قائد النهضة: الإمام عبد الحميد بن باديس، قُدْوةً مِثَالِيةً!

قائد النهضة: الإمام عبد الحميد بن باديس، قُدْوةً مِثَالِيةً!

بقلم: الشيخ عبد الرحمن شيبان -

الجزائر غنية بالعظماء فقد أوتيت، عبر العصور، قمما شامخة تباهي بها وتفاخر، ففي عهد الكفاح الفكري ضد الاستعمار الغاشم، عرفت الجزائر نجوما زاهرة، أضاءت الدرب للعاملين، من أجل خروج الجزائر من ظلمات الاحتلال، إلى نور الحرية والكرامة، وفي طليعتهم رائد نهضتنا الوطنية الشاملة، الإمام الشيخ عبد الحميد بن باديس -رحمة الله عليه- الذي تمر على ذكرى وفاته هذا العام، ثمانية وستون عاما، والذي جعلت الدولة الجزائرية من يوم وفاته، يوم 16 أفريل 1940م، مناسبة للاحتفاء بالعلم، إقرارا منها بأنه لولا العلم والإيمان، والعمل بمقتضاهما، لما تمكنت الجزائر من تحقيق استقلالها، واسترجاع سيادتها، فمن الحكمة والنجاعة معا، أن نجعل حديثنا في هذه المناسبة الكريمة، عن قائد نهضتنا المصلح، الشيخ عبد الحميد بن باديس –رحمه الله- باعتباره كان أكثر العلماء جهادا واجتهادا في بذل العلم للناس، وتمكينهم منه، تحقيقا لقول الله تعالى في الآية 36 من سورة الإسراء : }وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً {، إذ يقول الإمام ابن باديس – رحمة الله عليه- في شرح هذه الآية الكريمة: «العلم هو وحده الإمام الـمتبع في الحياة، في الأقوال، والأفعال، والاعتقادات ».

منهاج لتحرير الوطن

إن إمامنا عبد الحميد بن باديس –طيب الله ثراه- لو نظرنا إليه باعتباره مؤسسا لجمعية العلماء الـمسلمين الجزائريين -التي أخذت على عاتقها النهوض بالمجتمع الجزائري بواسطة بناء الـمدارس، وإنشاء النوادي، وتأسيس المساجد، وتكوين الـمنظمات الشبانية، الكشفية منها، والرياضية، والطلابية، وإصدار الصحف، لنشْرِ الحياة الفكرية- لكفاه ذلك وحده فضلا؛ فكيف لو اعتبرنا تفسيره للقرآن، وشرحه للموطأ، وكتاباته الصحفية، التي نافح فيها عن الإسلام والعربية، وعن الوجود التاريخي والسياسي للجزائر؟! وقبل ذلك وبعده، وضعه منهاجا لتحرير الوطن في نشيده «شعب الجزائر مسلم وإلى العروبة ينتسب» الذي دعا فيه شباب الجزائر، إلى أخذ العدة للكفاح الـمسلح الناجح بعد استكمال أدواته، ذلك النشيد الذي قال فيه :

"يا نَشء أنتَ رَجَاؤُنــــا --- وبِكَ الصبَاحُ قد اقتــــربْ

خُذْ للحياةِ سِلاحَـهَــــا --- وخُضِ الخطوبَ ولاَ تَهَـــبْ

وارفــع منار العدل والــ   ---    إحســان واصدِم من غصـبْ

وأذِقْ نُـفُوس الظالـميـــــنَ --- السُّــمَ يُمـْزَجُ بِالرَّهَــبْ

واقْـلَعْ جُذورَ الخائنيــــــن؛ --- فـمنهمُ كُــلّ العَطَــبْ

واهْـزُزْ نُفوسَ الجامدِيــــنَ،--- فــــرُبَّمـا حَيي الخشَــبْ

هَـذا نِظـامُ حيـاتِـنــا  --- بِالنُّـور خُـطّ وباللّــهَــبْ

هَذا لـكُـم عهْـــدي بهِ --- حتّـى أوسّـدَ في الـتُّـــربْ

فــإذا هلـكْـتُ فصيْحـتي  ---    تحْـيـَا الجزائـرُ والعَـــرَبْ

يا قوم هـذا نشــــؤكم    ---  وإلى المعـالي قـد وثــــب

كونــــــوا له يكن لكم --- وإلى الأمام ابنـــــا وأب

دستور للجزائر المستقلة

كما أن الإمام ابن باديس وضع منهاجا للتحرير الوطني -فيما كنا نستمع إليه- فإنه كذلك، رحمه الله، قد وضع للجزائر التي آمن بأنها ستستقل -بحول الله- دستورا تسير على هداه، استلهمه من أوَّلِ خطاب ألقاه أبو بكر الصديق –رضي الله عنه- أوَّلُ خليفة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أيها الناس، إني قد وليت عليكم ولستُ بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني... كما هو منصوص عليه في مقال له تحت عنوان: (أصول الولاية في الإسلام) الذي ورد في الجزء الخامس من آثاره ص361، مقررا فيه مبدأ «الديمقراطية الشعبية» في الحكم، إذ يقول في الـمادة الأولى منه: «لا حق لأحد في ولاية أمر من أمور الأمة إلا بتولية الأمة، فالأمة هي صاحبة الحقِّ والسلطة، والولاية والعزل، فلا أحد يتولى أمرها إلا برضاها، فلا يُورَث شيء من الولايات...وهذا الأصل مأخوذ من قوله (وليت عليكم) أي قد ولاني غيري وهو أنتم ».

ألا يستوجب كل ذلك رفعه إلى أسمى مقامات التقدير والإجلال، وتعريف الناشئة بجليل أعماله، وجميل آثاره؟!

إنما الأمم بأعلامها

إن الأمم بأعلامها علماءَ كانوا، أو ساسة، أو قادة عسكريين، إنهم هم الذين يجسدون روحها التواقة إلى الكمال، وجلائل الأعمال، وهم النبراس الذي ينير لها الطريق إلى الحياة الحرة الكريمة، وهم الذين يحركون فيها الشوق إلى غد أفضل، ومجد أكمل، فهم النموذج الـملهم، الذي ينبغي أن نقدمه لناشئتنا، لتتأسى به، وتنسج على منواله، في خدمة هذه الأمة والتمكين لها.

ولا أراهم يوفقون في خدمتها على الوجه الأمثل، إلا إذا تسلحوا بالفهم الصحيح لحقيقة الإسلام، التي عبر عنها الإمام عبد الحميد بن باديس –رحمه الله- عند تمييزه بين الإسلام الوراثي، والإسلام الذاتي، كما جاء في مقاله الـمنشور في الشهاب ج. 8، مج. 13، شعبان 1356هـ/ أكتوبر 1937م قائلا: «..هذا الإسلام الوراثي حفظ على الأمم الضعيفة الـمتمسكة به –وخصوصا العربي منها- شخصيتها ولغتها وشيئا كثيرا من الأخلاق ترجَحُ به الأمم الإسلامية إذا وزنت بغيرها، لكن هذا الإسلام الوراثي لا يمكن أن ينهض بالأمم لأن الأمم لا تنهض إلا بعد تنبُّهِ أفكارها، وتفتُّحِ أنظارها، والإسلامُ الوراثي مبني على الجمود والتقليد فلا فكر فيه ولا نظر ».

» أما الإسلام الذاتي، فهو إسلام من يفهم قواعد الإسلام، ويدرك محاسن الإسلام في عقائده، وأخلاقه، وآدابه، وأحكامه، وأعماله، ويتفقه –حسب طاقته- في الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، ويبني ذلك كلَّه على الفكر والنظر، فيفرق بين ما هو من الإسلام بحسنه وبرهانه، وما ليس منه بقبحه وبطلانه؛ فحياته حياة فكر، وإيمان، وعمل، ومحبته للإسلام محبة عقلية قلبية، بحكم العقل والبرهان، كما هي بمقتضى الشعور والوجدان ».

الفهم الواعي للإسلام

وهذا الفهم الواعي للإسلام، هو الذي يعينهم على إدراك علاقة الإسلام بالحياة ومعناها، كما عبَّر عنها هذا الإمام الجليل في الشهاب، ج. 8، مج. 14، ربيع الثاني 1357هـ/ مارس1938م، بقوله : «الإسلامُ دين الحياة، والعلم، والفنِّ، والحياةُ قوةٌ، وإيمانٌ، وجمالٌ، والعلمُ يـمثِّلُ القوَّةَ، والفنُّ يـمثِّل الجمالَ ».

إن مثل هذا الفهم هو الذي يعيد للإسلام قدرته على تفعيل الحياة تفعيلا ينهض بالأمم الراكدة، ويجعل منها أمما منتجة واعدة.

نسأل الله تعالى، أن يوفق الجزائر شعبا وقيادة، إلى العمل والسير على خطى الإمام ابن باديس، وجميع أسلافنا الـميامين، الصالحين الـمصلحين، أولئك الذين قال في وصفهم، بحق، شاعر النهضة الجزائرية، وحسان الحركة الإصلاحية، الـمرحوم الشيخ محمد العيد آل خليفة :

نحن جندُ الإلهِ في الســر والجــهـ --- ــر وجُند الإله ليس يـضــــامُ

نبتغي نـصرَ دينه الحق  يحـــــدو --- نــا ولاءٌ لــدينــه وذمـــامُ

علــموا الـمرءَ كل ما فيه مجـــدٌ --- وشــفـوفٌ لـقدره واحتـــرامُ

وجـهوا وجـهَ شعبكـم للمـعــالي --- فهي أهدافُه ونحن الســهـــــامُ

واجـعلوا الــدين رائـدا وإمــاما --- لــيس كـالدين رائـدٌ وإمــــامٌ

كل مـا يـشـرع ابـنُ آدم يــفنى --- ولـما يــشرع الإلـهُ  الـــدوامُ

سوف تهـوي مبــادئ الكفر --- صرعى فانـيات، ويـخلــد الإســـلام

فالحمد لله الذي جعل جهاد الجزائر -بقيادة ساستها وعلمائها- يتوج بالنصر المبين، فعاد جامع كتشاوة، في قلب العاصمة، الذي حوله المحتلون المعتدون إلى كنيسة كاتدرائية، تدعو إلى التثليث، إلى سيرته الأولى "مسجدا" يرتفع منه صوت الإسلام الداعي إلى توحيد رب الكون والعالمين أجمعين، ضارعين إلى الله تعالى في الوقت ذاته أن يوحد كلمة العرب والمسلمين، لتكون لهم القوة التي بها يواجهون تحديات الإذلال والإهانة، التي فرضها عليهم الصهاينة المجرمون المعتدون، بحماية الطغيان الأمريكي، الذي يدوس على جميع القيم الإنسانية، كما نلمس ذلك صباح مساء، في العراق وأفغانستان بصفة عامة، وفي فلسطين الجريحة الصامدة بصفة خاصة.

آخر التغريدات: