الهوية الوطنية والإصلاح الديني والثقافي في كتابات جمعية العلماء المسلمين الصحفية

الهوية الوطنية والإصلاح الديني والثقافي في كتابات جمعية العلماء المسلمين الصحفية

بقلم: د.النذیر ہولعالي -

لقد كان اهتمام جمعية العلماء المسلمين الجزائريين منصبا على الإصلاح الديني والثقافي لاعتبارها بأنه الطريقة المثلى لتنديد الرأي العام الجزائري ضد الثقافة الاستعمارية الانسلاخية انطلاقا من فكرة أن تغيير عقليات الناس قد يؤدي بالضرورة إلى تغيير محيطهم ؛ وعلى هذا فقد اتخذ الإمام عبد الحميد بن باديس رحمه الله الصحافة منبرا لإعلان مبادئ الجمعية للرأي العام فأصبحت بذلك وسيلة من أهم الوسائل لنشر الوعي بعناصر الهوية الثقافية للشعب الجزائري، فكانت مجلة المنتقد سنة 1925 وبعد 18 عددا خلفتها جريدة الشهاب في نفس السنة... وهکذا توالت عناوین مهمة ترکت بصماتها بتمیز على الساحة الوطنية إن قبل الاستقلال أو بعده.

نشأة الصحافة في الجزائر

وقبل الحديث عن الصحف التي أسسها علماء الإصلاح وعلى رأسهم العلامة ابن باديس وتحديدا صحف جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ينبغي أن نشير إلى بعض النقاط المهمة المتعلقة بهذا الموضوع، فقد عرفت الجزائر الصحافة بصفة عامة منذ عرفت الاحتلال الذي دخل إليها في عام 1830م، وكانت صحافة أجنبية عن البلاد في لغتها وتحريرها واتجاهها العام.

ففي عام 1848 م صدرت أول جريدة باللغتين العربية والفرنسية في الجزائر وهي جريدة المبشر، التي أنشأتها الإدارة الفرنسية لنشر النصوص التشريعية، والأوامر الإدارية. وفي عام 1903 م أصدر الصحفي فيكتور باروكان صاحب جريدة الأخبار ملحقا لجريدته باللغة العربية، ثم أصدر ألبير فونتانه "جريدة المغرب" باللغة العربية في نفس العام.

وهذه الجرائد الأربعة هي إما جرائد حكومية مثل جريدة المبشر أو تخضع لإشراف وتوجيه الإدارة من طريق خفي كالثلاثة الأخيرة.

الصحافة وأهميتها عند جمعية العلماء المسلمين الجزائريين

ما إن قام دعاة وعلماء الإصلاح في الجزائر بحملتهم الإصلاحية الشاملة مدة من الزمن حتى تنبهوا إلى الدور الخطير والمهم الذي يمكن أن تلعبه الصحافة في الخروج بالدعوة الإصلاحية التي شرعوا فيها، على مستوى جمهور الوطن الجزائري كله ؟ من الجامع الأخضر بقسنطينة وإلى دار الحديث بتلمسان؛ متأثرین رکا بما کان علیه آهل الشرق العربی کما یری البعض ولکی أرى أنها حركية الإسلامي العالمي والشامل للمكان والزمان والآليات المتجددة حسب الظروف والأزمنة والتي كانت الصحافة والكتابة عموما وسائل المعركة الفكرية في ذالك الظرف بالذات، كما كان لصدور الأعداد الكبيرة للصحف التي أنشأها المعمرون في الجزائر المستعمرة أو حتى التي كانت تصدر في فرنسا وتوزع في الجزائر لنشر الفكر الكولونيالي الاستعماري(1)، الدور الفعال في شحذ همم علماء الجمعية بنحو هذا المنحى وهو التوجه نحو العمل الصحفي أيضا وعدم إغفاله علی الإطلاق.

الجرائد الإصلاحية وإرهاصات إنشائها

أما الجرائد العربية الوطنية والإصلاحية فقد نشأت متأخرة بعض الشيء عن الجرائد السابقة؛ والتي يمكن تقسيم إنشاءها إلى فترتين؛ هما فترة ما قبل الحرب العالمية الأولى ؛ وفترة ما بعد الحرب العالمية الأولى.

أولا: الصحافة العربية قبل الحرب العالمية الأولى

لم تصدر الجرائد العربية الوطنية إلا ابتداء من عام 1908 م ففي هذا العام أصدر الرسام الكبير عمر راسم جريدة الجزائر : وقد أغلقتها الحكومة الفرنسية بعد أن صدر منها عددان فقط، ثم صدرت عام 1911 م؛ والحق : في مدينة وهران، ولم تعش هي الأخرى إلا مدة قصيرة ثم أغلقتها الحكومة الفرنسية؛ وفي أفريل من سنة 1913 م صدرت جريدة : الفاروق : للشيخ عمر بن قدور، الذي يعتبر من أتباع المدرسة الإصلاحية الإسلامية المتأثرة بالشيخ محمد عبده ومجلة المنار للشيخ رشيد رضا(2)، فأراد أن يقلده في مكافحة البدع والخرافات وکان شعارها البيت التالي:

قلمي لسان ثلاثة بفؤادي ---- ديني و وجداني وحب بلادي

وكان ينقل في جريدته بعض المقالات من مجلة المنار كما كان يعتني عناية خاصة بأخبار المشرق العربي والعالم الإسلامي ليطلع قراء جريدته عليها، ولم تعش هذه الجريدة سوى عام وبضعة أشهر أغلقتها الحكومة الفرنسية وقامت بنفي صاحبها إلى واحة الأغواط ولم يفرج عنه حتى نهاية الحرب العالمية الأولى.

وفي عام 1913 م أصدر الأستاذ عمر راسم مرة أخرى جريدة أخرى اسمها ذو الفقار في شكل مجلة مصورة متخفيا تحت اسم ابن منصور الصنهاجی و قد کان هو الآخر من المتأثرین بفکر ودعوة محمد عبده و جمال الدين الأفغاني حتى أنه نشر في عددها الثالث صورة الإمام محمد عبده وكتب تحتها إنه هو المدير الديني للجريدة ، وكانت هذه الجريدة كما يصفها الشيخ أحمد توفيق المدني في مؤلفه كتاب الجزائر أول جريدة عربية اكتشفت الخطر الصهيوني ونبهت عليه، ولما أعلنت الحرب العالمية الأولى ألقت السلطات الفرنسية القبض عليه بتهمة الاتصال بالعدو وحوكم أمام محكمة عسكرية فحكمت عليه بالأشغال الشاقة وأوقفت جريدته ولم يطلق سراحه حتى بعد نهاية الحرب.

هذه هي حال الصحافة الوطنية والإصلاحية التي بدأت تظهر للوجود ابتداء من عام 1908 م وكان من الممكن لو توفرت لها الحرية الكافية أن تحدث نهضة سياسية وثقافية كبيرة في البلاد، وتلعب دورها في إيقاظ الوعي.

وقد وصف محمد فريد بك وهو مصري قام بجولة سياحية في الجزائر عام 1901 م هذا الكبت العنيف الذي كان يعيش فيه الشعب الجزائري وبالتالي تعيش فيه الصحافة الوطنية والإصلاحية التي نشأت بعد ذلك ببضع سنوات فقال : كما لا يجوز لهم للجزائريين تأسيس مطبعة أو جريدة، فلا يوجد في جميع إقليم الجزائر إلا جريدة المبشر وهي جريدة رسمية تنشر الأوامر و بعض الفصول في بیان فضل فرنسا علی العرب، والحضں علی التعامل بالولاء لها وقد منعت عنهم الجرائد العربية.

ثانيا : الصحافة العربية بعد الحرب العالمية الأولى

لم تنشط الصحافة العربية ذات التوجه العربي والوطني والإصلاحي إلا في أعقاب الحرب العالمية الأولى التي شارك فيها الجزائريون – بالرغم منهم – مشاركة فعالة وتركوا في ميادينها ثمانين ألف قتيل في سائر الجبهات الأوروبية. ففي سنة 1919 م أصدر الأمير خالد : 1 جريدة الإقدام باللسانين العربي والفرنسي وکانت أول جريدة عربية بلهجة حارة، عبرت عن عواطف الجزائريين بدون وجل ولا اكتراث ؛ ودام صدورها إلى غاية سنة 1925 م بعد نفي الأمير خالد إلى الإسكندرية بمصر.

وفي نفس السنة 1919 م صدرت جريدة النجاح في مدينة قسنطينة لصاحبها عبد الحفيظ بن الهاشمي وقد اشترك الشيخ عبد الحميد ابن باديس في تأسيسها والكتابة فيها باسم مستعار هو القسنطيني ثم انفصل عنها، لأنها كانت في بدايتها إصلاحية ثم انحرفت وصارت لسانا من ألسنة الإدارة الاستعمارية في الجزائر، واستمرت هذه الجريدة في الصدور حتى بداية الجهاد المسلح سنة 1954 م أين أعدم رئيسها من طرف المجاهدين لذات السبب الذي انحرفت لأجله الجريدة.

وقد كانت هذه هي مشاركة ابن باديس الأولى فيما يبدو بعد سنوات من الجهد المتواصل في التعليم المسجدي والخطب، لأنه أحس بضرورة توسيع دائرته الدعوية لتشمل عددا كبيرا من الشعب، فأقدم على استخدام القلم مع اللسان، مستعينا بأدوات العصر الإبلاغ دعوته، وكانت الصحافة من أهم الوسائل التي خصص للجانب التربوي فيها نصيبا وافرا.

وفي سنة 1924 م أصدر السيد عمر بن قدور مرة ثانية جريدة الفاروق في صورة مجلة أسبوعية ثم أوقفها من تلقاء نفسه واشترك مع الأستاذ محمد بن بكير في إصدار جريدة " الصديق" غير أنها لم تعمر طويلا هي الأخرى.

وفي عام 1923 م صدرت جريدة " لسان الدين " وهي أسبوعية دينية سیاسیة أصدرها کل من : مصطفی بن حافظ و ابن عبد العزیز حسن.

وفي عام 1925 م صدرت جريدة " المنتقد " لصاحبها الشيخ عبد الحميد ابن باديس، وكان هدف الجريدة هو تسليط الضوء على أخطار المستعمر ومحاربة بدع وضلالات رجال الطرق الصوفية التي خدرت المجتمع الجزائري وانحرفت به عن الإسلام الصحيح، فصدر أول عدد منها في 03 جويلية 1925 م الموافق لـ 11 ذي الحجة سنة 1343 هـ بمدينة قسنطينة تحت شعار الحق فوق كل أحد والوطن قبل كل شيء(3).

وفي افتتاحية العدد الأول أراد ابن باديس أن يبين أهدافه وغاياته وأراد أن يعرف دعوته للناس فكتب يقول " : باسم الله، ثم باسم الحق والوطن، ندخل عالم الصحافة العظيم، شاعرين بعظمة المسؤولية التي نتحملها فيه، مستسهلين كل صعب في سبيل الغاية التي تحن إليها ساعون... وها نحن نعرض على العموم مبادئنا التي عقدنا العزم على السير عليها فنحن قوم مسلمون جزائريون، فلأننا مسلمون نعمل على المحافظة على تقاليد ديننا التي تدعو إلى كمال إنساني، وتحرص على الأخوة والسلام بين شعوب البشر.

لقد استطرد الإمام فقال : «إن الدين قوة عظيمة، لا يستهان بها، وإن الحكومة التي تتجاهل دين الشعب تسيء في سياسته، وتجلب عليه وعليها الأضرار. »

لقد صال وجال بکلماته لیضع أمام القارئ إطارا فکریا، و مضمون دعوته؛ والتي كان هدفها الأساس هو الدفاع عن الهوية العربية الإسلامية لأهل الجزائر في وجه الانسلاخ والتغريب(4).

وبدأ يخطو في ذلك خطوات هادئة ناجحة، في كل خطوة من هذه الخطوات حيطة وحذر وذكاء، حتى لا يقع في مواجهة مع المستعمر المتسلط قبل أن يسمعه الناس، ويجتمعوا حوله. وفي العدد الثاني الصادر في 9 يوليو1925 م، أكد من جديد على استقلالية الجريدة وشرح فلسفتها التي تعتمد على الوفاء للوطن والجرأة في بيان الحق" إننا لسنا لإنسان، ولا على إنسان، وإنما تخدم الحق والوطن... ونكرر القول إن المنتقد "لا يباع ولا يشترى. وأصبحت هذه الصحيفة منبراً لتوجيه وتوعية الجزائريين وقناة لنقد الوضع الاستعماري المفروض على الجزائر وصوتاً لمناصرة القضايا الكبرى للمسلمين في فترة العشرينيات كثورة الأمير عبد الكريم الخطابي في الريف المغربي ومساندة الشعب الليبي.

ثم أعلن الرجل من على منبر» المنتقد «دور هذه الصحيفة قائلاً» :إننا سننتقد الحكام، والمديرين، والنواب، والقضاة، والعلماء، وكل من يتولى شأناً من أكبر كبير إلى أصغر صغير، من الفرنسيين والوطنيين، ونناهض المفسدين والمستبدین من الناس آ جمعین.

«وقد نشرت في عددها السادس مقالاً للميلي تحت عنوان» العقل الجزائري في خطر «، كما نشرت في عددها الثامن قصيدة للعقي تحت عنوان» إلى الدين الخالص «ومثل هذه القصيدة وذلك المقال يعدان جراءة كبرى في ذلك العهد لتناولهما العادات المألوفة بالنقد والتجريح.

ولكن فرنسا فطنت إلى خطورة هذه المقالات، وأصدرت قراراً بتعطيل الجریدة بعد صدور العدد الثامن عشر منها، فکان مصیرها کالعروة الوثقی القی أنشأها جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، وأوقفتها السلطات الفرنسية والبريطانية بعد صدور العدد الثامن عشر.

وهكذا كان لصحيفة المنتقد دور كبير في عرض آراء ومقترحات عبد الحمید بن بادیس، ولکنه لم یهداً، و تفتر عزیته، وواصل طریقه من خلال الصحافة.

وتعتبر الافتتاحية المشار إليها آنفا مهمة لكونها أول افتتاحية يكتبها ابن باديس بعد أن دخل عالم الصحافة ولأنه أيضا شرح فيها مبادئه التربوية وآراؤه السياسية كما وضح فيها منهجه في النقد الاجتماعي والسياسي بكل وضوح ودقة .

في نفس السنة أي في سنة 1925 م وبعد أن أوقف الاستعمار جريدة "المنتقد أصدر الشيخ جريدة الشهاب وكانت في أول الأمر أسبوعية ثم تحولت في فبراير من سنة 1929 م إلى مجلة شهرية، تحتوي افتتاحية ، ومقالات وفتاوی وقصصا وأخبارا وطرائف وتراجم وغیر ذلك...

وكان في السنوات الأولى يكتب معظم مقالاتها بنفسه ويوزعها أيضا بنفسه. إلا أن هذه المرة اتسمت الشهاب بعدم الصدام مع السلطة، بالرغم من اتسامها بالصبغة الدينية في غالب موضوعاتها، فقام بشرح التفسير والأحاديث مع ربط المسائل الدينية والثقافية بالواقع الجزائري(5).

ومن خلال استقراء مواد مجلة " الشهاب حدد الكتاب والباحثون أهم الأساليب الإصلاحية التي سارت عليها الجمعية، والتي كانت محصورة في محورین اثنین و هما : تصحیح عقائد الناس وأعمالهم علی وفق ما کان علیه سلف هذه الأمة؛ والاهتمام بالتعليم.

فهاتان القضيتان كانتا أهم الملامح التي تشكل سمة الخطاب الإصلاحي في هذه المجلة الرائدة، فعلى صعيد إصلاح عقائد الناس وأعمالهم أفصح الشيخ عن المنهج الذي تبناه فيها، فكتب قائلا " : قمنا بالدعوة إلى ما كان عليه السلف الصالح من التمسك بالقرآن الشريف والصحيح من السنة الشريفة وقد عرف القائمون بتلك الدعوة ما يلاقونه من مصاعب في طريقهم من وضع الذين شبّوا علی ما وجدوا علیه آباء هم من خلق التساهل في الزيادات والذيول التي ألصقها بالدين المغرضون أو أعداء الإسلام الألداء و الغافلون من أبناء الإسلام."

أما علی صعید التعلیم، فقد کان یری فیه أمضي سلاح لمقاومة المعتدي وطرده من أرض الجزائر، لذلك اهتم به اهتماما عظيماً وأولاه كل عنايته ووقته و ملکاته، حتى وصفه الأستاذ أنور الجندي رحمه الله بقوله: وهو الذي ینشی المدارس والمعاهد في طول البلاد وعرضها ثم هو الذي يمضي يومه كاملاً في حلقة الدرس يفتتح الدروس بعد صلاة الصبح حتى ساعة الزوال بعد الظهيرة، ومن بعد المغرب إلى صلاة العشاء.

وإذا خرج من المعهد ذهب رأساً إلى إدارة جريدته الشهاب يكتب و يراسل البصائر ويجيب على الرسائل فيقضي موهناً من الليل، حتى إذا نودي لصلاة الصبح كان في الصف الأول."

وكانت مجلة " الشهاب إلى جانب هذا مهتمة بقضايا الأمة الإسلامية وبالخصوص قضية فلسطين مما جعل لها شهرة في العالم الإسلامي وشهد بفضلها كبار العلماء والمصلحين.

ولقد كتب الإمام حسن البنا في افتتاحية العدد الأول من مجلة الشهاب التي أسسها في القاهرة في نهاية الأربعينيات كلمة تقدير وجهها للإمام عبد الحميد بن باديس ومجلته الشهاب فقال : قامت مجلة الشهاب الجزائرية التي كان يصدرها الشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله في الجزائر بقسط كبير من هذا الجهاد، مستمدة من هدي القرآن الکریم و سنة النی العظیم سیدنا محمد . وإنا لنرجو أن تقفو الشهاب المصرية الناشئة أثرها وتجدد شبابها، وتعيد في الناس سيرتها في خدمة دعوة القرآن وتجلية فضائل الإسلام، على أن الفضل للمتقدم و فضل السبق لیس له کفاء.

و هکذا، کانت مجلة الشهاب في مسیرتها المبارکة مشعل نور، ونبراس هداية يضيء للجزائريين الطريق ليتلمسوا نحو الخلاص، في تلك الظلمات الحالكة والظروف العصيبة التي مرت بها الجزائر، إلا أن الشيخ بسبب هذا التأثير الإعلامي القوي والفاعل لهذه المجلة، واجه الكثير من المصاعب والعقبات التي وقفت في سبيله، حيث توقفت المجلة غداة اندلاع الحرب العالمية الثانية في شهر سبتمبر من عام 1939 م، على يد السلطات الفرنسية.

وبعد حوالي ثماني سنوات من صدور الشهاب أصدرت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بعد تكوينها بسنتين أول جريدة باسمها هي جريدة السنة النبوية المحمدية (6) ؛ وكان أول عدد منها في الثامن من ذي الحجة سنة 1351 هـ 1933م، وسرعان ما أوقفتها الإدارة الاستعمارية بحيث صدر آخر عدد منها في 10 ربيع الأول سنة 1352 هـ الموافق لـ 03 جويلية 1933 م؛ والتي كانت مقالات العلماء فيها وبالا ونارا وشنارا على المستعمر فلم يهناً حتى أوقفها كسابقاتها.(7)

بعدها أصدرت الجمعية جريدة أخرى هي الشريعة النبوية المحمدية في 17 جويلية سنة 1933م، أي بعد توقيف " السنة النبوية المحمدية " بأربعة عشر يوما فقط، و أوقفتها هي الأخرى الإدارة الاستعمارية في 28 أوت سنة 1933 م أي أنها لم تستمر في الحياة سوى أربعين يوما. (8)

ثم أصدرت الجمعية جريدتها الثالثة تحت اسم الصراط السوي في 11 سبتمبر 1933 م، أي بعد أقل من شهر من توقيف الشريعة النبوية المحمدية إلا أنها هي الأخرى تم توقيفها من طرف الإدارة بعد ثلاثة أشهر فقط من صدورها وذلك في شهر يناير سنة 1934 م.(9)

وموازاة مع غلق " الصراط السوي أصدرت السلطات الفرنسية قرارا یقضی بمنع الجمعية مرن إصدار أية جريدة باسمها.

في ذلك الحين وموازاة مع تأسیس ابن بادیس لصحفه قبل تأسیس الجمعية وبعد تأسيسها وصحفها، ظهرت بعض الصحف الإصلاحية من طرف بعض العلماء والمصلحين الذين كانوا أيضا من بين المؤسسين لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين فيما بعد لعبت نفس الدور الذي لعبته جرائد ابن باديس والجمعية، وأهم هذه الجرائد هي:

جريدة الجزائر أشرف على إصدارها الشاعر والصحفي محمد السعيد الزاهري عطلتها وأوقفتها السلطات الفرنسية فور صدورها مباشرة.

جريدة " الحق " صدرت سنة 1936 م بمدينة بسكرة.

كما أصدر الشاعر والأستاذ الكبير بل أحد أعمدة الصحافة الإصلاحية في الجزائر أبو اليقظان مجموعة من الجرائد، أولها " وادي ميزاب" حيث كانت البداية لجهاد مرير دام ثلاثة عشر سنة أصدر خلالها ثماني جرائد أسقطت واحدة تلو الأخرى لحرارة لهجتها، وجرأة معالجتها لمختلف القضايا ، وهي کالتالي:

وادی میزاب 119 عددا، من 01/10/1926 الی 18/01/1929 م .

میزاب عدد واحد، 25/01/1930 م .

المغرب 38 عددا من 29/05/1930 إلى 09/03/1931 م.

النور 78 عددا من 15/09/1931 إلى 02/05/1933 م.

البستان 10 أعداد، من 27/04/1933 إلى. 13/07/1933

النبراسي 6 أعداد، من 21/07/1933 إلى. 22/08/1933

الأمة 170 عددا، من 08/09/1933 إلى .06/06/1938

الفرقان 6 أعداد، من 08/07/1938 إلى.03/08/1938

وبعد حرمان الجمعية من إصدار أية جريدة دام قرابة السنتين من يناير سنة 1934 م إلى سبتمبر سنة 1935 م وبعد جهود كبيرة بذلتها الجمعية لأجل الحصول على رخصة من الحكومة الفرنسية بإصدار جريدة باسم الجمعية ، صدرت في 27 سبتمبر 1935 م جريدة البصائر والتي استمرت مدة تؤدي رسالتها وتوقفت قبل الحرب العالمية الثانية، ثم استأنفت صدورها من جديد في سلسلتها الثانية ابتداء من 25 يوليو سنة 1947 م واستمرت إلى أن توقفت ثانية في السادس من أفريل سنة 1956 م أي بعد حوالي سنتين من قیام الجهاد المسلح سنة 1954 م ؟ وكم كانت لاذعة للمستعمر وأذنابه ومحبطة لمخططاته(10)؛ وجريدة الشاب المسلم الصادرة بالفرنسية والتي دام صدورها سنتين فقط أيضا؛ حيث دامت من 1952 م إلى سنة 1954م.(11).

وتعد البصائر من أهم الجرائد التي أصدرتها الجمعية لأنها وإن كانت صدرت لتكون لسان حال الجمعية وتدافع عن قضايا العروبة والإسلام إلا أنها كانت تناقش جميع القضايا التي تهم الأمة الجزائرية والعالمين العربي والإسلامي(12).

أما بالنسبة لأبواب الصحيفة فإن العدد الثاني منها يوضح لنا الموضوعات التي طلبت البصائر من الكتاب أن يتناولوها بكتاباتهم وهي:

1) حقائق الإسلام ومحاسنه، شرحها وبيانها.

2) إحياء السنن الميتة التي تركها الناس وذلك بالقول والفعل.

3) التاريخ الإسلامي : عبره وعظاته وسير أمجاده.

4) الأمراض الاجتماعية.

5) الحث على العلم وتنبيه الناس إلى أهميته.

6) الكتابة في موضوع اللغة العربية وآدابها .

وهي موضوعات وعناوين تصب كلها في خانة المحافظة على الهوية الوطنية التي كانت إحدى الأسباب التي تأسست الصحافة لأجلها بادئ الأمر(13)، إلا أن هذه الموضوعات لم تكن تخضع لتبويب ثابت حتى استلم رئاسة التحرير الشيخ مبارك الميلي فرسم طريقا للجريدة من جميع النواحي وكانت أبوابها التي ستظهر في جميع الأبواب هي : المقال الافتتاحي، أخبار الجمعية في الجهات، أخبار العربية والإسلام في العالم، مقالات العلماء مقالات شباب العلماء، وقد تطورت هذه الأبواب فأصبح بعضها ثابتا مثل أخبار العالم الإسلامي وأحاديث جمعية العلماء وحوادثها.

هذا الكم الهائل والمتميز من الصحف التي أصدرها علماء الجمعية قبل تأسيسها أو بعد ذلك يدل دلالة واضحة على النشاط الفكري الذي كان يمتاز به العلماء، وعلى أهمية الصحافة في نظرهم ؛ وعلى حرقتهم لإصلاح ما أفسده المستدمر الفرنسي، بل كانت عندهم من أهم وسائل التربية والتعليم التي تساهم في إصلاح ظروف البلد، وتبصير العقول وفي ذلك يقول ابن باديس رحمه الله تعالى : تنشر في هذا الباب من مجلة الشهاب ما فيه تبصرة للعقول أو تهذيب للنفوس، من تفسير آية كريمة أو حديث شريف، أو توضيح لمسألة في أصول العقائد أو أصول الأعمال، معتضدين بأنظار أئمة السلف الذين لا يرتاب في رسوخ علمهم وکمال إيمانهم، وأئمة اخلف الذین در جوا علی هدیهم، في نمط وسط بين الاستقصاء والتقصير.(14)

خاتمة :

لقد كانت الصحافة بحق من أمضى الأسلحة التي حاربت بها الحركة الإصلاحية باعتبارها جزء من الحركة الوطنية (15)؛ خصومها ونشرت بها أفكارها، بالرغم من التضحيات المادية الجسيمة التي يصاب بها أصحابها، وملاحقة القوانين الاستثنائية لهم، بل بالرغم من تعرضهم أحيانا للتضييق والاعتقال، لأنها كانت دائما في نظرهم كما قلنا : من أهم الوسائل في إرجاع الناس وربطهم بدينهم الصحيح وإصلاح ظروف البلد(16)، ومن أهم الوسائل في إيقاظ الهمم وتحفيز النفوس لطرد المستعمر الفرنسي.

فالجمعية يحق جاءت وعملت على تأكيد دور الإسلام في تحرير الجزائر بل في تحرير الشعوب الإسلامية جميعها . فقد استطاعت أن تعيد بناء الإنسان الجزائري وتبعث فيه الروح بنشر العقيدة الإسلامية صافية من الشوائب والخرافات والبدع، وتعلم اللغة العربية والتاريخ الإسلامي لينطلق أبناء الجزائر في ثورتهم المباركة مدافعين عن الإسلام والعروبة؛ وعن مختلف عناصر الهوية ومن وسائلها كانت الصحافة كما رأينا من خلال الكم الهائل الذي أصدرته الجمعية تترى كلما أغلقت وصودرت جريدة أنشأت غيرها والتي رأت فيها وسیلة لا یستغنی عنها في إصلاح المجتمع الجزائري الخاضع للسيطرة الاستعمارية.

 

د.النذیر ہولعالي - جامعة المدية

قائمة المصادر والمراجع المستعملة في البحث

1) أحمد بن نعمان . الحصانة الدينية للشخصية الوطنية. (الجزائر : دار البعث؛ 1401هـ:1981 م) .

2) أحمد بن نعمان .كيف صارت الجزائر مسلمة عربية - ط2: (الجزائر : دار ( 1998)、

3) أحمد بن نعمان . الهوية الوطنية ـ الحقائق والمغالطات . (الجزائر : دار الأمة؛ (1996 )

4) عبد الله ركيي . الهوية بين الثقافة والديمقراطية ـ دراسات ومقالات . ( الجزائر : دار هومة، 1998 م.)

5) محمد العربي ولد خليفة . المسألة الثقافية وقضايا اللسان والهوية ( . الجزائر : منشورات ثالة : 2007 م.)

6) عبد الكريم بوصفصاف . جمعية العلماء المسلمين الجزائرية وعلاقتها بالحركات الجزائرية الاخرى. (الجزائر : دار مداد؛ 2009 م.)

7) الصراط السوي؛ الأعداد من 01 إلى 17 ، بيروت : ( دار الغرب الإسلامي 2003 م)

8) الشريعة النبوية المحمدية؛ الأعداد من 01 إلى 07 ، (بيروت : دار الغرب الإسلامي 2003 م.)

9) السنة النبوية المحمدية؛ الأعداد من 01 إلى 13 ، بيروت : (دار الغرب الإسلامي 2003 م) .

10) منارات من شهاب البصائر للشيخ العربي التبسي: جمع وتصنيف وتحقيق وتعليق : أحمد عيساوي: 2006 م.

11( مازن صلاح حامد مطبقاني . جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ودورها في الحركة الوطنية الجزائرية . تقديم : الدكتور أبو القاسم سعد الله؛ الطبعة الأولى: (دمشق بيروت : دار القلم دارة العلوم ؛ 1408 هـ 1988 م).

Le jeune musulman alger 1952-1954. Préface par (1 ahmed taleb-ibrahimi (bayrout; dar elgharb alislami; 2003).

هوامش البحث:

1) محمد العربي ولد خليفة . المسألة الثقافية وقضايا اللسان والهوية ( .الجزائر : منشورات ثالة ،2007 م .) ص 263.

2) أحمد بن نعمان . الحصانة الدينية للشخصية الوطنية. (الجزائر : دار البعث : 1401 هـ. 1981 م). صں 84.

3) منارات من شهاب البصائر للشيخ العربي التبسي: جمع وتصنيف وتحقيق وتعليق : أحمد عيساوي: 2006 م. ص 252.

4) أحمد بن نعمان . الهوية الوطنية ـ الحقائق والمغالطات . (الجزائر : دار الأمة، 1996 م.) ص 43.

5) أحمد بن نعمان . الهوية الوطنية ـ الحقائق والمغالطات . (الجزائر : دار الأمة، 1996 م.) ص 140.

6) السنة النبوية المحمدية؛ الأعداد من 01 إلى 13 ، بيروت : (دار الغرب الإسلامي؛ 2003م). ص 01.

7) منارات من شهاب البصائر للشيخ العربي التبسي: جمع وتصنيف وتحقيق وتعليق : أحمد عيساوي: 2006 م. ص 178. 8) الشريعة النبوية المحمدية؛ الأعداد من 01 إلى 07 ، (بيروت : دار الغرب الإسلامي؛ 2003م.) ص 01.

9) الصراط السوي؛ الأعداد من 01 إلى 17 ، بيروت :(دار الغرب الإسلامي 2003 م . ) ص 01.

10 ) منارات من شهاب البصائر للشيخ العربي التبسي: جمع وتصنيف وتحقيق وتعليق : أحمد عيساوي: 2006 م. ص 200.

11) Le jeune musulman alger 1952-1954. Préface parahmed taleb ibrahimi (bayrout, dar elgharb alislami; 2003.

12) عبد الله ركيجي . الهوية بين الثقافة والديمقراطيق دراسات ومقالات . (الجزائر : دار هومة ؛ 1998 م.) ص 106.

13) عبد الكريم بوصفصاف . جمعية العلماء المسلمين الجزائرية وعلاقتها بالحركات الجزائرية الأخرى (الجزائر :دار ميلاد 2009) ص80.

14) المرجع السابق نفسه ص 51.

14) المرجع السابق نفسه ص 51 ص 283

16) المرجع السابق نفسه ص 247.

آخر التغريدات: