حمدان الونيسي

حمدان الونيسي

بقلم: أبو القاسم سعد الله -

لا ترجع أهمية الشيخ حمدان الونيسي (أو ابن الونيسي) إلى كونه أستاذ عبد الحميد بن باديس فقط، ولكن إلى كونه أستاذا الشيخين العقبي والإبراهيمي أيضا. وله أهمية خاصة عندنا في هذا الفصل لكونه واصل وظيفة التدريس المسجدي المتعارف عليه بذكاء وحنكة رغم كونه موظفا رسميا ورغم القيود الإدارية الصارمة. وقد انتهى الأمر بطرده من الجامع الكبير سنة 1915 لأسباب ما تزال مجهولة. فاختار بعدها الرحلة إلى الحجاز والإقامة هناك إلى وفاته. ولكن كيف كانت سيرة حياته في قسنطينة؟.

الواقع أن معلوماتنا عنه ما تزال قليلة ولا تشفي الغليل. إن عائلة الونيسي قديمة في قسنطينة. ومنها الشيخ علي بن مسعود الونيسي الذي كان حيا عند زيارة أبي القاسم الزياني لهذه المدينة أوائل القرن التاسع عشر. وللشيخ علي. بعض التآليف وله مكانة بين علماء العهد العثماني. وفي 1856 ولد حمدان الذي نحن بصدده، وهو ابن أحمد الونيسي الذي لا نعرف عنه شيئا الآن، ولكنه كان معاصرا لاحتلال قسنطينة والأحداث التي أعقبت ذلك. ولا شك أنه روى لابنه حمدان ما شاهد وعاش فامتلأت نفس الطفل بالسخط على الفرنسيين. ولا ندري على من درس الفتى حمدان بعد حفظ القرآن في الجامع. هل تردد على الدروس الباقية التي كان يلقيها الشيوخ المكي البوطالبي ومحمد الشاذلي وأحمد المبارك، أو تردد على دروس المدرسة الشرعية - الفرنسية التي كانت بإدارة الشيخ محمد الشاذلي، وكانت دروسها عندئذ عربية - إسلامية، أو ذهب إلى بعض الزوايا المجاورة؟ ذلك كله لا نعلمه من سيرته التي بين أيدينا. ولكن بعض المصادر تذكر أنه حضر مستمعا فقط، (أي غير رسمي) لدروس الشيخ عبد القادر المجاوي (1). ولعل ذلك كان أثناء تدريس الشيخ المجاوي في المساجد وليس في المدرسة الرسمية.

وفي سنة 1880 (أو 1881) (2) عين حمدان الونيسي مدرسا بالجامع الكبير بقسنطينة ولا يكاد عمره عندئذ يتجاوز الخامسة والعشرين. فما الذي جعل السلطات الفرنسية ترشح هذا الشاب إلى هذا المنصب التقليدي المخصص عادة لفحول العلماء وكبار الشيوخ؟ لقد كان في قسنطينة عندئذ أسماء باقية من عائلة ابن باديس والفكون وباش تارزي وابن جلول الخ. ولكننا نعرف أن السلطات الفرنسية كانت تميل إلى إدخال العناصر الجديدة على القديمة، برفع المنخفضين أحيانا وتقريب المبعدين أحيانا أخرى ونقل علماء الغرب إلى الشرق تارة ثالثة، وهكذا. وما صعود محمد الشاذلي والمولود بن الموهوب، وما السماح للمجاوي وترقيته ولآل أبي طالب وتقديمهم إلا جزءا من هذه الظاهرة. ولكن حمدان الونيسي لم يكن فيما يبدو من المنخفضين ولا من المبعدين ولا من الغرباء، ولذلك يظل السؤال حول تعيينه في تلك السن المبكرة لهذه الوظيفة الهامة في مدينة عريقة في تقاليدها قائما.

ومهما كان الأمر فقد ملأ الشاب حمدان مكانه في الجامع الكبير وسرعان ما أصبح من الأعيان المشار إليهم بالبنان. ففي عريضة أعيان قسنطينة التي تضمنت مظالم أهل البلاد ضد السلطات الفرنسية وجدنا اسمه بين الموقعين سنة 1891. فهو حينئذ بين كبار الملاكين والنواب والمفتين والقضاة الرسميين. وقد تبنى مطالب أساسية حول الأرض والقضاء الإسلامي والتعليم العربي والضرائب والسياسة الأهلية ما يمكن أن تحاسبه عليه السلطات الفرنسية لجرأته، مع غيره. وكان ذلك في فترة حرجة من تاريخ الجزائر، وكانت بداية دروسه في عهد مظلم نسميه عهد لويس تيرمان (1882 - 1891). ومن الممكن القول إذن أن الشاب حمدان قد تعلم الكثير من السياسة الاستعمارية منذ 1881 (تاريخ تعيينه) ونشر ذلك في تعليمه للناس بالمسجد بطريقته الخاصة، كما شارك في الحياة السياسية العامة التي كانت تتحرك ببطء من حوله.
يصفه خبراء الاستعمار، وهم هؤلاء المستشرقون الذين كانوا يفتشون دروسه منذ سنة 1905، بأوصاف تدل على أنه لم يكن مدرسا عاديا. يأكل الخبز ويمشي بين الناس، كما كان أغلب الموظفين والمدرسين عندئذ. قال عنه موتيلانسكي مدير مدرسة قسنطينة في أول تقرير عنه، أنه مكسب لمدينة قسنطينة وأنه أهل للدروس العليا وليس الابتدائية. ووصفه شارل سان كالبر، الذي خلف موتيلانسكي في إدارة المدرسة المذكورة، أنه واضح الدرس رفيع المستوى، وأن تلاميذه أغلبهم من القرى المجاورة، وفيهم من جاء من عنابة وليس منهم من يرغب في الترشح للمدرسة الرسمية، وجميعهم يجهلون الفرنسية تقريبا. ولاحظ هذا المفتش أن حمدان لم يبد أية رغبة شأن الآخرين، لا في زيادة الراتب ولا في الترقية ولا في التحويل إلى جهة أخرى (3). وفي تقرير لاحق وصفه نفس المفتش (سنة 1908) بأنه (رجل ذكي جدا، وله روح رقيقة) وأن درسه مفيد جدا، وله طريقة حية يستعمل فيها الأسئلة، وله صوت نافذ ولغة سهلة. وقد قضى إلى ذلك الحين 28 سنة في التدريس. وأوصى له بوسام أكاديمية باعتباره قضى عمرا طويلا في المهنة وباعتباره (من بين المدرسين أكثر ذكاء وإخلاصا للتعليم الإسلامي). ومن كل ذلك نفهم أن لهذا الشيخ رسالة كان يبثها في تلاميذه وفي الناس الذين يحضرون دروسه الفقهية وغيرها. وهي الرسالة التي تلقاها عنه وفهمها بعضهم أمثال عبد الحميد بن باديس ولم يفهمها، ربما، أمثال الشيخ محمود كحول (ابن دالي) الذي كان أيضا من تلاميذه.
عاصر حمدان الونيسي عددا من الشيوخ والعلماء في قسنطينة وغيرها. عاصر المجاوي الذي تنقل من الجامع إلى المدرسة الكتانية، ثم إلى المدرسة الثعالبية في العاصمة، وقد بلغ من الشهرة والنفوذ العلمي مكانة مرموقة. وعاصر محمود بن الشاذلي، وقد خلف والده في إدارة المدرسة ثم تولاها المستشرقون الفرنسيون، وبقي هو مدرسا شرفيا فقط، ولكنه ظل يلقي الدروس الفقهية في نفس المدرسة إلى أن تقاعد ثم توفي سنة 1905.

وعاصر المولود بن الموهوب، وقد سطع نجمه وخلف شيخه المجاوي في المدرسة الكتانية، وتولى الفتوى سنة 1908، وبذلك أصبحت له سلطة الإشراف على المدرسين في دائرته بمن فيهم الونيسي. ولا ندري هل كان لابن الموهوب دور فيما حدث للونيسي سنة 1915. ومن الأكيد أن السلطة الفرنسية لن تقضي أمرا بهذا الصدد دون الرجوع إلى المفتي، في الظاهر على الأقل. كما كان ابن الموهوب يساند بكل قوة مشروع حكومة جونار في نشر العلم بين الجزائريين عن طريق المدارس الفرنسية والدرس المسجدية المنظمة من قبل الإدارة. وكان (ابن الموهوب) أيضا يؤثر في غيره من منصة نادى صالح باي ونشر محاضراته في الصحف الفرنسية بالمدينة. وهناك شخصيات أخرى عاصرها حمدان الونيسي سيرد ذكرها.
لا نريد أن نربط بين أحداث الجزائر، كالتجنيد الإجباري (الذي بدأ الحديث عنه بقوة منذ 1906)، وأحداث تونس وصحفها، سيما حادثة الجلاز ولهجة صحيفة الحاضرة، وظهور نشاط النخبة التونسية، ثم أحداث المشرق ولا سيما الانقلاب العثماني وما تلاه، قلنا لا ندري ما مدى تأثر الشيخ حمدان بكل ذلك. فنحن لا نملك المراسلات ولا المقالات التي تدل على ذلك التأثر. وكل ما نعرف من آثار الشيخ حمدان هو وجود اسمه في العريضة المذكورة وبعض الكتابات المخطوطة التي ليست لها أهمية سياسية. ولا نعرف أنه كتب في الصحف الجزائرية أو التونسية عندئذ، ولا حاضر في نادي صالح باي أو غيره. ويبدو أن الرجل كان ملتزما بمهنة التعليم المسجدي مخلصا لها كل الإخلاص، وكان حريصا على تخريج التلاميذ والتأثير في الناس بالكلمة والفكرة أكثر من التأثير فيهم بالتأليف والمقالة. ومع ذلك فيجب ألا ننفي علاقته بأحداث المشرق وتونس. فقد كان للعلماء الواعين أسلاك خاصة للمناجاة والاتصال ليست دائما معروفة للجميع. وما دمنا نتحدث عن التأثير والتأثر، فإننا لا نملك دليلا على أن الشيخ كان منتميا إلى أية طريقة صوفية عندئذ، رغم أن كثيرا من العلماء الموظفين كانوا ينتمون إلى هذه الطرق في قسنطينة وغيرها. فأحمد المبارك كان شيخ الحنصالية، وباش تارزي كان شيخ الرحمانية، وهكذا. ولكن العالم الحقيقي هو الذي يكون طريقة خاصة به، تتجاوز الأتباع وتترفع عن الانتماء، وتفرض نفسها بالفكر المستقل والتفكير الحر. فهل كان الشيخ حمدان من هذا الصنف أو ذاك؟ في غياب الدليل المادي لا يمكننا إلا أن نعتبره من العلماء المستقلين فكريا، رغم أنه كان موظفا رسميا.

وقبل أن ندخل في تفاصيل نشاطه التدريسي منذ ابتدأ الفرنسيون تفتيش دروسه نذكر أنه كان لحمدان الونيسي أخوة. من بينهم عبود الونيسي، وكان عبود هذا قاضيا في العين البيضاء سنة 1929. وقد رآه ونوه به الشيخ عبد الحميد بن باديس في السنة المذكورة عند زيارته لهذه البلدة، وربط بينه وبين أخيه (شيخه) حمدان، فقال أنه أخ شيخي وأستاذي العلامة الفقيه سيدي حمدان الونيسي دفين طيبة الطيبة (4).

ويبدو أن الشيخ حمدان كان مشتغلا بالكتب أيضا، سيما النسخ. فقد نقل الشيخ أبو القاسم الحفناوي بن الشيخ في (تعريف الخلف) من خطه سيرة بعض علماء قسنطينة، مثل (منشور الهداية) لعبد الكريم الفكون (5). ولحمدان بعض التآليف سنذكرها في محلها.
كانت السلطات الفرنسية قد سنت، كما ذكرنا، دروس المساجد حسب تنظيم جديد، يخضع لبرنامج محدد، وساعات أسبوعية، وذلك منذ آخر القرن الماضي، ثم تلاه إنشاء التفتيش على هذه الدروس وتقديم التقارير السنوية إلى الحاكم العام عن سير الدروس وتأثير المدرسين واتجاهاتهم، مع التوصيات والاقتراحات، وإسناد هذه المهمة إلى مدراء المدارس الشرعية -الفرنسية الثلاث في كل ولاية أو أقليم. ومن ثمة كان تفتيش الشيخ حمدان على يد مدير مدرسة قسنطينة. وكان أول من فتش الشيخ هو موتيلانسكي المستشرق الشهير الذي تخصص في الدراسات الأباضية ورافق بعض البعثات الاستكشافية الفرنسية إلى الصحراء (6). كانت للشيخ حمدان دروس إجبارية وأخرى اختيارية، حسب البرنامج الرسمي (7)، وجملتها إثنا عشر ساعة أسبوعيا.

وتشمل الدروس الإجبارية (الموجهة للتلاميذ المترشحين للمدارس الرسمية الثلاث) اللغة العربية بالرجوع إلى الألفية ولامية الأفعال وغيرها، والحساب بالرجوع إلى الأخضري والقلصادي. ثم الدروس الاختيارية (وهي الموجهة للعامة)، وتتضمن الفقه على مختصر خليل والتوحيد على السنوسية - أم البراهين. ومعدل الدروس ساعتان في اليوم، مدة ستة أيام. فماذا كان حظ الشيخ حمدان من هذا؟ وهل كان في حاجة إلى برنامج رسمي بعد ربع قرن في التدريس؟ إن الإدارة الفرنسية تقول بذلك.

حضر له المفتش موتيلانسكي درسا في النحو في ربيع 1905. فأخبر أن تلاميذه كانوا 17 فردا، من بينهم الشيخ محمود كحول الذي كان عمره عندئذ 33 سنة. وكان كحول مدرسا في مدرسة سيدي الجليس، وهي مدرسة فرنسية - عربية. ولا نجد اسم عبد الحميد بن باديس من تلاميذ حمدان هذه السنة. ويقول المفتش أن التلاميذ قد فهموا الدرس لوضوحه، وأن للشيخ تجربة طويلة وقدرة تجعله مؤهلا للدروس العليا وليس الابتدائية، ولذلك أوصى المفتش بأن تبقى للشيخ حمدان الدروس العليا في الجامع الكبير، أما الدروس المبسطة فيقوم بها المدرس المعين لجامع سيدي الكتاني. ومما جاء في تقرير المفتش أيضا أن وجود الشيخ حمدان في قسنطينة يعد مكسبا لهذه المدينة (8).

وكان تقرير شارل سان كالبر سنة 1907 أكثر دقة وشمولا. وبعد أن ذكر عدد دروس الشيخ الأسبوعية وعناوينها، سواء منها الإجبارية أو الاختيارية، ذكر أن تلاميذ الشيخ تتراوح أعمارهم بين 18 و 32 وأن أصغرهم (18 سنة) هو عبد الحميد بن باديس، وهو أحد إثنين من عائلات قسنطينة، أما الباقون فكانوا من القرى المجاورة وحتى من عنابة. وصادف التفتيش أن كان التلاميذ قد غادروا الدرس لدخول شهر جوان (يونيو) ما عدا خمسة منهم كانوا حاضرين. كما لاحظ أن موظفي الجامع لا يحضرون الدروس، وأن سجل الحاضرين غير منتظم. أما عن المدرس نفسه، فقد كان في الواحد والخمسين من عمره، وكان قد تلقى بعض الدروس الحرة كمستمع على الشيخ المجاوي (9). أما دروسه فكلها شفوية، فهو لا يستعمل السبورة، ولكن طريقته حية ومستوى درسه هام. وهو واضح العبارة، وغالبا ما يستعمل طريقة المساءلة، وقد عود تلاميذه على أخذ المذكرات أو الإملاءات.

وقد لاحظ المفتش سان كالبر أنه لم يترشح أحد من تلاميذ الجامع الكبير ولا جامع سيدي الكتاني لدخول مدرسة قسنطينة الرسمية، وأن تلاميذ المسجدين لا يعرفون الفرنسية تقريبا. ولذلك أوصى بإدخال مادة الفرنسية إلى دروس المساجد بأن يلقيها أحد المعلمين الفرنسيين. ووعد بأنه سيحاول إقناع الشيخ حمدان بتغيير طريقته خلال السنة المقبلة لكي يستفيد تلاميذ مدرسة سيدي الجليس (الفرنسية) من دروسه. ولم يبد الشيخ أية رغبة للمفتش (10).
وفي السنة الموالية (1908) كان عدد تلاميذ الشيخ حمدان 32، من بينهم عبد الحميد بن باديس أيضا. وأخبر المفتش أن سن ابن باديس 25 سنة. ومن بين هؤلاء التلاميذ أحد عشر من مدينة قسنطينة نفسها والباقي من خارجها. والظاهر أن المفتش قد وجد الشيخ أنجز ما وعده به السنة الماضية، لأن المفتش يخبرنا هذه المرة أن درس الأحد والخميس قد خصصه الشيخ لتلاميذ مدرسة سيدي الجليس ذات المستوى الابتدائي والمتوسط. وهؤلاء التلاميذ كانوا مستعدين للترشح للمدرسة الشرعية - الرسمية وحتى نأخذ صورة عن دروس الشيخ حمدان ننقل من التقرير هذا الجدول البسيط:

النحو: أيام الأحد والخميس والثلاثاء، وكتبه هي الاجرومية وألفية ابن مالك.

الحساب. ليوم الخميس، وكتابه حساب الأخضري، وقد سبق ان القلصادي كان مستعملا أيضا.
الأدب العربي: ليوم الاثنين، ونصوصه تؤخذ من مروج الذهب وثمرات الأوراق والمستطرف.
الفقه: يوم السبت، من مختصر الشيخ خليل، باب الزواج (النكاح).

التوحيد: يوم الأربعاء، وكتبه هي أم البراهين للسنوسي والجوهرة (11).

أما استعمال السبورة وإدخال الطريقة الجديدة في التعليم فقد لاحظ المفتش أن الشيوخ المدرسين على العموم لا يريدون إدخال أية طريقة جديدة على دروسهم. ولكنه متفائل بالنسبة للشيخ حمدان لذكائه القوي وروحه الرقيقة، وأكد المفتش أن الشيخ حمدان لن يتردد بعد اليوم في استعمال السبورة رغم أن تلاميذه قد تعودوا على أخذ إملاءات من دروسه. وكرر القول بأنه يستعمل المساءلة وأن درسه مفيد جدا، وله صوت واضح ولغة سهلة ودقيقة. ولذلك أوصى له بوسام الأكاديمية (التعليم) بمناسبة افتتاح المدرسة في المكان الجديد (12)، لأن الشيخ حمدان يعتبر من بين المدرسين الأكثر ذكاء وإخلاصا للتعليم الإسلامي. وكان راتبه 75 ف. فقط. وليس وحده في ذلك، بل إن كل مدرسي المساجد، كما جاء في تقرير سان كالبر لسنة 1907، كانوا يتقاضون نفس الراتب.

لكن هذا التنازل من المفتش، وهذا التقدير لدور الشيخ في التعليم والاعتراف بفضله وذكائه سرعان ما تبخرت. فما السبب؟ هناك سر ليس لدينا منه خيط. هل تضايق الشيخ حمدان نفسه من ملاحظات المفتش؟ هل ضايقته الإدارة في قضايا أخرى غير التعليم؟ هل كان للمفتي ابن الموهوب دور في ذلك؟ وهل كان للتنافس بين مدرسي المساجد ومدرسي المدرسة الشرعية الرسمية دور أيضا؟ ولو تغير المفتش لقلنا أن العلاقة مع الشيخ قد تغيرت معه أيضا. ولكن سان كالبر استمر هو المفتش بعد ذلك لفترة طويلة. فمن كان وراء طرد الشيخ حمدان من التدريس في الجامع الكبير بعد أن قضى فيه حوالي 30 سنة، وشهدت له التقارير بالنجاح في مهمته.

يبدو أن المفتش قد عجز عن إقناع الشيخ بتغيير طريقته فاوصى (الإدارة) باتخاذ اللازم نحوه، فعزلته. ولكن هل المسألة تتعلق باستعمال السبورة فقط؟ لا نرى ذلك أبدا، فقد كان شيوخ آخرون في قسنطينة وفي غيرها لم يستعملوها ولم يكن مصيرهم الطرد، سيما مع مدرس يقال عنه أنه ناجح وله تأثير. إذن هناك سر آخر. فقد جاء في تقرير سان كالبر لسنة 1909 أنه (نصح الشيخ حمدان وكرر النصيحة باستعمال السبورة فلم يذعن لذلك، فأوصى بأن تتولى الإدارة نفسها الموضوع معه. وهكذا وجدنا في تقرير 1915 الصادر عن نفس المفتش أن الشيخ حمدان بن أحمد الونيسي قد طرد Révoqué من وظيفته كمدرس، وعوض بالشيخ عبد المجيد بن عبد الله بوجمعة، مدرس اللغة العربية والأدب بالمدرسة الشرعية الرسمية، وقد تولى بوجمعة وظيفته الجديدة في شهر مارس 1915، دون ذكر السبب في عزل الشيخ حمدان وطرده. ويذكرنا هذا الموقف بما حدث للشيخ الكبابطي سنة 1843 حين عزل من الإفتاء والتدريس في الجامع الكبير بالعاصمة ونفي إلى الخارج لمعارضته إدخال اللغة الفرنسية في المدرسة القرآنية. فهل وقف الشيخ حمدان موقفا شبيها بذلك أيضا فاستحق عليه هذا العقاب؟.
إن الغريب في الأمر هو أن المفتش قد كرر في تقرير سنة 1959 منح الوسام للشيخ حمدان. ولا ندري الآن تاريخ العزل بالضبط. ولكن يبدو أنه كان خلال 1915 ما دام الشيخ بوجمعة قد استلم عمله الجديد في مارس من هذا العام. وهكذا بدل استلام الوسام استلم الشيخ قرار الطرد. ومن المحتمل أن يكون هذا القرار راجعا إلى رفضه الوسام (13). وقد قال المفتش في تقريره لسنة 1915 أن عدد التلاميذ قد ازدادوا بعد طرد الشيخ حمدان. فقد كانوا 29 سنة 1959، فأصبحوا 62 سنة 1915.

والمتواتر بين المعاصرين أن الشيخ حمدان قد هاجر إلى الحرمين سنة 1915. والخروج من الجزائر عندئذ يحتاج إلى رخصة رسمية. فهل طلب الشيخ حمدان رخصة الحج أو رخصة أخرى فمنحت له دون تردد؟ إن حركة الهجرة نحو المشرق عندئذ كانت شائعة، وقد عرفت سطيف وقسنطينة وسيدي عقبة وغيرها حركة نشيطة نحو الشام والحجاز. ونعرف أنه خلال هذه الأثناء هاجرت أسرة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي أيضا من نواحي سطيف. ثم جاءت الهجرة الجماعية من تلمسان 1911. فهل تدخل هجرة الشيخ حمدان ضمن هذه الحركة الاحتجاجية على التجنيد الإجباري؟.

استقر الشيخ حمدان في المدينة المنورة. ولا ندري البلدان التي مر بها والعلماء الذين تعرف عليهم أو تعرفوا عليه. وبعد أدائه للشعائر الدينية انتصب للتدريس هناك. وقد وجدنا في أحد البحوث التي قام بها أستاذ من السعودية حول التعليم في الحجاز في هذا القرن، إسم الشيخ حمدان ضمن المدرسين. وفي ظننا أنه لو كان الشيخ حمدان منتميا إلى بعض الطرق ذات الصلة بالسلطات الفرنسية لما كان مصيره الطرد من الجامع الذي قضى فيه ثلاثين سنة من عمره، بل الطرد من بلاده بطريقة غير مباشرة. ولكنه فضل الشرف على المذلة، وجوار الرسول (صلى الله عليه وسلم) على جوار الاستعمار.

وكان في الحجاز مهاجرون جزائريون جدد وقدماء، ولا سيما في المدينة المنورة، التي كانت عندئذ بدون ضرع ولا زرع، ولا نفط ولا مياه محلاة. فاجتمع الشمل بأسرة العقبى وأسرة الإبراهيمي وبعض الأسر المغاربية، ثم التحق بهم عبد الحميد بن باديس حاجا، وكانت نفسه تحدثه أيضا بالهجرة. وكان القدر يخطط لكل قدره، فالشيخ الذي ذهب مراغما في الأرض نصح تلميذه بالرجوع إلى وطنه وتعمير المكان الذي شغر برحيله. وكان الشيخ حمدان يعرف مكانة أسرة ابن باديس في قسنطينة، ويعرف حدود حركة المتوظف لدى السلطات الفرنسية، فنصح تلميذه ابن باديس أيضا بأن يعمل حرا وأن لا يرتبط بوظيف إداري، مهما كان. وبعد عدة شهور استجاب التلميذ لنصيحة شيخه وشد الرحال عائدا إلى وطنه. وبعد عدة سنوات في التعليم (بطيبة الطيبة) توفي الشيخ حمدان راضيا مرضيا، فقد سمع عن البذور التي كان يبذرها تلميذه في الجزائر، ولم يبق إلا انتظار الحصاد (14).

 

الهوامش:

(1) ذكر ذلك شارل سان كالبر في تقريره لسنة 907 1. أرشيف إيكس (فرنسا)، 47 H 14.
(2) ذكر التاريخ الأول نفس المصدر، ولكن تقرير موتيلانسكي سنة 1905 يذكر يناير 1881، فهو أدق.

(3) سان كالبر، مرجع سابق، تقرير سنة 1907. هل كانت للشيخ الونيسي خطة في تكوين التلاميذ لجامع الزيتونة مثلا؟ هل يأتيه المتخرجون من الزوايا والمدارس القرآنية الذين كانوا يبحثون عن شيوخ في مستواه يبل صداهم؟.

(4) آثار الإمام ابن باديس، ج 4، ط. 1985، ص 233 طبع وزارة الشؤون الدينية، الجزائر. والمقصود أن الشيخ حمدان دفين المدينة المنورة. كان الشيخ محمد عبده قد زار قسنطينة سنة 1903 زيارة خاطفة، ولا ندري إن كان الشيخ حمدان قد لقيه. ولكن من الأكيد أنه سمع بزيارته للجزائر وأصدائها في الصحف والمجالس. انظر فصل الجزائر في المشارق والمغارب.
(5) تعريف الخلف، 2/ 108 - 159، وهنا وهناك.

(6) انظر عنه الفصل الخاص بالاستشراق.

(7) البيان الرسمي لهذه الدروس صدر في 5 يونيو (جوان)، 1905.

(8) تقرير موتيلانسكي، سنة 905 1، مرجع سابق، 47 H 14 أرشيف إيكس (فرنسا).

(9) كان المجاوي عندئذ في المدرسة الثعالبية بالعاصمة - القسم العالي.

(10) تقرير شارل سان كالبر، مرجع سابق، سنة 1907. لاحظ أن الفرنسيين قد حاولوا منذ 1843 إدخال الفرنسية إلى دروس المساجد والتعليم القرآني، ولكن المفتي عندئذ (مصطفى الكبابطي) رفض فنفوه من البلاد.

(11) تقرير سان كالبر، مرجع سابق، سنة 1908. حصل التفتيش في 14 جوان من هذه السنة. والمقصود بالمدرسة الجديدة هو المكان الذي بنى في الشارع الوطني (ابن المهيدي اليوم) ليكون هو المدرسة الرسمية العربية - الفرنسية (الشرعية) بعد أن كانت في الكتانية والإشارة إلى كون سن ابن باديس سنة 25 غير دقيقة طبعا.

(12) يبدو أنه ما عدا الفقه والتوحيد، يمكن للمدرس أن ينوع الكتب. فقد وجدنا بعضهم يستعمل أيضا ألف ليلة وليلة، ومقامات الحريري ومجاني الأدب، الخ.

(13) ابتداء من سنة 1959 لا نجد اسم عبد الحميد بن باديس في قائمة تلاميذ الشيخ حمدان، وبذلك يكون عبد الحميد قد ذهب إلى تونس للدراسة.

(14) روى الشيخ الإبراهيمي ما دار بينه وبين ابن باديس في الحجاز وما اتفقوا عليه عندئذ. انظره في سجل جمعية العلماء، 1935، وفي (أنا) المنشور في كتاب (في قلب المعركة) الجزائر 1994. وعن الشيخ حمدان الونيسي، انظر أيضا المهدي بن شغيب (أم الحواضر في الماضي والحاضر)، قسنطينة 1980، ص 318. وكذلك رسالة الباحث أحمد مريوش عن (الشيخ الطيب العقبي) الخ.

آخر التغريدات: