عبد الحميد بن باديس والعروبة

بقلم: د.صالح خرفي –

"إذا قلنا العرب, فإننا نعني الأمة الممتدة من المحيط الهندي شرقا, إلى المحيط الأطلانطيقي غربا, والتي فاقت سبعين مليونا عدا. تنطق بالعربية, وتفكر بها, وتتغذى من تاريخها, وتحمل مقدارا عظيما من دمها, وقد صهرتها القرون في بوتقة التاريخ حتى أصبحت أمة واحدة". ابن باديس 1938

 

باعث الشخصية الجزائرية, ومفجر مكامنها في أعماق المواطن الجزائري, والمتحدي بها تجاهل الدخيل وجهل المواطن. المؤمن بعراقتها في التاريخ, والمستعمر يجردها من كل ماض تاريخي, ويجعلها من خلقه وتكوينه. الموقن بحاضرها المنبعث, والدخيل يعتقدها ضاعت من الإسلام والعروبة إلى الأبد. المبشر بغدها المشرق, والتبشير بها نبوة من جاهلية من الرجعية, وجاهلية من الاستعمار.

(عبد الحميد بن باديس) تناقلته الأخبار والأقلام, رجل إصلاح ديني. وهو كذلك, ولكنه فوق ذلك. فهو المدرك الخبير لازدواج الشخصية الجزائرية من عروبة وإسلام, ازدواجا وتلاحما لا يقبل الانفصام. لذا لم يكن كداعية للقومية العربية, أقل منه داعية للدين الصحيح, وهو حين يواجهك لطلعته الدينية, تكاد لا تلمس فيه غير الرجل المسلم. وانك لا تكاد تلمس فيه غير الشخصية العربية, وهو يدافع عن العروبة, ويهبها أقدس مقوماتها, وأخلد مثلها, يتسامى بها سموا قدسيا يعز عن الملابسات العابرة, والظروف الطارئة, ويوغل بها في أعماق التاريخ حضارة ورقيا فيبكت أعداءها الذين لا يرونها إلا بتراء. ويتجاوب من نصف قرن مع الأحداث التي يهتز لها العالم العربي اليوم.

وأنت حين تضم الشخصيتين المزدوجتين لابن باديس, المسلمة والعربية يعطيك من الإسلام إنسانيته التي تتسع كل الأديان, ويهبك من العروبة القومية التي لا يكتمل الإسلام إلا فيظلها, كما لم يترعرع إلا في مهدها, ويشخص لك وجها م الكفاح المستميت من أجل العروبة والوحدة العربية.

و(ابن باديس) حين يتحدث عن (العروبة) يلمس فيها المقومات التي تهبها الخلود, مهما تلبدت الظروف السياسية من حولها, واختلف العرق بالمنضوين تحت لوائها. العروبة جوهر خالد, قابل للانبعاث, باعث للأمل. العروبة حقيقة تطفو فوق الملابسات المضللة من خلق الرجعية, أو تزييف المستعمر. العروبة نهاية المطاف مهما طال الشوط, وغاية الغايات مهما تصارعت الوسائل. إن الظروف العصيبة التي عاشتها الجزائر, فكادت تطمس فيها معالم الإسلام والعروبة لم تزد المصلح الكبير ـ وهو يعيشها ـ إلا تعلقا بالمرامي البعيدة التي تعامى عنها الدخيل, وإيمانا بالغد العربي الأكبر الذي كفر به المستعمر, وكاد يكفر به المواطن.

(العرقية) التي يذكيها المستعمر في كل شبر عربي ليمزق بها وطن العروبة.

(الطائفية) التي يغذيها ليغذي بصراعها وجوده وتسلطه. هي ذاتها التي ينطلق منها (ابن باديس) حجة على المستعمر وفلسفته, ومنها ذاتها يصبغ العروبة بصبغة قدسية تتنزه عن النعرة الطائفية والعرقية.

"تكاد لا تخلص أمة من الأمم لعرق واحد, وتكاد لا تكون أمة من الأمم لا تتكلم بلسان واحد, فليس الذي يكون الأمة, ويربط أجزاءها, ويوحد شعورها, ويوجهها إلى غايتها هو هبوطها من سلالة واحدة. وإنما الذي يفعل ذلك هو تكلمها بلسان واحد, ولو وضعت أخوين شقيقين يتكلم كل واحد منهما بلسان. وشاهدت ما بينهما من اختلاف نظر, وتباعد تفكير, ثم وضعت شاميا وجزائريا ـ مثلا ـ ينطقان باللسان العربي, ورأيت ما بينهما من اتحاد وتقارب في ذلك كله. لو فعلت هذا لأدركت بالمشاهدة الفرق العظيم بين الدم واللغة في توحيد الأمم". سنة 1936

ولا يطوح (ابن باديس) بعيدا عن التماس الحجة, واثبات الدليل, فواقع المستعمر حجة عليه:

"وإذا نظرت إلى كثير من الأمم الأوروبية اليوم, وفي مقدمتها فرنسا, فإنك تجدها خليطا من دماء كثيرة ولم يمنعها ذلك من أن تكون أمة واحدة لاتحادها فيما تتكون به الأمم". سنة 1938

والمصلح العربي الجزائري, يستمد تأييده للعروبة من منابعها الأصلية, ويستلهم فيها رسولها, ورجل القومية العربية (محمد) صلى الله عليه وسلم, ويتجاوب مع الحديث النبوي, في ربط العروبة باللسان العربي, رباطها المقدس.

"أيها الناس. الرب واحد. والأب واحد. وأن الدين واحد. وليست العروبة بأحدكم من أب ولا أم. ولكنها اللسان. فمن تكلم العربية فهو عربي".

وما كانت هذه الصرخة التي انبرى لها رسول العربية مغضبا يجر رداءه, ونادى لها: (الصلاة جامعة) إلا ردا حاسما على النظرة العرقية في (قيس بن مطاطية) الذي أراد أن يجرد من القومية العربية: سلمان الفارسي, وصهيب الرومي, وبلال الحبشي.

ويضيف (ابن باديس):

"كون رسول الإنسانية, ورجل القومية العربية أمته هذا التكوين المحكم العظيم, ووجهها لتقوم للإسلام والبشرية بذلك العمل الجليل, فلم يكونها لتستولي على الأمم, ولكن لتنقذهم من سلطة المستولين باسم الملك أو باسم الدين. ولم يكونها لتستخدم الأمم في مصالحها, ولكن لتنهض بهم من درجات الجهل والذل والفساد إلى درجات العز والصلاح والكرامة.

وبالجملة لم يكونهم لأنفسهم, بل للبشرية جمعاء فبحق قال فيهم الفيلسوف العظيم (غوستاف لوبون) لم يعرف التاريخ فاتحا أرحم من العرب لأنهم فتحوا فتح هداية لا فتح استعمار, وجاءوا دعاة سعادة لا طغاة استعمار".

وفي سنة 1936. و(ابن باديس) يحدوه عمر حافل بجلائل الأعمال في خدمة العروبة, في سنة 1936. وبين (ابن باديس) ولقائه ربه أربع سنوات ينطلق لسانه بدعاء صاعد من الأعماق, في أن يحييه الله في خدمة العروبة, ويميته في خدمتها. قدوة برسول الإنسانية, ورجل القومية العربية:

"هذا هو رسول الإنسانية, ورجل القومية العربية. الذي تهتدي بهديه ونخدم القومية العربية خدمته, ونوجهها توجيهه, ونحيا لها, ونموت عليها وإن جهل الجاهلون.. وخدع المخدوعون.. واضطرب المضطربون..".

عروبة الجزائر:

"لقد تعربت الأمة الجزائرية تعربا طبيعيا, واختياريا, صادقا, فهي في تعريها نظيرة اسماعيل جد العرب الحجازيين, فقد كان من العرب لما شب في مهدهم ونطق بلسانهم, وتزوج منهم. وليس تكون الأمة بمتوقف على اتحاد دمها. ولكنه متوقف على اتحاد قلوبها, وأرواحها وعقولها, اتحادا يظهر في وحدة اللسان وآدابه واشتراك الآلام والآمال". سنة 1938

دأب (ابن باديس) عمره, يصل الليل بالنهار لبعث الجزائر العربية المسلمة, وليقول قولته التاريخية هذه في وطنه العربي المسلم. وقد دخل (ابن باديس) الميدان الإصلاحي, والإسلام ضلالات ما أنزل الله بها من سلطان, والعروبة لا يكاد يسمع لها حسيس في هذه الديار, فرابط في واجهته مرابطة الجندي المجهول, وآمن بالأبعاد التي عشيت عنها فلاسفة الاستعمار. حتى أخرج إلى الوجود شعبا قال عنه: لو جئناه بعد عشرين سنة لما أدركنا فيه قابلية للعلاج. ولكن الله أراد خيرا بهذا الشعب, بعث فيه من آمن بنشوره, بعد إيمان الكثير بموته".

بدأ (ابن باديس) الجولة من الصفر, بل من الصفر المركب. فلم يكن هناك كفر, ولكن إسلام مشوه. لم يكن هناك جهل فحسب, ولكن ثقافة دخيلة مسمومة. لم يكن هناك شعب ألقى حبله على غاربه. ولكن كان هناك الشعب الذي تسلط على زمامه المستعمر, لم يكن هناك الشباب الجاهل فقط, ولكن الشباب المشوه الثقافة واللسان, المفصول عن تاريخه وحضارته. وما أشبه الليلة بالبارحة. وما أشد حاجتنا إلى (ابن باديس) يبعث متن جديد. ليعيد على مسامعنا ما قاله سنة 1938:

"أعلن (الشهاب) من أول يومه ـ و(المنتقد) الشهيد قبله. سنة 1924 ـ أنه "لسان الشباب المناهض بالقطر الجزائري" ولم يكن يوم ذلك من شباب إلا شباب أنساه التعليم الاستعماري لغته وتاريخه ومجده, وقبح له دينه وقومه, وقطع له من كل شيء ـ إلا منه ـ أمله, وحقره في نفسه تحقيرا".

وإن تساءلت عن الشعب. كيف وجده (ابن باديس) في أوائل هذا القرن أجابك:

"برغم ما في الأمة الجزائرية من أصول الحيوية القوية, فقد عركتها البلايا والمحن, حتى استخذت وذلت, وسكنت على الضيم ورئمت للهوان, وبرغم ما بينها من روابط الوحدة المتينة, فقد عملت فيها يد الطرقية المحركة تفريقا وتشتيتا, حتى تركتها أشلاء لا شعور لها ببعضها, ولا نفع. تتخطفها وحوش البشرية من هناك وهناك, بسلطان القوة على الأبدان, أو سلطان الدجل على العقول والقلوب".

ولك أن تستكمل الصورة المحزنة بمفهوم الوطن في تلك الأيام العصيبة:

"أعلن (الشهاب) من أول يومه. ـ و(المنتقد) الشهيد قبله ـ (أن الوطن قبل كل شيء) وما كانت هذه اللفظة يومئذ تجري على لسان أحد بمعناها الطبيعي والاجتماعي العام, لجهل أكثر الأمة بمعناها هذا. ولخوف أقلها من التصريح به".

تلك هي الأرض الصلدة, التي نهض لها (ابن باديس) يبذر فيها بذور الخصوبة والنماء. ذلك هو المسلك الوعر الذي شق فيه طريقه, وتلك هي نقطة الانطلاق لنهضة, ابتدأت بذرة في ارض موات, فغدت أصلها ثابت وفرعها في السماء. ابتدأت حبوة علمية في جامع (سيدي قموش) وانتهت احتفالا جماهيريا بختم تفسير القرآن الكريم في (كلية الشعب) بقسنطينة.

و(ابن باديس) آمن بثلاثة, لا تعرف التجزئة, ولا تكتمل الصورة إلا بها جميعها, ولم يهدأ روعه حتى ألحقها ببعضها, ووصلها بلحمة لا تنفصم, وركبها تركيبا مزجيا, يعز عن التفكيك, ويقوى على التهافت: الجزائر. العروبة. الإسلام. فهو إذ يقيم نهضته, يقيمها بمقدار ما أعطى لهذه الثلاثة من مجاورة أبدية.

وهو إذ يتأمل شعبه بتأمله من الملامح التي تصله بهذه الثلاثة, وهو إذ يسبر غوره, فبمقدار عمق إيمانه بها. ولعل (ابن باديس) لم يعرف راحة الضمير, حتى استطاع أن يسجل للتاريخ صورة مشرقة للجزائر مقابلة لتلك الصورة المؤلمة التي بدأ فيها الشوط.

"أما اليوم ـ سنة 1938 ـ فقد تأسست في الوطن كله, جمعيات ومدارس ونواد. باسم الشباب والشبيبة والشبان, ولا تجد شابا - إلا نادرا - إلا وهو منخرط في مؤسسة من تلك المؤسسات, وشعار الجميع: الإسلام.العروبة. الجزائر".

"أما اليوم. فقد نفضت الأمة عن رأسها غبار الذل. وأخذت تنازل وتناضل وتدافع وتعارض, وشعرت بوحدتها فأخذت تطرح تلك الفوارق الباطلة وتتحلى بحلل الاخوة الحقة, وتنضوي أفواجا أفواجا تحت راية الإسلام والعروبة والجزائر".

"أما اليوم. فقد شعرت الأمة بذاتيتها وعرفت هذه القطعة من الأرض التي خلقها الله منها, ومنحها لها, وإنها هي ربتها, وصاحبة الحق الشرعي والطبيعي فيها, سواء اعترف لها به من اعترف, أم جحده من جحد. وأصبحت كلمة الوطن, إذا رنت في الآذان حركت أوتار القلوب, وهزت النفوس هزا".

(عروبة الجزائر) عند باعث نهضتها, ليست عروبة خطابة أو تهريج, أو حماس أجوف, إنه وهو يذكيها بأنفاسه الملتهبة, ويريها من عرقه المتصبب ويرعاها العشرات من السنين, يعطيها من الدراسة النظرية حقها, ويستمد لها من التاريخ العميق أصالتها, ويواجه أعداءها المتنكرين أو الناكرين لها, مواجهة الحجة بالحجة, ويقف من عروبة الجزائر موقفه من العروبة عامة. لا ينكر ما أثبته التاريخ من (أصل أمازيغي) للجزائر, لأن العروبة فوق السلالات:

"ما من نكير. أن الأمة الجزائرية كانت مازيغية من قديم عهدها, وأن أمة من الأمم التي اتصلت بها, ما استطاعت أن تقلبها من كيانها ولا أن تخرج بها عن مازيغيتها أو تدمجها في عصرها. بل كانت هي تبتلع الفاتحين, فينقلبون غليها, ويصبحون كسائر أبنائها".

تلك هي الحقيقة التي أثبتها التاريخ, لا ينكرها (ابن باديس) ولا يتنكر لها. لأنها لا تغير من عروبة الجزائر شيئا. فهو يعرف كيف يستدرج الخصم بحجة ترضيه في البداية وتفحمه في النهاية.

"فلما جاء العرب, وفتحوا الجزائر فتحا إسلاميا لنشر الهداية, لا لبسط السيادة. دخل الأمازيغ من أبناء الوطن في الإسلام, وتعلموا لغة الإسلام العربية طائعين, فوجدوا أبواب التقدم في الحياة كلها مفتحة في وجوههم فامتزجوا بالمصاهرة, وثافنوهم في العلم. وشاطروهم سياسة الملك, وقيادة الجيوش. وقاسموهم كل مرافق الحياة فأقام الجميع صرح الحضارة الإسلامية, يعربون عنها, وينشرون لواءها بلغة واحدة هي: اللغة العربية. فاتحدوا في العقيدة والنحلة, كما اتحدوا في الأدب واللغة. فأصبحوا شعبا واحدا, عربيا, متحدا غاية الاتحاد, ممتزجا غاية الامتزاج, وأي افتراق يبقى بعد أن اتحد الفؤاد, واتحد اللسان:

لسان الفتى نصف, ونصف فؤاده فلم تبق إلا صورة اللحم والدم

و(ابن باديس) الذي لا ينفك يربط العروبة باللسان العربي, لا يعدم برهانا على ذلك في واقع الجزائر. ولعله أسر هذه الحقيقة في نفسه ربع قرن حتى خلق لها ذلك الواقع الذي يبرر المجاهرة بها, وان اعتقاد الشيء نظريا, والتماس الحجة له عمليا عشرات السنين, لرسالة أبت الجبال أن يحملنها وحملها الإنسان.

"واليوم. فإن اللغة العربية, والآداب العربية هي لسان الأمة الجزائرية كلها لا يجهلها إلا عدد ضئيل جدا من المنقطعين في بعض رؤوس الجبال. ولا تستعمل اللغة المازيغية إلا في بعض النواحي القليلة استعمالا شفاهيا محليا. ثم اللغة العربية هنالك لغة الكتابة والخطابة والتعليم والتخاطب العام.

ولو رأيت (الجامع الأخضر) في قسنطينة, لرأيت أبناء الجزائر من جميع جهاتها. ـ وفيهم من يتقنون المازيغية ـ يتزاحمون على مناهل العربية العذبة, ويتسابقون إلى الفوز في ميادين بيانها الفسيحة, ويتعاونون على بناء صرحها, ورفض منارها, ويستعذبون في سبيل المحافظة على تراثهم منها كل مر, ويستسهلون في تبليغه لغيرهم كل صعب. لو رأيت هذا لعرفت كيف كانت هذه الأمة الجزائرية أمة عربية واحدة, فحكمت بالجهل المطبق, أو الكيد المحقق على كل من يقول فيها غير ذلك".

ومن واقع المستعمر يستمد الحجة التي تبكته, ويدحض دعوى البربرية التي تحدوه, ويشنع عليه احتجاجه بحالة في الجزائر, وتغافله عن مثيلة لها في فرنسا, فيفضح فيه التتزييف المتعاني, والمغالطة المضللة:

"وإذا نظرت إلى كثير من الأمم الأوروبية اليوم ـ وفي مقدمتها فرنسا ـ فإنك تجدها خليطا من دماء كثيرة, ولم يمنعها ذلك من أن تكون أمة واحدة لا تحادها فيما تتكون به الأمم. على أنك تجد في قرى من دواخل فرنسا وأعالي جبالها, من لا يحسن اللغة الفرنسية, ولم يمنع ذلك القليل ـ نظرا للأكثرية ـ من أن تكون فرنسا أمة واحدة, وهذه الحقيقة الموجودة في فرنسا, يتعامى الغلاة المستعمرون عنها هنا في الجزائر, ويحاولون بوجود اللغة المازيغية في بعض الجهات وجودا محليا, وجهل عدد قليل جدا بالعربية في رؤوس بعض الجبال. أن يشككوا في الوحدة العربية للأمة الجزائرية, التي كونتها القرون وشيدتها الأجيال". سنة 1938

ولم يتجن (ابن باديس) بقوله هذا على الواقع الجزائري, بل نقله نقلا أمينا صادقا, ولم يفرض العروبة على الناطقين بالمازيغية, ولكنها نبعت من قلوبهم, وفجرها الإسلام, فلا بدع أن نجد "الفتى الزواوي: بعزيز بن عمر" يقول عن العروبة:

"وإننا لا نشعر من قبل ومن بعد بدم العروبة يجري في عروقنا, وهو صاف لم يمازجه كدر وإن اختلف المظهر. ونسمع صوتها الحنين يرن في أذانينا. فنفتح له الطريق إلى قلوبنا وأعماقنا.

فالعربية حية فينا, ونحن أحياء فيها ما دامت المسماوات والأرض".

إن (عروبة الجزائر) عروبة تاريخ وحضارة, لها أيامها المجيدة, ودولها العريقة, ولم يقم أمر هذا الوطن إلا بها. و(ابن باديس) حين يذكرنا بهذا التاريخ إنما يحدونا إلى مستقبل افضل يستمد عراقته وأصالته من التاريخ العربي لهذا الوطن:

"لبس أبناء الجزائر العروبة وامتزجت بأرواحهم وتغلغلت في قلوبهم وأشرقت شمس معارفها في آفاق أفكارهم, وجرت ينابيع بيانها على أسلات ألسنتهم, فاصبحوا ومنهم فيها علماء وخطباء وشعراء, ولهم منها جنود وقواد وأمراء. وحسبك من كثرتهم القائد الفاتح والخطيب المصقع (طارق بن زياد). ثم ما قامت مملكة من أبناء الوطن إلا وهي عربية في كل شيء مثل سائر المماليك العربية في المشرق, بل فوق بعضها". سنة 1938

الوحدة العربية:

"الوحدة السياسية. لا تكون إلا بين شعوب تسوس نفسها, فتضع خطة واحدة تسير عليها في علاقتها مع غيرها من الأمم, وتتعاقد على تنفيذها وتكون كلها في تنفيذها والدفاع عنها يدا واحدة, فهي مقتدرة على الدفاع عنها, كما كانت حرة في وضعها".

في سنة 1938. احتدم صدام فكري قومي, بين الأمير شكيب أرسلان, وسليمان باشا الباروني, في قضية (الوحدة العربية). فتدخل (ابن باديس) في النزاع, وأسفر مرة أخرى عن وجه عربي صميم, فقال القول الفصل في القضية. وتجرأ به في دنيا التضليل والتهريج, وعالم من الجبن والاستكانة.

و(ابن باديس) - كعادته- يحتفظ بالكلمة الفاصلة لليوم الحاسم يسرها في صدره, ويطيل الصمت, فإذا نطق, قطعت جهيزة قول كل خطيب. يقف من الأحداث موقف المتتبع الصامت, حتى إذا بلغت ذروة التعقيد والتشابك, وأصبح الموقف موقف مصير, صدع بقولة الحق. التي تسمو فوق الاعتبارات.

كذلك كان شأنه, في قضية مصيرية. وأضافها للتاريخ وقفة بطولية, أبان فيها من رأي الخبير بواقع العالم العربي, وأفصح عن القول الجريء: في أن دولا لا تسوس نفسها بنفسها, ولا تشق طريقها على ضوء مصلحتها, لا يمكن تصور وحدة عربية بينها.

تساءل (ابن باديس) في مقال بعنوان: (الوحدة العربية): هل بين العرب وحدة سياسية؟

"الوحدة السياسية لا تكون إلا بين شعوب تسوس نفسها, فتضع خطة واحدة تسير عليها في علاقاتها مع غيرها من الأمم, وتتعاقد على تنفيذها. وتكون كلها في تنفيذها والدفاع عنها يدا واحدة, فهي مقتدرة على الدفاع عنها, كما كانت حرة في وضعها.

وأما الأمم المغلوبة على أمرها, فهي لا تستطيع أن تضع أمرا لنفسها فكيف تستطيع أن تضعه لغيرها؟ ولا تستطيع أن تدافع عن نفسها, فكيف تستطيع أن تدافع عما تقرره مع غيرها؟ وإذا لم تستطع أن تعتمد على نفسها في داخليتها, فكيف يعتمد عليها في خارجيتها. فالوحدة السياسية بين هذه الأمم أمر غير ممكن, ولا معقول, ولا مقبول".

وابن باديس مؤمن بـ"الوحدة القومية الأدبية" الخالدة إيمانه باستحالة "الوحدة السياسية" بين شعوب لا تملك أمر نفسها, وهو إذ يقف هذا الموقف المزدوج إنما يبصر الشعب العربي بواقعه السياسي المؤلم الذي يقف حجر عثرة في سبيل إعطاء الوحدة الأصيلة مظهرا سياسيا. وفي إنكار ابن باديس لهذا الواقع دعوة صارخة للثورة عليه, والملاقاة على صعيد الروابط العربية الأبدية.

"هذه الأمة العربية, تربط بينها ـ زيادة على رابطة اللغة ـ رابطة الجنس, ورابطة التاريخ, ورابطة الألم, ورابطة الأمل, فالوحدة القومية الأدبية متحققة بينها ولا محالة".

بل إيمان (ابن باديس) بالوحدة الأدبية يتجاوزه إلى التحدي بها والاعتزاز الصارخ بوجودها, يتحدى بها فرنسا وهي ترجع النشاط القومي في الجزائر إلى "اتحاد إسلامي أو وحدة عربية" تحركه في الخارج:

"إن الاتحاد الإسلامي والوحدة العربية. بالمعنى الروحي والمعنى الأدبي والمعنى الأخوي هما موجودان تزول الجبال ولا يزولان. بل هما في ازدياد دائم بقدر ما يشاهد الناس من عمل في الغرب ضد العروبة والإسلام". سنة 1937

وإيمان ابن باديس بـ"الوحدة القومية" إيمان بمصير حتمي في "الوحدة السياسية" فهو متفائل بيقظة العالم الإسلامي العربي موقن بها, مبشر بطلائع التحرر من سيطرة الأجنبي:

"أما نحن ـ ونحن أعرف بأنفسنا ـ فإننا نتيقن أن هذه الأمم الإسلامية العربية, استيقظت من سباتها, وهبت للنهوض من كبوتها, وشعرت بكرامتها وأخذت تذكر ماضيها أيام حريتها واستقلالها وهو غير بعيد, فانتبهت تعمل لفك قيودها ونيل حريتها".

رحمك الله يا "ابن باديس" في رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا.

رحمك الله في عداد الخالدين ووفق شعبك لاستلهام نهضتك العربية المسلمة.

فداك ميتا, شعب فديته حيا حين قلت فيه:

أشعب الجزائر روحي --- الفدا فيك مـن عـزة عربية

بنيت على الدين أركانهـا --- فكانت سلاما على البشرية.

آخر التغريدات: