عبد الحميد بن باديس: إمام النهضة، وقدوة الأمة

عبد الحميد بن باديس: إمام النهضة، وقدوة الأمة

بقلم: عبد الحميد عبدوس –

لقد منّ تبارك وتعالى، على الجزائر وشعبها أن بعث فيها رجل كابن باديس، في فترة تدحرجت فيها إلى أسفل دركات اليأس والجهل والهوان، فقام على تجديد أمر دينها عملا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح : "إن الله يبعث لهذه الأمة، على راس كل مائة عام من يجدد لها أمر دينها".

وعلّم نشأها، تطبيقا للآية القرآنية الكريمة : " اقْرأ بِاسم رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ " (سورة العلق الآية 1) ونظم نخبتها وعلماءها، إذ أسس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في سنة 1931 (أي يعد مرور قرن على احتلال الجزائر) وحرض شبابها على الثورة على الاستعمار (كتب نشيده الخالد "شعب الجزائر مسلم" سنة 1937). ودافع عن وحدة الأمة الجزائرية (كتب مقالا بعنوان : "ما جمعته يد الله لا تفرقه يد الشيطان" نشر في الشهاب فيفري 1936)، أبرز فيه عمق الأخوة الدينية والوطنية بين عنصري الجزائر من العرب والأمازيغ.

لقد فك ابن باديس قنابل الاستعمار وغرس بدلا عنها بذور الأمل والنهضة والتحرر في أرض الجزائر الطيبة، ولعله أنجز خلال عمره القصير (51 سنة) – عليه رحمة الله ورضوانه – ( 1889 – 1940) أكثر ما تستطيع إنجازه جماعة كبيرة من الرجال خلال عدة أجيال، والسبب في ذلك أن اليوم الواحد في حياة إمامنا الراحل، عبد الحميد بن باديس كان حافلا بالأعمال الجليلة والمواقف الخالدة من طلوع الفجر إلى ساعات متأخرة من الليل.

كان في يومه : عابدا ورعا، وعالما معلما، وصحفيا موجها، وثوريا محرضا، وقائدا منظما، وخطيبا مربيا، ومصلحا ناشرا للسنة، هادما للبدعة.. وباختصار كان ابن باديس إمام النهضة، وقدوة الأمة.

ولكن يبقى أنه لا أحد من البشر يعرف ابن باديس حق المعرفة مثل رفيقه المفضل في حياته، وخليفته في رئاسة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بعد مماته، الشيخ العلامة محمد البشير الإبراهيمي – عليه رحمة الله – وهذا ما يقول عنه : "عبد الحميد بن باديس، باني النهضة الجزائرية وإمامها، ومدرب جيوشها، عالم ديني، ولكن ليس كعلماء الدين، الذين عرفهم التاريخ الإسلامي في قرونه الأخيرة، جمع الله فيه ما تفرق في غيره من الناصع، واللسان المطاوع، والذكاء الخارق، والفكر الولود، والعقل اللماح، والفهم الغواص على دقائق القرآن، وأسرار التشريع الإسلامي، والإطلاع الواسع على أحوال المسلمين والإلمام الكافي بمعارف العصر مع التمييز بين ضارها ونافعها، مع أنه لا يحسن لغة من لغاتها غير العربية، وكان من التضلع في العلوم الدينية واستقلاله في فهمها إماما في العلوم الاجتماعية، يكمل ذلك كله قلم بليغ شجاع... فكان من أخطب خطباء العربية وفرسان منابرها، كما كان من أكتب كتابها.."

ويضيف الشيخ البشير الإبراهيمي قائلا : " كل ما يوجد في الجزائر من حركات، فهو مدين لجمعية العلماء بوجوده، وكل ما يعلو فيها من أصوات، فهو صدى مردد للكلمات النارية التي كان يقذفها لسان مبين، يترجم عن علم مكين، ودين متين...

وحسب ابن باديس من المجد التاريخي أنه أحيا أمة تعاقبت عليها الأحداث والغير، ودينا لا بسته المحدثات والبدع، ولسانا أكلته الرطانات الأجنبية، وتاريخا غطى عليه النسيان، ومجدا أضاعه ورثة السوء، وفضائل قتلتها رذائل الغرب.."  

إن الإمام عبد الحميد بن باديس جدير بأن تفخر به الجزائر بل وأن تفاخر به الأمة العربية والإسلامية قاطبة لأنه سخر حياته لافتكاك الجناح الغربي للأمة العربية والإسلامية من مخالب المشخ والتغريب والاستلاب الروحي والحضاري كما سخر الشيخان المصلحان العالمان جمال الدين الأفغاني محمد عبده – عليهما رحمة الله – جهودهما لإيقاظ الجناح الشرقي للأمة من وهدة الانحطاط ورذائل الجهل والاستبداد.

 

* مقال منشور في جريدة البصائر العدد : 235 – الإثنين 02-09 ربيع الأول 1426 هـ/11-18 أفريل 2005

آخر التغريدات: