د. بوعلام بسايح، مسار وأعمال

د. بوعلام بسايح، مسار وأعمال

بقلم: د. إبراهيم رماني –

لن تكون كلمتي ذات طابع أكاديمي، إنما شهادة متواضعة مختصرة عن شخصية فـذة من أعلام السياسة والدبلوماسية والثـقافة والأدب. مسئول سام وصديق عـزيز،سعدت وتشرّفت بالعمل تحت إشرافه، مقرّبا منه على مدى عشر سنوات، مستشارا للشؤون السياسية والثقافية، عندما كان سفيرا للجزائر بالرباط 2002-2005، ومديرا للدراسات والبحث حين كان رئيسا للمجلس الدستوري 2006-2012،إضافة إلى أربعة أعوام من التواصل حتى التحاقه بالرفيق الأعلى، تغمّده الله بواسع الرحمة والغفران وأسكنه جنة الخلد.

د.بسايح شخصية متفرّدة، ومسار نضالي ومهني استثنائي، ضابط سام في جيش التحرير سابقا، سياسي مقتدر ودبلوماسي محنك ومثقف بارز، مترجم وكاتب في التاريخ والشعر والأدب الشعبي، مسئول رفيع في الدولة الجزائرية على اختلاف مراحلها وقادتها، بالهيئات التنفيذية، التشريعية والقضائية الرقابية، مما يؤكد سمو مكانته والاحترام الكبير الذي حُظي به دائما.

ولـد بمدينة البيّض عام 1930. تلقى تعليمه الأولي بمسقط رأسه، حيث كان والده الحاج عبد الرحمن بسايح رئيس فرع جمعية العلماء المسلمين الجزائريين. واصل دراسته في الثانوية الإسلامية الفرنسية في تلمسان لعـدة سنوات ثم بالجزائر. حاصل على دكتوراه في العلوم الإنسانية.

التحق عام 1957 بصفوف جيش التحرير، مساعدا للرائد سي موسى في المنطقة الثامنة بالولاية الخامسة تحت قيادة العقيد هواري بومدين. تقلد (سي لمين) اسمه الثوري رتبة رائد، عين عضوا بالأمانة العامة للمجلس الوطني للثورة الجزائرية من 1959-1962، ومسؤول قسم بمديرية التوثيق والاستعلامات ثم نائبا للعـقيد عبد الحفيظ بوصوف (سي مبروك)، مسئول (المالغ) وزارة التسليح والاتصالات العامة.

في 1963 عُـيّن سفيرا للجزائر ببروكسيل ثم القاهرة، فأمينا عاما لوزارة الشؤون الخارجية 1971-1974. وبعدها سفيرا بالكويت. وفي الثمانينيات تولى عدّة حقائب وزارية: وزيرا للإعلام والثقافة ثم للإعلام، والبريد والمواصلات، والثقافة والسياحة ثم وزيرا للشؤون الخارجية 1988-1989. وفي بداية التسعينيات عين سفيرا للجـزائـر في بيرن ? سويسرا. وفي 1997 عين عضوا وانتخب رئيسا للجنة الشؤون الخارجية بمجلس الأمة حتى أفريل2001، حيث عيّنه فخامة رئيس الجمهورية السيّد عبد العزيز بوتفليقة سفيرا للجزائر بالرباط، ثم رئيسا للمجلس الدستوري في سبتمبر 2005 إلى غاية أفريل2012. وبعـدها مستشارا خاصا للسيّد رئيس الجمهورية، الذي شرّفه أيضا بمنصب رفيع توّج به مساره النضالي والمهني الحافل بالمسئوليات والخدمات الجليلة للأمة، على مدى أكثر من نصف قرن، فعيـّنه في 11 جوان 2016 وزيرا للدولة، مستشارا خاصا وممثلا شخصيا لرئيس الجمهورية حتى وفاته رحمه الله، يوم الخميس 28 جويلية 2016.

مسار استثنائي رائع لشخصية وطنية تاريخية خدمت الوطن عبر كل مواقع النضال والمسئولية، بكفاءة وإخلاص وصمت وتواضع، وبفكر مستنير وقلم مبدع ومؤلفات قيّمة، يصعب تلخيصها وتقدير قيمتها الحقيقية في صفحات قليلة. لكن سأجتهد في تقديم إضاءات موجزة حول شخصية عملاقة، خاصة حول أعمالها الثقافية الأدبية بما يتلاءم مع طبيعة المناسبة.

فيما يتعلق بالمسار المهني، فقط السنوات التي رافقته فيها، سفيرا للجزائر بالرباط 2001-2005، أقول كان مدرسة تشرّفنا بالانتماء إليها، تعلمنا فيها ومنها الكثير. كان من طراز السفراء الكبار العارفين بخبايا السياسة ومعالم الفكر ومسالك التاريخ، ذا خبرة دبلوماسية مشهودة، وشخصية مثقفة محترمة في كل الأوساط السياسية والدبلوماسية والثقافية والاعلامية. وهذا دليل حنكة دبلوماسية وحكمة سياسية ومكانة لامعة هي امتداد وانعكاس ساطع لهـيبة الدولة الجزائرية ومكانتها الرفيعة بقيادتها الرشيدة ودبلوماسيتها المتألقة.

فيما يخصّ عمله رئيسا للمجلس الدستوري 2005-2012، كان للخلفية الثقافية المتينة والخبرة الدبلوماسية العميقة للدكتور بسايح دور فاعل في خدمة القضاء الدستوري وترقية دور المجلس الدستوري خارجيا، من خلال إقامة وتوطيد علاقات تعاون متعدّدة مع الهيئات المكلفة بالرقابة الدستورية في مختلف القارات، وكذا المنظمات الجهـوية المختصّة، بما يحقق الفائدة المشتركة ويثري القضاء الدستوري عالميا، مع مراعاة التـنوّع والخصوصية التي يتميّز بها النظام السيّاسي لكل بلد.

استطاع بجهوده المتواصلة في كل الاتجاهات إبرازَ ما حققته الجزائر من تقدم في مجال ترسيخ الديمقراطية وتعزيز دولة القانون، وكذا سعـيَها المستمر لمواكبة حركية القضاء الدستوري عبر العالم،مما حقق للمجلس الدستوري الجزائري مكانة محترمة بالخارج. وكمثال على ذلك فقط،

كان له الفضل في طرح مبادرة انضمام الجزائر إلى(اللجنة الأوروبية للديمقراطية بواسطة القانون)المختصة في المسائل الدستورية المعروفة بـ (لجنة فينيسيا) نسبة لمدينة البندقية ? فينيسيا حيث تعقد اجتماعاتها الدورية.وهي جهاز استشاري تابع للمجلس الأوروبي، وتضم حاليا ستين بلدا من مختلف القارات. وقد حظيت المبادرة بموافقة السيّد رئيس الجمهورية، فكانت الجزائر أول بلد عربي وإفريقي ينضم إلى هذه اللجنة عام 2007.

على المستوى العربي: حرص على تفعيل اتحاد المحاكم والمجالس الدستورية العربية وترقية دور المجلس الدستوري فيه.وكان له الفضل في طرح مبادرة اتفاقية تعاونبين هذا الاتحاد ولجنة فينيسيا، وأشرف على تجسيدها حتى التوقيع عليها في 2008.

على المستوى الإفريقي: كان له الفضل في تجسيد فكرة رئيس الجمهورية الذي اقترح على د.بسايح إنشاء منظمة افريقية للهيئات المكلفة بالرقابة الدستورية، وذلك عندما حضر السيّد الرئيس احتفال المجلس الدستوري بالذكرى العشرين لتأسيسه في مقره يوم31 أكتوبر 2009، فطرح د. بسايح مبادرة توجت بعد مساع معتبرة منسقة مع وزارة الشؤون الخارجية، بانعقاد المؤتمر التأسيسي للمنظمة بالجزائر، وإنشاء (مؤتمر الهيئات القضائية الدستورية الإفريقية) واختيار الجزائر العاصمة مقـرًّا لها. الدستورية لجمهورية البينين، وقد زكت الوفود المشاركة في الاجتماع الثاني للمؤتمر في جمهورية البينين في ماي 2013، د. بسايح أول رئيس شرفي للمنظمة.

وبعد، اسمحوا لي أن أقرأ على حضراتكم جزءا من شهادة الأستاذ روبير دوسو، الرئيس الشرفي لمؤتمر الهيئات الدستورية الإفريقية، رئيس المحكمة الدستورية لجمهورية البينين سابقا(من رسالة التعزية بتاريخ 08 أوت2016):( بوعلام بسايح يغادرنا بعدما أدّى مهامه فوق الأرض بجدارة واستحقاق. أجل، لقد أدّاها بجدارة وحماس وذكاء وعزم، كما يؤديها ذلك القائد الذي تنساق جنوده وراء قناعاته. لقد ساهم في تحرير بلاده الجزائر وتعزيز استقلالها، وفي إشعاع بلاده ووحدة أفريقيا.

فبعدما استطاع كأديب ومثقف، أن يشعّ بأعماله وأفكاره على قطاعه، راح يفرض بعد ذلك وجوده في فضاء رجالات القانون.

كرئيس للمجلس الدستوري الجزائري، أضفى على المؤسسة إشعاعا حقيقيا، وكان وراء كل المبادرات التي أدّت على الصعيدين الإفريقي والعالمي إلى إنشاء فضاءات دستورية. فـلمّا بادر بإنشاء مؤتمر الهيئات القضائية الدستورية الأفريقية، استطاع أن يضمّ إليه زملاءه الأفارقة، وأن يزرع بذرة ما فتئت تنمو وتربو. إن المؤتمر يلقي بإشعاعه على كل القارة بفضل النور الذي تركه أول رئيس شرفي لها، وهو بوعلام بسايح.

وعلى الصعيد الدولي، ساهم مساهمة حاسمة في كل المسار الذي توّج بإنشاء المؤتمر العالمي للقضاء الدستوري. بوعلام بسايح، لكل من كنتَ لهم قائدا، ستبقى خالدا في ذاكرتهم إلى الأبد.)

على المستوى العالمي:اقترحت اللجنة الأوروبية من أجل الديمقراطية بواسطة القانون (لجنة فينيسيا) إنشاء فضاء عالمي يجمع كل المجالس والمحاكم وكذا المجموعات الإقليمية واللغوية المختصة. وتقديرا لمكانة المجلس الدستوري ورئيسه، نظم بالجزائر نهاية أكتوبر 2008، الاجتماع التحضيري لأول مؤتمر عالمي للقضاء الدستوري، المنعقد في كاب تاون-جنوب إفريقيا في جانفي2009، وعـيّنت الجزائر عضوا في مكتب المؤتمر.

بسايح المثقف الوطني الأديب

كان البعد الثقافي الأدبي حاضرا دائما في أحاديثه وكتاباته، فقد حرص على أن يضمّن محاضراته مادة معرفية غـزيرة متنوعة، مؤشرا على أن السياسة والقانون والثقافة مترابطة متكاملة لديه في بنية الفكر والنص معا، بما يؤدي الدلالة ويحمل الرسالة بأسلوب منهجي ذكي جذاب، يتمكّن به من التأثير على عقل المتلقي وقلبه في آن واحد، باختلاف ثقافته واتجاهه.

ومثال على ذلك،محاضرة حول (تعايش الفن والدين: أمثلة من التسامح عبر التاريخ)ألقاها في ندوة نظمتها (اللجنة الأوروبية من أجل الديمقراطية بواسطة القانون) والرابطة الهيلينية لحقوق الإنسان، بأثينا-اليونان في فيفري 2008. استحضر من تراث العرب والغرب في مراحل مختلفة،أعلاما وأحداثا وتواريخَ، كما استشهد بأقوالٍ ومواقفَ وأشعارٍ في نص حافلبالمعلومات المركّزة والخلاصات الذكيّة.

فكر راق ورؤية متفتحة، ثقافة واسعة وحكمة بالغة، ألخصّها في قوله ( لا بدّ من وثبة عالمية من أجل ترقية تحالف بين الحضارات،تحالفٌ يبدو لي أحدَ أفضلَ السّبلِ لتحقيق تقاربِ الثقافات والحضارات، وجعـلِ الفن أداةَ توافقٍ وانسجامٍ بين حرية التعبير، كقيمة تُغـذّي روحَ الفنانِ الإبداعية، وبين احترامِ المعتقداتِ والرّموز الدينية للآخر.وأعتقد أن النجاحَ في تحقيق هذا التوافقِ هو النجاحُ في كسب رهانِ التعايش والديمقراطية.

بسايح عاشق التاريخ وأمجاد الوطن

كان شغوفا بالتاريخ عامة، مركزا على التاريخ الوطني بمفهومه الواسع.من الجانب الـذّاتي، يعتبر التاريخ علامة بارزة في شخصيته،إذ عاش عمرا حافلا بالأحداث والمسئوليات الهامة. ومن الجانب الموضوعي، فهو يلبّي الحاجة للتعبير عن شعـور الاعـتزاز بالهُوِية وتمجيد ماضي الأمة وتخليد بطولاتها. مثلما يمثل مصدر إلهام، ونموذجا يُحتذى به في بناء الحاضر واستشراف المستقبل.

فالتاريخ إذن راسخ لدى بسَّايح في الرؤية والتجربة على السَّواء. وبالتالي لم يكن من الصدفة أن يُؤرِخ نثـرا لمآثر الجزائر في أسلوب شعري جميل، مثلما يتغـنـَّى شعـرًا بأمجاد الوطن في رؤية تاريخية أصيلة.وكان في ذلك منشغلا بتبليغ الرسالة إلى الشباب، الذي يجب كما يقول (أن ينظر بإمعان وتقدير إلى ماضيه المجيد، حتى يتمكن من فهم أعمق لحاضره، وبالتالي إدراك أفضل لمستقبله".

كان ذا وعي وطني تاريخي فائق، فساهم في تخليد تاريخ المقاومة الشعبية ونضالات الشخصيات الوطنية السياسية والعسكرية، الإصلاحية والثورية والأدبية مثل:الأمير عبد القادر،فاطمة نسومر، المقراني، بوعمامة، بلخير، الأمير خالد، ابن باديس، الإبراهيمي، العقيد لطفي وغيرهم، عبر الكتابة في التاريخ والشعر والأدب الشعبي والدراما السينمائية. ففي مجال التاريخ والشهادات أصدر عدّة أعمال،كتابه الشهير في 2002:

De Louis Philipe à Napoléon III

L'Emir Abdelkader, vaincu mais triomphant

الصادر بالعربية عام 2007 بعنوان (الأمير عبد القادر،مغلوبا لكن مظفرا، من لويس فيليب إلى نابليون الثالث). وكتابه

  (Les grandes figures de la résistance algérienne (par l'épée et la plume (1830-1954

الصادر عام 2002، ونسخته العربية عام 2007 (أعلام المقاومة الجزائرية ضدّ الاحتلال الفرنسي، بالسيف والقلم 1830 ? 1954). وأيضا كتابه

  ,De l'Emir Abdelkader à l'Imam  Chamyl, le héros des tchétchènes et du Caucase

الصادر في1997(من الأمير عبد القادر إلى الإمام شاميل،بطل الشيشان والقوقاز).وكتابه الأخير عام 2009( أزهار الربيع، وأوراق الخريف. أفكار وشهادات في التاريخ والثقافة والأدب)

Roses de Printemps, Feuilles d'Automne

:Réflexions et témoignages

Histoire, culture et littérature

مهما تختلف أنواع الكتابة، فهي نتاج رؤية عميقة متكاملة، تجسّد تجربة نوعية لدى الكاتب، يشكّل بها "مرآته"، التي ذكرها بسّايح في مقدمة كتابه "أعلام المقاومة الجزائرية" قائلا: (هذا الكتاب، مرآة عاكسة لبعض ما في نفسي من شغف مستمر مخلص للتاريخ الوطني، ومن احترام وإكبار لأبطاله المخلدين. مرآة مضيئة لجوانب ومحطات من تاريخ المقاومة وقادتها الكبار، رجال علم وإصلاح، أو نضال سياسي ومواقف وطنية مشهودة، أو رجال حرب ودولة. جميعهم ساهموا وأبلوا، فصنعوا ملحمة الكفاح والنصر، ملحمة شعب وتاريخ أمة حافل بالأحداث والدلالات جديرة بالقراءة والتمعّـن والتقدير.)

بسايح المترجم الشغوف بالشعر الشعبي

اهتم بالشعر الشعبي عامة كنوع أدبي معبّر مخلد لملحمة المقاومة الشعبية، وجزء هام من الذاكرة الجماعية للأمة، ومرآة عاكسة بليغة لحياة الشعب وتقاليده. وفي هذا الشأن انشغل في وقت مبكر من شبابه 1951-1952، بجمع أشعار الفارس الشاعر محمد بلخير، متأثرا بما كان يسمعه عن أبيه من أشعار بلخير وقصص حول ثورة أولاد سيدي الشيخ، وبعد سنوات من الانقطاع، عاد فاستكمل كتابه عن بلخير فأصدره عام1976 :

Mohammed BELKHEIR. Etendard interdit

(محمد بلخير.راية محـظورة) تصدير المستشرق الكبير جاك بيرك (ابن مدينة فرندة ? ولاية تيارت) ونشره بالعربية عام 2007 (أشعار الهوى والوغى لمحمد بلخير).كما أصدر عام2003 كتابه:

Abdallah ben KERRIOU

poète de Laghouat et du Sahara

ونشره بالعربية(عبد الله بن كريو.شاعر الأغواط والصحراء)2007.

تكمن أهمية العمل الذي قام به في هذا المجال، أنه كان سبّاقا في ترسيخ شهرة شاعرين بارزين من أعلام الشعر الشعبي، من خلال جمع الأشعار ونشرها، مع التعريف بصاحبها ودراسة مضامين القصائد. وكذا ترجمة القصائد إلى اللغة الفرنسية، ونشرها مع النصوص الأصلية، بما يجعلها متاحة للقراءة والدراسة لدى القراء والباحثين باللغتين على السّواء.

تتطلب دراسة الأدب الشعبي عدة خبرات، بلاغية تاريخية جغرافية، سسيولوجية وأنثروبولوجية وغيرها، مما يساعد على فـك الرموز وتفسير الصور واستيعاب الدلالات المعقدة. ومن المعلوم أن الترجمةَ عامةً عمليةٌ عسيرةٌ، والأصعبُ فيها ترجمة الأعمال الأدبية، التي تقوم على جمالية البلاغة التي تختلف أسرارها من لغة إلى أخرى.

وبالنظر إلى كل ما سبق، يمكننا تقدير أهمية العمل الشاق الرائع الذي أنجزه د.بسايح بترجمته أشعار بلخير وبن كريو إلى اللغة الفرنسية، بأسلوب شعري جميل،مما يبرهن على كفاءته بسايح وتملّكه القوي لخبرات المترجم المقتدر، والذي مكّنته من تحويل نصوص تراثية جزائرية عصيّة إلى نصوص شعرية طيّعة بجمالية اللغة الفرنسية.

بسايح الشاعر المخلد لملحمة الجزائر

ألف عام 2004 أول مرة، عملا شعريا باللغة الفرنسية، من النوع الوطني التاريخي الملحمي، يخلد تاريخ الجزائر وأمجادها العريقة (L’Algérie belle et rebelle, de Jugurtha à novembre) (الجزائر الجميلة المتمرّدة من يوغرطا إلى نوفمبر)فكان أغلى هدية لوطنه العزيز في احتفاله بالذكرى الخمسين لاندلاع ثورة أول نوفمبر.

وتقديرا لأهمية الحدث التاريخي وتكريما للكاتب الكبير، تفضّل رئيس الجمهورية، السيّد عبد العزيز بوتفليقة، بكتابة مقدمة المجموعة،فزاد الكتاب أبّهة وقيمة،ومنها قوله( إن هذه الجدارية fresque العريضة من تاريخنا، التي عـوّض فيها القلم الريشة تروي مسيرة أمة عبر مراحل متعاقبة من الأزمنة - ترويها بما حملته من نقائص وبطولات، انتكاسات وأمجاد، تقلبات للدهر وانتصارات ? تذكّرني بتلك الملحمات التي غالبا ما تنشدها الشعوب تخليدا لأساطيرها، وتعزفها لتمجيد أوطانها(.

يتضمّن الكتاب مدخلا وثمانية أجزاء تتوزع على المراحل التاريخية الكبرى التي مرَّت بها الجزائر: الهيمنة الرومانية، حملات الوندال والبيزنطيين، الفتح الإسلامي في القرن السّابع الميلادي، وبعده العهد العثماني والمقاومة ضدّ الاحتلال الإسباني.وأخيرا، المقاومة الوطنية ضدّ الاحتلال الفرنسي، التي خصَّص لها الأجزاء الثلاثة الأخيرة، أي ثلثي الكتاب تقريبا. بما يتناسب مع عظمة ثورة نوفمبر المظفرة.كما خُصَّصَ الجزء السّادس لعدد من أعلام المقاومة بالسّيف والقلم والكلمة والجزء السّابع (مدن،معالم ورموز) فتوقف عند بعض المناطق والمدن المشبعة بزخم التاريخ والبطولة والحضارة. وخصّص الجزء الأخير (المعركة الحاسمة) لبعض الأحداث الهامة في مسار النضال والكفاح الوطني.

هذا الكتاب تحفة تصويرية مخلِّدة للجزائر في جغرافيتها الثرية الساحرة، وتراثها الثقافي العريق وماضيها الملحمي الطويل،الغـني بمآثر الحُكْم والحِكْمة، الـمدن والدّول، القادة والعلماء، الفنون والآداب. وهو عمل يجسد الرؤية الشاملة المتكاملة لبسايح، ثلاثية الوطن والتاريخ والأدب، التي أطّرت كل أعماله بهدف واحد، هو خدمة تاريخ الجزائر وتخليد أمجادها.

كتب د.بسايح هذا العمل الضخم الشاق خلال فترة قد لا تتجاوز الأربعة أشهر تقريبا، عندما كان سفيرا بالرباط وعمره آنذاك أربعة وسبعين عاما. أمر رائع وملفت للنظر، جدير بالإشادة والدراسة، يبرهنعلى كفاءة فكرية إبداعية عالية، ظلت شعـلة متقدة إلى آخر العمر.

السينما في خدمة التاريخ الوطني

كان لدى د. بسّايح وعي تاريخي فائق وحسّ فني ناضج، يكتب بزخم فكري كثيف، وأسلوب روائي جميل، مما مكّنه من ولوج تجربة الدراما السينمائية، كأداة فنية فعّالة في تخليد تاريخ الأمم وبطولاتها، وكذا توسيع معرفتها وشهرتها لدى الجمهور العام داخليا وخارجيا. لذلك كتب سيناريو الفيلم الرائع (ملحمة الشيخ بوعمامة) إخراج المرحوم بن عمر بختي، وبطولة الفنان الكبير الممثل عثمان عريوات، إنتاج وزارة الثقافة عام 1984. كما كتب سيناريو فيلم عن الأمير عبد القادر، وسيناريو فيلم عن الشيخ المقراني.

حدثـني د. بسايح خلال عامي 2012-2013 أكثر من مرّة عن رغبته في كتابة سيناريو عنثورةالـزعاطشة1849(بلدية ليشانة، منطقة الزيبان، ولاية بسكرة)، التي شهدت مقاومة باسلة انتهت بحصار وإبادة همجية، أمر فيها الجنرال السفاح "هيربيون" بقطع رؤوس زعيمها الشيخ بوزيان وابنه والشيخ موسي الدرقاوي، وتعليقها على أبواب مدينة بسكرة عدة أيام، ثم نقلت إلى متحف اللوفر بفرنسا.

كان يراها مقاومة ملحمية جديرة بالتخليد سينمائيا، فقال لي( استكملت جمع المادة التاريخية، وآمل أن أجسّد الفكرة)، لكن ثـقل المسئوليات وتشتت الجهود لم تسعـفـه لإنهاء العمل.

المرأة الجزائرية، مكانة عالية

كان د. بسايح يكنّ للمرأة تقديرا كبيرا، مؤكّدا على أهمية أن يكون لها المكانة المستحقة في المجتمع والدولة، حريصا على أن يخلد مآثرها في أعماله المختلفة، كما فعل في مقاله (فاطمة نسومر،المرأة المتمرّدة) في كتابه (أعلام المقاومة الجزائرية)، ومقاله (هؤلاء النسوة اللواتي هن أخوات لنا في الكفاح" في كتاب (أزهار الربيع وأوراق الخريف). كما خلّد بطولاتها شعرا في مجموعته (الجزائر الجميلة المتمردة، من يوغرطا إلى نوفمبر) في قصيدتيه( فاطمة نسومر) و( الجميلات).ولعل شهادته الرائعة حول فاطمة نسومر، تغنينا عن الكثير من الشرح والتعليق. يقول (جسّدت فاطمة نسومر المرأة في مختلف تجليّاتها وأبعادها الذاتية الروحية، الاجتماعية، السياسية والعسكرية. وهي بالتأكيد لا تنحصر فقط في شجاعة رفع السلاح. كانت رمزا مشعا لشجاعة المرأة الجزائرية، المرأة المتمرّدة البطلة، التي ألهمت المجاهدات المناضلات، اللواتي انخرطن تلقائيا في ثورة أول نوفمبر 1954 لتحرير الأرض والإنسان. وكذا كل نساء الجزائر اللائي وجدن فيها رمزا للإباء والشرف والبطولة، للحرية والكرامة والوطنية.

ستبقى روحها الطاهرة الخالدة ترفرف حمامة سلام وأمان في سماء بلادي العزيزة، واسمها محفورا مرسوما على صخر لا يلين في جبال جرجرة الشامخة، متجذرا محفوظا في قلوب الشعب الجزائري العظيم. كما سيظل صوتها متعاليا مؤثرا كنشيد الحرية، تتردّد أصداؤه البعيدة في قمم الأوراس وأعالي الهقار.لا، لم تمت فاطمة نسومر، ولم ترحل عن ذاكرتنا أبدا).

من الصّعب والنادر جدّا أن يقبل بسّايح كتابة مقدمات كتب مؤلفين آخر حتى لو كانوا أصدقاء مقربين. كان لا يحب أن يجعل نفسه حكما ووسيطا بين القارئ والمؤلف.لكنه كتب عام 2007 مقدمة كتاب (مسيرة كفاح في المنطقة السادسة بالولاية الخامسة. مع صليحة ولد قابلية شهيدة الثورة) الذي ألـفه رفيقها في السلاح المجاهد علي عمراني، قناعة وتكريما للشهيدة البطلة التي كانت أول جامعية تسقط في ساحة الشرف والسلاح بين يديها، والتي أرادمن خلالها أن يسجل شهادة حق بقوله (وإذا كانت الشجاعة دائما من ميزة النساء بالجزائر، فلا بدّ من الاعتراف بأن المرأة، أينما كانت إبّان ثورة التحرير الوطني، فإنه لم يُهوَّن من شأنها قط، ولم تُهمَّش أو تُقصَى من المجاهدين إلى أدوار ثانوية. وإذا كان بديهيا، أنها عرفت كيف تفرض احترامها، فإن الرجال قد وجدوا في حضورها ارتياحا معنويا قويا، وحافزا إضافيا على إبقاء شعلة القتال موقدة في أنفسهم.)

بسايح رجـل إجـماع ومصالحة

تشبّع بسايح بثـقافة الثورة والوطنية والـدولة، فظل على الرغم مما شهده العالم والوطن خلال العقود الأخيرة من تحوّلات سياسية وفكرية عميقة، ظل مخلصا دائما لمرجعـيته الثقـافية الوطنية المتفاعلة مع الموروث الفكري العالمي. كما بقي وفيا لقناعاته الإيديولوجية الوطنية في شكلها الراقي. كان قياديا في اللجنة المركزية لجبهة التحرير الوطني، إلاّ أنه لم يكن كاتبا سياسيا ولا منخرطا في الجدالات الحزبية العقيمة، مترفعا عن الصراعات الفئوية الضيّقة، إنما شخصية جامعة موحّدة للصفوف، رجل إجماع ومصالحة ، صاحب رؤية عميقة ،مدافع صلب عن المصالح العليا للحزب، مصالح الدولة والوطن على السواء

عمر حافل في خدمة الوطن

شكّلت المسؤوليات الهامة المتلاحقة التي تولاّها بسايح في خدمة الوطن حملا ثقيلا لم يشغـله عن اهتماماته الفكرية والأدبية، لكنها بالتأكيد استهلكت جزءً كبيرا من وقته وجهده على حساب تنمية مواهبه الإبداعية، التي لم تتجل بقوة إلاّ في وقت متأخر نسبيا من حياته.فالملاحظ أنه أصدر أول كتاب له عن الشاعر بلخير في 1976 وعمره ستة وأربعين عاما، وكتابه الشعري (الجزائر الجميلة المتمردة) عام 2004 وعمره أربعة وسبعين عاما، وكذا كتابه (أزهار الربيع وأوراق الخريف) 2009 وعمره 79 عاما، مما يؤكد مرة أخرى موهبتَه المتفرّدةَ وقدراتِه الفائقة، فقد ظل يقرأ ويكتب بعقل يقظ وتركيز كبير وإرادة قوية في خدمة الوطن حتى آخر أيامه.وتلك حالة استثنائية جديرة بالثناء والإكبار.

وللعلم، فقد ساهم قبل شهرين تقريبا من رحيله بمحاضرة قيمة في الملتقى الدولي (روسيا والعالم الإسلامي، رؤيا إستراتيجية) المنعـقد بكازان? في فيدرالية روسيا، ماي 2016.أبرز فيها تسامح الدين الإسلامي، مثمّـنا قيم الاجتهاد والتفتح والتعايش العريقة في ثقافتنا الوطنية وتاريخنا الحضاري، مؤكّدا على أهمية التعاون الدولي لمكافحة التطرف والإرهاب، مذكرا بمقاربة الجزائر الشاملة المتبصّرة في استرجاع السلم وتحقيق المصالحة الوطنية بقيادة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة.

كان صاحب فكر رصين وقـلم بليغ وذاكرة يقظة، عمل بإيقاع متواصل حتى آخر العمر.وكما قال السيّد رئيس الجمهورية في رسالة التعـزية كان(رجلا عـظيما عظمة المهام التي أدّاها على أحسن ما تُـؤدَّى المهامُ، والمسؤولياتِ التي قام بها خيرَ قيام في كل المناصب النبيلة التي تولاّها باقـتدار.)

د. بوعلام بسايح، مسار وأعمال، عنوان كبير يحتاج إلى مؤلفات كاملة، لكن للمناسبة مقتضياتُها، فحاولت قدر الإمكان تقديم إضاءات خافتة، قد تنير قليلا جدا من شخصيته الساطعة وأعماله الكثيرة القيمة. ولعل هذا اللقاء التكريمي الذي تفضلت بتنظيمه مشكورة،وزارة الثقافة ومحافظة صالون الجزائر الدولي للكتاب، هو خطوة أولى ودعـوة مفتوحة لأهل الاختصاص للكتابة، لأداء بعض الواجب الوطني والعلمي والتاريخي نحو فقيدنا الغالي وما يستحقه بجدارة وامتياز، من دراسة وتقدير وتخليد.

يبقى أن أذكر أن كل مجموع أعمال د. بسايح بالعربية والفرنسية قد نشرتها وزارة الثقافة عام 2009، وأعدت نشرها وزارة المجاهدين عام 2010.

الآن،أختم الآن كلمتي، بشهادة د. بسايح رحمه الله، يقول (أسجل باعتزاز أنّنا انتمينا لجيل أكرمه الله، إذ كتب له أن يعيش مرحلة حاسمة في تاريخ البلاد، نهض وتشبّع في حضن الحركة الوطنية، والتحم بصفوف المقاومة عند اندلاع الثورة النوفمبرية. كـان منّا الشهودُ والشهـداءُ الـذين ساهموا بالفكر والعمل، ورحلوا في صمت وتواضع، وآخرون ارتـقوا مراتبَ المجد والخلود، وغيرهُم يواصل أداء رسالته وجهده بما استطاع في خدمة البلاد). أشكركم على كرم الإصغاء والسلام عليكم.

 

للموضوع مراجع

آخر التغريدات: