حركة جمعية العلماء الجزائريين وواقع العالم الإسلامي

حركة جمعية العلماء الجزائريين وواقع العالم الإسلامي

بقلم: الشيخ محمد البشير الإبراهيمي-

وجّه أحد أعضاء أسرة مجلة "الأخوة الإسلامية" سؤالين عن جمعية العلماء وواقع العالم الإسلامي إلى سماحة العلّامة الأكبر الشيخ محمد البشير الإبراهيمي بمناسبة نزوله في العراق، وها هو ذا سماحته يجيب عليهما مشكورًا وفيهما العبر الغالية والتوجيهات العالية.

حركة جمعية العلماء:

الحركة التي قامت بها جمعية العلماء في الجزائر منذ ثلاثين سنة تقريبًا وعرفت بالحركة الإصلاحية الدينية هي في حقيقتها دعوة القرآن والسنّة الصحيحة فهمًا وعملًا ورجوع بالمسلمين إليهما لأنهما أصل الدين ومنبعه ولأنهما سبب سعادة المسلمين وسيادتهم في العصور الأولى، وفي القرآن ما فيه من هداية وتوجيه صالح وتمكين للمقوّمات التي لا تعتز الأمم إلا بها ولا تقوم إلا عليها.

ولذلك كان من آثار جمعية العلماء يقظة همم المسلمين وتنبيه شعورهم وتذكر أمجادهم تاريخًا، فهبّوا بذلك التأثر مطالبين بحقوقهم عاملين بما يثبت تلك الحقوق من علم واستعداد، بعد ما أنساهم الاستعمار بكيده كل ذلك ففرّق جامعتهم وجرّدهم من أسباب القوة وما عرفت الجزائر قيادة روحية رشيدة قبل جمعية العلماء، وكل ما جاء بعدها من الحركات السياسية المحضة فهو في الدرجة الثانية من الاعتبار وفي آخر الدرجات من التأثير. أزعجت حركة جمعية العلماء الدولة الفرنسية إزعاجًا ظهر أثره في المعاملات الجائرة التي تعامل بها الجمعية من يوم منشئها إلى الآن، لأن الدول الأوربية المستعمرة تهدف لتميت الدعوات الروحية وآثارها في النفوس لأنها أثبت صبغة وأسد خطى وأصدق نتيجة، وزاد في انزعاجها منها أنها حركة بناء للعقول وللمدارس التي تربي العقول، وأنها تعنى بالتربية والتعليم والتكوين والإعداد، وأنها تبني النتائج على مقدّمات صحيحة، وأن الغاية الطبيعية لعملها هي إيجاد أمّة تعرف كيف تطالب وممن تطالب وبماذا تطالب، ثم تصرّ على المطالبة وتعرف كيف تأخذ وكيف تحافظ على ما أخذت، ولا تنكس في مرحلة من مراحلها ولا تنتكس ولا تصالح لأنها تفكّر وتقدّر ولا يزعج الاستعمار شيء مثل الإعداد والتربية والرجوع إلى منابع القوة والعزة من دين ولغة وتاريخ، ولذلك نراه يعمد إلى مقوّمات الأمم بالتشويه والمسخ والطمس حتى تنسى الأمة مقوّماتها فيسهل عليه ابتلاعها والقضاء عليها، وهكذا فعل بالجزائر منذ احتلالها، وهكذا فعل بتونس ومراكش بعدها، وما ابتلى الله الأمة الإسلامية به إلا بعد أن ضعفت فيها تلك المقوّمات بالإهمال والجهل واستبدال الضلالة بالهدى والرق في الدين ومحال أن تتسلّط أمة، وإن بلغت من القوة ما بلغت، على أمة محتفظة بمقوّماتها المعنوية والروحية المستمدّة من دينها، وبمقوّماتها الذاتية المستمدّة من لغتها وتاريخها وخصائصها الجنسية وأمجادها الموروثة، ولا يرهب الاستعمار الفرنسي في المغرب العربي هذه الحركات السياسية المحضة مثلما يرهب حركة جمعية العلماء التي بدأت في الجزائر وسرت عدواها بالتأثّر والاحتذاء إلى الجناحين مراكش وتونس، ومن خصائص القرآن إذا فهمه الناس وعملوا به أنه يجمع بنيه على مبدإٍ واحد ويوجّههم وجهة واحدة. وسلاح الاستعمار الذي رمى به الشرق هو تفريق المجموع، فليفهم المسلمون أنهم إذا أحيوا القرآن وتعاليمه في نفوسهم أبطلوا جميع مكائد الاستعمار، وأنه لا سلاح لهم بعد أن وصلوا إلى هذه الحالة من الضعف إلا ما يقتبسونه من القرآن من الأخذ بأسباب القوة الروحية والقوة المادية.

واقع العالم الإسلامي:

واقع العالم الإسلامي اليوم أنه مستعبد مسخّر يتعب ليسعد عدوّه ويموت ليحيي غيره ولا درجة في الخزي والهوان أحط من هذه، ولا ينكر هذا إلا مغرور بالظواهر أو مخدّر من الاستعمار أو جاهل لا فكر ولا عقل له فلا يقبل له رأي ولا يصحّ منه حكم. عداد المسلمين في العالم يزيد على خمسمائة مليون ولكن أي شعب من شعوبه يعدّ مستقلًا استقلالًا حقيقيًا بريئًا من شوائب التدخّل الأوربي كاملًا مستوفيًا لشرائطه وعناصره من السياسة والعلم والاقتصاد؟ الواقع المشهود للعيان أنهم عالة على غيرهم وفي كل شيء، فسياستهم العامة مسيّرة على هوى غيرهم لا على مصالح شعوبهم، ووراء كل حكومة من حكوماتهم أشباح خفية تأمر فتطاع وتنهى فتمتثل وتغضب فيقرأ لها حساب، والعلم يأخذونه على أعدائهم كما يملونه سمًا أو ترياقًا، وخيرات بلادهم وهي أساس قوّتهم محتكرة للأجنبي، حظّهم منها الحظ الأوكس والتجارة والصناعة لا يد لهم فيها ولا رجل: يبيعون القنطار من نتاج أوطانهم رخيصًا ثم يشترون الداني منه غاليًا، فإذا أغلق صاحب السوق سوقه في وجوههم أفلس غنيّهم ومات فقيرهم جوعًا وهلك عريًا وهم مع هذا مشغولون بالتوافه مفتونون بظواهر السلطة مقدّرون لأسباب الخلاف والتباعد بينهم، لا يفكّرون بالاتحاد الذي يحمي جميعهم ولا في التعاون الذي يحرّرهم ويأتيهم بالقوة ويدفع عنهم استغلال الأجنبي لمرافقهم ولا يتحاكمون في حلّ مشاكلهم إلى العقل الذي يقرر قاعدة: "هي لك أو لأخيك أو للذئب" ثم يحكم لواحد من الأولين ليحرم الذئب. أما علة هذه الحالة فهي متشعبة المسالك متعددة النواحي ولكنها ترجع كلها إلى سبب الأسباب وهو ضعف الأخوة الإسلامية إلى درجة قريبة من العدم، حتى أصبحت كلمة تقال على الألسنة ولا قرار لها في القلوب، ولو كان لها معنى يخالط النفوس ويؤثر فيها لرجعت حكوماتهم كلها إلى حكومة واحدة أو إلى حكومات متحدة في الرأي واعتبار المصلحه العامة، ولرجع علماؤهم إلى الكلمة الجامعة في الدين وشعوبهم إلى المنفعة الجامعة في الدنيا ولرجع أهل الرأي منهم إلى المنزلة التي وضعهم فيها القرآن وهي منزلة بعد الله ورسوله مباشرة. وأما دواء هذه العلة فهو معروف من العلة نفسها ومبدؤها من علماء الدين، فالواجب المتعيّن عليهم أن يتداعوا إلى نبذ الخلاف في الدين واللياذ بالمتفق عليه وهو القرآن، ثم يحملوا الحاكمين على إقامته والاهتداء بما أرشد إليه ويحملوا المحكومين على التخلّق بآدابه والوقوف عند حدوده والإذعان لأحكامه.

 

مجلة "الأخوة الإسلامية"، السنة الأولى، العدد الثالث عشر، بغداد، 2 رمضان 1372هـ الموافق لـ 15 ماي 1953م.

آخر التغريدات: