صورة من وفاء العلماء: أبو القاسم سعد لله في نعي عبد الله ركيبي

صورة من وفاء العلماء: أبو القاسم سعد لله في نعي عبد الله ركيبي

بقلم: أبو القاسم سعد الله -

عز علي أن أدلي بشهادة في حق الدكتور عبد الله ركيبي، وهو غير قادر على الحضور بيننا (1). فقد كان قبل اليوم زينة المجالس، وملفت الأنظار، ومحرك الألسنة، يقول ما يعتقد أنه الحق ولا يبالي.

عاصرت سي عبد الله ركيبي منذ عهد الدراسة في جامع الزيتونة بتونس، خلال الخمسينات من القرن الماضي. ولم نفترق إلا لنلتقي على نبض الوطن وهمومه، ووقع الدفاع عن اللغة العربية ضد المغيرين عليها، وأوجاع الثقافة وتراثها وآمالها ومآلها.

حمل سي ركيبي وشم الثقافة العربية انطلاقا من قلب الأوراس الأشم، وجمع المجد من أطرافه حين اختلطت في جيناته دماء مازيغ وقحطان. وحمل معه منذ الطفولة الشعور بظلم الاستعمار في شخوص محسوبين على الجزائر بالجغرافيا فقط، نحسبهم منا وقلوبهم شتى. لذلك كان ثائرا قبل الثورة، ميالا بنضاله السياسي إلى حزب الشعب، وبانتمائه الثقافي إلى جمعية العلماء. حمل هذه الأفكار المتقدمة لمفهوم الوطنية منذ صغره إلى تونس، حيث وجد الفرصة مواتية لتبادلها مع أترابه الطلبة من هذا الصف أو ذاك.

كنا نلتقي في حلق الدراسة بالزيتونة، ولكن تعارفنا كان ما يزال فتيا، فلم يكن هناك اختلاط في المسكن ولا في اللهو ولا في نشاط جمعية أو رابطة. ومع ذلك فإنه حين أعلنت جمعية البعثة التابعة لجمعية العلماء عن مسابقة أدبية، تتعلق بآمال الشباب الجزائري في مستقبل بلاده، بادر إلى المشاركة فيها بقصة (الطاغية الأعرج) التي رمز بها إلى (ڤايد) بلدته جمورة، بل كل ڤايد ظالم، لم يرع للشعب حقا ولا ذمة. وقد فاز سي عبد الله في القصة على يد لجنة تحكيم معروفة الوجوه والجدية من شيوخ الزيتونة الشباب. ثم أرسلت جمعية البعثة القصة الفائزة مع صورة صاحبها إلى البصائر فنشرتهما. وربما كانت قصة الطاغية الأعرج هي أول إنتاج أدبي ـ سياسي نشر له.

وبعد نيلنا شهادة التحصيل من الزيتونة، رجع كل منا إلى الوطن واستلم مهمته، فدخل كلانا ميدان التعليم عند جمعية العلماء: هو في مدرسة ندرومة قرب تلمسان، وأنا في مدرسة الحراش بالعاصمة. وبعد عام دراسي سافرت إلى المشرق عن طريق تونس، أما هو فقد بقي يؤدي مهمته إلى أن ألقي عليه القبض ربما سنة 1956، وأخذ إلى محتشد بآفلو. ثم فر منه إلى بلدته جمورة بولاية بسكرة، حيث فرضت عليه الإقامة بهذه المدينة، ولكن بعض المجاهدين هربوه إلى تونس عام 1958، ومن تونس طلب عام 1960 منحة دراسية في القاهرة من وزارة الثقافة بالحكومة المؤقتة (2) .

وهكذا جمع الله الشتيتين من جديد على الساحة الطلابية في القاهرة، غير أن معاصرتنا فيها لم تدم طويلا، لاغترابي بعيدا عن الشرق والرفاق، إثر حصولي على منحة للدراسة في الولايات المتحدة الأمريكية في نفس السنة (1960)، فلم يبق رابط بيننا سوى حبل الرسائل والذكريات. وقد بلغني أنه أثناء الخلاف الذي نشب على مستوى قيادة الثورة، بعد إعلان الاستقلال، لعب سي عبد الله دورا بارزا في توجيه طلاب الجزائر بمصر نحو المكتب السياسي والرئيس الأول للبلاد. ومن ميزات سي عبد الله الشجاعة الأدبية والصراحة والاندفاع والتحدي. فإذا آمن بأمر نافح دونه إلى أقصى الحدود، ولا يهمه بعد ذلك أرضي الناس عنه أم سخطوا. وقد خسر بعض أصدقاء جراء هذا الموقف. وحينما تسأله الحكمة من ورائه يقول بدون مبالاة: المبدأ قبل الفرد.

وبعد تخرجه من جامعة القاهرة سنة 1964، رجع إلى الجزائر والتحق بالمعهد التربوي الوطني التابع لوزارة التربية، ولم يلبث إلا حوالي سنة ثم جاءت زوجته المصرية ـ الفلسطينية إلى الجزائر، وقد كانت سيدة مثقفة تتعاطى الأدب والصحافة. وأذكر أنني عندما زرت الجزائر سنة 1966، قادما من أمريكا، لجس نبض إمكانية العمل بالجامعة، استضافني سي عبد الله في بيته وجددنا العهد، وحثني على الرجوع إلى الجزائر والاشتراك في المعركة الثقافية ـ كما كنا نسميها ـ التي يخوضها هو وأصحابه، ومنهم صديق كلينا، الأستاذ عبد الله عثامنية، الذي كان ينشط في نادي الفكرالعربي، وإسناد رئاسته إلى سي الركيبي.

في هذه المناسبة سلمني مجموعة من الأسئلة الأدبية والثقافية المكتوبة لأجيبه عنها، بصفته كان محررا للصفحة الثقافية في جريدة الشعب. وبعد رجوعي إلى جامعة أوكلير أجبته عن الأسئلة، ولكنه أخبرني بأن أجوبتي لم تنشر، لأنه لم يعد مسؤولا عن الصفحة المذكورة، وربما قال أيضا إنها كانت طويلة(3). وعلى كل حال، فإنه لم يتوقف عن مطالبتي بالرجوع إلى الجزائر للعمل معا، من أجل الدفاع عن الثوابت الوطنية التي آمنا بها وكافحنا من أجلها منذ الخمسينات.

وبعد قضاء سنة أخرى في أوكلير، رجعت نهائيا إلى الوطن في أكتوبر 1967، والتحقت بجامعة الجزائر الوحيدة عندئذ. وقبل دخول الجزائر مكثت بضعة أشهر في باريس، أدرس الفرنسية وأحضر محاضرات في حضارة الفرنسيين وثقافتهم، كما هي في بلادهم، وعلاقتهم بجيرانهم للمقارنة مع ما كنت قد درسته في منيسوتا، ودرسته لطلبة أوكلير. كانت الحياة الاجتماعية والأكاديمية تجمع بيننا في جامعة كنا نحسب أنها وطنية، فإذا بها كانت ما تزال بأيدي أساتذة فرنسيين، وبعض تلاميذهم المخلصين الذين صوتوا ـ ربما ـ ضد الاستقلال، ولم يساندوا إضراب الطلبة سنة 1956، وقد وجدت سي عبد الله حاصلا على شهادة الماجستير من جامعة القاهرة. وبعدها بمدة (سنة 1972) نال الدكتوراه من نفس الجامعة بإشراف الدكتورة، سهير القلماوي، المشهورة بأنها تلميذة طه حسين المفضلة.

وكثيرا ما استضافني سي الركيبي في بيته، وحدي أو مع غيري، وكثيرا ما حملني في سيارته الصغيرة إلى حيث أسكن قبل أن أشتري سيارة. وهو من القلائل الذين كانوا يعرفون ويتابعون معاناتي جراء عدم اعتراف سلطات الجامعة الفرنكفونية بشهادتي، مما ترتب عليه حرماني من السكن الوظيفي وعدم استلام أي راتب، وقد كنت أرفض ما كانوا يسمونه التسبيقة. وقد كان يسعى في صمت لإيجاد حل لهذه المعاناة، التي دامت سنة دراسية على يد من كنا نسميهم "اللوبي الفرنكفوني"، لأن الجامعة كانت تحت النفوذ الأكاديمي الفرنسي ببرنامجها وإدارتها ومكتبتها. فكنا مع الأستاذ صالح خرفي في أقلية من "المعربين" الذين التحقوا بجامعة الجزائر "المفرنسة"، وكان علينا أن نخوض صراعا مريرا مع القوى العلنية والخفية التي كانت تؤسس لبقاء الجزائر فرنسية، ولو حصلت في ظاهر الأمر على الاستقلال.

في هذه الأثناء، سعى سي الركيبي وأصدقاؤه إلى ترشيحي نائبا للعميد، إلى أن نجحوا في مسعاهم، وكان ترشيحي في نظرهم منطقيا، لأنني كنت الجزائري الوحيد الحاصل على الدكتوراه. ورغم إلحاحهم، فإنني كنت متمنعا وغير راغب في المنصب، لأنني لا أقدر على الصراع ولا أرغب فيه. وتحت ضغط الأصدقاء أمثاله قبلت الترشح. وللغرابة كانت النتيجة إيجابية لأننا حصدنا على الحد الأدنى للفوز بنائب عميد كلية الآداب. وهكذا أصبحت أحد نائبين (الآخر هو الأستاذ عبد الحميد حاجيات) لعميد كان يعلن بالصوت المليان، أنه مع الثقافة الفرنسية، وأنه لن يخون فرنسا التي يفتخر بأنه خدم في جيشها ضد ألمانيا، خلال الحرب العالمية الثانية.
كان سي الركيبي يهاجم خصوم الثوابت الوطنية ولا يبالي بالعواقب، خلافا لسلوكي في التعامل معهم. وكثيرا ما دخل في ملاسنة مع الخصوم، وكان يساعده على ذلك فصاحة اللسان ورباطة جنانه وصدق إيمانه بالقضية التي يدافع عنها. وكان صوته جهوريا وحادا، ولكن أفكاره كانت مشوشة، فهي تنثال عليه انثيالا فيسترسل في الحديث، أو بالأحرى الهجوم، إلى حد الإطالة. وكان الطرف الآخر ماهرا في المراوغة وفي فن الردود، ظاهر التعريض به والإساءة إليه، ولكن بأسلوب هادئ ووخزات تجرح ولا تدمي.

طالما جمعتنا في الجامعة وغيرها لجان واجتماعات وامتحانات. وفي خارج الجامعة، كانت لنا مجالس في بيتينا أو في بيوت أصدقائنا. وقد التقينا مرات في بيته بالقاهرة، عندما كان يحضر للدكتوراه مع مشرفته التي كانت تعجب بأدبه. وكان سي الركيبي لا يترك فرصة إلا عرفني فيها بأصدقائه المصريين من أدباء الجيل الجديد، أمثال عبد المحسن طه بدر وعبد المنعم تليمة. وقد قدم له بعض كتبه التي طبعها في القاهرة أدباء، من أمثال شكرى عياد وصالح جودت والقلماوي.

وفي مصر أيضا، عرفني سي الركيبي على أصهاره، وهم عائلة (حرك) التي استضافتنا بكرم وأريحية، وكان من بينها من يهتم بقضايا العمال ومن يهتم بالصحافة والأدب. وقد زار أفراد منها الجزائر، وعبروا عن إعجابهم بشعبها وثورتها. ولعل أكبر حادث أثر على سي الركيبي في تلك الأثناء هو مقتل ابنته الوحيدة، حنان، في حادث سيارة مريع بينما كانت تلعب بين يديه في مصر. وقد ظل تأثير فقدها جرحا في جوانحه، حتى بعد أن طال عليه العهد، وبعد أن عوضه الله بثلاثة أولاد (هشام وزياد وخليفة). وربما لا يشبه تأثير فقد ابنته عليه إلا تأثير وفاة شريكة حياته، بعد مرض العضال.

خدم سي الركيبي الأدب الجزائري بتدريسه في الجامعة وفي تآليفه وفي دراساته الأدبية العديدة. وقد درس فنونه من قصة ورواية ومسرحية ومقالة. ثم إن الفضل يرجع إليه في ريادة الكتابة عن القصة دراسة ونقدا، ومنها تعرية الفرنكوفونية وآدابها، والكشف عن دور الأوراس في أدب الثورة، وقد تناول أيضا القضية الفلسطينية في الأدب الجزائري، وهي القضية التي عاشها بقلبه ولسانه وقلمه. وكان من الناقمين على موقف السادات الذي جمد دور مصر في الوطن العربي. وكانت زوجته تشاركه في كثير من أفكاره، وكانت أستاذة الأدب العربي في إحدى الثانويات، وشاعرة قومية الشعور والهوى.

وخدمة للأدب الجزائري، أشرف سي الركيبي على عدد من الرسائل الجامعية، وتخرج على يديه طلاب جيدون ظلوا أوفياء له، أغلبهم من الجزائريين، وبعضهم من الوطن العربي. وقد شارك في مناقشة الرسائل الجامعية، وبعضها ناقشه عندما كان سفيرا لبلاده.
وقد اشتركت معه في مؤتمرات الكتاب والأدباء العرب، وكان أول مؤتمر حضرناه هو مؤتمر كتاب المغرب العربي، الذي انعقد في ليبيا في ربيع عام 1969، ومنها مؤتمر الكتاب والأدباء العرب في تونس. ورغم إلحاحه علي في الدخول معهم في لجنة الفكر والثقافة المستظلة بجناح حزب جبهة التحرير الوحيد عندئذ، فقد اعتذرت له. وكان يتفهم موقفي دون أن يؤثر ذلك في صداقتنا. كما اشتركنا في اللجنة التحضيرية لإنشاء اتحاد الكتاب الجزائريين، الذي آلت رئاسته إلى الكاتب والشاعر مالك حداد، ونيابة الرئيس للركيبي.

وقد تولى بنفسه تحضير ورئاسة مؤتمر الكتاب والأدباء العرب في الجزائر، يوم أصبح رئيسا لاتحاد الكتاب الجزائريين.

وكان المنشط الرئيسي، بالتعاون مع صديقنا الدكتور أبو العيد دودو والأستاذ محمد الميلي، لندوة التكريم التي أقامتها لي الجامعة عند صدور الجزء الأول من الحركة الوطنية الجزائري.
وعلى إثر هذا التكريم، اقترح علي سي الركيبي أن أهدي نسخة من كتابي إلى الرئيس بومدين، مع طلب مقابلته لطرح أفكار كانت تدور في رؤوس بعضنا، فرفضت، دون أن يؤثر موقفي في علاقتنا. وكثيرا ما كنا نتناقش في اقتراب المثقف من السلطة أو الابتعاد منها.
ولا يمكنني أن أكتب هذه الشهادة دون ذكر دور سي الركيبي في التحضير لزواجي، فقد رافقني للخطبة، وشاركني في شراء الهدية، ونشط في لجنة إقامة حفل الزفاف.
ورغم اختلافنا أحيانا، فقد كنت أطلعه على همومي، وما يحدث لي هنا وهناك، بسبب بعض مواقفي، وأطلب منه الرأي لأني أثق في صدقه. وبقدر ما كان هو منفتحا على الاقتراب من أهل السلطة، بقدر ما كنت أفضل الابتعاد عنهم، عملا بقول الشاعر:

كُلِ التراب ولا تعمل لهم عملا ** فالشر أجمعه في ذلك العمل

وكان سي الركيبي إذا تباعدنا أو تغربنا يراسلني برسائل مطولة. ومنها مراسلة وصلتني سنة 1995، عندما عرض عليه صديقنا محمد الصالح دمبري وزير الخارجية عندئذ، سفارة الجزائر في سوريا، بينما عرض علي سفارة الجزائر بالقاهرة. فلما علم سي الركيبي باعتذاري للأخ الوزير عن قبول المنصب، أرسل إلي يغريني ملحا علي بالقبول، ولكني أكدت له احترامي لرأيه واختياره، وتمسكي برأيي واختياري، مذكرا له مقولة الزمخشري لوالده، عندما اختلف معه: ونصف الجمل...

سبق لسي الركيبي أن عين مسؤولا ثقافيا في سوريا، قرابة عامين، ثم قضى حوالي سنتين في بريطانيا، باحثا مستفيدا من سنوات الخبرة التي قضاها بجامعة الجزائر، وفي هذه المدة تعلم الإنجليزية. أما سنة 1995، فقد التحق بسوريا كسفير، بينما بقيت في غربتي أحرر كتابي مع معاناة البؤس والشقاء. فكتبت إليه ذات يوم طالبا منه تدبير عمل لي في سوريا، فرد علي بأن العمل الوحيد المفتوح لمثلي هو كتابة مقال في إحدى الصحف، أتقاضى عليه مبلغا لا يسد رمقا فما بالك بنفقة عائلة. وتحملت ما كنت فيه من حرمان فترة أخرى، فإذا بالفتح جاء على يديه، ولكن من جهة غير متوقعة. فقد أحال أوراقي إلى صديقنا المرحوم، الهاشمي قدوري، سفير الجزائر في الأردن، وكانت جامعة آل البيت قد فتحت أبوابها حديثا فأرسل السفير قدوري أوراقي إلى رئيس الجامعة رسميا، فرجع إليه مبعوثه (وهو السيد خيروني) بالقبول الفوري. وهكذا فتحت صفحة أخرى من حياتي بفضل الخطوة التي خطاها سي عبد الله، ونفذها صديقنا الهاشمي قدوري.

لقد خدم سي الركيبي الدولة الجزائرية في وظائف متعددة، فبالإضافة إلى السفارة، عُين مستشارا في المجلس الأعلى للقضاء، ثم نائبا في مجلس الأمة سنة 1998، وخاض انتخابات برلمانية في ولايته (بسكرة) ولكنه لم يوفق فيها.

ومن جهة أخرى، زار سي الركيبي الفيليبين وروسيا، في نطاق اتحاد كتاب آسيا وإفريقيا على ما أظن. وربما زار روسيا في نطاق اتحاد الكتاب. وذهب عدة مرات للراحة والعلاج إلى ألمانيا، حيث يقيم نجله الأكبر. وهكذا عرف الكثير عن العالم المتحضر والعالم المتخلف، وجمع من هذا وذاك رصيدا هاما، للمقارنة بين العالمين من جهة وحالة الشعب الجزائري من جهة أخرى.
وقد كرم سي الركيبي في عدة مناسبات: من ولايته، ومن بلدته، ومن طلابه المنتشرين اليوم في شتى الجامعات. ولعله قد كرم أيضا من جهات أخرى، لم يحضرني سجلها الآن. كما كان عضوا في جمعية الثامن ماي 1945، التي كان يرأسها السيد بشير بومعزة، وساهم في ندوات حزب جبهة التحرير الأدبية والفكرية، وفي ذكرى الثوار والمجاهدين، وبهذا الصدد، اشتركنا معا في ندوتين على الأقل: ندوة باتنة وندوة ڤالمة. وفي وقت مبكر من استقلال البلاد، كان يشرف على الصفحة الأدبية في جريدة الشعب، كما كان له برنامج تلفزيوني بعنوان: أقلام على الطريق.

إن الحديث عن الصديق، الدكتور عبد الله ركيبي، لا يكاد ينتهي، وهو حديث لا يمل، لأنه مليء بالمواقف وجمال الكلام وحيوية العبر، فلو فصلت وجهات نظره في اللقاءات، وفي الرسائل العديدة المتبادلة بيننا، وفيما بثه كل منا للآخر من أحزان عميقة وآمال عريضة وحقائق أصبحت أوهاما، لألفت منها كتابا، ولزدت منها للقلب تباريح وعذابا. عجل الله بشفاء صديقنا سي عبد الله الركيبي .(*)

 

(*)ملاحظة: كتبت الكلمة السابقة على عجل، وأنهيتها في التاريخ المذكور لتلقى في ندوة التكريم التي أعدتها له، بعد ظهر نفس اليوم، كوكبة من طلابه وأصدقائه في المدرسة العليا للأساتذة ببوزريعة. وكنت أعرف أن المكرم مريض وعاجز عن الحضور، لأنني زرته قبل الندوة بأسبوع واحد في منزله. وقبل توجهي إلى الندوة، هتفت له فلم يرد، كما لم يرد على هاتف منزله الثابت. فكنت مترددا بين زيارته أو حضور ندوة تكريمه.

وبعد قضاء مآرب الصباح، رجعت إلى بيتي لأستريح قليلا ثم أتوجه لزيارته. وعند فتح الباب، رن الهاتف فإذا بصوت الأستاذ عبد الله عثامنية يسألني هل سمعت!؟ وكانت الواقعة كالصاعقة، وكان الترجيع والرجوع إلى الله، ثم تواعدنا على الترافق. وهكذا تحولت زيارة سي الركيبي حيا إلى إلقاء النظرة الأخيرة عليه وهو مسجّى على فراشه، كما تحول التكريم إلى تأبين، لأن من جاء ليحضر التكريم في مدرسة بوزريعة أدار وجهه نحو منزل الفقيد في حي سعيد حمدين، لتقديم العزاء الأليم.

لقد تفاديت في كلمتي السابقة الإشارة إلى بعض آراء ومواقف سي الركيبي، التي ربما لا يريد إذاعتها بين الناس في حياته. أما وقد رحل عن دنياه، فما أعتقد أنه يمانع في ذكر ما يزيد من إلقاء الضوء على شخصيته، وحكمه على الناس والأشياء.

منها أن سي الركيبي كان لا يقول الشعر ولا يتذوقه، وكان إذا سمع شاعرا يترنح في إلقائه قصيدة، وهو يهز بها الحاضرين تمثيلا وتخييلا وتصويرا، يأخذ سي الركيبي في التمتمة الساخرة بالشاعر، معتقدا ربما عدم صدق الشاعر في مشاعره. ومع ذلك، فإن حرفة النقد التي احترفها كأستاذ أكاديمي، فرضت عليه أن يشمل بنقده النثر والشعر معا. وإذا تأثر بشعر ما، فإن مقاييسه لا تخرج عن الموسيقى والوطنية والتحليق في الخيال القومي. وهو يميل إلى الشعر الموزون والمقفى لتوفر الموسيقى فيه، وقد انصرف عن دراسة الشعر الحر في أغلب أبحاثه، بما في ذلك أطروحة الدكتوراه التي خصصها لدراسة الشعر الديني الجزائري. وإذا تفاعل مع نموذج للشعر الحر، فإن مقياس الانفعال عنده هو الموسيقى والعاطفة الوطنية. وقد كان يقول عن شعر زميلنا، صالح خرفي، إنه شعر من "يكسر في الحجر" (كمن ينحت من صخر) أي أنه شعر متكلف خال من الشاعرية.

ومن ذلك، فإنني تلقيت منه ـ وأنا ما زلت في جامعة آل البيت بالأردن ـ رسالة ينوه فيها بالرئيس الجديد للجزائر قائلا: إنه رئيس يختلف عن الرؤساء السابقين، إنه يخطب ويتحدث بعربية طليقة، وإنه يبشر بعهد جديد للجزائر، بدليل أنه يريد أن يحكم بنفسه، وأنه لا يمل من الاتصال بالجماهير عبر الولايات، وأنه متدفق الحيوية والنشاط، وأنه يتحدث عن سياسة خارجية جديدة، خصوصا نحو الوطن العربي.

وكنت قد تعلمت من دراستي للعلوم السياسية والدبلوماسية في الغرب، أن الرجل السياسي يتغير حسب ظروف المكان والزمان والحاشية والضغوط، وأنه من الصعب الحكم عليه من وعوده، لذلك على المرء العاقل أن ينتظر بعض الوقت، لكي يبرهن الرئيس في الميدان على صدق وعوده وحقيقة نواياه. لذلك أجبت سي الركيبي على رسالته، بأن لا يتسرع في حكمه، وأن عليه الانتظار ستة أشهر على الأقل. ثم كتبت له معنى العبارة الإنجليزية (ويت أند سي) أي تريث، لا تتعجل بالحكم!

وبعد بضعة أشهر، جاء سي الركيبي إلى عمان، ضمن وفد يضم أعضاء من مجلس الأمة بقيادة سي البشير بومعزة. لقد كان الوفد في طريقه إلى العراق، وكان مسكني وجامعتي على بعد 65 كلم من عمان، فهتف لي سي الركيبي وألح علي في اللقاء بفندق ريجنسي، حيث كان الوفد يقيم. حضرت وقابلت أعضاء الوفد، وفيهم صديقنا بومعزة وتلميذي بالغ الذكاء محمد القورصو. وبعد العشاء الجماعي جلسنا للحديث. وتأكدت من أنه لا يمكنني الرجوع إلى مسكني تلك الليلة لتوقف المواصلات. فسهرت إلى الصباح مع سي الركيبي في غرفته نتبادل الأحاديث والهموم، بشأن الجزائر والوطن العربي، وعندها ودعته وأسرعت إلى حافلة الأساتذة التي تنطلق كل يوم من وسط عمان إلى جامعة آل البيت بمدينة المفرق حيث مسكني.
كان رأي سي الركيبي قد تغير بشأن وعود الرئيس، فبدل الحماس السابق ظهرت أمامه الصورة كاملة لا تجميل فيها، وتأكد أن هناك فرقا بين الحقيقة والخيال. وزاد الطين بلة عنده أن قوس الثقافة قد أعطيت ـ في نظره ـ لغير باريها، وأن مصير الثقافة العربية قد هبت عليه رياح السموم. وقد بقي على قناعته تلك حتى الرمق الأخير.

أ.د.أبو القاسم سعد الله

 

22 أبريل 2011

1- كتبت هذه الكلمة في حياته، أي ليلة فراقه لنا، لتلقى في ندوة تكريمه في نفس يوم رحيله.
2 - يبدو أنه اشتغل بعمل ما، كالتعليم في تونس، قبل حصوله على منحة للقاهرة. ولكن سيرته الذاتية لا تتحدث عن فترة 1958 ـ 1960 .

3 - أسئلته ما تزال عندي بخطه، وله خط يعبر على مزاجه المتوتر، فهو خط متداخل غير منظم السطور، وتراه يستعمل الحروف ذات التعريقات، كما أن أفكار الكاتب تمر دون نقاط ولا فواصل.

آخر التغريدات: