قصائد مغمورة للشاعر الجزائري محمد العيد آل خليفة

قصائد مغمورة للشاعر الجزائري محمد العيد آل خليفة

بقلم: لمباركية نوّار –

محمد العيد آل خليفة (1904 ـ 1979م) لسان شعري طروب، و بلبل غريد، ولحن عبقري في رياض الشعر العربي قديمه وحديثه، وغرة غرّاء في جبين دواوين الكلمة ذات الإيقاع الموسيقي. لانت له الكلمات فطوّعها عن مهارة،’وسبكها نظما موزونا يوقظ العقل وينعش القلب متى ما لامسهما.

انخرط الشاعر محمد العيد آل خليفة باكرا في النفير الإصلاحي الذي قادته جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي أنشأها الشيخ الإمام عبد الحميد بن باديس، وواكب مسيرتها خطوة إثر خطوة، وعايشها في كل أطوارها التي مرت بها، وذاق مع رجالاتها الصبورين حلوها ومرها وأمرّها. وكان هو شاعرها دون منازع ، وصوتها الصدّاح الشجي وزفير شبّابتها الندي. إذ تغنى بأمجادها الخالدات، وآزر بكلماته العذبة علماءها والمتعاطفين معها، واحتفى بنوابغها، وأنشد شعره في مدارسها ونواديها حتى غدت أشعاره إحدى أوثق وثائقها المادية التاريخية لمدة تزيد عن ثلاثين سنة.

يتصف شعر محمد العيد آر خليفة ـ رحمه الله ـ بصدق الأحاسيس وحرارة العاطفة،
وبالعشق الدافئ للعقيدة، والانحياز للعروبة، والوفاء للأرض، والانتصار للإنسان والعرض، وكأنه يستقي أبياته من شلال مهجه الإيمانية الصافية والمتدفقة. ويسترشد في شعره بالتوجيه القرآني الحكيم، والهدي النبوي الشريف، ومآثر السلف الصالح قولا وسلوكا، فكرا وانصياعا، رأيا وموقفا، مسلكا ومنهجا. ويمزج مركبات كل هذه العناصر بميولاته التصوفية المستقيمة وبنظراته إلى بني الإنسان وإلى الحياة.

أما قاموسه اللغوي، فجزل قوي، متين النسيج وشديد الحياكة كقوادم الطيور، ثري العبارات وغزير المفردات، ويميل فيه إلى الصنعة اللغوية من غير إسراف في التكلف أو إجهاد في البحث. وله من قدرة التحكم والتصرف ما يساعده على إنزال ألفاظه أماكنها إنزال المهندس البارع المتمرس لعناصر بنائه. وفي حقه يقول رفيق دربه الشيخ الأديب الذكي الأريب محمد البشير الإبراهيمي ـ رحمهما الله ـ: (الأستاذ محمد العيد، شاعر الشباب، وشاعر الجزائر الفتاة، بل شاعر الشمال الإفريقي بلا منازع. ومن يعرف محمد العيد، ويعرف إيمانه وتقواه وتديّنه وتخلقه بالفضائل الإسلامية، يعرف أن روح الصدق المتفشية في شعره إنما هي آثار صدق الإيمان وصحة التخلق. ويعلم أنه من هذه الناحية بدع في الشعراء) .

بعد أن استردت الجزائر استقلالها المغصوب، جاءها الشاعر السوري الذي ينحدر من مدينة حماة وليد قنباز(1935 ـ 2005 م) مدرسا متعاونا في إحدى ثانوياتها، واستقربه المقام في مدينة باتنة عاصمة الأوراس أين ربط علاقات ود متميزة ووشائج إخاء نادرة مع الشاعر محمد العيد آل خليفة.

يبدو أن زيارات الشاعر وليد قنباز للشاعر محمد العيد آل خليفة وجلسات الحوار والمناقشة التي كانا يعقدانها، والتي كان الشاعر محمد العيد يجد فيها المؤانسة الإخوانية والسجالات الأدبية والمعرفية، وهو المعروف بعزوفه قليلا عن لقاء الناس، يبدو أنها ذكرته بالزيارات التي كانت تؤدى له في الأيام العصيبة التي مر بها قبيل وأثناء الثورة التحريرية. وكان يستحضر، أثناءها، الحالة النفسية المزرية التي كان عليها من جراء تكرار مضايقات الإدارة الفرنسية الظلومة للمعلمين الأحرار حاملي لواء الدفاع عن لغة الضاد، والإقدام على غلق مدارسهم إمعانا في المكر وتشديدا في المحاصرة. ولعله بسبب ذلك، أهدى لزائره الشاعر وليد قنباز، ذات مرة، نسخة من ورقة تتضمن مقطوعة شعرية يروي فيها الظروف المرافقة لزيارة أداها له الشاعر السائحي لما كان مقيما في مدينة عين مليلة ، ومؤرخة في شهر ذي القعدة من سنة 1370 هـ، يقول فيها:

ألا مرحبا بالسائحـي ونفحة من الشعر هبت منه تعبق كالعطر
ووفد كريم زارني بك محـدقا فأنت لـهم بدر وهم هالـة البدر
جلبتم إلى نفسي السرور بزورة مفاجئة حلت وثاقي من الأسر
ولكنها كالحلم مرت سريعة ولم يبق لي منها سوى طيب الذكر
فرعيا على رعي لكم، إن بركم لأعظم من قدري، وشكرا على شكر
ومعذرة إن لم أكن عند ظنكم فلست ببحر في العلوم و لا نهر

ألف الشاعر محمد العيد آل خليفة قضاء فصل الشتاء في مدينة بسكرة التي يحتمي بها هروبا من برد مدينة باتنة الأوراسية القاسي. ولربما لم يكن يقبل الإقدام على هذه الرحلة إلا مجبرا وعلى مضض؛ لأنها تحرمه من الانضمام إلى جلسات أصدقائه الخلص في مدينة باتنة، ومنهم صديقه الشاعر وليد قنباز. ولا يجد معوضا يملأ فراغه سوى مراسلتهما، ومده بباقات أشعاره المكتحلة بطابع إخواني عذب. ففي تاريخ أول محرم 1388 هـ ، الموافق لـ 6 أفريل 1968م أرسل له رسالة مزينة بقصيدة شعرية، كتب يقول فيها:

( جناب الأديب الراوية، والشاعر الحساس لطيف العشرة والإيناس، الأستاذ وليد قنباز حفظه الله ورعاه وبلغه كل ما يتمناه.

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، وبعد:

فقد تسلمت رسالتكم الكريمة وقصيدكم الرائع المطرب ببديع ألحانه، الجميل جمال الربيع في ريعانه، فتقبلته بما هو أهل له من الترحيب، واحتفظت به كأعز ذكرى لأعز حبيب. ومن لي أيها الأخ أن أوفيكم حقكم برد التحية، وقد أصبح الحق حقين، وبلغ الحزام الطبيين؟، والاعتذار من أهله لأهله مباح. وحسبي وحسبكم الاكتفاء برد الضمير المحجب، فرده أصدق وأعمق وأطيب. وقد طاب لي أن أقيم لكم البرهان على عناء هذه التحية، بتقديمي إليكم هذه الأبيات الحيية).

واختتمها بقوله: ( وتقبلوا فائق التقدير والاحترام لكم ولجميع الأصدقاء الكرام. من أخيكم المخلص محمد العيد بن محمد علي).

وبين عطر سطور التقديم و شذى سطور الخاتمة نثر أبيات قصيدته الشعرية العبقة، والتي يقول في بعضها:

حباني وليد نفحة بعد نفحة وكلتاهما تطري أخاه فتطرب
وحيّا فأحيا بتحية مهجة تود حوار الأصدقاء وترغب
وحاولت ردا كالتحية معجبا ومن لي برد كالتحية يعجب؟
أبى اليوم شيطاني جواب مساجلي فهل هو من شيطانه متهيب؟
فشكرا وعذرا يا وليد و لا تكن على شاعر أعيته دنياه تتعب

في يوم 20 رجب1390 هـ، الذي يوافق 21 ديسمبر 1970م، أرسل الشاعر محمد العيد آل خليفة إلى صديقه وليد من مدينة باتنة إلى مدينة حماة رسالة تحمل قصيدة شعرية تقع في أربعين بيتا، وعنونها بعنوان: ‘ باقة أزهار إلى أبي بثينة وبشار’. وهي القصيدة التي زاحم فيها الحب الأخوي المودة الخالصة، والتي ابتدأها بالأبيات الموالية:

‘بثينة’ قد أبت إلا أباها ليطعمها ويقضي مبتغاها
وقاها الله كل أذى وسوء وأسعدها و’بشار’ أخاها
أطلا فرقدين على’وليد’ فأشرق حظه بهما وباهى
وزاد’ضياء’ أسرته إزهارا وزاد رخاء عيشته رفاها
فيابن’حماة’ طر كالصقر وأهدف إلى ‘ياقوتها’و’أبي فداها’
وأبدع كـ’ابن حجتها’فنونا من الآداب يبهر محتواها
إلى أن يقول في أبيات يذكر فيها فضله عليه في صراحة سافرة:
جفوت الشعر وهو رفيق عمري ومن آذَته رفقته جفاها
وضقت به بعهد أصيل شمسي فزده هوى وشمسك في ضحاها
وكنت بسبق شكرك لي سخيا وتلك يد كألف يد أراها
لقد أغريت بالآمال نفسي وعدت بها إلى دنيا رضاها
وكاد اليأس يذروها هشيما ويجتاح البقية من مناها
فأي يد بها أجزيك؟إلا يدا لله لا يغني سواها
ظفرت بما تروم وطبت عقبى وحزت من السعادة منتهاها

بمناسبة سانحة عيد الفطر السعيد، قصد الشاعر محمد العيد أل خليفة مسكن الشاعر وليد قنباز للمعايدة والتحية وتقديم التبريكات، فتفاجأ بافتقادة لحظة تفقده. فلم يجد من وسيلة سوى أن يخلف له رسالة خطها بيده يقول فيها:

(تحية واحترام ، وأسعدت دوما.

تشرفت البارحة مساء ببيتكم العامر لرد الزيارة والتبريك بالعيد السعيد. ولسوء حظي ، فلم أجدكم. فحزّ في نفسي إخفاقي، وعدت أدراجي، لساني ينطق بمكنون فؤادي بما سطره مدادي. وإليكموه بحذافيره كما هو لا زيادة عليه ولا نقصان منه. ولكم الشكر بالإطلاع عليه. ودمتم في كل يوم بِعيد. وفقنا وأياكم الكريم لما فيه المحبة والتآخي . المخلص).
وأردف سطور التحية السابقة بمقطوعة شعرية، هي بكاملها:

بشوق الواجب الأسمى أتيت لأحظى فيك بالعيد السعيد
وأسعد مقلتي وأمان نفسي به أيا فاضل شهم رشيد
وأحظى من مكارمه بقسط أباهي الغير بالنيل الفريد
فعيدي أن أراك بكل خير وعيد الفطر للخلق العيد
سوء الحظ ما نلت الآمان وعدت بنحيبتي أطوي نشيدي
وقولي للآمان لعل حظي يوافي بِعيد حين لا بَعيد
فألقاك على خير مرام تعيش لمثله مآت عيد

لم تنقطع علاقة الود بين الشاعرين الصديقين، حتى عندما غادر الشاعر وليد قنباز مدينة باتنة لآخر مرة عائدا إلى مدينته عروس الشام حماة التي يحلو له المقام فيها، ولم تقو عوارض التنائي من شج هذه العلاقة أو ثلمها. ولم تكن رسائل التواصل تتوقف بينهما للاستفسار عن الظروف والاطمئنان عن الأحوال.

كرس الدكتور محمد بن سمينة ـ رحمه الله ـ جهدا مشكورا سعيا منه في استدراك طائفة من أشعار الشاعر محمد العيد آل خليفة التي غض عنها طرف العين سهوا أو نسيانا، أو تركت قصدا وقوفا عند رأي تبريري للشاعر نفسه في طبعات ديوانه المتكررة السابقة التي لم تحظ بالزيادة، ولم تشملها الإضافة والتكملة الجزئية. و جمعها في كتابه: ( تكملة ديوان محمد العيد آل خليفة).

بسبب هذا التصرف، ظل عدد غير قليل من أشعار شاعرنا محمد العيد آل خليفة في طي المجهول والكتمان، وبعيدا عن متناولي أيدي القراء الشغوفين والباحثين المهتمين.
لكن، يبدو أن الأتعاب التي تجشمها الدكتور محمد بن سمينة لم تعانق رجاءه الذي أودعه السطور التي ختم بها مقدمة مستدركه، والذي ما يزال مؤجلا إلى فرصة غير معلومة الميعاد. وهو الرجاء الذي بثه في السطور التالية: (إن الأمل كبير أن يدمج ما صنعته في هذا العمل مع الجزء المطبوع، وينسق هذا وذاك في مجموعة واحدة، ثم يقسم بعد ذلك نتاج الشاعر على ضوء منهج جديد يُتدارك فيه ما قد رأينا في غير هذا المكان أن طبعة الديوان تفتقر إليه من طريق التحقيق السليم، ومن وجوه الإخراج الجيد، ومن أساليب التنظيم المحكم.
ولا أزعم أن هذا المصنف قد جمع كل نتاج الشاعر المجهول ، وما أرجحه بهذا الصدد أن تكون بقية منه قد بقيت، فلعل البحث المتواصل يساعد الدارسين على الوصول
إلى مظانها ونشرها إحياء لذكرى الشاعر، وخدمة لترات الأمة).

وتجدني أردد منسجما في توافق مع الدكتور محمد بن سمينة قوله: (… وما أرجحه بهذا الصدد أن تكون بقية منه قد بقيت …).

حسبي، أنني ساهمت، من جانبي، مساهمة يسيرة متواضعة في هذا الجهد الرامي إلى المحافظة على صفاء الكلمة الشعرية الصادقة، وصون كنوز الإرث الأدبي الغالي لشاعرنا الفذ محمد العيد آل خليفة ـ رحمه الله ورزقه جنة الخلد ـ من الضياع والتبدد بعد أن ساعدني الأخ بشار قنباز في كشف اللثام ورفع البراقع عن عدد من قصائد الشاعر محمد العيد آل خليفة التي ظلت سنوات كوديعة أمينة بين يدي والده الشاعر وليد قنباز ـ طيب الله ثراه بأطايب المسك ـ.

 

باحث من الجزائر

آخر التغريدات: