، ج4 ، ص:266.

[xviii] ـ محمد البشير الإبراهيمي، الرجوع إلى هدي القرآن والسنة، مجلة رسالة التقريب ، ع 37، ربيع الأول 1424هـ، ص: 257.

[xix] - عبد الحميد بن باديس، آثار الإمام عبد الحميد بن باديس، ج5، ط1، دار البعث، قسنطينة الجزائر، د.تا، ص: 410-411.

[xx] - عبد الحميد بن باديس، آثار الإمام عبد الحميد بن باديس، ج5، ص:194.

[xxi]- عبد الحميد بن باديس، آثار الإمام عبد الحميد بن باديس، ج3 ، ط1، دار البعث، قسنطينة الجزائر، 1405هـ/ 1984م، ص:124.

[xxii]- عبد الحميد بن باديس، آثار الإمام عبد الحميد بن باديس، ج3 ، ص:80.

[xxiii]- عبد الحميد بن باديس، آثار الإمام عبد الحميد بن باديس، ج4 ، ص:317.

[xxiv] ـ عبد القادر فضيل ومحمد الصالح رمضان، إمام الجزائر عبد الحميد بن باديس، ص:146.

[xxv]- عبد المجيد النجار، في فقه التدين فهما وتنزيلا،ج1، ط1، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، قطر، د.تا، ص: 82.

آخر التغريدات: