الشيخ سليمان بشنون: "رجال جمعية العلماء ليسوا ملائكة ولكنهم أحيوا هوية الأمة"

الشيخ سليمان بشنون: "رجال جمعية العلماء ليسوا ملائكة ولكنهم أحيوا هوية الأمة"

حاوره: عبد الغني بلقيروس -

الأستاذ سليمان بشنون من بين آخر القيادات التاريخية لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين الذين ما زالوا على قيد الحياة، ورغم وطأة السنين الـ94 على نشاطه، فانه ما يزال الرفيق المقرب من الشيخ الشهيد العربي التبسي حاضر الذهن، يتواصل مع الإعلام ومع الباحثين والمثقفين، يساهم باستمرار بكتاباته في تنشيط الحياة الثقافية والفكرية في البلاد، اتصلت "الحياة" بالأستاذ بشنون بمناسبة ذكرى يوم العلم وأجرت معه هذا الحوار.

أثارت بعض الأقلام الإعلامية مؤخرا قضية علاقة عائلة الشيخ بن باديس بالإدارة الفرنسية أثناء فترة الاحتلال، ودور ذلك في تسهيل نشاط جمعية العلماء ومدارسها الحرة؟

استغلال العلامة عبد الحميد بن باديس لعلاقات والده، وثراء العائلة في اعتماد جمعية العلماء وتسهيل نشاطها، إن حصل فإنه كان في نطاق الجهاد الإصلاحي والتوعوي لصالح لشعب الجزائري وإحياء هويته، وإنشاء جيل معادي لما كانت ترمي إليه فرنسا من مسخ هوية الشعب الجزائري، وهو ما نذر العلامة بن باديس حياته له، وهي الطريقة نفسها التي استفاد منها زعماء الحركة الوطنية ابتداء من الأمير خالد الضابط السابق في الجيش الفرنسي.

الشق الثاني أن السلطات الفرنسية لم تسهل نشاط جمعية العلماء المسلمين الجزائريين كما يحاول بعض تصوير ذلك، فعدد كبير من المدارس الحرة التابعة او المقربة من جمعية العلماء، أغلقت تعسفا، وطورد المعلمون الأحرار ، في الكثير من الأحياء كما حصل مع اعتقال وسجن الشيخ حمزة بكوشة والشيخ الهاشمي ، ونفي الشيخين السعيد زموشي والشيخ زروقي وغيرهم، ثم اعتقال ونفي الشيخ البشير الإبراهيمي أثناء الحرب العالمية الثانية، ولا تنسى صحف الشيخ ابن باديس والجمعية التي كانت السلطات تغلقها بعد بضعة أعداد من صدورها.....

ـ وماذا عن انضمام أبناء الجمعية وقياداتها للثورة التحريرية عقب اندلاعها في الفاتح نوفمبر 1954؟

بعد تفجير الثورة الكل كان يبحث عن هوية المفجرين الحقيقيين لها، وقد استطعنا ـ نحن في عمالة قسنطينة ـ ، بعد أسابيع من التواصل مع الثوار الأوائل عن طريق المرحوم الشيخ إبراهيم مزهودي الذي كان أحد مساعدي الشهيد يوسف زيغود، وشارك معه في مؤتمر الصومام في ما بعد، وقد انشأ مزهودي الخلية رقم واحد بقسنطينة وكنت من بين أعضائها رفقة عدد من مدرسي معهد بن باديس، وقد كلفت بالمسؤولية عن كل خلايا الثورة من حدود قسنطينة حتى سطيف، وما زال عدد كبير ممن عمل تحت إمرتي على قيد الحياة....

ـ ترأست يعد الاستقلال لجنة إدماج المعلمين الأحرار في التوظيف العمومي، كان الأمر صفقة بين الرئيس بومدين وطالب الإبراهيمي كما يقول بعض الإعلاميين؟

من يقول هذا الكلام جاهل بالتاريخ فعملية الإدماج تمت في عام 1964 ، بقرار من الرئيس احمد بن بلة، بعد جهود من اللجنة التي كنت أترأسها ، وبين وزير التعليم وعضو مجلس قيادة الثورة في ذلك الوقت شريف بلقاسم (سي جمال) ، والحق أن الأخير بذل مجهود كبير للوصول إلى تلك النتيجة، والتي اختصرها في إدماج حوالي 2200 من المعلمين الأحرار سواء التابعين لمدارس جمعية العلماء أو لمدارس حزب الشعب، و حتى للزوايا وبعض المستقلين، كمعلمين وأساتذة في التعليم الابتدائي والمتوسط والثانوي وحتى الجامعي، وبعض المفتشين أيضا بشرط أن يكونوا حائزين على شهادات تسمح لهم بذلك، وقد أصبح عدد كبير من أولئك المعلمين في ما بعد وزراء وسفراء وإطارات سامية في الدولة.

الوزير شريف بلقاسم (سي جمال) بذل مجهود كبيرا في صدور القرار الرئاسي لبن بلة لإدماج حوالي 2200 من المعلمين الأحرار، ولم تكن لبومدين ولا لأحمد طالب علاقة

ـ ماذا عن وساطتك الشهيرة بين قيادة المجاهدين المتمردين بالسلاح في الولاية الثانية التاريخية، والرئيس أحمد بن بلة؟

في الحقيقة كان عدد كبير من الثوار تمردوا في الولايتين الثانية والثالثة (الشمال القسنطيني والقبائل) بالسلاح ضد حكم الرئيس بن بلة وجماعة "وجدة" وخلف ذلك الكثير من الدماء بين الإخوة المجاهدين السابقين ضد الاحتلال الفرنسي، وقد اتصل بي قادة الولاية الثانية في 1964 للتوسط بينهم وبين الرئيس أحمد بن بلة، وقد اشترطت أن يكون معي عدد من الإخوة ، وهو ما كان وبعد لقاءات عديدة مع الرئيس بن بلة الذي شهادة لله رحب بالفكرة مقابل بعض الشروط، تم الاتفاق الذي تم بموجبه نزول عدد كبير من الضباط والجنود المتمردين من الجبال حيث سلموا أسلحتهم وعادوا لمنازلهم، وقد مرت الوساطة بتفاصيل مثيرة لا يكفي المجال لتعدادها هنا.

ـ هل من كلمة أخيرة تود توجيهها إلى الشباب الجزائري الذي لم يعايش رجال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الأوائل؟

في الأخير أود تفنيد بعض الأحكام النمطية حول تاريخ وجهاد جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، قرأتها في بعض وسائل الإعلام مؤخرا، أولها علاقة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بالاباضيين، ليعلم هؤلاء أن الشيخ إبراهيم بيوض كان عضو بمكتب جمعية العلماء المسلمين الجزائريين منذ تأسيسها، كما كان الشيخ إبراهيم أبو اليقظان وغيره من أفاضل الاباضية من أخلص جنود ومحبي الجمعية، ولم يسبق أن حدثت جفوة بين الطرفين على الإطلاق.
ثانيا بخصوص العلاقة مع الصوفية والطرقية، جمعية العلماء ضمت الكثير من أخيار الصوفية، سواء في مكاتبها أو بين معلمي مدارسها، أما من حاربتهم الجمعية جهارا نهارا فهو المشعوذين والجهلة، ممن أساءوا لصورة الإسلام، وساهموا في تخديره بالتواطؤ مع الإدارة الاستعمارية، وإلا فأنا كمثال تلميذ للشيخ الصوفي الفاضل الشيخ بلقاسم منيع في "تاكسانة" بجيجل، وغيره من فضلاء الصوفية، الذين لم يحرفوا أحكام الإسلام ، ولم يخونوا وطنهم مع أعدائه المستعمرين.

وأختم قولي بان أبناء جمعية العلماء لم يكونوا ملائكة بلا أخطاء، ولكن يكفيهم فخرا أنهم أحيوا هوية الأمة بعد أن كانت على وشك الموات، وهو دور يبقى غرة على جبين تاريخ الجزائر الحبيبة.

آخر التغريدات: