ابن باديس: الابتعاد عن السياسة لأجل الإصلاح

ابن باديس: الابتعاد عن السياسة لأجل الإصلاح

بقلم: مهند مبيضين -

كيف تسنى لمصلح في بيئة مالكية أشعرية، أن يتبع المنهجية السلفية في حركته الإصلاحية لتصحيح العقائد وإحياء الثقافة الإسلامية، على وجهها الصحيح؟. سؤال نطرحه في ظل قراءة لمشروع الإصلاح والتجديد في المغرب العربي من خلال التجربة الجزائرية، التي كانت قد بدأت مبكرا في المحيط المغربي منذ القرن التاسع عشر مع مشروع خير الدين التونسي ثم أحمد بن أبي الضياف في تونس.

لكن ربما تبدو التجربة الجزائرية في عهد الاستعمار مختلفة بعض الشيء، لأنها ولدت بمعزل عن السلطة السياسية، بعكس تجربة رؤى الإصلاح في تونس، وهو ما يمكن قراءته في سيرة أحد ابرز رجالات الإصلاح الديني في الجزائر وهو الإمام عبد الحميد بن باديس، الذي يلخص عصره في مدرسته الإصلاحية، وهنا نقول أن قراءة جهد ابن باديس وتذكره لا تستثني جهود معاصرين له أمثال الطيب العقبي ومحمد البشير الإبراهيمي ويجب أن تقرأ تجربة الرجل في سياق واحد مع سير الرواد ممن شاركوه همّ الأمة آنذاك .

في السادس عشر من نيسان الماضي مرت ذكرى رحيل رائد الإصلاح والحركة الوطنية الجزائرية عبد الحميد بن باديس، كانت الذكرى مجرد السؤال الجاد عن مصير الأفكار التي أطلقها الرجل في سبيل النهضة والتقدم والتجديد الإسلامي، وكأن الأقدار شاءت أن تبقي جهود ابن باديس الإصلاحية حبيسة قرنها لا تتعداه.

فهل ستبقى أفكار هذا المصلح على حالها، في انتظار من يعيد التجديد فيها ومن يطل على الجزائر في القرن الواحد والعشرين بصيغ أفضل؟

البيئة وأسئلة النهضة

التذكر الذي اعترف انه جاء متأخر لهذا الراحل لا يعني أننا أغفلناه من المتابعة بقدر ما كان هناك مقدمات وأسئلة رحت ابحث عنها حتى عثرت على احد الأجزاء الذي يضم أعمال ابن باديس وهو الجزء السادس، ولي وقفة معه في الجزء الثاني من هذا المقال، ولكن بعد أن أعرف بهذا المصلح والبيئة التي انطلق منها، فمن هو الإمام عبد الحميد بن باديس؟ وما هي مدرسة الرجل التي أطلت على الجزائر وهي فرنسية فأضاءت قرنها ثم ولت وتوارت وكادت أن تذهب بما أثارته من أسئلة النهضة؟

حسب المصادر الجزائرية وكتب التراجم يمتد نسب هذا الرجل إلى عائلة تنتمي أصولها إلى قبيلة صنهاجة الأمازيغية، المشهورة في تاريخ الشمال الإفريقي؛ فأحد أجداده هو الأمير "بلكين بن زيري بن مناد" المكنى بأبي الفتوح، الذي أسند إليه الخليفة الفاطمي "المعز لدين الله" السلطة على أفريقيا والمغرب الأوسط (الجزائر حالياً). كما أنجبت هذه الأسرة أيضاً "المعز لدين الله بن باديس" الذي تم على يده فصل المغرب الإسلامي عن الخلافة الفاطمية ووصله سياسياً بالقائم بأمر الله الخليفة العباسي، وحمله دينياً على المذهب المالكي بدل المذهب الشيعي الإمامي. وقد كان يحلو كثيراً للإمام ابن باديس الافتخار بهذا الجد، لما له من فضل على صياغة المغرب الإسلامي منذ ذلك الوقت وحتى يومنا هذا.

يرى أبو القاسم سعد الله أستاذ التاريخ الحديث في جامعة سيدي عبد القادر الجزائري أن علماء الجزائر كانوا يحظون باحترام مجتمعهم وبهذا تمكنوا من التأثير في أوساطه، كما يؤكد ذلك الكاتب الفرنسي "مارسيل أجريتو" في كتابه "الوطن الجزائري" أن الثقافة كانت منتشرة في الجزائر قبل الاحتلال الفرنسي سنة 1830، وأن العلماء فيها كانوا يتمتعون بقسط وافر من الاحترام داخل المجتمع. وقد لاحظ مؤرخون فرنسيون آخرون أمثال الجنرال "ولسن استرهازي" و"إسماعيل أوربان" أن الجزائريين الذين يكتبون ويقرأون كانوا في ذلك العهد أكثر عدداً من الفرنسيين؛ بحيث كانت تزيد نسبة المتعلمين في الجزائر على 55%، استطاع الجنود الفرنسيون الأميون الجهلاء تخفيضها إلى حدود بات معها الشعب الجزائري أقرب ما يكون إلى الأمية الشاملة، في أظلم حقبة زمنية مرت في تاريخه كله.

ووسط حركة الاستعمار الشامل لعبت جمعية العلماء المسلمين وروادها دورا هاما في مقاومة الاحتلال الفرنسي، ووقفت الجمعية التي كان ابن باديس مؤسسا لها مع علماء أمثال الإمام محمد البشير الإبراهيمي موقفا مدافعا ضد سياسات الاستعمار التي انحصرت في أهداف خمسة ترمي كلها إلى سلخ أمة عن هويتها: التفقير، والتجهيل، والتنصير، والفرنسة، والتجنيس.

واستهدفت سياسة الاستعمار التعليم العربي الحر الذي كان موازياً للتعليم الرسمي الفرنسي، فقد استهدفته السلطات الاستعمارية بقانون سنة 1904 الذي يحظر فتح أي مدرسة عربية من دون نيل ترخيص من المحافظ الفرنسي (الحاكم العسكري) تحت طائلة الحبس والغرامة. وكان منح هذه الرخصة يخضع لجملة شروط، القصد منها تفريغ هذا النوع من التعليم من روحه ومحتواه.

في ظل هذه الظروف القاسية ظهر الإمام ابن باديس الذي عمل في غفلة من المحتل ومعاونيه، وبدأ يبث أفكاره الإصلاحية. ولم تكن حركته في الجزائر بدعاً من الحركات التجددية في العالم الإسلامي، فأنباء التأثر والتأثير في ما بينها واضح في مشارق الأرض ومغاربها؛ سواء تعلق الأمر بالجرائد والمجلات التي كانت تفد على الجزائر مما أصدره الإمامان الأفغاني ومحمد عبده، ومن بعدهما الشيخ محمد رشيد رضا، أم تعلق بزيارات متبادلة بين المشارقة والمغاربة، يذكر منها زيارة الإمام محمد عبده بداية القرن العشرين إلى الجزائر والتقاؤه بعلمائها، ورحلة ابن باديس إلى الحجاز، حيث قابل رفيق دربه الإمام محمد البشير الإبراهيمي، في لقاء تاريخي تعارفا فيه وتدارسا شأن الإصلاح في الجزائر واتفقا على خطة العمل التي ستقلب الطاولة على الغزاة الفرنسيين.

تدرّج ابن باديس في تعليمه كما يتدرج أبناء العائلات المحافظة في الكتاتيب، وتتلمذ على من توافر له من أساتذة في مدينته قسنطينة عاصمة الشرق الجزائري، فحفظ القرآن الكريم ولمّا يتجاوز الثلاثة عشر عاماً، ولازم أستاذاً كان له الأثر الطيب في روحه وسلوكه، هو الشيخ حمدان لونيسي العالم المتصوف، الذي أوصاه "أن يقرأ العلم للعلم لا للوظيفة ولا للرغيف". وما ان بلغ الإمام التاسعة عشرة يمّم شطر جامع الزيتونة المعمور، حيث مكث ينهل من علومه أربعة أعوام نال نهايتها شهادة العالمية - أصبح عالما- وفي الجامع مدرساً، ثم عاد إلى وطنه سنة 1913.

تجربة الزيتونة والرحلة للشرق

كانت تجربة ابن باديس في جامع الزيتونة بمثابة نقلة نوعية، أغنت محصلته بالعلوم العربية والشرعية، وأنضجت تفكيره في التربية والإصلاح، بدت ملامحها عليه باكراً، حينما عاب على مناهج الزيتونة العقم والجمود، ما حاول تلافيه في مناهج مدرسته التربوية التي أسسها في الجامع الأخضر في قسنطينة.

شاءت الأقدار أن يرتحل ابن باديس في العام نفسه الذي حط فيه ابن عاشور الرحال في الجزائر، لكنّ هذه المرة الى مكة، فعرّج على المسجد النبوي وألقى فيه دروساً والتقى علماء ومفكرين، كان على رأسهم رفيق دربه الإمام محمد البشير الإبراهيمي، العالم والأديب والكاتب الجزائري الذي آلت إليه رئاسة جمعية العلماء بعد وفاة ابن باديس في السادس عشر من نيسان/ أبريل سنة 1940.

ابن باديس والاستقلال

لا يجد الباحث في أحاديث ابن باديس إلا نتفا تشير إلى علاقة حركته باستقلال الجزائر، نظراً لما كان يعلمه من نيات الاستعمار المبيتة له ولجمعيته بعدما ذاع صيتها وبان أمرها. ولعل أكثر كلماته صراحة في هذا المجال ما قاله حين عودة مصالي الحاج من فرنسا ومطالبته باستقلال الجزائر: "وهل يمكن من شرع في تشييد منزل أن يتركه من دون سقف؟ وما غايتنا من عملنا إلا تحقيق الاستقلال". إن هذا الكلام وغيره مما كان يخفيه ابن باديس ولا يبديه لحاجة في نفسه يريد قضاءها، تتصل بالبند الذي ورد في القانون التأسيسي للجمعية والقاضي بالبعد عن الشأن السياسي، وهو بند أراد أن يراوغ به الإمام الإدارة الاستعمارية لئلا تحول دون مشروعه الإصلاحي وهو لا يزال في المهد. والغريب أن يستدل بعض المغرضين بهذه الحكمة البالغة من الإمام ليقول إن جمعية العلماء لم تشترك في تحرير الجزائر!

لقد انطلق ابن باديس منذ أن عقد العزم على النهضة بشعبه من المسجد، فأسس في الجامع الأخضر في قسنطينة معهداً اتخذ له الرخصة الرسمية غطاء شرعياً تحول دون ملاحقات السلطات الاستعمارية، التي لم تعِ خطورة ما يفعله هذا الرجل على وجودها إلا بعد أن اتسع الرقع على الراقع. وظل ابن باديس معتكفاً على مشروعه حتى عام 1930، حين تقدم بمشروع عصرنة معهده ليغدو مدرسة تحتضن مكتباً للتعليم وملجأ للأيتام ونادياً للمحاضرات ومعملاً للصنائع وتمويلاً للإرساليات العلمية إلى الكليات والمعامل الكبرى.

بعيدا عن السياسة

في تموز (يوليو) من عام 1930 بلغ من عمر الاحتلال الفرنسي للجزائر مئة عام، أقامت فرنسا بمناسبته حفلاً صاخباً قدرت له أن يدوم ستة أشهر بالتمام والكمال، فدعت إليه الدنيا كلها، لكنها اضطرت إلى تقليصه في مدة شهرين نظراً لمقاطعة الشعب الجزائري لها وغضبه منها. في هذه اللحظة التاريخية تقدم ابن باديس إلى السلطات الاستعمارية بطلب الاعتماد لجمعيته، جمع فيها خيرة علماء الجزائر، ووجدت فيها فرنسا من جانبها مأرباً لتلطيف الأجواء بينها وبين الشعب الغاضب فوافقت على الفور.

اتبع ابن باديس مبدأ الابتعاد عن السياسة من أجل مشروعه الإصلاحي وتبنى شعار" الإسلام ديننا والعربية لغتنا والجزائر وطننا"، وأعلن في قانونها الأساس "أنه يمنع بتاتاً كل بحث سياسي، وكذلك كل تدخل في أية مسألة سياسية داخل نطاق هذه الجمعية". وأخذت الجمعية على عاتقها محاربة استعمارين محاربة لا هوادة فيها: أولهما: استعمار مادي هو الاستعمار الفرنسي، يعتمد في وجوده على الحديد والنار. وثانيهما: استعمار روحاني يمثله مشايخ الطرق الصوفية، المتاجرون بالدين، الناشرون للبدع والخرافات.

في سبيل تلك الأهداف تقاسم كبار علماء الجمعية الأدوار، وانتشروا في مشارق الجزائر ومغاربها، باذلين جهوداً مضنية تنوء بها الجبال الرواسي في نشر العربية وإحياء الدين، وسعوا إلى فتح مدارس في كل أرض تطأها أقدامهم؛ فبلغت مدارس الجمعية في غضون سنوات معدودات العشرات، ضمت ما يربو على خمسين ألف طالب وطالبة، تجري في دمائهم محبة الإسلام، وتنعقد إراداتهم على العمل من أجل العربية والجزائر.

شرح الإمام الإبراهيمي الطريقة التي انتهجت في تعليم هذا الجيل الرائد حينما كتب: "كانت الطريقة التي اتفقنا عليها أنا وابن باديس في اجتماعنا في المدينة المنورة سنة 1913 في تربية النشء هي ألا نتوسع في العلم، وإنما نربيه على فكرة صحيحة ولو مع علم قليل، فتمت لنا هذه التجربة في الجيش الذي أعددناه من تلامذتنا".

توجهت الجمعية إلى الجماهير العريضة - عبر المساجد والنوادي التي أنشأتها - فعبأتها، وبتاريخها المجيد ذكرتها. وكان من جملة تلك الأساليب إنشاء الصحف والمجلات، فكان لها أكبر الأثر في نشر الوعي الديني والسياسي؛ فأسسوا جريدة المنتقد والشهاب والسنّة المحمدية والشريعة المطهرة والصراط السوي والبصائر، وكلها صحائف متعددة لفكرة واحدة، كانت تصدرها الجمعية بحسب مقتضيات المرحلة ومتطلبات الظرف.

أخيرا لعل اللافت في تجربة الشيخ ابن باديس أنه اتخذ المنهجية السلفية في حركته الإصلاحية لتصحيح العقائد وإحياء الثقافة الإسلامية ، في بيئة مالكية أشعرية، فقد وجد فيها خير سبيل لاستئصال ما قدّس من أقوال المشايخ في النفوس وكل ما لا يمت إلى صحيح الدين بصلة؛ فربط الأفكار بمصدريها الكتاب والسنّة، وبنى مناهج مدارسه على هذين الأصلين، بل إنه عاب على الزيتونة عدم اهتمامها بالقرآن والحديث على رغم أنهما أصل كل العلوم الشرعية والعربية.

آخر التغريدات: