جمعية علماء المسلمين الجزائريين في مواجهة الاستعمار والتغريب

جمعية علماء المسلمين الجزائريين في مواجهة الاستعمار والتغريب

بقلم: د. محمد عبد الكريم -

واجهت الجزائر الاستعمار الفرنسي المعروف بنزوعه لسلخ المستعمرات من هوياتها وأصولها بدعاوى التمدين والتحديث أو «الفرنسة» والاستيعاب، وكانت مواجهة الجزائر للاستعمار الفرنسي مواجهة مستمرة طوال قرابة القرن ونصف القرن من الاستعمار، ومن ذلك  كفاح أحمد باي (١٨٣٠-١٨٤٧٧)، وجهاد الأمير عبد القادر ( ١٨٣٢-١٨٤٧)، والمقاومة الشعبية المسلّحة ( ١٨٤٨-١٨٧٠)، وثورة الزّعاطشة في العام ١٨٤٩، ثم ثورة القبائل (١٨٥١-١٨٥٧)، وثورة لالة فاطمة نسومر فى نفس الفترة السابقة، وثورة أولاد سيدي الشّيخ ( ١٨٦٤-١٨٨١)، وثورة الشّيخ بوعمامة ( ١٨٨١-١٩٠٨)، وثورة عين التركي ١٩٠١.، ثم ثورة عين بسّام فى العام ١٩٠٦. وكان شعار هذه الحركات والثورات جميعاً أن «ما أُخذ اغتصابا، لا يُستردّ إلاّ غلابا».

ولما لم يكن احتلال فرنسا الجزائر سنة ١٨٣٠ من أجل ثرواتها الغزيرة فحسب، وإنّما لتطبيق مخطّط إجرامي طويل المدى للقضاء على الحريّة التي يدفع ضريبتها الغالية شعب الجزائر، وعلى هويته المتمثّلة في دينه ولغته ووطنه وتاريخه المجيد، بشتّى الوسائل والطّرق غير الشّرعية وغير القانونية، فإن النخبة الوطنية بالجزائر أدركت أن فرنسا تستهدف هوية بلادهم بنفس قدر استهدافها لمواردها. ومن هنا كان تأسيس جبهة علماء المسلمين تجسيداً لإرادة الشعب الجزائرى ووعيه بنوايا فرنسا من جهة، وبدور الجزائر داخل الأمة العربية والإسلامية كحامية للعروبة والإسلام في مواجهة حملات صليبية غيرت وجهتها من المشرق الإسلامي إلى مغربه.

وكان المجال الأساسي لنشاط مؤسسي جمعية العلماء قبل قيامها يتركز في التربية والتعليم بفضل جهود العلماء العاملين الجزائريّين على رأسهم الشيخان عبد الحميد بن باديس ومحمد البشير الإبراهيمي، اللّذان التقيا بالمدينة المنوّرة سنة ١٩١٣، وكان لقاؤهما مدّة ثلاثة أشهر متتالية فى دراسة الاستعمار دراسة معمّقة، والبحث عن كيفية إخراج الشّعب الجزائري من نير الاحتلال، ومن هذا اللّيل المظلم الذي طال أمده. وفى سنة ١٩٣٠ قامت الإدارة الفرنسية بالاحتفال بالذّكرى المئوية للاحتلال وتبجح الحضور بالإعلان عن أنهم قد بسطوا سلطانهم على الجزائر بقوّة الحديد والنّار، وأنّهم افتكّوها من الحضارة الإسلامية، وأرجعوها إلى الحضارة الرّومانية التي ينتمون إليها في وقت عظم فيه الضّغط على الشّخصية الجزائرية حتّى غدت مهدّدة بالتّلاشي. وممّا أثار غضب الشّعب الجزائري الأبي تصريحات بعض رءوس الشّر والفتنة من القيادات العسكرية ومنها «إنّنا لا نحتفل الآن بالذّكرى المئوية لاحتلالنا الجزائر منذ قرن، وإنّما نحتفل اليوم بوأد الإسلام فى أرض الجزائر». وقال الإمام عبد الحميد بن باديس عن هذا الحفل الاستفزازي: «إذا كانت فرنسا احتفلت بمرور مائة عام على احتلال الجزائر، فلن يُقدّر لها بإذن الله أن تُكرّر هذا الحفل.

تأسيس جمعية علماء المسلمين

تأسست جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في ٥ مايو ١٩٣١، بنادي الترقي في الجزائر العاصمة، وذلك بعد سنة من إحياء ذكرى مضى قرن على احتلال الفرنسيين للجزائر. وحضر الاجتماع التأسيسي ٧٢ من العلماء الممثلين لمختلف المناطق الجزائرية وشتى الاتجاهات الدينية والمذهبية. وتعتبر الجمعية امتدادا للحركة الإصلاحية التي قادها الشيخ عبد الحميد بن باديس، والتي قامت على مقاومة تأثيرات الاستعمار الفرنسي وترسيخ مقوّمات الشخصية الجزائرية ببعدها الإسلامي. وبعد ست سنوات من تأسيس الجمعيّة، بادر ابن باديس إلى وضع ميثاق للجمعية حدد من خلاله «دعوة جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين وأصولها” ونشره في مجلّة «الشّهاب» في ١١ يونيه ١٩٣٧.

أهداف الجمعية

تبلورت أهداف الجمعية في الخطاب الذي ألقاه المؤسس الشيخ عـبـد الـحـمـيـد بـن بـاديس فى اليوم الثالث لتأسيس الجمعية، بـصـفـتـه رئيساً مُنتَـخَبـًا لـهـا، هو تكلّم فيه عن الجمعية ومقاصدها، فذكَر من تاريخها أنها فكرة قديمة دعا إليها الكُتَّاب في الصحف العربـيّـة الـجـزائــريّـــة، وتداولها المفكِّرون بالبحث في المحافل الخــاصّــة والعــامّـــة، وكــتَــب فـــيــها كـتــاب الشهــاب عــدّة مـقــالات؛ واحتاجت الفكرة إلى رجل أو رجال ذوى إرادة وإقدام، لإخراجها من القول إلى الفـعـل، حـتّى قـيَّـض الله هــؤلاء الـفضـلاء أعـضــاء اللجنة التأسيسيّـة، فـكان فـضْل العمل مدَّخراً لـهـم، كـمـا كـان فـضـلُ التّـفـكـيـر والـقـول لـكُـلّ مَــن فَــكَّـر فـي الــمــوضـوع. وذكَر من مقاصدها جمْع شمل هذه الطائفة المتفرقة، لتتعاون على ما هي مـهــيّـأة لــه مــن نُـصح الأمّـة وإرشادها لما ينفعها في دينها ودنياها. وإنَّ مِنْ مقاصد الجمعية -كذلك- توحيد عرى الإخاء بين أبناء هذه الطائفة، وحملهم على نبذ أسباب الشقاق وإطراح دواعي التفرّق بينهم، ونسيان كلّ ما هبَّت به الأفكار، ممّا يدعو إلى فرقة أو عصبية. وأكد «أنَّ التّعارف الذي حصل اليوم بين أبناء هذه الأسرة النبيلة هو ثمرة باكرة لهذا الاجتماع، ذلك التعارف الذي طالما ناشدْناه، ولقد كان أمنية في النفوس، فأصبح حقيقة واقعة، وأمرا ملموسا». وفــى خِــتـام خِــطــابــه المُرتَـجَــل، حـــثَّ الرئيسُ ابنُ باديسَ الـعُـلـــمـــاءَ، وحضَّهم على مؤازرة الجمعية وتشهيرها وتحبيبها للعامة، ليكون لها من النفع بمقدار ما يكون لها من السلطان على النفوس، وإنّــما هـو سلطان كــتاب الله وسُــنّــة رسـولــه، وأن يـكـون شــعـارُ الـجـمـعـيّــة التّــــواصـي بـالــحـــقّ، والتواصي بالصبر.

كما حددت الجمعية الأهداف التي ترمى إلى تحقيقها في منشور للجمعيّة نشره الشّيخ ابن باديس في جريدة البصائر في العدد ١٦٠ الصادر في السابع من أبريل ١٩٣٩. وتشمل أهداف الجمعية «التّعليم والتربية، وتطهير الإسلام من البدع والخرافات، وإيقاد شعلة الحماسة في القلوب بعد أن بذل الاحتلال جهده في إطفائها حتى تنهار مقاومة الجزائريّين، وإحياء الثقافة العربية ونشرها بعد أن عمل المستعمر على وأدها، والمحافظة على الشخصية الجزائرية بمقوماتها الحضارية والدينية والتاريخية، ومقاومة سياسة الاحتلال الرامية إلى القضاء عليها”.

ولتحقيق تلك الأهداف، أسست الجمعية شُعبا (فروعا) لها على المستوى الوطني، وبلغ عدد تلك الشعب ٥٨ عاما ١٩٣٨. وعملت الجمعية عبر تلك الشعب على نشر اللغة العربية على نطاق واسع، وإحياء الثقافة العربية الإسلامية في الجزائر، وبعْث التاريخ العربي الإسلامي. وسعت الجمعية لترسيخ غيرة وطنية لدى الجزائريين في وجه سياسة الاحتلال، واجتهدت في إعداد نخبة من الرجال والنساء ليكونوا عمدة لنهضة الجزائر، وقامت فى سبيل ذلك بإصلاح أساليب التعليم وطرق التدريس، وإصلاح الكتب المدرسية.

كما نظمت الجمعية بعثات تعليمية لخريجي مدارس الجمعية ومعاهدها إلى المشرق العربي، وأولت اهتماما بالتعليم المسجدي، ووضعت برامج لنشر التعليم الديني والعربي للصغار المبتدئين، وتدارك النقائص التي عانى منها الملتحقون بالمدارس الفرنسية، كما اهتمت الجمعية بالكبار وخصصت لهم دروسا فى الوعظ والإرشاد ومحو الأمية.

وحتّى تُحقّق جمعية العلماء أهدافها كانت تعمل بوسائل يعجز أيّ حزب حاليا استعمالها دفعة واحدة، منها تأسيس مدارس ومساجد، وعلى رأسها مدرسة دار الحديث بتلمسان العامرة، ومدارس أخرى بضواحيها. وإصدار جرائد ومجلاّت شهريا، منها المنتقذ والشّهاب والبصائر. وكلّما أوقفت جريدة ظهرت أخرى من أجل بعث الرّوح الإسلامية والوطنية في أبناء وبنات الجزائر، وإبراز الانتماء الجزائري للعروبة والإسلام.

ولم تكتفِ جمعية العلماء بدورها التربوي والتعليمي داخل الجزائر فحسب، بل امتدت جهودها إلى فرنسا لمرافقة أبناء المهاجرين الجزائريين هناك. وخصت الجمعية المرأة بأهمية خاصة في برامجها، فبرمجت للنساء دروسا عبر المساجد، وشجعت على كسر العراقيل التي كانت تقف أمام تعليم المرأة وتكوينها. وبالإضافة إلى جهودها في مجال التربية والتعليم، عرف عن الجمعية سعيها لمقاومة سياسة التّجنيس، حيث أصدرت فتوى بتكفير من يتجنس بالجنسية الفرنسية، ويتخلى عن أحكام الشريعة الإسلامية، وجاء ذلك ردا على دعوات أطلقها بعض الجزائريين الذين درسوا في مدارس الاستعمار الفرنسي. وأنشأت الجمعية عددا من الصحف لنشر مبادئها ومتابعة أوضاع البلاد خلال الفترة التي تلت تأسيسها، ومن بين تلك الصحف جريدة السّنة النبوية وجريدة الشريعة المحمدية وجريدة الصراط السّوي، ثم جريدة البصائر التي لا تزال تصدر حتى اليوم. وقد تولى رئاسة الجمعية عبد الحميد بن باديس ثم البشير الإبراهيمي وأحمد حماني وعلى مغربي وعبد الرحمن شيبان وعبد الرزاق قسوم.

إسهام الجمعية في الحركة الوطنية الجزائرية:

قال ابن باديس في مقالٍ منشور عام ١٩٣٦ «إنَّ الاستقلال حقّ طبيعيّ لكلِّ أمة من الأمم، وقد استقلّتْ أممٌ كانتْ دوننا في القوة والعلم والمنعة والحضارة، مِن الممكن أن يأتي يوم تبلغ فيه الجزائر درجة عالية من الرقيّ المادي، وتصبح مستقلة استقلالا واسعاً، تعتمد عليها فرنسا اعتماد الحرّ على الحرّ». وفى العام ١٩٣٧ أعْلنَ ابن باديس عن دعوتهِ الصريحة إلى الكفاح، فى النشيد الخالد: “شعب الجزائر مسلم”.

وإذا رجعنا إلى أدبيات الجمعية نجد أن للوطن مكانة رفيعة لديها، وهو ما نتلمسه في مقتطفات مما خطه مؤسس الجمعية التي تنص في شعارها: “الجزائر وطننا»، ويقول ابن باديس: أما كلمة “الجزائريين” فنسبة إلى الوطن الجزائر، والجزائر هي وطننا الخاص الذي تربطنا بأهله روابط من الماضى والحاضر والمستقبل بوجه خاص، وتفرض علينا تلك الروابط لأجله- كجزء منه- فروضا خاصة، لأننا نشعر أن كل مقوماتنا الشخصية مستمدة منه مباشرة، فمن الواجب أن تكون خدماتنا أول ما تتصل بشيء تتصل به مباشرة»... ويؤكد في موضع آخر «إنما ينسب للوطن أفراده الذين ربطتهم ذكريات الماضي ومصالح الحاضر وآمال المستقبل، فالذين يعمرون هذا القطر وتربطهم هذه الروابط هم الجزائريون»... «والنسبة للوطن توجب علم تاريخه، والقيام بواجباته من نهضة علمية واقتصادية وعمرانية، والمحافظة على شرف اسمه وسمعة بنيه، فلا شرف لمن لا يحافظ على شرف وطنه، ولا سمعة لمن لا سمعة لقومه...ولأننا جزائريون نعمل لِلَمِّ شعب الأمة الجزائرية وإحياء روح القومية في أبنائها، وترغيبهم في العلم النافع والعمل المفيد، حتى ينهضوا كأمة لها حق الحياة والانتفاع في العالم، وعليها واجب الخدمة والنفع للإنسانية. وإننا نحب الإنسانية ونعتبرها كلاًّ، ونحب وطننا ونعتبره منها جزءاً، ونحب من يحب الإنسانية ويخدمها، ونبغض من يبغضها ويظلمها. وبالأحرى نحب من يحب وطننا ويخدمه، ونبغض من يبغضه ويظلمه، فلهذا نبذل غاية الجهد في خدمة وطننا الجزائري وتحبيب بَنِيه فيه، ونُخلِص لكل من يخلص له، ونناوئ كل من يناوئه من بنيه وغير بنيه»، ويؤكد فى موضع آخر: «ليس ما ندعو إليه ونسير على مبادئه من الإصلاح بأمر يخص المسلم الجزائري ولا ينتفع به سواه، كلا، فإن صحة العقيدة، واستنارة الفكر، وطهارة النفس، وكمال الخُلق، واستقامة العمل -وهذا هو الإصلاح كله- مما يشترك في الانتفاع به جميع المسلمين، بل جميع بنى الإنسان، وإنما نذكر المسلم الجزائري لأنه هو الذي قُدِّر أن يكون منا ونكون منه كما يكون الجزء من كله والكل من جزئه، فحاجته أشد، وحقه أوجب، فنحن إذا كنا نخدم الجزائر فلسنا نخدمها على حساب غيرها ولا للإضرار بسواها – معاذ الله – ولكن لننفعها وننفع ما اتصل بها من أوطانٍ الأقرب فالأقرب. وما مثلنا فى وطننا الخاص إلا كمثل جماعة ذوى بيوت من قرية واحدة، فبخدمة كل واحد لبيته تتكون من مجموع البيوت قرية سعيدة راقية، ومن ضيع بيته فهو لما سواها أضيع، وبقدر قيام كل واحد بأمر بيته تترقى القرية وتسعد، وبقدر إهمال كل واحد لبيته تشقى القرية وتنحط. في مواجهة الفرنسة المتوحشة للجزائر والتي استغلت فيها فرنسا سياساتها الاستيطانية في المناطق الخصبة وقربها الجغرافي من الجزائر مؤكداً: «أن كل محاولة لحمل الجزائريين على ترك جنسهم أو لغتهم أو دينهم أو تاريخهم أو شيء من مقوماتهم فهى محاولة فاشلة مقضي عليها بالخيبة».

ويمكن تلمس الدور الوطني للجمعية قبل قيام جبهة التحرير الجزائرية فى دور مؤسسيها ابن باديس والإبراهيمي. وقد وُلد عبد الحميد بن باديس فى ٤ ديسمبر ١٨٨٩م، فى عائلة عبد الحميد بن باديس المشهورة في الجزائر وفى المغرب العربي، فقد لعبتْ دورا بارزا فى تاريخه، سياسيّا وعلميّا ودينيّا. وحفِظ القرآن الكريم، وسنّهُ ثلاثة عشر عاما، ثمَّ أخذَ مبادئ العلوم العربية والدينية من الشيخ أحمد حمدان لونيسي. سافر إلى تونس عام ١٩٠٨م، لاستكمال تعليمه الثانوى والعالي، بجامع الزيتونة المعمور، ومكث فيه إلى أن نال شهادة “العالمية” سنة ١٩١٢. وكان معروفا بين زملائه وأساتذته بالجِدّ والعمل والاجتهاد فى تحصيل العلم، كما كان مشهورا بالاستقامة، والخُلق الكريم، والمواظبة على أداء الفرائض الدينية، والبعد عن مواطن الزلل والشبهات. وزارَ الحجاز وسوريا ولبنان ومصر، واجتمع برجال العلم والفكر فيها، واطَّلع على أساليب الدراسة فى الأزهر الشريف.

وقد أوجز رفيقه الشيخ محمد البشير الإبراهيمي الجوانب المتعددة من شخصية عبد الحميد بن باديس: «باني النهضتين: العلمية والفكرية بالجزائر، وواضع أسسها على صخرة الحق، وقائد زحوفها المغيرة إلى الغايات العليا، وإمام الحركة السلفية، ومُنشئ مجلة “الشهاب” مرآة الإصلاح، وسيف المصلحين، ومُربّى جيلين كاملين على الهداية القرآنية، والهدى المحمّدي، وعلى التفكير الصحيح، ومُحيى دوارس العلم بدروسه الحية، ومفسّر كلام الله، وغارس بذور الوطنية الصحيحة، ومُلقِّن مبادئها، وفارسُ المنابر، أوَّل رئيس لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وأوَّل مؤسِّس لنوادي العلم والأدب، وجمعيات التربية والتعليم». وتوفى فى ١٦ أبريل ١٩٤٠ وسلم راية قيادة الجمعية لرفيقه الإبراهيمي (ولد في العام ١٨٨٩).

ولم يكن الإبراهيمي غريباً عن الجمعية حيث أنه هو الذي صاغ دستورها وقانونها الأساسي. وانتُخب نائبا لرئيس الجمعية، وتكفَّل بالمقاطعة الغربية للجزائر، فأسَّس فى تلمسان عام ١٩٣٧م “مدرسة دار الحديث”. وبعد وفاة رفيقه الإمام عبد الحميد بن باديس عام ١٩٤٠م، اختير خلفا له على رأس جمعية العلماء، وهو غائب في منفاه بآفلو. وأطلِق سراحُهُ فى عام ١٩٤٣م، فأصبح قائدا للحركة الدينية والعلمية والثقافية في الجزائر.فكان خلال هذه المرحلة معلِّما وموجّها ومرشدا، وموحّدا للصفوف، ومؤسِّسا للمدارس والمساجد والنوادي، ومُهيِّنا للعقول. سُجن بعد أحداث مايو ١٩٤٥م، ومكث فى زنْزانتهِ تحت الأرض عاما كاملا، ذاق فيه الأمرّين. ثم استأنف نشاطه الدؤوب عام ١٩٤٦م، فبعث جريدة “البصائر” كما أسَّس معهدا ثانويّا فى قسنطينة. ومن هذا المعهد المشهور، تخرَّج رجالٌ قادوا الثورة المسلّحة، وساهموا بعد الاستقلال فى بناء الوطن.

ومع تبنى مصر للقضية الجزائرية عقب ثورة يوليو ١٩٥٢ سافر الإمام الإبراهيمي عام ١٩٥٢ إلى المشرق العربي، ممثّلا لجمعية العلماء، فاتّخذ المساعي لقبول بعثات طلابية جزائرية، والحصول على الدعم المادي والمعنوي للجمعية، وعرَّف بالقضية الجزائرية فى الأوساط السياسية. وكان له نشاط متنوّع ثرى خلال هذه الفترة. بعد اندلاع الثورة الجزائرية بأسبوعين، وجَّه الشيخ الإمام محمد البشير الإبراهيمي نِداءً إلى الشعب الجزائري يدعوه فيه إلى: الالتفاف حول الثورة المسلّحة، وخوض غمار الجهاد المقدَّس، والتضحية بالنفس والنفيس، وتحقيق حياة العزّة والكرامة.

ثم وجَّه مكتب الجمعية –عند اندلاع الثورة- بيانا نُشِر فى الصحافة المصرية يوم ٣ نوفمبر ١٩٥٤م، جاءَ فيه: «إلى الثائرين الأبطال.. اليوم حياة أو موت.. بقاء أو فناء.. حيَّاكم الله أيّها الثائرون الأبطال.. وبارَك في جهادكم، وأمدَّكم بنصْرِه، وتوفيقه، وكتب ميِّتكم في الشهداء الأبرار، وحيَّكم في عباده الأحرار». وفى ١٥ نوفمبر ١٩٥٤، صدر عن مكتب الجمعية بالقاهرة نداءٌ إلى الشعب الجزائري، عنوانه: “نُعيذكُمْ بالله أنْ تتراجعوا” جاء فيه على الخصوص: «إنكم مع فرنسا في موقف لا خيار فيه، ونهايتُه الموت، فاختاروا ميْتة الشرف على حياة العبودية التي هي شرّ من الموت... فسيروا على بركة الله، وبعونه وتوفيقه، إلى ميدان الكفاح المسلَّح، فهو السّبيل الوحيد إلى إحدى الحسنييْن: إمَّا موت وراءه الجنّة، وإمّا حياة وراءها العزّة والكرامة».

آخر التغريدات: