المولود ابن الموهوب

المولود ابن الموهوب

بقلم: محمد الهادي الحسني -

عندما بدأ الإصلاحيون العمل لإنهاض الشعب الجزائري، وبعثه من مرقده وإقالته من عثرته بتوعيته دينيا واجتماعيا.. خشيت فرنسا من استجابة الشعب الجزائري لهذه الدعوة الإصلاحية، وتأثره بها، خاصة بعدما انتظمت هذه الدعوة في "جمعية العلماء المسلمين الجزائريين"... فحركت – فرنسا – من وجدت فيهم "القابلية للاستخدام" لعرقلة مشروع جمعية العلماء الديني – الوطني.. وقد استيقظت ضمائر بعض من استخدمتهم فرنسا فاعترفوا بأنهم كانوا آلات مسخرة لها... فعسى الله أن يتوب عليهم.. من الذين وقفوا في وجه الحركة الإصلاحية، ممثلة في "خير جمعية أخرجت للناس" أولئك الذين سمّتهم فرنسا "رجال الدين"، "كأن بقية الأمة نساء الدين" كما قال الإمام محمد البشير الإبراهيمي.. والمقصود بـ "رجال الدين" هم الموظفون في القطاع الديني خاصة.. الذين كان بعضهم أكثر إطاعة لفرنسا من إطاعتهم لله عز وجل، بل إن بعضهم كان أشد حبا لفرنسا من حبهم لله سبحانه وتعالى... فباعوا آخرتهم بدنياهم.. واشتروا بآيات الله ثمنا قليلا..

الحقيقة هي أن في هذه الفئة التي غلبت عليها "شهوتها" أشخاص ذوو علم واسع، وفهم سليم، وفكر مستقيم، ورأي سديد، وكانوا من الناحية الفكرية أقرب إلى الفكر الإصلاحي، حيث دعوا على نبذ الخرافات، وحاربوا البدع التي ألصقها "الجاهلون" بالدين الحنيف... ولكنهم عندما حصحص الحق، وتبين الرشد من الغي نكصوا على أعقابهم، وكتموا ما أمرهم الله – عز وجل – بتبيينه للناس.. وركنوا إلى "عدو الإسلام والجزائر"، فاتخذوا فرنسا "وليا" من دون المؤمنين، وكانوا "عينا" لها على إخوانهم.. وقاتل الله – عز وجل - ما سماه أحمد حسن الزيات "داء الوظيفة".

من هؤلاء العلماء الذين كانوا ضحية "داء الوظيفة" رغم علمه، وسداد رأيه، وصواب فكره الشيخ المولود ابن الموهوب الذي عينته فرنسا مفتيا لمدينة قسنطينة.. وقد تناول حياته وأفكاره الدكتور كمال لدرع في كتاب نشرته مؤخرا وزارة الشؤون الدينية والأوقاف تحت عنوان "الشيخ المولود ابن الموهوب – مفتي قسنطينة – حياته وآثاره".

ولد الشيخ ابن الموهوب في 1866 في مدينة قسنطينة، وأصله من قرية "إيموله" بناحية صدوق، وكان لأسرته زاوية علمية، وكان والده – محمد السعيد – موظفا في سلك القضاء.. كان المولود ابن الموهوب وحيد أبويه، ولم تطل حياة والده بعد ميلاد ابنه، فكان محل عناية أمه، وحرصت على تعليم وحيدها، خاصة أن والده ترك من حطام الدنيا ما كفاه..

بعدما حفظ الشيخ المولود القرآن الكريم أقبل على التّضلّع من مختلف العلوم، وكان من شيوخه محمد الشاذلي القسنطيني، الذي تولى إدارة المدرسة العربية – الفرنسية، التي كانت تخرج موظفي السلك الديني الذين تحتاجهم الإدارة الفرنسية.. والشيخ عبد القادر المجاوي، الذي يبدو أن الشيخ ابن الموهوب تأثر به كثيرا، وقد لازمه اثنتي عشرة سنة، وقد ساعده على الانضمام إلى هيأة التدريس في المدرسة الكتانية... وعندما توفى الله – عز وجل – الشيخ المجاوي في سنة 1914 ورثه تلميذه الشيخ ابن الموهوب حتى أطلق عليه لقب "شيخ الجماعة"، وهو اللقب نفسه الذي أطلق على الشيخ المجاوي، خاصة أن الشيخ حمدان لونيسي كان قد هاجر إلى الحجاز.. وكان نجم الإمام ابن باديس لمّا يسطع بعد.. ويذهب بعض الدارسين إلى أن الشيخ ابن الموهوب التقى بالإمام محمد عبده عندما زار قسنطينة في سبتمبر 1903، وظهر تأثر الشيخ ابن الموهوب بأفكار الإمام محمد عبده جليا في دعوته إلى نبذ الخراقات، ومحاربة البدع، والدعوة إلى العلم ونشره.. والابتعاد عن الخوض في الأمور السياسية.. ومن تلاميذ الشيخ ابن الموهوب الأستاذ مالك ابن نبي والأستاذ محمود بوزوزو.. الذي كان رئيسا لجريدة "المنار" في أوائل الخمسينيات...

لقد لوحظ أن الإمام ابن باديس لم ينتقد الشيخ ابن الموهوب في توجهه الفكري، ولكنه انتقده في مواقفه، عندما سعى هذا المنع الإمام ابن باديس للتدريس بالجامع الكبير بقسنطينة، وذلك قبل ظهور الدعوة الإصلاحية.. كما سعى لمنع جميعة التربية والتعليم للإمام ابن باديس من إقامة احتفال للحجاج بالجامع الكبير في 1936.. ولا يستبعد أن تكون الإدارة الفرنسية التي "همزت" الشيخ ابن الموهوب، لتوقع بينه وبين الحركة الإصلاحية وابن باديس "العداوة والبغضاء".. ولم يكن في مُكنة الشيخ ابن الموهوب إلا تطبيق ما أُمر به...

وقد بقيت العلاقة بين الشيخ ابن الموهوب والإمام ابن باديس والجمعية باردة إلى آخر يوم في حياة الشيخ ابن الموهوب، وقد تجلت هذه البرودة في عدم إشارة مجلة الشهاب لوفاة الشيخ ابن الموهوب، وفي اختصار جريدة البصائر على إيراد خبر لوفاة، حيث جاء في العدد (163)، الصادر في (28 – 4 – 1939، ص 7) ما نصه: " ليلة الجمعة غرة ربيع الأول – 21 أفريل – توفي مفتي قسنطينة الشيخ المولود ابن الموهوب بعد أن توسط عشرة الثمانين من عمره، ودفن مساء الجمعة"..

وأما على المستوى العلمي فيظهر تقدير الرجلين لبعضهما، من ذلك ما كتبه الشيخ المولود ابن الموهوب في تقريظ رسالة الإمام ابن باديس التي انتقد فيها الشيخ ابن عليوة تحت عنوان "رسالة جواب سؤال عن سوء مقال". وقد وصف الشيخ ابن الموهوب الإمام ابن باديس بـ "الأخ في الله، العلامة، فرع الكمال، وزبدة الأصول، ذو الأنس والتأنيس السيد عبد الحميد ابن باديس". كما وصف الإمام ابن باديس الشيخ ابن الموهوب بـ "العلامة المتفنّن، الألمعي، المفكر، الشيخ المولود ابن الموهوب، المفتي المالكي بقسنطينة". وكان هذا في سنة 1341.هـ. (1922م). انظر: عمار طالبي: عبد الحميد ابن باديس حياته وآثاره. (ج3. صص 168 – 170 – و173).

ترك الشيخ المولود ابن الموهوب بعض الآثار النشرية منها "مختصر الكافي في العروض والقوافي"، و"نظم شرح الكافي المسمى التبر الصافي"، و"نظم الآجرومية"، و"شرح منظومة التوحيد" – لشيخه عبد القادر المجاوي...

وللشيخ المولود ابن الموهوب بعض الأشعار، وهي إلى النظم أقرب أسماه بعضهم شعر الفقهاء". وأهمها قصيدته المعنونة بـ "المنصفة" التي مطلعها:

صعود الأسفلين به دهينا    لأنا للمعارف ما هدينا

ومن الباحثين من يعد هذه القصيدة "بداية للشعر الإصلاحي في الجزائر"، وقد شرحها أستاذه الشيخ عبد القادر المجاوي تحت عنوان "اللُّمع على نظم البدع"، وقد طبع الشرح في 1912. ومما ورد في كتاب الأستاذ كمال لدرع أن الشيخ المولود ابن الموهوب تولى منصب الفتوى ومسجد باريس عند تدشينه، وأنه أول من خطب بهذا المسجد في أول صلاة جمعة" (ص93 – 94) ولم يشر الأستاذ إلى المدة التي بقيها الشيخ ابن الموهوب في مسجد باريس، وهو سبب مغادرته له، وكيف كانت العلاقة بينه وبين قدور ابن غبريط.؟ وهل حصل تنافس بين الشخصين، وأن فرنسا رأت شواهد الإخلاص لها عند ابن غبريط أكبر.؟ خاصة أن "خيوط" ابن غبريط تمتد إلى المغرب الأقصى.. رغم أن ابن الموهوب كان عضوا في "جمعية أحباس الحرمين الشريفين" التي كان "يرأسها" ابن غبريط، وكانت تشرف على مسجد باريس..

لاشك أن فرنسا إن اضطرت إلى الاختيار بين ابن الموهوب وابن غبريط ستختار الأخير، لأنه لا يكتفي بفعل ما يؤمر به، بل سيتقرب زلفى إلى فرنسا ليصير سمعها الذي تسمع به، وعينها التي تبصر بها، ويدها التي تبطش بها، ورجلها التي تسعى بها.. وإذا لم يقل بلسان المقال "أنا فرنسا" كما قال غيره، فقد قالها بلسان الحال..، بينما كان ابن الموهوب يؤمن أنه بينه وبين الفرنسيين "حاجز لا أتخطاه سعيا إليهم، وحاولوا تخطيه سعيا إليّ فما نحجوا". (أحمد توفيق المدني. حياة كفاح. ج 2. ص 20).

رحم الله كل عالم عامل مخلص لدينه، وفي لوطنه، معتز بشعبه، وتولى الله بعدله كل أثيم خوّان في الأولين والآخرين، ممن آثر "العُديان" على الإخوان في أي ميدان، وتحت أي عنوان.

آخر التغريدات: