ملامح من إسهامات الإمام عبد الحميد بن باديس في النهوض باللغة العربية

ملامح من إسهامات الإمام عبد الحميد بن باديس في النهوض باللغة العربية

بقلم: د.محمد بن سمينة -

إن هذه الكلمة تحاول أن تتلمس طريقها تأملا في تراث الإمام الرائد و العلامة المجاهد عبد الحميد بن باديس للوقوف عند بعض المعالم من إسهاماته في خدمة اللغة العربية نهوضا بها، و نشرا لها و منافحة عنها.

و يمكن أن يتمركز النقاش لبيان ذلك في هذه العناصر:

1- اللغة العربية من أبرز مميزات الشخصية العربية الإسلامية.

2- المنافحة عن العربية و التصدي للكائدين لها.

3- منهج الإمام في معالجة هذه القضية.

أولا : أيها الإخوة، إن الجزائر كانت في الفترة التي عاصرها بن باديس و انفعل بأحداثها و أسهم

في تطوراتها (النصف الأول من القرن العشرين) تعيش في ظروف قاسية استمرارا لما كانت تتلظى بلهيبه من عنت وإرهاق منذ سقوطها في قبضة الاحتلال الفرنسي: حقد حكام و جور إدارة و تعسف سلطة. وما كان الاحتلال يقتصر في حربه هذه ضد الجزائر بالاستيلاء على خيرات أراضيها وقهر أهلها فحسب، و إنما ذهب إلى أبعد من ذلك بمحاولاته النيل من المميزات القومية للشعب الجزائري : دينا و لغة و تراثا و حضارة فانفعل الإمام بن باديس بهذا الذي يستهدف شعبه من وراء تلك الهجمة الصليبية التغريبية، و شعر أمام ذلك بثقل المسؤولية التي تفرضها تلك الوضعية الخطيرة على عاتق كل فرد من أفراد المة ولا سيما العلماء منهم بخاصة فأيقن أن لا سبيل يعضد موقفه للقيام بهذا الواجب في حق الدين و الوطن، أنجع وأشرف من أن يسخر إمكاناته ويوقف حياته مجاهدا في سبيل هذين العنصرين: الدين والوطن، فدخل بهذا الإيمان في وقت مبكر من حياته حلبة الصراع السياسي، يتحدى الظلم، ويصارع الطغيان، ويقاوم الباطل، بالعزيمة نفسها التي واجه بها الجهل والجمود والفساد.

ومضى على هذا الدرب يعانق الوطن حبا وولاء ووفاء،و يمكن لأسباب الاعتزاز بشخصيته في النفوس وفي السلوك، ويدعو إلى التمسك بها وينافح عنها بإيمان وقوة.

وغني عن البيان أن العربية تأتي في مقدمة مقومات الشخصية الوطنية والقومية.

و إذا كان علماء الاجتماع قد نظروا إلى اللغة على أنها ظاهرة اجتماعية تربط ما بين ماضي الأفراد و حاضرهم ومستقبلهم و تحقق أسباب الانسجام والوحدة بينهم، فإن بعض المفكرين ممن عني بالبحث في قضية إنشاء القوميات في العصر الحديث يرى أن اللغة، إنما هي من أهم المقومات التي تكون شخصية أمة من الأمم باعتبارها ترجمان عبقريتها وإبداعها، ومستودع تراثها و حضارتها، ووعاء عقلها ووجدانها.

وما كان يمكن أن تكون الأمة العربية في هذا الجانب، بدعا من الأمم، ولا كانت لغتها كذلك.و إن الناظر في العلاقة بين هذه المة وبين لسانها يلمس أن اللغة العربية، إنما هي المعبر الصادق عن قيم هذه الأمة، والمسجل الأمين لتراثها، والعامل القوي الذي طبع شخصيتها بسمات واضحة في الوجدان و الفكر وأسلوب الحياة، وعمق الإحساس في نفوس أفرادها بكيانهم الذاتي وشخصيتهم المميزة. وقد زاد في توطيد هذه الصلة بين الأمة العربية وبين لغتها نزول القرآن الكريم بها، الأمر الذي زاد من فاعليتها في تحقيق الاندماج الكامل، بين جميع أبنائها وجعلها لسان رسالة الإسلام فانطلقت مع سوايا الفتح وكتائبه تجوب آفاق المعمورة وقد أصبحت لغة الدعوة و الحوار و الحضارة والعمران وقد أصبحت لغة الدعوة والحوار والحضارة والعمران تحمل للناس كافة، شريعة الإسلام السمحة ومثله السامية، فأقبل عليها كل من دخل في هذا الدين يتعلمها ويحذق لسانها، تدفعه إلى ذلك دوافع فهم تعاليم الدعوة الجديدة فخرجت بذلك من محليتها الضيقة إلى عالمية واسعة، و ظل الأمر على ذلك النحون حتى دار التاريخ دورتهن بعد أن تنازعت المذاهب و النحل أهواء أبناء هذه المة و تفرقت بهم السبل، وخرج أمرهم من بين أيديهم و حل بهم ما حل من النكبات و المحن، و أصاب لغتهم ما أصابها في جملة ما لحق بعناصر حضارتهم المختلفة.دعوة الجديدة فخرجت بذلك من محليتها الضيقة إلى عالمية واسعة، وظل الأمر على ذلك النحون حتى دار التاريخ دورتهن بعد أن تنازعت المذاهب و النحل أهواء أبناء هذه المة و تفرقت بهم السبل، وخرج أمرهم من بين أيديهم و حل بهم ما حل من النكبات و المحن، وأصاب لغتهم ما أصابها في جملة ما لحق بعناصر حضارتهم المختلفة. ولولا دستور الإسلام من القرآن الكريم الذي ظل يحمي هذه اللغة و يدفع عنها الأذى، ويمدها بعوامل النماء و الحياة لآلت إلى ما آلت إليه بعض اللغات القديمة من انحسار وانطفاء، لما اصطلح عليها من محن الدهر على إثر ابتلاء الأمة العربية الإسلامية في العصر الحديث بالاحتلال الأجنبي الذي استهدف النيل من كيانها ومقومات شخصيتها.وقد كانت الجزائر في مقدمة أقطار هذه الأمة ابتلاء بمحنة الاحتلال الأجنبي، وكان من بين أخطر ما استهدفه الفرنسيون في إطار مخططهم التغريبي للنيل من الشخصية الوطنية، شن حرب ضروس ضد اللغة العربية.

ولكن الشعب الجزائري لم يقف مكتوف الأيدي أمام هذه المحاولات وإنما قام يتحداها واستطاع أن ينجح في وضع خطة معاكسة لها تقوم على نشر لسان الأمة، وإحياء تراثها والتأصيل لها في القلوب والعقول وفي ميادين الحياة المختلفة. وفي هذا الإطار تدخل إسهامات بن باديس العملية والنظرية في خدمة العربية والحدب عليها تأصيلا لها في قلوب الناشئة وفي عقولهم، وتمكينا لمسيرتها في أرضية الواقع، وتوطيد لعوامل الاعتزاز بها والغيرة عليها في ضمير الأمة، وتشجيع الأدباء على الكتابة، وفسح المجال أمامهم في صحفه والسهر على إحياء تراثها، ونشر آثار أعلامها من المفكرين والأدباء، قدماء ومحدثين.

كما بدت جهوده من الناحية النظرية في هذا الحقل فيما خطه يراعه تطويرا للعربية وتطويعا لها، وبيانا لأسرار بلاغتها ومنافحة عنها "إن هذا اللسان العربي العزيز الذي خدم الدين، وخدم الإنسان هو الذي نتحدث عن محاسنه منذ زمان ونعمل لإحيائه منذ سنين، فليحقق الله أمانينا"(1).

وقد تمثلت هذه الإسهامات بنوعيها النظرية و العملية في النهوض بالعربية والذود عنها في أطر عديدة كشفت جميعا عما تتسم به هذه اللغة من خصائص ومميزات، فهي الآصرة الصلبة وهي العروة الوثقى التي تصل حياة الأمة ماضيا وحاضرا و مستقبلا، ولا يكاد يقوم مقامها في هذا الباب سواها من العوامل "ولا رابطة تربط ماضينا المجيد بحاضرنا الأغر والمستقبل السعيد إلا هذا الحبل المتين: اللغة العربية لغة الدين، لغة الجنس، لغة القومية، لغة الوطنية المغروسة"(2)

ويؤكد بن باديس في أكثر من موطن من تراثه على أنه ليس لأمتنا لسان غير العربية يفصح عن مكنونات وجدانها وعطاءات عقلها، ويوحد بين الخلف والسلف من أبنائها، ويترجم عن أحاسيسهم وأفكارهم ويصور معاناتهم "إنها وحدة الرابطة بيننا وبين ماضينا، وهي وحدها المقياس الذي تقيس أرواحنا بأرواح أسلافنا، وبها يقيس من ياتي بعدنا وأحفادنا الغر الميامين أرواحهم بأرواحنا. وهي وحدها اللسان الذي نعتز به، وهي الترجمان عما في القلب من عقائد، وما في العقل من أفكار وما في النفس من آلام و آمال (3)

وإن اللافت للنظر في هذا النص هذا الإلحاح على معنى وحدة اللسان بين الجزائريين، فقد تكررت هذه الفكرة ثلاث مرات، مما يبرز أن لذلك دلالته، ولعل من بين ذلك : التعبير عن إصرار الأمة على تمسكها بوحدتها اللسانية واستعدادها للتصدي عما يستهدف هذه الوحدة من مخاطر، كما يمكن أن يدل ذلك في الوقت ذاته على تهاتف ما تراهن عليه سلطة الاحتلال من وراء تضييقها الخناق على العربية، وفتح الأبواب أمام العامية والتمكين للغة الأجنبية ومساندة هذه وتلك، لاحتكار أنشطة الإدارة والتعليم والنشر، وهيهات أن يصل هؤلاء إلى أهدافهم بين أمة تقف بشدة في وجه التحديات الأجنبية، و تتمسك بقوة بلسانها العربية الفصحى التي هي لسانها الرسمي الوحيد وليس لها لسان رسمي سواها: يؤكد هذا المعنى شاعر الجزائر الكبير محمد العيد آل خليفة فيقول:

ونقصى عن الفصحى و نلهى بغيرها وليس سوى الفصحى لسان لنا (رسمي)

وما نحن إلا من سلالة يعرب --- فمن رام عنها فصلنا باء بالرغـم (3)

ويؤكد الواقع الحي هذه الوحدة اللغوية في الجزائر ممثلة في اللغة العربية التي لا يكاد يشذ عن النطق بها إلا جزء ضئيل من الجزائريين لا تتجاوز نسبته الواحد في المائة إذ "لا يوجد في أرض الجزائر إلا واحد في المائة فقط من السكان المسلمين لا يتكلم العربية"(4)

وإن نسبة هذا الاستثناء عن القاعدة العامة - كما هو واضح - ضئيلة جدا بمقارنتها مع ما هو سائد في كثير من بلاد العالم من اختلاف الألسنة بين سكانها، وإن العربية بهذه الصورة تعتبر لدى الجزائريين "لسانهم القومي إلا أقلية ولسانهم الديني بدون استثناء" (5) كما أنها اللسان الجامع لكل العرب واللغة الدينية لجميع المسلمين (6) وهي لغة العلم والمدنية في نظر العلماء المنصفين من غير المسلمين (7). وإن العربية بهذه المكانة تربط العرب بعضهم ببعض من نحو، وتشد الوثاق ما بينهم و بين إخوانهم المسلمين من نحو آخر، ذلك لأن ما يربط بين أفراد الأمة الواحدة في الحقيقة ليس هو انتماؤهم إلى عرق واحد وإنما هو نطقهم بلسان واحد "فليس الذي يكون الأمة و يربط أجزاءها ويوحد شعورها ويوجهها إلى غاياتها هو هبوطها من سلالة واحدة، وإنما الذي يفعل ذلك هو تكلمها بلسان واحد" (8)

ويدلل الإمام على رأيه هذا بما يكون بين أخوين شقيقين يتكلم كل منهما بلسان من تباين في طرق التفكير واختلاف في توجهات الميول وغير ذلك. و ما يكون بالمقابل من تقارب وتماثل في ذلك ما بين (شامي) و(جزائري) يوحد بينهما النطق باللسان العربي (9)

ويذهب الكاتب هذا المذهب لاعتقاده أن "اللغة هي الطابع الصحيح للقومية التي تعرب عن وحدة الشعور و التفكير، و عما يعمها من احساسات الألم وبوارق الأمل مما اتحد من ماضيها وحاضرها ومستقبلها" (10) وقد قرر رسول الإنسانية محمد عليه الصلاة والسلام هذه الحقيقة في هذا الحديث الشريف "أيها الناس الرب واحد و الأب واحد، وإن الدين واحد، وليست العربية بأحدكم من أب ولا أم وإنما هي اللسان فمن تكلم بالعربية فهو عربي" (11). وقد جاء هذا الحديث في صحيح الجامع للسيوطي برقم 7744 بهذا اللفظ "يا أيها الناس إن الله قد أذهب عبية الجاهلية وتعاظمها بآبائها..." وقد أسى النبي الكريم بهذا البيان "قاعدة عظمى من قواعد العمران والاجتماع في تكوين الأمم" (12)

و يمزح الكاتب في حديثه عن اللغة العربية ما بين منطق العقل وفيض الوجدان، فيؤكد في مواطن عديدة من نتاجه عما امتازت به هذه اللغة من خصائص، ويأتي في مقدمة ذلك أنها كانت لسان الإسلام وترجمان القرآن فقد اختارها الله لتكون لسان الرسالة الخاتمة وأداة النهضة العالمية العامة فنهضت بالأمانة ، واستوعبت ما أبدعه العقل البشري من علوم وفنون وآداب وأضافت إلى ذلك من عطاءات عبقريتها بعد ما طبعته بطابعها المتميز، ثم قامت بنقل ذلك بلسانها إلى الأمم الأخرى في أبدع نظام، وأبلغ بيان، وأقوم منهاج. ولا غرور أن ينهض اللسان الذي تمحض ليبين عن تعليم السماء بالإفصاح عن مكنونات ضمير الإنسانية ويواكب تطلعاتها، ويسجل إنجازاتها.

ثانيا: ونخلص من هذا الحديث عن العنصر الأول من خطة هذه الكلمة إلى الوقوف عند ثاني عنصر فيها و هو النظر في منافحة الإمام عن لسان الأمة والتصدي لمحاولة الكائدين له، وإن ما يمكن الإلماع إليه بهذا الصدد أن جهوده في خدمة العربية لم تقتصر على تعليمها ودعوة النشء إلى حبها والالتزام بالتحدث بها وإحياء كنوز تراثها والتعريف بآثار أعلامها فحسب، وإنما كان له إلى جانب ذلك جهاد كبير في ميدان المنافحة عنها والتصدي للكائدين لها، والتأكيد على حق الأمة في تعليمها، فقد وقف بالمرصاد لما يستهدف لسان الأمة من جور السلطة وتعسفات قوانينها الجائرة كما واجه بحكمة ورصانة وصرامة إجراءات التضييق على التعليم العربي

واضطهاد القائمين عليه، وحرص في الوقت ذاته على الرفع من وعي الأمة بالمخاطر التي تهد شخصيتها من جراء تلك السياسة الظالمة التي جعلت من العربية "اللغة المهملة بين أبنائها، المحرومة من ميزانية بلدها، المطاردة في عقر دارها، المغلقة مدارسها المحارب القائمون على نشرها من أبنائها"(13).

وما من أديب و مفكر جزائري –على غرار معظم من يكتب بالعربية- إلا و له أكثر من موقف تجاه هذا الوضع المجحف الذي تعاني من ويلاته العربية ما تعاني ويلقى من جرائه القائمون على نشرها ما يلقون (14). وكان بن باديس قد انتقد –غيرة على العربية- بعض المستشرقين المتواطئين مع السلطات ضد العربية ومن بين هؤلاء المستشرق (لويس ماسينيون L.MASSIGNON) مستشار الخارجية الفرنسية في المستعمرات الإفريقية و يرى الإمام أنه كان يمكنه بهذه المكانة التي يحتلها أن يفعل شيئا –لو أراد- تخفيفا عما تعانيه العربية وما يعانيه التعليم من جور القوانين الحكومية ولكنه فضل ألا يفعل (15) وقد كتب الإمام في الذود عن العربية سلسلة من المقالات والبيانات والعرائض، ولعل من أبرز ذلك ما دبجه قلمه من أعمال حول قانون مارس 1938 لهذا الغرض نفسه عددا من الهيئات الوطنية و عدة جهات أجنبية.

وإن جهود الإمام في هذا الباب تعود إلى فترة العشرينات ولعل أبرز ما يمثل ذلك بوجه خاص في هذه المرحلة المبكرة من حياته، تصدية بواقعية و منهجية علمية إلى التعقيب عن المنشور الذي أصدرته سلطات الاحتلال سنة 1926 باسم (الجمعية الجزائرية للتعليم الثانوي) (16)

ويشتمل على جملة من التساؤلات حول وضعية اللغة العربية في التعليم بالجزائر وهو يعكس في ظاهرة الرغبة في البحث عن الطرق والوسائل الكفيلة بتدريس العربية في المدارس الحكومية بالجزائر ولكنه في حقيقة الأمر لا يعدو أن يكون حلقة في سلسلة المحاولات الرامية إلى ضرب العربية عن طريق زرع بذور التشكيك في قدراتها ورميها بالعجز والقصور عن مسايرة العصر ومواكبة تطوراته. بيد ـنه لا يفصح في ظاهره عن هذه الأهداف، ويمكن أن يلتمس الباحث المحقق ذلك من خلال قراءة متأنية فيما يختبىء ما بين السطور، وممحصة لما يطفح به المنشور من تساؤلات غير بريئة وعلامات استفهام ملغمة، مما يمكن أن يعد لونا من ألوان الغزو الفكري المبكر الذي أصبح له في الوقت الحاضر مراكزه وأساتذته و أبحاثه التي تجري تطبيقاتها وخططها في الغالب في بلاد المغلوبين (17) وقد يكون من أهداف المنشور كذلك، محاولة امتصاص غضبة الأمة من جراء عمليات اضطهاد لغتها، و العمل على التخفيف بذلك من حدة درجة إصرارها على استعادة حقها في حرية تعلم لسانها، وذلك بتظاهر السلطة بمظهر العازمة على تدريسها. ومهما يكن من كيد الواقفين وراء هذا المنشور وما يتظاهرون به من شدة حرصهم على إخفاء نواياهم الحقيقية منه، فإن المتأمل في مضمونه يؤدي به ذلك إلى الوقوف عند جملة من مراميه و لعل من أهمها:

1.  التركيز على تلميع العامية بوضعها في موضع مقابل لمكانة الفصحى من حيث الدعاء ببلوغها درجتها في التعبير على حاجة الإنسان الشعورية والفكرية بما يخولها من ثم - حسب زعم الزاعمين- إلى النهوض بما نهضت به الفصحى بجدارة واستحقاق من وجوه التعبير عن إبداعات العقل والوجدان من علم وفكر وأدب و فن، وإظهار هذه اللهجة من نحو آخر في مظهر الأداة القادرة على مسايرة أحداث العصر والتعبير عن متطلباته في مجال الفكر والأدب و غيرها، في الوقت الذي يتساءل فيه المنشور عن قدرات العربية الفصحى للقيام بذلك، ويطرح أكثر من سؤال للتشكيك في ذلك (18)

2.  التساؤل الماكر عن إمكانية كتابة العربية الفصحى بالحروف اللاتينية (19) تمهيدا لتهيئة النفوس للإقدام على ذلك في الجزائر كما دعا إلى ذلك بعض المستشرقين و جاراهم في ذلك تلامذتهم من أبناء المسلمين وقد تبنى ذلك وسبق إليه غيرهم الكماليون في تركيا.

3.    لا يكاد المنشور يذكر العربية إلا إلى جانب اللغة اللاتينية وغيرها من اللغات العتيقة حينا و اللغة العصرية حينا آخر، و لا شك أن أصحاب المنشور – و هم يقرؤون العربية باللاتينية- يريدون بذلك إيهام العقول بأنها شبهها، آيلة إلى النحسار و الانطفاء،

ويلجؤون إلى مقارنتها باللغة العصرية مرة أخرى ليوهموا الناس بصعوبتها من نحو، وافتقارها من نحو ثان، لما تتوفر عليه تلك اللغات من سهولة ومرونة (20) وإذا جئنا إلى معرفة ما كان من موقف الإمام مما أثاره المنشور من تساؤلات، ومما انتصب في ثناياه من استفهامات، فإن ذلك يتجلى فيما أبداه من تعليقات وجيهة وآراء سديدة إجلاءا للحقيقة، وغيرة على لسان الأمة، مما يبرز بوضوح وعيه العميق بما يستهدفه ذلك المخطط من كيد ومكر. ويمكن أن نتلمس ذلك في جملة من العناصر:

·   لقد استهل الأستاذ الإمام معالجة ما جاء في ذلك المنشور بتفكيك ألغامه، ونزع مخاطر شراكه، مؤكدا على ما تمتاز به العربية من قدرات فائقة على الإفصاح عن أدق خلجات الصدر، وما يمكن أن يعتمل بين جوانحه من أحاسيس، وأعمق تصورات العقل، وما يمكن أن يتصدى لتناوله من قضايا ومواقف في مختلف مجالات العلم، والأدب، والفكر، والفن (21)

وحسب هذه اللغة أنها كانت لسان الوحي الإلهي الذي أنارت آياته أمام الإنسانية سبيل الهداية ونظمت قوانين الاجتماع وأرست دعائم العمران. أليس من الطبيعي أن يكون من اليسير على لغة نهضت بهذه المهام وسرحت في هذه الآفاق أن تكون لغة الأدب و العلم و المدنية ؟ وما كانت العامية قد زعمت أنها تملك شيئا من القدرة على التطلع إليه لا يتجاوز في أحسن الأحوال حدود التعبير عن حاجة الوسط العامي للتخاطب، وإن الأهالي لا حاجة لهم بتعلمها كما حرص على أن يفتعل ذلك المنشور، لأنها من فطرتهم وهم يعرفونها بالسليقة، ولذلك فلا داعي لتضييع الوقت وإهداره وتبذير المال و إسرافه في شيء لا حاجة لنا به ولا طائل من ورائه (22) وإن التصدي للتحصيل العلمي وكسب المعرفة والاستمتاع بروائع الأدب الإنساني من الأهداف البعيدة التي لا تراود العامية فكرة الادعاء بأنها تبلغ بصاحبها إلى آفاقه، و إن ذلك مطلب لا يتسنى لمن وطن نفسه لبلوغه من أبناء الأمة إلا إذا اتخذ له متن العربية الفصحى مركبا فتوسل إليه ببيانها وبلاغتها وفصاحتها.

*   أما دعوى كتابة العربية بحروف أجنبية فيبدو أن الإمام لم يشأ أن يعيرها كبير اهتمام من وقته، لاعتقاده بخبث دوافعها وإدراكه صلابة موقف الأمة تجاهها. وقد عني في هذا الباب بالبحث على العناية بالحرف العربي وضرورة كتابة العربية بهن مقررا أن كتابتها بغيره كما يحاول أن يروج لذلك المحتلون، إنما هو مكيدة خبيثة لضرب الأمة في واحدة من أبرز ركائز بناء شخصيتها بهدف إضعاف رابطتها بدينها ومحالة فصم عرى الصلة بينها وبين تراثها(23)

4- إن العربية لا تلتقي في شيء مع اللغة اللاتينية وتختلف عنها – عكس ما يزعم الزاعمون- اختلافا يكاد يكون كليا، وحسبها أنها ليست مثلها ميتة دفينة المتاحف، معزولة عن حركة الحياة الدائبة النشيطة وإنما هي حية متفاعلة مع الحياة متصلة بحركتها ينبض قلبها بفيض المدد الإيماني، ويزخر عقلها بوافر العطاء المعرفي، مما يساعد على النهوض بحاجات الإنسان الشعورية والفكرية، ويمكن التأكد من هذه الحقائق بعقد موازنة ما بين العربية واللاتينية للوصول بذلك إلى أن العربية أوسع مجالا وأغنى آثارا، وأشد صلة بالعصر من اللاتينية، مما يترتب عنه أن يكون للدارس بها من إمكانات التحصيل وتنوع وجوهه ما يمكن أن يحصل عليه متعلم اللاتينية وأكثر، لما تمتاز به العربية من عوامل الثراء، والتنوع، والمعاصرة. ويؤكد الإمام أن العربية لغة العلم والآداب المشتركة بين جميع أبناء الأمة العربية أولا، وهي قريبة من عاميتهم ثانيا.

وإن العناية بها أمانة في أعناق جميعهم خاصة وعامة ثالثا. وليست اللاتينية كذلك في شيء من ذلك (24) وإن العربية من نحو آخر ليست بأقل مرونة ويسر من اللغات العصرية، كما أنها ليست أكثر منها صعوبة. ولكن أوهام القوم تريد لهم ما تهوي إليه نفوسهم من أماني فيبلغ بهم الهوى و الوهم مبلغه فيجهلون أو يتجاهلون أن لكل لغة ذات تراث تليد ورصيد حضاري نمطا من النظام يضبط قواعدها، ولكل لغة علمية عالمية خصائص تحفظ عليها ما تزخر به من كنوز المعارف والآداب والفنون، وتجعلها من ثم لا تسلس الانقياد إلا لمن أجهد نفسه في الوفاء بمهرها درسا وتحصيلا وتمرسا.

وإن أولئك المرجفين إنما يستهدفون بدعاويهم من بين ما يستهدفون إخماد مشاعر الاعتزاز بالعربية والغيرة عليها في صدور أبنائها، وحملهم من ثم على هجرها و الزهد فيها قطعا للصلة بينهم وبين تراثهم فيضعف موقفهم أمام التيارات الوافدة ولا يجدون ما يستندون إليه في مواجهتها فيسقطون في شراك التخلف والتبعية والرضوخ لعوامل الهيمنة الأجنبية.

ثالثا: ونصل بعد إلى العنصر الثالث و الأخير في هذه الكلمة بوقوفنا عند بعض الملامح من صورة التعبير التي اختارها الإمام لتجسد أفكاره ومشاعره حول هذه القضية.

لقد سبقت الإشارة إلى أن الجزائر قد مرت في تجربتها مع المحتلين بظروف خاصة مما جعل ما تعرضت له مميزات الشخصية بها من مكائد أشد وأخطر مما تعرضت له هذه المميزات في غيرها، وكان من نتيجة ذلك أن تميز موقف الأدباء والمفكرين الجزائريين من الموضوع عن موقف أمثالهم منه في البلاد العربية.

ويبدو ذلك في جملة ما يبدو –في إلحاحهم على الموضوع وفي كثرة تناولهم عليه مما جعله يتوزع على مساحة كبيرة في نتاجهم..

ويمكن القول أن هذه الخصوصية في الملابسات التي اكتنفت وضعية العربية كأحد مقومات الشخصية في الجزائر هي التي جعلت الكاتب يحس أن قضية اللغة، إنما هي ضية مصيرية يجد نفسه وجها لوجه أمامها كلما جاء ليطرق موضوعا من الموضوعات المتصلة بحياة الأمة. ولعل هذا الأساس هو الذي يفسر كثرة وقوفه على هذا الموضوع وإلحاحه عليه، لقد فرض ذلك الصراع الذي دار حول هذه القضية بين المحتل الأجنبي الذي حاول بكل جهده أن يجهز على العربية في الجزائر، وبين الشعب الذي بذل كل ما في وسعه للمحافظة عليها والذود عنها، فرض ذلك الصراع على الكاتب أن يغتنم مختلف الفرص التي تعن له ليحض على التمسك بالعربية الفصحى ونبذ سواها ويحث على الاعتزاز بها، والغيرة عليها، فجاء نتاجه في هذا الموضوع –للأسباب التي ذكرنا- موزعا بين كثير من أعماله، وممتدا على مساحة زمنية كبيرة.

كان الكاتب يتحدث عن العربية في إطار ثلاثة محاور هي: الإسلام، العربية، الجزائر.

وقد كان أوسع هذه المحاور وأشملها: المحور الأول، وكان أضيقها آخرها. ذلك أن الإمام وإن كان قد تحدث عن اللغة العربية أحيانا في إطار وطنه الخاص بإشارته إلى ما تعرضت إليه في الجزائر من تضييق و إرهاق وما كابد أهلها في سبيل المحافظة عليها ونشرها من عنت وأذى، فإنه لم يتحدث عنها كظاهرة خاصة بهذا الوطن أو ذلك، وإنما كان يتناولها في مجال واسع كلغة للدين الإسلامي وكلسان لجميع المسلمين.

ولعل مما يؤكد ذلك أن الكاتب لم يطلق على اللغة العربية ولو مرة واحدة –على كثرة تناوله للموضوع- ذلك التعبير الذي أصبح شائعا اليوم في الأوساط الإعلامية والأدبية، ونعني به مصطلح (اللغة الوطنية) هذا الذي لعل أصحابه يستهدفون الاستعانة من خلاله بالمشاعر الوطنية المتأججة في نفوس الأفراد غداة الاستقلال وبعده لحملهم على الاعتزاز باللغة العربية –وهي لغتهم- والنهوض بها، وإحلالها المحل اللائق بها في مختلف أنشطة حياتهم العامة، ولربما يرمون بذلك المصطلح من نحو لآخر، إلى أن قضية اللغة، إنما هي قضية وطنية تعني كل مواطن حر، وإن من استهان بها يكون كمن استهان بالمكتسبات والمطامح الوطنية.

وتود هذه الكلمة في ختام هذه الفقرة أن تسجل هذه الملاحظ:

1- إن الأستاذ الإمام لم يوقف على العربية أعمالا خاصة يعالج فيها قضيتها من جوانبها العديدة كأن ينظر فيها إلى تاريخها وحركة تطورها وبين عن خصائصها وأسرارها، ويكشف عن مكائد المحتلين ضدها ومحاولتهم تلميع العامية وتشجيع استبدال الحروف الأجنبية بالحروف العربية.

2- إن الإمام لم يفعل ذلك، وإنما عالج كل هذه الجوانب في ثنايا مجموعة كبيرة من أعماله: مقالاته وخطبه دروسه ومحاضراته... وفي عدد كبير من المناشير والعرائض والبيانات... ولم يخرج عن هذا المنهج إلا مرة واحدة أثناء تصدية لقانون 8 مارس 1938 الذي أوقف عليه لخطورته على دين الأمة ولسانها سلسلة من الأعمال.

3- إن الإمام بانتهاجه هذا المنهج في معالجة موضوع العربية قد أبان بوضوح عن مكانتها عنده ولذلك لم يكن ليفصح عن مشاعره ويرضى ضميره –قياما بالواجب نحوها- إلا هذا المنهج الذي لم يجعل العربية قضية تعالج في عمل أو أكثر وكفى.. و إنما جعلها حاضرة في كثير من أعماله درسا ومقالة، خطبة ومحاضرة، بيانا ونداءا.

ويمتد ذلك على مساحة زمنية تكاد تشمل جميع مراحل حياة الإمام.

وكان لهذا الجهاد المجيد الذي ظل الإمام رحمه الله يحمل لواءه طوال ما يزيد على ربع قرن من الزمن، خدمة لمقومات شخصية الأمة و منافحة عنها، و ذودا عن الحقوق الوطنية ومغالبة من أجلها، كان لهذا الجهاد المجيد فاعليته الكبرى في المحافظة على كيان الشعب الجزائري و الرفع من قدراته الجهادية والسير به في الطريق الصحيح نحو تحقيق غاياته الكبرى في التحرر والتقدم، ورحم الله الأستاذ الإمام في الخالدين وجزاه خير الجزاء عن الإسلام والعربية والجزائر والإنسانية.

 

الهوامش:

1-  آثار الإمام 4: 138 طبعة وزارة الشؤون الدينية (الجزائر)

2-  م.ن: 147

3-  م.ن: 147، 148 و ينظر الإبراهيمي: عيون البصائر ص 110

4-  محمد العيد آل خليفة: ديوانه ص 205

5-  ابن باديس حياته و آثاره 3: 318 إعداد الدكتور: عمار طالب

6-  آثار الإمام 4: 40

7-  م.س 3: 78

8-  م.س 2: 302

8-9 م.ن : 301

10- م.س 6: 282

11- 12-م.س 2: 300 ، 301

13- م.س 4: 141

14- ينظر أبو يعلى الزواوي: جماعة المسلمين ص 53

15- ينظر آثار الإمام 6: 281

16- ينظر م.س 4: 23

17- ينظر مالك بن نبي: الصراع الفكري في البلاد المستعمرة

18- ينظر آثار الإمام 4: 29، 33

19- 20-21 ينظر على التوالي م.ن: 32، 30، 29

22- 23- ينظر م.ن 4: 32

24- ينظر م.س 3: 77.

آخر التغريدات: