ابن باديس.. يدافع عن المنهج السلفي

ابن باديس.. يدافع عن المنهج السلفي

بقلم: محمد بن سعد الشويعر –

ما كنت أريد أن أزيد عن الحلقات الثلاث التي نشرت على هذه الصفحة، حول العقيدة، والدفاع عنها، الذي أثارته المستقلة، في الحوارات حول الوهابية، لكن كثيراً من الإخوة الكرام، الذين تابعوا ما جاء في صحيفة الصراط، في عام 1352هـ، حول الوهابية، وما ذكر وزير المعارف المغربي، وما عَقّب به السعيد الزاهريّ، رغبوا إليّ ذكر شيء من الدفاع عن العقيدة، بأقلام علماء من خارج المملكة.

وقد وقع اختياري على الشيخ الأستاذ: عبد الحميد بن باديس، رئيس جمعية العلماء المسلمين بالجزائر المتوفى عام 1359هـ، فقد كتب في إحدى صحفه التي أنشأها وهي السنة التي جعلها لسان حال هذه الجمعية، تحت عنوان: عبداويون ثم وهّابيون، قائلاً في عام 1351هـ: ثم ماذا؟ لا ندري والله.. إن التاريخ يعيد نفسه، لما قفلنا من الحجاز، وحللنا بقسنطينة عام 1332هـ، وعزمنا على القيام بالتدريس، أدخلنا في برنامج دروسنا تعليم اللغة، وأدبها والتفسير والحديث والأصول، ومبادئ التاريخ ومبادئ الجغرافيا، ومبادئ الحساب، وغير هذا ورأينا لزوم تقسيم المعلمين إلى طبقات، واخترنا للطبقة الصغرى منهم، بعض الكتب الابتدائية التي وضعتها وزارة المعارف المصرية، وأحدثنا تغييراً في أساليب التعليم، وأخذنا نحث على تعلم جميع العلوم باللسان العربي والفرنسي، ونحبب الناس في فهم القرآن، وندعو الطلبة إلى الفكر والنظر في الفروع الفقهية، والعمل على ربطها بأدلتها الشرعية، ونرغبهم في مطالعة كتب الأقدمين، ومؤلفات المعاصرين.

لمّا قمنا بذلك وأعلنّاه، قامت علينا وعلى من وافقنا، قيامة أهل الجمود والركود، وصاروا يدعوننا للتنفير والحط من قدرنا: عبداويين، دون أن أكون - واللهِ - يوم جئت قسنطينة، قرأت كتب الشيخ محمد عبده، إلا القليل فلم نلتفت إلى قولهم، ولم نكترث لأفكارهم على كثرة سوادهم، وشدة مكرهم، وعظيم كيدهم، ومضينا على ما رسمنا من خطة، وصمدنا إلى ما قصدنا من غاية، وقضيناها عشر سنوات في الدرس، لتكوين نشء علمي، لم نخلط به غيره، من عمل آخر، فلما كملت العشر وظهرت - بحمد الله - نتيجتها، رأينا واجباً علينا أن نقوم بالدعوة العامة إلى الإسلام الخالص، والعلم الصحيح، إلى الكتاب والسنة، وهدي صالح سلف الأمة، وطرح البدع والضلالات، ومفاسد العادات، فكان لزاماً أن نؤسس لدعوتنا صحافة تبلِّغها الناس، فكان: المنتقد وكان الشهاب، وهذه السنة وبعدها الصراط والشريعة.

وقد نهض كتاب القطر ومفكروه في تلك الصحف، بالدعوة خير قيام، وفتحوا بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، أعيناً عمياً، وآذاناً صُمّاً وقلوباً غُلفاً.. وكانت هذه المرة غضبة الباطل أشد، ونطاق فتنته أوسع، وسواد أتباعه أكثر، وتمالأ على دعاة الحق، أهل الجمود والبدعة، وعليهما بنيت صروح من الجاه، ومنها جرت أنهار من المال.

وأصبحت الجماعة الداعية إلى الله، يُدْعَوْنَ من الداعين إلى أنفسهم، «الوهابيين» ولا واللهِ ما كنت أملك من كتبهم يومئذ كتاباً واحداً لابن عبدالوهاب، ولا أعرف من ترجمته إلا القليل، وواللهِ ما اشتريت كتاباً من كتبه إلى اليوم، ولكننا وإياه متفقون على السنة المحمدية، وعنها ندافع، وندعو الناس إلى التمسك بها والعمل بموجبها والابتعاد عن البدع.

وإنما هي أفيكات قوم يهرفون بما لا يعرفون، ويحاولون من إطفاء نور الله ما لا يستطيعون، وسنعرض عنهم اليوم، وهم يدعوننا «وهابيين» كما أعرضنا عنهم بالأمس وهم يدعوننا «عبداويين» ولنا أسوة بمواقف أمثالنا مع أمثالهم من الماضين.. ولا ندري ماذا سيدعوننا غداً، ولكننا نقول لهم: إننا على منهج رسول الله وصحابته الكرام.

ولما كان من سنة القرآن الحكيم التنبيه على مشابهة اللاحقين من الناس بالسابقين، في منازعم وأهوائهم، وكثير من أحوالهم، حتى كان التاريخ يعيد نفسه، بإعادة ذلك منهم، وجاء ذلك في مثل قوله تعالى: {كّذّلٌكّ مّا أّتّى الّذٌينّ مٌن قّبًلٌهٌم مٌن رَّسٍولُ إلاَّ قّالٍوا سّاحٌرِ أّوً مّجًنٍونِ} [الذاريات: 52] وقوله: {تّشّابّهّتً قٍلٍوبٍهٍمً} [البقرة: 118] .

لمّا كان هذا من سنة القرآن، فتحنا هذا الباب من الصحيفة تحت عنوان: التاريخ يعيد نفسه. لننشر فيها - ما أمكننا - النشر، قصصاً عن حياة رجال السنة المصلحين، مع دعاة البدعة المبطلين، تزيد العالم المصلح ثباتاً على الحق، والقارئ الصادق تبصرة في الأمر، {لّقّدً كّانّ فٌي قّصّصٌهٌمً عٌبًرّةِ لأٍوًلٌي الأّلًبّابٌ} [يوسف: 111] .

ثم استشهد بأبي إسحاق الشاطبي المالكي المتوفى عام 790هـ، وما جاء في كتابه الاعتصام، وما رماه أهل البدع والأهواء به شأنه شأن كل من تمسك بالسنة وحارب البدعة فقال: فتردد النظر بين أن أتّبع السنة، على شرط مخالفة ما اعتاد الناس ولا سيما إذا ادّعى أهلها، أن ما هم عليه هو السنة لا سواها، إلا أن في ذلك العبء الثقيل، ما فيه من الأجر الجزيل، وبين أن أتّبعهم على شرط مخالفة السنة والسلف الصالح.

فأدخل تحت طائلة الضلال عائذاً بالله من ذلك، إلا أنني أوافق المعتاد، وأعدُّ من المؤالفين، لا من المخالفين، فرأيت أن الهلاك في اتباع السنة هو النجاة، وأن الناس لن يغنوا عني من الله شيئاً، فأخذت في ذلك، على حكم التدرج في بعض الأمور، مثلما قام فيه كل مصلح ومجدد لدين الله.

فقامت عليَّ القيامة، وتواترت عليّ الملامة، وفوّق إليَّ العتاب سهامه، ونُسِبْتُ إلى البدعة والضلالة، وأُنزلتُ منزلة أهل الغباوة والجهالة، وإنني لو التمست لتلك المحدثات مخرجاً لوجدت، غير أن ضيق العطن، والبعد عن أهل الفطن، رقا بي مرتقىً صعباً، وضيق عليّ مجالاً رحباً، وهو كلام يشير بظاهره إلى أن اتباع المتشابهات، لموافقات العادات، أولى من اتباع الواضحات وإن خالفت السلف الأول. وربما ألمّوا في تقبيح ما وجَّهت إليه وجهتي، بما تشمئز منه القلوب، أو خرجوا بالنسبة إلى بعض الفرق الخارجة عن السنة، شهادة ستكتب ويسألون عنها يوم القيامة، فتارة نُسِبْتُ إلى القول بأن الدعاء لا ينفع ولا فائدة فيه، وتارة نُسِبْتُ إلى الرفض وبغض الصحابة رضي الله عنهم، بسبب أني لم ألتزم ذكر الخلفاء الراشدين في الخطبة على الخصوص، إذ لم يكن ذلك من شأن السلف في خطبهم، ولا ذكره واحد من العلماء المعتبرين في أجزاء الخطب.

وقد سئل «أصبغ»: عن دعاء الخطيب للخلفاء المتقدمين، فقال: هو بدعة، فلا ينبغي العمل به، وأحسنه أن يدعو للمسلمين عامة، قيل: فدعاؤه للغزاة والمرابطين؟ قال: ما أرى به بأساً عند الحاجة إليه، وأما أن يكون شيئاً يعمد فيه إليه في خطبته دائماً، فإني أكره ذلك.. ونص أيضاً عز الدين بن عبد السلام، على أن الدعاء للخلفاء بدعة غير محبوبة.

وتارة أضيف إليّ القول، بجواز القيام على الأئمة، وما أضافوه إلا من عدم ذكري لهم في الخطبة، وذكرهم فيها محدث، لم يكن عليه من تقدم.

وتارة أُحْمَلُ على التزام الحرج، والتنطع في الدين، وإنما حملهم على ذلك أني التزمت، في التكليف والفُتيا، الحمل على مشهور المذهب، الملتزم لا أتعداه، وهم يتعدَّونه ويعبثون بما يسهِّل على السائل، ويوافق هواه، وإن كان شاذاً في المذهب الملتزم أو في غيره، وأئمة أهل العلم على خلاف ذلك، وللمسألة بسط في كتاب الموافقات، وتارة نسبوا إليَّ معاداة أولياء الله، وسبب ذلك أني عاديت بعض المبتدعين المخالفين للسنة، المنتصبين بزعهم لهداية الخلق، وتكلمت للجمهور على أحوال هؤلاء الذين نسبوا أنفسهم إلى الصوفية ولم يتشبهوا بهم، وتارة نُسِبْتُ إلى مخالفة السنة والجماعة، بناء منهم على أن الجماعة التي أمروا باتباعها وهي الناجية ما عليه العموم.

وكذبوا عليَّ في كل ذلك. انتهى كلام الشاطبي «السنة ص1،ص8».

وهذه الشبهات تتكرر على كل داعية ومجدد للسنة ومنهم ابن تيمية وابن عبدالوهاب وغيرهم كابن باديس. رحم الله الجميع.

الإسكندر وملك الصين:

قال النُّويري: إن الاسكندر لما انتهى، إلى بلاد الصين، أتاه حاجبه وقد مضى من الليل شطره، فقال: رسول ملك الصين بالباب يستأذن بالدخول عليك، فقال: أدخله فأدخله فوقف بين يديه وسلَّم ثم قال: إن رأى أن يستخليني فعل.

فأمر الاسكندر من بحضرته أن ينصرفوا، فانصرفوا كلهم عنه، وبقي حاجبه، فقال: إن الذي جئت له لا يحتمل أن يسمعه غيرك، فأمر الاسكندر أن يُفَتَش فَفُتِّشَ، فلم يجدوا معه سلاحاً، فوضع بين يديه سيفاً مسلولاً، وقال له: قف مكانك وقل ما شئت وأخرج الحاجب، ومن كان قد بقي عنده، فلما خلا المجلس قال له: أنا ملك الصين لا رسوله، جئت لأسألك عَمّا تريد، فإن كان مما يمكن عمله، ولو على أصعب الوجوه عملته، وأغنيتك عن الحرب، فقال الاسكندر: وما الذي آمنك مني؟ قال: علمي بأنك عاقل حكيم، ولم تكن بيننا عداوة ولا مطالبة بدَخَل، وأنك تعلم أنك إن قتلتني لم يكن ذلك سبباً لتسليم أهل الصين إليك مُلْكَهم، ولم يمنعهم قتلي من أن ينصِّبوا لأنفسهم ملكاً غيري، ثم تنسب «أنت»، إلى غير الجميل وضد الحزم.

فأطرق الاسكندر وعلم أنه رجل عاقل، ثم قال له: إن الذي أريد منك، ارتفاع مملكتك ثلاث سنين عاجلاً، ونصف ارتفاع مملكتك لكل سنة. قال: هل غير هذا؟ قال : لا.

قال: قد أجبتك، ولكن سلني كيف يكون حالي؟ قال: كيف تكون؟ قال: أكون أول قتيل محارب، وأول أكيلة مفترس، قال: فإن قنعت بارتفاع سنتين منك.. قال: أكون أصلح قليلاً، وأفسح مدة، قال: فإن قنعت بارتفاع سنة، قال: يكون في ذلك بقاء ملكي، وذهاب لجميع لذتي. قال: فإن قنعت منك بثلث الارتفاع، كيف تكون حالك. قال: يكون السدس للفقراء، ومصالح العباد، ويكون الباقي لجيشي، ولسائر أسباب الملك.

قال الاسكندر: قد اقتصرت منك على هذا، فشكره وانصرف. «نهاية الأدب للنويري 10:250 - 251».

جريدة الجزيرة السعودية: الجمعة 21 ,شعبان 1424 - العدد 11341

آخر التغريدات: