إمامان وشاعران في الدفاع عن الإسلام

إمامان وشاعران في الدفاع عن الإسلام

بقلم: د.صالح خرفي -

أما الإمامان فهما: محمد عبده وابن باديس وأما الشاعران فهما: شوقي ومحمد العيد

والإطار الذي ضم الأربعة, إطار الدفاع عن الإسلام, ومبادئه وقيمه, كل بالسلاح الذي أوتيه, شعرا, ونثرا, والوقوف وقفة التحدي الصارخ في وجه الاستشراق المتعصب, والاستعمار الثقافي المسموم.

تبادر إلى ذهني هذا الإطار المتجاوب الزوايا مشرقا ومغربا, وأنا أتأمل القصيدة الرائعة لمحمد العيد, في المعمر الفرنسي (آشيل) وموقفه العدائي من الإسلام, وما رماه به من تهم باطلة, في مقالات نشرها في جريدة (لاديبيش) القسنطينية, في أوائل هذا القرن.

وأراد الشاعر محمد العيد نفسه, أن يوحد الجبهة, ويجعل التجاوب تلقائيا بين دعوة الإصلاح في المشرق, وأختها في المغرب, ويوضح الخطوط العريضة التي رسمتها قبله الوشيجة الإسلامية, الخطوط العريضة لانتفاضات الإصلاح التي كانت تهتز هنا وهناك, في أرجاء من العالم الإسلامي العربي, فيربط بعضها ببعض تجاوب روحي, يمليه الواقع التاريخي العقائدي, قبل أن تسطره المؤتمرات ولجان التخطيط.

وهكذا وضعني العيد أمام الإطار وجها لوجه, حين قال في قصيدته:

هذا (ابن باديس) يحمي الحق --- متئدا كــذاك يتئــد الشـم الأماثيـل

أني أرى (عبده) المرحوم, مندفعـا --- ينحي علم زعم (هانوتو) و(برتيلو)

وبدافع من حب الإطلاع رحت أتلمس للإطار ألوانه, وأبحث عن الرسم الكامل له, لعلني بذلك أورق صفحة من أمجادنا, وأبعث موقفا مشرفا شاء الاستعمار وثقافته, أن يضربا بيننا وبينه وبين غيره من المواقف ستارا من حديد, رحت ابحث عن أبطال القصة, ومقتحمي المعركة, من الجانب النثري للإطار, فتولد لي في إطار ثان مكتمل بذاته.

الإطار النثري (1)

محمد عبده: هانوتو.

ابن باديس: آشيل.

ونقبت ثانية عما كتبه المستشرقان في التهجم على الإسلام وما كتبه الإمامان في الرد على التهجم, حتى أطمئن لاكتمال الإطار مبنى ومعنى, فخرجت بعد التنقيب باعتقاد راسخ, بأن خطة الهجوم على الإسلام كانت مبيتة مدروسة, متألبة ضد مبادئه التي تقض مضاجع الطامعين, وإن كانت خطة الدفاع بالعكس من ذلك, تبدو مدروسة, منسقة الأسلوب, ولكنها في الواقع دفاع تمليه عواطف كل مسلم, أنى شرق أو غرب, ويفرضها العدو المشترك.

(فهانوتو) فرنسي, كان يشغل منصب وزير الخارجية الفرنسية في أواخر القرن الماضي, و(آشيل) معمر فرنسي عاش في الجزائر في أوائل هذا القرن. وفرنسا في الفترتين كانت تتطلع بجناحيها إلى كل من آسيا وافريقيا. ولا تخطو خطوة فيها إلا وجدت الإسلام يقف لها بالمرصاد, فانكب أصحاب الفكر في (عاصمة النور) على دراسة الأساليب التي يزيحون بها الإسلام عن طريق أطماعهم. أو على الأقل يضمنون مسالمته في زحفهم إلى معاقله, فتولدت فكرة التهجم على الإسلام واستنقاصه, والنيل من تعاليمه, ومن النفوس التي تتسلح به, في وجه الأمبراطورية الفرنسية الزاحفة فكانت الفكرة تنبعث من باريس لتمتد إلى المستعمرات الإسلامية في القارتين, ترود خطى الأفارقة الزاحفين, وتمهد الطريق بطلائع تبشيرية تحارب في الجبهتين: جبهة تركيز المسيحية, وجبهة تقويض الإسلام, وما لنا نذهب بعيدا, فهانوتو نفسه يقرر بأنه ودولته أصبحا مع الإسلام وجها لوجه, ويجب التفكير في أن تكون هذه المواجهة في صالح الإستعمار الفرنسي على حساب الإسلام, وتطرقت النزعة الإستعمارية من جراء الإسلام المتربص لها في يقظة. ومن العجب أن يطالعنا هذا الجنون في النخبة الفرنسية المثقفة فيدعو البعض منها إلى نبش قبر الرسول (صلى الله عليه وسلم) في مكة, ونقل جثمانه إلى متحف (اللوفر) في باريس.

وتباينت الآراء الإستشراقية المتعصبة ضد الإسلام سلبا وإيجابا, لينا وشدة. اختلفت في معاملته كوسيلة, وإن كانت غاية الجميع واحدة, فالمهم: إما أن يستسلم هذا الإسلام للحضارة الأوروبية, ويخلي الميدان لإشعاعها, وإما أن يوطن أكتافه قنطرة من الوثنية الافريقية إلى المسيحية حتى قال أحد مؤرخي الكنيسة الفرنسية: (2)

"إن الإسلام قنطرة للأمم الإفريقية, يتنقلون بها من ضفة الوثنية إلى ضفة المسيحية, فليس الواجب والحالة هذه قاصرا على معاملة الإسلام بالتساهل والتسامح بل لا بد من رعايته وتعضيده, بأن نسعى في توسيع نطاقه, وترتيب الأرزاق على المساجد, والمدارس وجعله رائدا لمدينة فرنسا, وآلة نستعين به في فتح البلاد".

وهذه السياسة المسخرة للإسلام لخدمة أغراض الدخيل, ليست بعيدة عنا, فقد خيرها هذا الوطن, وكان ميدانا فسيحا لها.

وأختار كل من (هانوتو) و(آشيل) الهجوم المباشر, وتسلحا بالعداء الصريح, ورابطا في واجهة سافرة لمحاربة الإسلام, أما (هانوتو) فقد اغتر ببصيص من الاستشراق, ظنه الإشعاع الكافي الذي ينفذ به إلى أسرار الإسلام, وغاياته البعيدة, يبعثرها يمنة ويسرة, في عشوائية أبد ما تكون عن بصيرة العلم الراسخ.

وأما (آشيل) فهو الآخر, اغتر باحتكاك سطحي أعمى بالإسلام في هذه الربوع فاعتقده الخبرة الواسعة المحولة للمتهجم عليه, وتلك وصمة الاستشراق ولا تزال, يزن المستشرق ثقافته في العربية, بميزان لغته الأصلية فتتجلى له القطرة بحرا, ويكو المأخوذ رغم ضآلته, وتبرر الوسيلة المفضوحة غايات وأطماع استعمارية دنيئة, وينتج عن ذلك غرور بالنفس, يقود إلى المنعرجات الملتوية.

إن كان (هانوتو) و(آشيل) يحملان من التحمس للحضارة الأوروبية المسيحية ما دفعهما للنيل من الإسلام في عقر داره, وفي مستعمرات دخلوها ظلما وعدوانا, فلن يكون أبناء الإسلام أقل حماسا واستماتة في سبيل عقيدة لا تزال الحصن الحصين لهم من كل تهجم دخيل. لذلك لم يعدم (هانوتو) من يجابهه بنفس الصراحة التي هاجم بها. فكان له (عبده) بالمرصاد, وكال له الصاع صاعين, في بحر ليلة واحدة كتب فيها رده, ولم يعدم (آشيل) من يرد كيده في نحره, فكان له (ابن باديس) بنثره, و(محمد العيد) بشعره.

وبين ـ الردين رغم الفترة الزمنية الفاصلة بينهما ـ تجاوب أصيل, فهما ينزعان إلى نبع واحد, هو الإسلام, نزوع التهجم إلى حمأة استعمارية واحدة, ويمثلان حركة إصلاحية متكاملة, أحدهما صدى للأخرى. صدى عفوي, كما أشرنا, تعززها لحمة توجيهية تصلها بالمشرق بواسطة الكتاب أو المجلة أو الزيارة الخاطفة, توزن بما تحمل من أسرار, لا بما يتسع لها الوقت من الدقائق المعدودة, كتلك الزيارة التي قام بها الأستاذ الإمام محمد عبده للجزائر في سنة 1903.

غير أني ألاحظ ـ في هذا الموقف بالذات ـ أن ابن باديس, أقرب إلى الجرأة في منازلة خصمه من محمد عبده. فبالرغم من الحرية الفكرية التي أتيحت للإمام محمد عبده, وحرمها ابن باديس, فقد واجه الأخير (آشيل) بوجه سافر, ونشر مقالاته بإمضائه الشخصي الصريح, واضعا نفسه أمام المسؤولية مباشرة, غير متخذ من اسم الجمعية جنة, ولا من المجلة ترسا, ولا متوار خلف الأسماء المستعارة. (3)

وهذه الظاهرة الجريئة, استرعت نظر (محمد العيد) فقال مشيرا إليها:

(عبد الحميد) رعاك الله من بطل --- ماضي الشكيمة لا يلويك تهويل

دمغت أقوال (آشيل) كما دمغـت ---  أبطال أبرهة الطير الأبابيــل

بينما نشر الإمام (عبده) مقالاته في (هانوتو) بإمضاء (إمام من أئمة الإسلام) ولم يأذن لصاحب جريدة (المؤيد) التي نشرت له, بالتصريح باسمه. و(شوقي) نفسه لم يصرح باسمه في القصيدة التي بارك فيها موقف الإمام من (هانوتو). ولعل الاحتكاك الدائم المتقد, السافر الوجه بين الجزائر والاستعمار, فرض هذا الأسلوب, غير أنها ظاهرة تدعو إلى الحيرة, لا بالنسبة لي فحسب, ولكن بالنسبة للدكتور محمد صبري ناثر (الشوقيات المجهولة) ومن بينها قصيدة شوقي في الإمام محمد عبده حيث قال الدكتور معلقا: (4)

"مقالات محمد عبده في الرد على (هانوتو), لم تنشر باسمه في (المؤيد) وقد جمعت في كتاب على حدة سنة 1900. ونسبت لعظيم من عظماء الإسلام, وإمام من أئمته الاعلام. والعجيب أن يتنكر إمام الأئمة, وسيد الشعراء.

وبالغ محمد عبده في التكتم في نشر مقالاته حتى بالنسبة لخاصته وذكرني بقول العباس بن الاحنف:

سموط لي ناس, وقالوا أنـها ---  لهي التي تشقـى بها وتكابد

فجحدتهم, ليكون غيرك ظنهم ---  إني ليعجبني المحب الجاحد

(فقد جزم أكثر أهل العلم والأدب في مصر, أن كاتب المقالات هو الإمام (عبده) وذكروا له ذلك في مجلس خاص, وتوقعوا أن يتهلل وجهه ولكنه فاجأهم بقوله ممتعضا: انه لا يسوءه ويحزنه شيء كما يسوءه هذا القول, المتضمن لمنتهى ذم قومه وأهل بلده, بالجهل والعجز عن مثل هذا الرد, الذي يجب أن يضطلع به أكثر أهل التعليم, ثم قال: ومن المصائب على المرء أن لا يستطيع الاستخفاء في هذا البلد الكبير, إذا أراد أن يظهر رأيه وافكاره دون شخصه, إذا رأى مصلحة في ذلك).

والمصلحة بالطبع هي الإبقاء على الحركة الإصلاحية من سطو القصر وجبروت الحكم العثماني, الذي لم يغفله بدوره, فتعرض له بنقد جارح من ثنايا مقالاته في (هانوتو).

وإن كنت أميل إلى موقف الدكتور (محمد صبري) في تعجبه من تنكر إمام الأئمة وسيد الشعراء, فقد عاش (ابن باديس) التجربة في الجزائر بأقسى مما عاشها (محمد عبده) في مصر العثمانية, ونازل ابن باديس عدوا مجاورا وملاحقا له, يملك من السطوة والسلطة والتأييد الرسمي, ما يستطيع أن يمد به يد الإساءة, فلم يستنكف الشيخ عن الصراحة السافرة, ولا تقاعس عنها الشاعر محمد العيد. على أن يد (هانوتو) في باريس, تقصر عن أن تمتد إلى محمد عبده في مصر بسوء, ولو عن طريق غير مباشر, طريق الخديوي أو المعتمد البريطاني.

الإطار الشعري:

شوقي محمد عبده

محمد العيد ابن باديس

ولم يتخلف الشعر عن الركب, بل سهر حاديا له, ورائدا لخطواته فلم يكن موقف محمد عبده من هانوتو في المشرق, ولا موقف ابن باديس من آشيل في المغرب, موقفا يستطيع الشعر أن يغض الطرف عنه, أو يتخلى عن الرسالة التي عرف بها الشعر العربي في مختلف عصوره, بل كانت استجابة الشاعرين لوقفة الإمامين, مصداقا لما قاله شوقي نفسه:

كان شعري الغناء في فرح الشـر  ---   ق وكـان العـزاء في أحـزانه

غير أني وأنا أتصفح القصيدتين, وجدت ظاهرة تبعث على الدهشة أجد روحا شاعرية باهتة عند شوقي أمير الشعراء, وبالعكس أجد عند محمد العيد عاطفة صادقة, وإحساسا نابضا, أتلمس ذكرى وعاطفة وحكمة. بينما لا تخرج قصيدة شوقي عن مدلول التقطيع والأوزان, وأطلب الشوقية الشاعرة المعروفة, فأغدو كالراقم على الماء خانته فروج الأصابع.

وبالطبع المجال مجال مقارنة بين قصيدتين في موقفين متشابهين وإلا فلكل شاعر مقامه الذي عرف به, وشوقي لا ينازعه منازع في إمارته على الشعراء, كما لا ينازع منازع في أن العيد حتى الآن, لم يعط الدراسة التي تقدمه للقراء بما يستحق. (5)

وأعود إلى قصيدة شوقي التي أفهمتني السبب في عدم إدراجها في (الشوقيات) وتناسيها في زوايا الإهمال, لأنها أبيات لا تقف على رجلها بجانب الشعر العملاق لشوقي, حتى كتب النشر للقصيدة على يد الدكتور محمد صبري ناشر (الشوقيات المجهولة).

إذا كان القصر العثماني في القاهرة من الأسباب التي دفعت (محمد عبده) إلى التنكر في نشر مقالاته, فالقصر نفسه الذي ولد شوقي في بابه دفعه لا إلى التنكر في نشر القصيدة بغير اسمه فحسب, بل إلى التنكر في روحها ومعانيها وسطحية معالجتها للموضوع, وكأني بشوقي يدفع دفعا لنظم هذه الأبيات, متأرجحا بين رضا القصر, وإنصاف الإمام الذي ينظر إليه القصر بكثير من الحذر:

الخون إسماعيل في أبنائه ولقد ولدت بباب اسماعيلا

أما الجرأة فإني أجد (محمد العيد) الأعزل من كل سلاح, يتصدى (لآشيل) بوجه صارخ, ويشهر باسمه في عنونة القصيدة, بل يفتتح به أبياتا منها في توعد ووعيد, ويركز الهجوم على العدو بدون التواء, بل يوسع مدلول العدو من شخص بعينه إلى الإستعمار بأكمله, فيتعرض له في سخرية لاذعة, ومقارنة دامغة, ويلتفت إلى (آشيل):

ما بال (آشيل) يزري المسلمين --- وهم غـر العرائك أنجـاب بهاليل

أفكـارهم بهـدى القـرآن نـابتـة ---  فلا يخامرها في الرأي تضليل

وأمـرهم بينهم شـورى, ودينـهـم ---  فتـح مـن الله, لا قتل وتمثيل

وقبل أن تصل هذه الأبيات, يعطيك صورة عنها, وعن روح القصيدة كلها هذا المطلع الرائع:

هيهات لا يعترى القرآن تبديل --- وإن تبدل توراة وإنجيل

وبعد الجولة الصادقة من "محمد العيد" مع (آشيل) يلتفت في وفاء واعتراف بالجميل, وفي عاطفة دافقة إلى ابن باديس بما يستحق من التقريض.

وشوقي على طرف مناقض, يتحامى أن يذكر (هانوتو) بسوء. بل لا يورد له في القصيدة ذكر, ويتوارى خلف العموميات, ويتنفس صعداءه في واو الجماعة, وضمير الغائب الذي يريحه من كل تبعة:

إذا جهلت يـومـا علينا خصومنا ---  فانك من جهل الخصوم مجير

وان جردوا الأقلام, جردت أثرها ---  يراعا له في الخافقين صرير

ولا غرابة, فالحادثة وقعت في أول القرن. وبالأصح في فترة مخضرمة بين القرنين, وسيحتاج شوقي وقتها أربع قرن يعود بعده من المنفى, لتتضح وطنيته, وتنصهر عاطفته نحو بلاده في نار الابعاد, لتقف مواقفها المشرفة.

كذلك الموقف الخالد الجريء في وداع (اللورد كرومو) المعتمد البريطاني. (6)

ولا أطيل على القارئ, فسأضع القصيدتين بين يديه لينفرد بالحكم.

قال شوقي: (7)

(محمد) مـا أخلفتنا ما وعـدتنا --- صدقت وقال الحق منك ضمير

فأنت خضم العلم حـال سكونه --- وأنت خضم العلم حين تثـور

وأنت أمير الحفظ والقول والنهي --- إذا لـم ينل تلك الثـلاث أمير

ففوق عليم القـوم منـك معـلم --- وفـوق وزير القوم منك وزير

إذا جهلت يومـا علينا خصومنا --- فإنك من جهل الخصوم مجير

وان جردوا الأقلام جردت أثرها ---  يراعا له في الخافقين صرير

إذا صار يوما ضيفم القوم ضيفما ---  له في نفوس الشـانئين زئير

وأنت قريب في الـولاء مؤمـل ---  وأنت أبي في الخصـام كبير

ويعجبني منك التقي حين لا --- تقي وجدك حين الهازلـون كثير

قال محمد العيد" (8)

(ما بال آشيل يهذي)

هيهات لا يعتري القرآن تبديل --- وإن تبدل توراة وإنجيل

قل للذين رموا هذا الكتاب, بما ---  لم يتفق معه شرح وتأويل

هل تشبهون ذوي الألباب في ---  خلق إلا كما تشبه الناس التماثيل

فاعزوا الأباطيل لقرآن وابتدعوا ---  في القول, هيهات لا تجدي الأباطيل

وازروا عليه كما شاءت حلومكم --- فإنه فوق هام الحق إكليل

ماذا تقولون في أي مفصلة ---  يزينها من فم الأيام ترتيل

ماذا تقولون في سفر صحائفه ---  هدى من الله ممض فيه جبريل

آياته بهدى الإسلام ما برحت --- تهدي المماليك جيلا بعده جيل

فآية ملؤها ذكرى وتبصرة ---  وآية ملؤها حكم وتفصيل

فليس فيه لا على الناس منزلة ---  (عدن) وفيه لأدنى الناس سجيل

ولا احتيال ولا غمص ولا مطل --- ولا اغتيال ولا نغص وتنكيل

(الاشتراكية) السمحاء مذهبه في ---  الحكم, لو لم تطل فيها الأقاويل

إن هو إلا هدى للناس منبلج  --- ضاحي المسمى, أغر الإسم, تنزيل

لئن مضت عنه أجيال وأزمنة --- تترى فهل سامه نقض وتحويل

ما بل (آشيل) في (الدبيش) يسخر --- من آيات محكمة لا كان (آشيل)

ما بال (آشيل) يهدي في مقالته --- كحالم راعه في النوم تخييل

ما بال (آشيل) يزري المسلمين --- وهم غر العرائك انجاب بهاليل

أفكارهم بهدى القرآن ثاقبة فلا --- يخامرها في الرأي تضليل

وأمرهم بينهم شورى ودينهم ---  فتح من الله, لا قتل وتمثيل

لا يعدم الحق أنصارا تحيط به --- سورا, ولو كثرت فينا الأضاليل

هذا ابن باديس يحمي الحق --- متئدا كذاك يتئد الشم الأماثل

إني أرى (عبده) المرحوم مندفعا --- ينحى علم زعم (هانوتو وبرتيلو)

(عبد الحميد) رعاك الله من بطل --- ماضي الشكيمة لا يلويك تهويل

دمغت أقوال (آشيل) كما دمغت ---  أبطال (أبرهة) الطير الأبابيل

عليك مني, وإن قصرت في --- كلامي تحية ملؤها بشر وتحليل

 

المراجع:

1-  مقالات الإمام محمد عبده توجد في "المؤيد" من 17-19 سنة 16-1900، وكذلك في تاريخه للأستاذ رشيد رضا ، ومقالات الشيخ في مجلة"الشهاب" من 5-12 سنة 1926.

2-  محمد رشيد رضا (تاريخ الأستاذ الإمام) ج2، ص 3910.

3-  تأمل رأي الشيخ فيما يمضيه باسمه الخاص في مقال حمزة بوكوشة (مع عبد الحميد بن باديس في ذكراه ).

4-  د. محمد صبري، (الشوقيات المجهولة) طبع دار الكتب المصرية .

5-  لا أقلل هنا من الدراسة القيمة للأخ بلقاسم سعد الله (محمد العيد رائد الشعر الجزائري في العصر الحديث ) ولكن الشاعرفي نظري أحوج إلى دراسة نقدية منه إلى دراسة تقريرية ،وهو الطابع الغالب على دراسة سعد الله .

6-  قصيدته في وداع اللورد كرومر والتي مطلعها :

أيامكم .أم عهد إسمـاعيـلا أم أنت فرعون يسوس النيلا

7-  الشوقيات المجهولة :تحقيق د.محمد صبري ، طبع دار الكتب المصرية .

8-  شعراء الجزائر في العصر الحاضر ، محمد الهادي الزاهري ، ج1 المطبعة التونسية.

آخر التغريدات: