جهود ابن باديس فى الحفاظ على الهوية الإسلامية العربية للجزائر عن طريق التعليم

جهود ابن باديس فى الحفاظ على الهوية الإسلامية العربية للجزائر عن طريق التعليم

بقلم: د.سعيد إسماعيل علي -

إذا كانت الكثرة من المؤرخين والباحثين قد درجت على التأكيد على أن العالم العربى لم يبدأ فى التيقظ إلا على طرقات جيوش الحملة الفرنسية على أبواب مصر في آخر القرن الثامن عشر، إلا أن باحثا متميزا مثل الدكتور محمود شاكر، في دراسته (رسالة في الطريق إلى ثقافتنا) يكشف الغطاء عن وهمية هذا التفكير، ليبرهن على أن العالم العربى لم يعدم ظهور بعض البراعم العلمية التي سعت إلى دق جرس اليقظة الفكرية، لكن مجئ الحملة الفرنسية أجهض هذه الجهود، لأنها كانت سوف تسير وفق البذرة العربية الإسلامية، بينما النهضة التى فتحت لها الحملة الفرنسة الأبواب، كانت تمتثل لنموذج الحضارة الغربية، وفق مواصفات وقياسات كان من الضرورى الالتزام بها حتى لا تشب الثقافة العربية الإسلامية عن الطوق، وتكون لها منطلقاتها المتصلة بجذورها وذاتيها ومصالح أمتها.

فقد شهد القرنان السابع عشر والثامن عشر إرهاصات جادة للنهوض الحضارى، فهذا هو " البغدادى"، عبد القادر بن عمر، صاحب " خزانة الأدب" ( 1620-1683م)، فى مصر يهب ليؤلف ما ألف ليرد الأمة قدرتها على " التذوق" : تذوق اللغة والشعر والأدب وعلوم العربية ( محمود شاكر، 1991: 120).

وهبّ " محمد بن عبد الوهاب"( 1703- 1792م) يكافح البدع والعقائد التى تخالف ما كان عليه سلف الأمة من صفاء عقيدة التوحيد، وهى ركن الإسلام الأكبر، ولم يقنع بتأليف الكتب، بل نزل إلى عامة الناس في بلاد جزيرة العرب، وأحدث رجة هائلة فى قلب دار الإسلام.

وقام " المرتضى الزبيدى " ( 1732- 1790م ) فى الهند وفى مصر يبعث التراث اللغوي والدينى وعلوم العربية، وعلوم الإسلام، ويحيى ما كاد يخفى على الناس بمؤلفاته ومجالسه.

أما " الشوكانى"، محمد بن على الخولانى الزبيدى ( 1760- 1834م)، في اليمن، فقام يُحيى عقيدة السلف، ويحرم " التقليد" فى الدين، ويحطم الفُرقة والتنابذ الذى أدى إليه اختلاف الفرق بالعصبية.

وخامس هؤلاء، هو " الجبرتى" الكبير، حسن بن إبراهيم ( 1698-1774م) في مصر، كان فقيها حنفيا كبيرا نابها، عالما باللغة، وعلم الكلام، وتصدر إماما مفتيا، وهو في الرابعة والثلاثين من عمره، ولكنه فى عام 1734م ولى وجه شطر " العلوم" التي كانت تراثا مستغلقا على أهل زمانه، فجمع كتبها من كل مكان، وحرص على لقاء من يعلم سر ألفاظها ورموزها، وقضى فى ذلك نحو عشر سنوات، حتى ملك ناصية الرموز كلها، فى الهندسة والكيمياء والفلك، والصنائع الحضارية، وهو والد المؤرخ الشهير" عبد الرحم الجبرتى"( محمود شاكر: 120).

أما فى الجناح الغربى من العالم العربي والإسلامي فقد شهد حركتين كان لهما دورهما المتميز فى بدء اليقظة العربية الإسلامية:

أولاهما : فى ليبيا، حيث وجد مؤسس الحركة السنوسية وهو محمد بن على السنوسى الكبير (1202-1276هـ /1787- 1859) نفسه، مثل سائر أبناء الكثرة من البلدان الإسلامية أمام تحديات كبرى : استعمار أوربي مسلح بحضارة حديثة وعملاقة، وسلطنة عثمانية أصبحت قيدا على الأمة العربية الإسلامية يعوق انطلاقها، ومن ثم فلقد غدت بما تمثله من جمود ومحافظة وخرافة، ومظالم، ثغرة واسعة تتيح للاستعمار أن يلتهم بلاد العرب وأوطان الإسلام .. وأمام هذه التحديات، فلابد من الفكر والتجديد – ( الشريعة )، ولابد من إعداد الذات العربية الإسلامية للصبر والمصابرة والجهاد والمقاومة – ( الفروسية ومجاهدة النفس وتقويتها وتقويمها ) – إذن لابد من ( المرابطة )، فرباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها، كما يقول الحديث الشريف، ومن هنا كانت فكرة ( الزاوية ) – وهى نموذج جديد ( للرباط ) القديم – التي ابتكرها السنوسي والتي كانت نموذجا للمجتمع الجديد الذي استهدفه ، والإنسان الجديد الذي أراده والتي كانت واحة يحقق فيها تجربته وسط محيط قد رفضه وعزم على تغييره فى المدى الطويل (محمد عمارة، 1980: 163) .

أما ثانيتهما، فهي جمعية العلماء التى ارتبط اسمها باسم الشيخ عبد الحميد بن باديس، موضوع دراستنا.

ضرورة الوعـي بالهوية :

من أنواع الوحدة التي نوحد بها الأشتات لتستقيم لنا الحياة، وحدة التفكير التي نلتمسها عند الشخص الواحد أو عند الأمة الواحدة لتربط بها وحدات فكرية صغرى تتفرق في موضوعاتها وفى وجهات النظر إلى تلك الموضوعات، لكنها على تفرقها وتباينها تنضم برباط واحد لتكون حياة فكرية واحدة، وإلا لما تكاملت لأحد شخصيته الفريدة التى تميزه من سائر الأفراد، ولما تكاملت لأمة خصائصها التى تفردها بين سائر الأمم .

ولولا أن أبناء العصر الواحد يلتقون عند مشكلات معينة يحاولون حلها، وعند أسئلة محددة يحاولون الإجابة عنها، لما وجد العصر ما يميزه عن عصور سبقته أو أخرى لحقت بعده، وإلا فعلى أي أساس نقول: ( عصر اليونان ) و ( العصر الفرعوني ) و ( عصر النهضة ) و( العصر الإسلامي ) ....إلخ إذا لم يكن ذلك على أساس أن هناك مسائل وقضايا كلية تجمعت حولها جهود المفكرين، فإذا ما تبدلت المياه من حول الشعوب، عبر قرون، لتفرض قضايا أخرى وهموم مختلفة، راح المفكرون يسعون إلى مواجهتها، بطرق تفكير أخرى، وفقا لما يكشف عنه التطور البشرى، فإذا بنا أمام عصر آخر يستحق أن نصفه ، بصفة تشكل " النغمة الأساسية "، و " المنوال " الذي دارت حوله مختلف الآراء، وقدمت العديد من وجهات النظر والأفكار .

ومن هنا تجئ القيمة الفكرية والحضارية للجهود التي بذلها مفكرنا الفريد في زمنه، عبد الحميد بن باديس لدفع الجزائريين إلى الحفاظ على هويتهم الأصلية: الهوية العربية الإسلامية. ولم تكن هذه الدعوة دعوة إلى استقطاب فكرى أو وحدة فكرية ليست دعوة إلى " واحدية " فكرية، أو إلى سيادة فكرة واحدة أشبه بالعقيدة النهائية الجامدة . إنها دعوة إلى تصفية مظاهر التخلف والتراجع، ومقاومة محاولات التذويب والتآكل، والقضاء على مظاهر التبعية والذيلية، تلك المظاهر والمحاولات التي تحول دون الرؤية الصحيحة لمشكلاتنا التربوية والحلو الصحيحة لها .

وهى لم تكن دعوة إلى منظومة محددة من الأفكار الجاهزة، بل هي دعوة إلى نظرة متجددة، نظرة لا انفصام فيها بين عقل ودين، بين عروبة وإسلام، بين بربرية وعربية، بين خبز وحرية، بين فردية واجتماعية، بين أصالة ومعاصرة . وهى إذ تستند إلى كل هذه الأسس والركائز تسعى إلى التسلح بإيمان قلبى ومنهجية عقلية نتبين بها واقع الحركة المجتمعية من حولنا، ونسعى إلى تغييرها حيثما يقتضى الأمر التغيير، ونحاول أن نتبين منها القوانين التي تحكمها حتى نتمكن من السيطرة عليها وتوجيهها لخدمة مقاصد أمتنا وأهداف تربيتنا .

إنها إذن ليست دعوة إلى كهنوت فكرى أو عقائد مغلقة، ذلك أن المنهجية العلمية وتطبيقها منهجية تؤدى بنا إلى التجدد وتحركنا نحو التقدم، والإيمان يضبط حركتنا فلا تجمح ولا تجنح ...لا تحركها انفعالات ولا تقف بها غايات نهائية، بل هي حوار متحرك مع الواقع المتحرك دائما، وهى ليست حوارا متعاليا على هذا الواقع، بل هي حوار فعال في هذا الواقع يختبر مفاهيمه وينضجها ويجددها بالممارسة الحية، والنقد العلمي، والإيمان الراسخ ( سعيد إسماعيل، 2005: 305).

إن هذا يعنى ضرورة الوعي بمخاطر الاستعمار الحضاري الذي مارسه – ولا يزال – الغرب، ذلك أن مثل هذا الاستعمار، يعنى تفريغ الحضارة من داخلها عن طريق القضاء على انتساب الأمة لها حتى تجتث جذورها التى تمدها بأسباب حياتها وبدوام استمرارها .

والوعى هنا مقصود به الوقوف فى وجه " الانحياز " الحضاري الغربي الذي يهدف أساسا إلى القضاء على الثقافات الوطنية والدينية وزرع أخرى بديلا عنها حتى تتم الهيمنة الحضارية للغرب على الشعوب التاريخية التي، وإن كانت متخلفة اليوم بمقاييس التنمية الغربية، فإنها ما زالت تحتفظ بعناصر قوتها بمقاييس حضارتها الخاصة 0

ومهمة هذا الوعي هي تحجيم دور الغرب، أي رده إلى حدوده الطبيعية، ومقاومة أسطورة عالميته بعد أن جعل نفسه مركز الثقل الحضاري في العالم، وأراد توريد نمط حضارته لغيره من الشعوب تسير على منوالها ، ويكون نموذج تقدمها كوسيلة للسيطرة عليها والفضاء على استقلال شخصيتها حتى لا تسيطر على مقدراتها ومواردها .

والتمايز الحضارى لا يتأتى إلا بوجود " هوية " خاصة و" ذات حضارية "، والهوية التي رأى مفكرنا " ابن باديس" أنها تفضل غيرها إطارا للتعليم وغيره، وموجها له هي " الهوية الإسلامية " أو " الذات الإسلامية " وفقا لمحددات معينة. وحث على أن يجعل شعار الجزائريين هو العودة إلى هذه الذات نفسها لأنها الذات الوحيدة التي لا تزال حية إلى الآن، وهى الروح والإيمان والحياة الوحيدة في المجتمع الآن، ذلك المجتمع الذي ينبغي للمفكر أن يعمل من خلاله ويعيش وينبض، لكن من الضروري أن يطرح الإسلام بعيدا عن صورته المكررة وتقاليده اللاواعية العفوية، وهى أكبر عوامل الانحطاط، بل ينبغي أن يطرح في صورة إسلام باعث للوعي، تقدمي، كإيديولوجية باعثة للوعي وقائمة بالتنوير.

اللغة العربية ...قوام الهوية:

وإذا كان قوام الأمة هو " هويتها"، فإن اللغة هي " مفتاح " الهوية، أو قل: هي عمودها الفقرى، مما يجعلنا نبجث كذلك الدور الذي قام به ابن باديس لإعادة اللغة العربيية إلى عرشها على لسان كل جزائري وعقله وقلبه، لماذا؟

الحق أن اللغة ليست بأى حال من الأحوال مجرد حروف وكلمات، تلاص مصفوفة على الأوراق، أو تعبر على الألسن والأفواه،  وإنما هى بالدرجة الأولى " ثقافة "، ذلك أنها إذ تكون وسيلة اتصال بين الفرد وغيره من أفراد المجتمع، فمعنى هذا أنها الجسر الذي يتم من خلاله تبادل القيم والمعاملات والمفاهيم والعادات والتقاليد، ومختلف المعارف والمعلومات، ومن ثم، فوفقا لما تكون عليه اللغة" فرنسية " أو إنجليزية " أو " ألمانية" أو غير هذه وتلك، تكون الثقافة القائمة، ووفق الثقافة القائمة تكون الأمة ويكون المجتمع.

وفى الصفوف الأولى من وظائف اللغة ومهامها، تأتى وظيفتها في التعبير عن " الهوية"، حيث تعتبر اللغة الوعاء الحاوي للثقافة ووسيلة التفكير الذي يحدد رؤية العالم ونواميسه، لذلك شكلت معرفتها أهم ركيزة لتحصين الهوية والذات والشخصية، وإن الدفاع عنها واجب بالضرورة؛ يضمن للأمة استمراريتها ويحفظ لها مكانتها المنوطة بها بين الأمم الأخرى كما جاء فى قانون ابن خلدون اللغوي " إن غلبة اللغة بغلبة أهلها، وإن منزلتها بين اللغات صورة لمنزلة دولتها بين الأمم" (خراقي، مقدمته لكتاب "جوزيف"، 2007: 7).

كما تقوم اللغة بدور المميز بين الشعوب، فمثلا ميّز اليونانيون أنفسهم عن البربر لأن البربر شعب لا يتحدث اليونانية، واستخدم اليهود فى الأندلس اللغة العبرية بوصفها وسيلة تحفظ طقوسهم الدينية، بينما استخدم الأطباء اليهود فى بولندا مصطلحات طبية عربية بدل اللاتينية التي كان يستخدمها الأطباء المسيحيون. كل هذا يفسر بسعي هؤلاء إلى التمييز الإثني والديني، وإلى الحفاظ على الهوية، فالهوية مفهوم ذو دلالة لغوية وفلسفية واجتماعية وثقافية، ولفظ "هوية" فى الثقافة الأجنبية، مشتق من أصل لاتينى  sameness، ويعنى " الشئ ": نفسه بما يجعله مبينا لما يمكن أن يكون عليه شئ آخر ويميزه عنه، كما يتضمن مفهوم الهوية الإحساس بالانتماء القومى والدينى  والإثنى.

وفى العربية، نجد أن لفظ الهوية مستمد من " هو "، وبالتالي تصبح الهوية هى ما يجعل الشئ هو هو، وليس كائنا آخر، كما بينا فى الفصل الخاص بالهوية.

إن الفهم الكلاسيكى للغة يركز على المتكلمين، باعتبارهم فاعلين أقوياء، وباعتبارهم نسقا للمعرفة اللغوية التى تجيز لهم إنتاج وفهم منطوقات ذات معنى، ولكن البحث في هوية اللغة، واستمرار التقدم المعرفى الجوهرى غير المسبوق المرتبط بالتواصل الوجداني يأخذ جوانب ذات معنى في المنطوقات اللغوية ( جوزيف: 46).

إنه يهتم بكل تلك المميزات للمنطوقات التي يستعملها المستمع بهدف " قراءة " حقائق عن المتكلم، ويشمل ذلك الأصول الجغرافة والاجتماعية والمستوى التعليمي، والجنوسة، والجنسية، والذكاء، وما إن كان الشخص جديرا بالحب والثقة، وما إلى ذلك.

لقد كان هدف علم اللغة الاجتماعي، وهو يتطور في غضون القرن العشرين والنصف الثاني منه خصوصا، فحص تلك المميزات داخل لغة من اللغات، إذ من خلالها يتسنى لنا قراءة الأصول الاجتماعية والثقافية لشخص ما .

ولكل لغة خصائصها المميزة لها من بين غيرها من اللغات، فإذا كانت اللغة العربية هي قوام هويتنا العربية الإسلامية، فذلك يرجع ( سعيد إسماعيل، 2003: 4):

-       لأنها – على تعدد لهجاتها – هي التي جمعت بين العربي والعربي في الجاهلية، مع اختلاف الدين والدار، ومع العلاقات الممزقة المتناثرة على بساط الصحراء، وحملت إليهم مشاعر العروبة منذ عهد قديم.

-       ولأن تقارب اللهجات قبل مطلع الإسلام، في ظل بعض العوامل الاقتصادية والاجتماعية، ثم توحدها في لغة قريش مع مطلع الإسلام وفى ظله، هو الذي زاد من الشعور بالأخوة العربية والإسلامية، وعمق من معناها في النفوس.

-       ولأن اللغة العربية حين انتقلت مع الراية الإسلامية إلى الأقطار الخارجية التي فتحها المسلمون كانت هي الأساس الأول الذي قام عليه تعريب هذه الأقطار بعد أن أصبحت اللغة الأم لأكثرها، وبعد أن تراجعت أمام زحفها اللغات الأصلية أو توارت مع ما توارى بهذه الفتوح من صفحات.

-       وحين تفككت الدولة الإسلامية وانفرط عقدها إلى حبات، أو دويلات صغيرة وأوطان سياسية متعددة ، ظلت اللغة العربية بعد الإسلام هي العروة الوثقى بين كل من أصبحت اللغة الأم لهم، وإن تباعدت أقطارهم في الشرق والغرب.

-       وثم شئ آخر أضافته اللغة العربية- وما زالت تضيفه – على حياة الأمة العربية، هى أنها احتفظت لها بقسماتها وملامحها المميزة في ظل الإسلام، وساعدتها على تحقيق شخصياتها، وهذا هو الهدف الأكبر لكل أمة في تنشئة أجيالها كما يقول التربويون، فهي لما لها من ارتباط بالقرآن الكريم، ومن تراث فكرى وفني وروحي، كانت، ولم تزل، أقدر شئ على أن تحتفظ بهذه الشخصية ونقلها من جيل إلى جيل، وفيها ملامح الكيان العربى، وسمات الدين، وانطباعات الحياة المشتركة بكفاحها وذكرياتها ووشائجها، وبكل روابط الماضى لو انقطع حبله لأصبحت الأجيال الجديدة كالمعلقة في الهواء، قد فاتها قديم له كيانه وأصالته، ولم يغنها حاضر لا أساس له ولا مستقبل بدون دعائم تحميه من الاضطراب وعدم الاستقرار( سعيد إسماعيل، 2003: 5).

اليقظة العربية الإسلامية على أرض الجزائر:

على الرغم من ضراوة الإعصار الفرنسي على الجزائر، أرضا وشعبا ولغة وهوية، بحكم ما كانت عليه من تأخر خلفته سنوات الحكم العثماني الذي بدا وكأنه قد ضمن خضوع الأقطار العربية الإسلامية لسطوته، على اعتبار أنها دولة الخلافة التي يجب أن تظلل قوى البلدان الإسلامية، لكنها كانت غافلة عن أن القوى التي بدأت تخرج من القارة الأوربية، أصبحت تتسلح باقتصاد قوى، وبعلم متقدم، وبإدارة سياسية تتخذ خطوة تلو أخرى على الطريق الديموقراطي، ولما غابت أية جهود حقيقية للنهوض والتقدم، سهل التهام  بلد كبير مثل الجزائر عن طريق قوى البغي الغربي التي مثلتهها فرنسا. ومع سطوة البغي وهيمنة القهر والاحتلال إلا أن أرض الجزائر، لم تعدم أبدا ظهور صور مقاومة وجهاد، قبل ظهور جمعية العلماء ورائدها ابن باديس، الذى جاء ليكمل الطريق، لا أن ينشئه من عدم.

ويكفى أن نعرض لموقف واحد، من عشرات أو ربما مئات المواقف لهؤلاء الذين يصدق عليهم الوصف القرآني بأنهم فتية آمنوا بربهم فزادهم هدى، وزادهم هذا الهدى صلابة وقدرة على المقاومة واسترخاص كل شئ في سبيل عزة الإسلام والعروبة والوطن، فهذا  هو " " أبو معزى"، فيما ينقل ( علال الفاسى، 1948: 5) الذي أحيل على المحكمة العسكرية، في أواسط القرن التاسع عشر، فكان موقفه رهييا، وجرى بينه وبين رؤئيس المحكمة الحوار التالي:

-       سأله الرئيس : من أنت؟ قال : أبو معزى.

-       لماذا قاتلت فرنسا؟

-       لكونها دولة باغية طاغية معتدية علينا.

-       ألم تر أن العرب انضموا إلينا؟

-       هؤلاء العرب قسمان: الأكثرية منهم أبرياء يخافون على حياتهم، والأقلية سفلة خونة، لا يبحثون إلا عن إرضاء الحاكم مهما كان، وتوشيح صدورهم بشريط أحمر.

-       ماذا تنتظر منا؟

-       لا يهمني ما أنتظره منكم.

-       وإذا أطلقنا سراحك، ماذا تفعل؟

-       أعود للجهاد فى سبيل الله .

-       وإذا قتلناك؟

-       سأتقدم لله ناطقا بالشهادتين.

-       وإذا سجناك؟

-       سأقضى أوقاتى عابدا طالبا من الله أن ينصر العدل على الظلم!!

-       لماذا تكرهنا؟

-       لأنكم ظُلاّم طغاة

وقد حُكم عليه بالسجن، ثم أطلق سراحه بعد ذلك.

وثمة حقيقة مؤكدة هي أن كل الجهود التي بذلت في الجزائر لعودة المسلمين إلى الإسلام الصحيح، حتى نهاية القرن الثاني عشر للهجرة أشبه بجهود فردية، ولم تصل إلى مستوى " التيار العام " المؤثر، بل إن العكس هو الصحيح، فالتيار العام المؤثر والشائع كان تيار الصوفية، والخرافات والبدع، والاستغاثة والتوسل والشفاعة لغير الله، والتعصب المغالى فيه لمذهب الإمام مالك، لدرجة أن المغرب كله كاد يخلو من المذاهب الأخرى ومن المجتهدين المتصلين اتصالا مباشرا بفقه القرآن والسنة ( عبد الحليم عويس، 1983: 478).

ومع ذلك، فنحن لم نعدم أن نجد فى الجزائر – خلال القرن الثالث عشر- بالرغم من كل الظروف التى وقعت تحتها، إشعاعات سلفية نفذت إما عن طريق الاتصال بمدرسة الشيخ محمد بن عبد الوهاب فى الجزيرة مباشرة، في مناسبات الحج، وإما عن طريق تأثير الدعوة السنوسية الجزائرية الأصل والقريبة من الحدود، وإما عن طريق الجامعة الزيتونية التي تعلم فيها كثير من الجزائريين، وقد ظهرت فى قسنطينة بالشرق الجزائري، خلال هذا القرن حملة ضد البدع والخرافات، وكان مركزها ( نادى صالح باي) الذي ألقى فيه بعد تأسيسه مباشرة الشيخ( ابن الموهوب) سلسلة محاضرات ضد الخرافات والبدع( عبد الحلم عويس: 481).

وظهر بقسنطينة أيضا العالم السلفى الشهير" صالح بن مهنا " الذي كان قد تخرج من الزيتونة بتونس، والأزهر بالقاهرة، وبعد رجوعه انتصب للتدريس بمدينة قسنطينة، وكتب رسالة يهاجم فيها شيوخ الطرق الذين يسميهم الناس " الأشراف "، حينما بالغ فى تعظيمهم بعض المنحرفين، وسمى رسالته " تنبيه المغتربين فى الرد على إخوان الشياطين ". ومما جاء في رسالته عن هؤلاء الأشراف : " أن من خالف السنة والشرع غير معتبر، ولو كان مدعيا للصلاح أو الشرف أو العلم"( عبد الحليم عويس: 481).

لكن "تركي رابح" (1984 :101) ينبه إلى ضرورة عدم إغفال أن قد كان لبعض الطرق الصوفية فى الجزائر دورا لا يمكن إنكاره في المحافظة على الثقافة العربية الإسلامية، واللغة العربية، خصوصا بعد أن طوردت هذه الثقافة من مراكزها الأصلية من طرف الاستعمار إلى الزوايا الموجودة في الجبال الوعرة والصحارى القاحلة.

كما أكد باحثنا- وقت كتابته أطروحته- أن هناك بعض زوايا مستمرة صالحة تؤدى دورها فى نشر الثقافة" حتى اليوم "، مثل زاوية " الهامل " و" زاوية ابن أبى داوود" ، و" زاوية الثلاثة" وغيرها من الزوايا الصالحة التي خصصت نشاطها العام لنشر العلم والثقافة والمحافظة على التراث الإسلامي في الجزائر، رغم الاضطهاد الاستعماري العنيف، ولم تنغمس في الأمور السياسية لتأييد سياسة المستعمر في الوطن.

وإذا كانت الدراسة الحالية تركز على جمعية العلماء، وابن باديس، إلا أن هذا لا ينفى وجود رواد آخرين، قبل وبعد ظهور ابن باديس، نشير إلى مثال منهم، هو الشيخ " عبد القادر البجاوي" (1848-1913م)/ 1265- 1332هـ، الذي كان في طليعة مجاهدي هذه الفترة في تاريخ النضال الوطني الجزائري، الذين ظهروا متفاعلين مع قضية النهوض الإسلامي، كأساس لتحرير الجزائر من الاستعمار، وكان يٌُطلق عليه وصف " دائرة المعارف"، لكثرة تحصيله وغزارة علمه، فضلا عن وتنوع معارفه، ومشاركته فى كل فن بطرف( عبد الحليم عويس: 487).

وقد ترك " البجاوي" عدة مؤلفات سلفية منها شرح " منظومة اللمع في إنكار البدع"، نظمها تلميذه السلفي المولود بن الموهوب، وحمل فيها حملة شعواء على البدع والطرقية، ومن هؤلاء الشيخ أبو القاسم الحفناوي، الشاعر، والمؤرخ، وكان كاتبا بليغا وباحثا مدققا، مشتغلا بالتعليم والتأليف، إلى أن مات.

  وإذا كانت الجزائر قد تعرضت لإعصار الاحتلال الفرنسي عام 1830، فقد لجأت إدارته إلى سياسة تبرر بها سيطرتها على الأراضي وتوزيعها على المستوطنين الفرنسيين، وهى أن الأرض في البلاد الإسلامية ملك للدولة، وبما أن فرنسا وريثة السلطات التركية في المناطق التي كانت تابعة لها فإن الأرض تبعا لذلك تعود للدولة الفرنسية. ويلاحظ هنا أن السياسة الاستمعارية تختار ما يلائم مصالحها من تلك القوانين، وتلغى ما عداها، أو التي لا تستفيد منها. وقد صدرت عدة مراسيم مماثلة في عهد الجمهورية الثانية والثالثة في النصف الثانى من القرن التاسع عشر استهدفت الاستيلاء على الأرض استيلاء صريحا وصارخا ومباشرا أحيانا، وأحيانا أخرى بتبريرات تخرجها الإدارة الفرنسية في الجزائر لتواجه بها ردود الفعل لدى القبائل أو ردود فعل المعارضة الفرنسية، أو الرأي  العام في الخارج. وفى كل الأحوال، سواء بالسيطرة المباشرة وانتزاع الأرض أو بتقنين الإجراءات التي تتبعها فإن النتيجة واحدة وهى استيطيان الأرض على حساب سكانها( عبد المالك التميمي، 1983 :23).

وبدأت سياسة فرنسا تأخذ شكلا أكثر حدة وتصعيدا في هجرة الفرنسيين إلى الجزائر فى السبعينيات من القرن التاسع عشر، والعقود التي تلتها، حيث أصبحت خطة الاستيطان مدروسة وجماعية، وبرفقة تشريعات فرنسية خصصت جزءا كبيرا من الغرامة الحربية التي كانت تفرضها على القبائل الثائرة والرافضة لسياستها وللاستيطان، للإنفاق على عمليات الاستيطان الفرنسي الجديدة. وارتفع عدد المستوطنين الفرنسيين والأوربيين في الجزائر خلال الربع الأخير من القرن التاسع عشر من ربع مليون إلى 376 ألفا، وأية زيادة في عدد المستوطنين، كانت تعنى زيادة في عدد الهكتارات المسيطر عليها، وزيادة في بطالة المواطنين وهجرتهم من أرضهم( التميمي: 25).

ولم يكن للاستيطان الفرنسي وجود اقتصادي فقط، بل كان له تأثير سياسي وثقافي، فلقد كانت العلاقة بين المستوطنين ويالسلطات الاستعمارية متينة، فهم الركيزة الأساسية لتحقيق فكرة الاندماج، بل هم الذين كانوا متحمسين لها أكثر من غيرهم، حيث كانوا يمثلون بالمجالس الإقليمية، وفى الإدارة، ويتعاونون مع الجيش الفرنسي بالجزائر الذي كان يقوم بدوره لحمايتهم.

وقد كان لوجود هذه الأعداد الكبيرة من المستوطنين الفرنسيين والأوربيين في الجزائر لمدة طويلة تأثير ثقافي، حيث إن وجود مجتمع أجنبي داخل المجتمع المحلى لمدة قرن ونصف القرن تقريبا، قد أثر بطريق مباشر أو غير مباشر في ثقافة الشعب خاصة، إذا أخذنا بالاعتبار أن سياسة الاستعمار الثقافي والقضاء على الشخصية الوطنية للشعب العربي في هذه المنطقة كان مخططا لها، ومن ضمن الأهداف الاستعمارية التي سعت فرنسا وطبقتها في المنطقة( التميمي: 31).

ولم تكن لهذه السياسة انعكاساتها السلبية على الجانب الاقتصادى فحسب، بل كان لها آثارها الاجتماعية، حيث أفقدت الفلاحين أرضهم واضطرتهم إلى الهجرة، وعاشت أعداد كبيرة منهم حالة من الفقر نتيجة البطالة التي أصابت قطاعا واسعا من سكان الريف ومن ثم:

-   أدى هذا التحول القسري لوسائل الإنتاج إلى تقسيم الملكية، وأصبحت عمليات البيع والشراء والمضاربة منتشرة بحيث أصبح الفلاح تدريجيا أجيرا في مزارع المستوطنين بعد أن كان يملك الأرض.

-   هجرة عدد كبير من المواطنين الذين لم يتمكنوا من التكيف مع الوضع الجديد، أو الذين رفضوا هذه السياسة غير القادرين على مقاومتها، وكانت الهجرة داخلية إلى المدن أو المناطق الجرداء البعيدة عن التأثير الغربى الاستعماري، وخارجية إلى المغرب وسوريا وفرنسا ودول أوربية أخرى.

-   اجتذاب عدد من المرابين والمضاربين على الأرض لا في البيع والشراء فحسب، بل أيضا في القروض التي يقدمونها لأصحاب الأرض لدفع الضرائب أو الرسوم على الأرض، أو إقامة دعاوى بسبب المصادرة أو الحجز أو غيره، وهذا الإقراض مقابل فائدة يتقاضونها من المالكين عينا أو نقدا، وكانت نسبتها مرتفعة في بعض الأحيان.

-       اختفاء المؤسسات القبلية التقليدية التي كانت تساعد الفلاحين حين يكون المحصول سيئا ( التميمي: 27).

سياسة فرنسا التعليمية فى مسخ الهوية الجزائرية العربية الإسلامية: ومما يعبر عن هذه السياسة، ما كتبه السيد" برنارد" Bernard مدير مدرسة المعلمين في الجزائر ردا على قرارات مؤتمر " المستوطنين الأوربيين الذي انعقد بالجزائر في 299 مارس سنة 1908، والذي نادوا فيه بضرورة إلغاء التعليم الابتدائي الخاص بالجزائريين،  شارحا أهداف فرنسا من نشر التعليم الفرنسي الخالص بين الجزائريين( تركي رابح، 1984: 134): " ليس من الكرم أو الجود في شىء أن تنشر الجامعة العلم في القبائل(الأمازيغ)، بل دعونا نقولها صريحة مدوية: إن ذلك في مصلحة فرنسا وحدها، وهو ما نضعه نصب أعيننا، وقد يضفى ذلك على تعليمنا طابعا خاصا ويساعد مدرسينا على تطبيق طرقهم ووسائلهم الخاصة، كما يضفى في الوقت نفسه على برامجنا طابعها الخاص. إنه لمن الأهمية بمكان أن نبث فى أذهان الأهالي فكرة رفيعة ونقية عن وطننا بتلقين تلامذتنا دروسا تتناسب مع أعمارهم، وتتفق مع درجة ثقافتهم، عن عظمة فرنسا وجيشها، وثروتها...".

وكانت جامعة الجزائر التي أنشئت في أواخر القرن التاسع عشر في مدينة الجزائر فرنسية لا تختلف عن أية جامعة أخرى في أرض فرنسا، وكانت الدراسة العربية الإسلامية فيها مقصورة على الاستشراق، وما يهم السياسة الاستعمارية العليا معرفته عن العالم العربي الإسلامي، ولم تهتم بالثقافة العربة الإسلامية التى هى ثقافة الجزائريين القومية، ولذلك لم تنشأ فيها مثلا أقسام لدراسة التاريخ الإسلامي، أو الأدب العربي واللغة العربية على غرار ما تدرس به هذه المواد في جامعات البلدان العربية في المشرق مث( تركى رابح، 1975: 125).

وكان من الطبيعي إزاء سياسة الاستعمار الفرنسي التي اتبعها والتي تلخصت في: التنصير، الفرنسة، الإدماج، أن يسعى الجزائريون إلى مقاومة هذه السياسة بأخرى مضادة تمثلت في الأمور الآتية ( تركي رابح، 1983: 88):

1- ضرورة التمسك بدينهم وقيمتهم الأخلاقية والقومية وتأسيس الهيئات والمنظمات الجزائرية التي تقف في وجه رجال التبشير الذين اعتبروا في الجزائر كما اعتُبروا في غيرها، الطلائع الأولى للاستعمار الأوربي .

2- القيام بتأسيس المدارس العربية والنوادي الوطنية والمساجد الإسلامية في مختلف أنحاء الجزائر .

ولا شك أن هذه الوسائل وغيرها كان لها دورها في مقاومة سياسة التجهيل التي اتبعها الفرنسيون تجاه تعليم أبناء الجزائر، حيث كان الجزائريون في المدارس الحكومية الفرنسية لا يمثلون إلا نسبة 10% فقط من جملة عدد الأطفال المتعلمين، فالتعليم كان إجباريا مجانيا بالنسبة لأبناء الجالية الأوربية في الجزائر، ولكنه كان غير إجباري بالنسبة لأبناء الجزائريين، ولا يمكنهم الالتحاق بالمدارس إلا في نطاق سياسة تجهيل الجزائريين، فقد كان الاستعماريون الفرنسيون يصرحون علنا بأن ( العدو الجاهل يمكن السيطرة عليه واستغلاله بطريقة أفضل من العدو المتعلم )، ومن هنا عملوا على عدم نشر التعليم الفرنسي بين الجزائريين على نطاق واسع، وحصروا تعليم أبناء الجزائر في أضيق نطاق ممكن بحيث حرموا على الجزائريين تعلم لغتهم العربية، وفى الوقت نفسه لم يعلموهم اللغة الفرنسية، فقد كانت المدارس لا تنشأ مثلا إلا حيث توجد تجمعات أوربية معتبرة وتقتصر فى الأساس على أبناء الأوربيين وحدهم.

المقاومة الوطنية عن الطريق التربوي:

وتعتبر فترة الثلاثينيات من القرن العشرين من أهم فترات التاريخ الجزائري الحديث، حيث مثلت مدا وطنيا ساهمت فيه ( جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ) التي تأسست في الخامس من مايو سنة 1931 بعد ما بلغ الاستعمار الفرنسي في الجزائر قرنا كاملا من أجل المحافظة على هوية الجزائر العربية الإسلامية . ويذكر الشيخ البشير الإبراهيمي أنه "لو تأخر ظهور جمعية العلماء عشرين سنة أخرى، لما وجدنا في الجزائر من يسمع صوتنا" . وتتلخص مبادئ جمعية العلماء فى الشعار التالي الذي سجله الشيخ عبد الحميد بن باديس في مجلة الشهاب : الإسلام – العروبة – الجزائر . وقد جاء في قانونها الأساسي الذي عدل سنة 1951 فى فصله الأول ما يلي :" تأسست في عاصمة الجزائر، جمعية دينية، علمية، تهذيبية، أدبية، تحت اسم ( جمعية العلماء المسلمين الجزائريين) .

وتطبيقا لشعارها كما أعلنه أول رئيس لها وهو الشيخ عبد الحميد بن باديس (1889-1940) وقانونها الأساس، فقد ركزت عملها في ثلاثة محاور :

أولا: تطهير الدين الإسلامي من البدع والخرافات، والعمل على إحيائه حسب فلسفة مدرسة التجديد الإسلامي والدفاع عنه ضد أعدائه في الجزائر وهم : المبشرون، والمستعمرون، والعمل على تحريره من الاستعمار في المجالات الثلاث التالية : المساجد – الأوقاف الإسلامية – القضاء الإسلامي .

وقد كان لإمام جمعية العلماء الشيخ ابن باديس دروس يمليها على تلاميذته في جامع قسنطينة تحت عنوان " العقائد الإسلامية "، وكان يتبع في الاستدلال على وجود الله ووحدانيته وصفاته منهج القرآن الكريم في الاستدلال لا منهج علماء الكلام المتأثرين بالأساليب الفلسفية والإغريقيية العقلية، أو أساليب الفقهاء الذين يستدلون بكلام أئمتهم أو قدماء أتباعهم بدل الاستدلال بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم( عبد الحليم عويس: 492).

وقد نشرت أجزاء من تلك الدروس بعد وفاة ابن باديس تحت عنوان ( العقائد الإسلامية من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وهى تعطينا صورة واضحة عن طريقة جمعية العلماء في إصلاح العقيدة على النهج السلفي، وابن باديس يصف طريقته تلك بأنها " الطريقة المثلى في الاستدلال على وجود الله وصفاته، فما يرجع إلى الغيبيات لا يكون إلا بالقرآن؛ لأن المؤمن إذا استند فى توحيد الله وإثبات ما يثبت له، ونفى ما انتفى عنه، لا يكون إلا بآيات قرآنية محكمة.

ثانيا : التعليم العربي الإسلامي.

ثالثا : الوطن الجزائري، بكل تراثه الثقافي والحضاري، والتاريخي، وبحدوده المعروفة، لأنه محتوى الشخصية الجزائرية، وهو جزء لا يتجزأ من الوطن العربي والإسلامي، إذ بدون المحافظة عليه، وتحريره من الاحتلال، فسوف يبقى الإسلام والعروبة ( كثقافة وحضارة ولغة ) كلاهما – في المنطقة – مهددين بأعظم الأخطار .

وبعد وفاة ابن باديس، كتب رئيس الجمعية الثاني (الشيخ البشير الإبراهيمي) مقالا في جريدة " البصائر"، أكد فيه أن الجمعية تعمل للإسلام بإصلاح عقائده، وتفهم حقائقه، وإحياء آدابه وتاريخه، ولذلك فهى تطالب الاستعمار الفرنسي( تركي رابح، 1984: 68):

-       تسليم مساجد الجزائر وأوقافه إلى أهلها.

-       استقلال القضاء.

-       وتسمى الجمعية عدوان الفرنسيين على الإسلام، ولسانه ومعابده وقضائه عدوانا بصريح اللفظ.

-       حرية التعليم العربي.

-       والجمعية تعمل على الذاتية الجزائرية التي هي عبارة عن العروبة والإسلام، مجتمعين فى وطن.

-       كما تعمل على إحياء اللغة العربية وآدابها وتاريخها، في موطن عربي، وبين قوم عرب.

-       وتسعى إلى توحيد كلمة المسلمين في الدين والدنيا.

-       وتعمل لتمكين إخوة الإسلام العامة بين المسلمين كلهم.

-       وتذكر المسلمين الذين يبلغهم صوتها بحقائق دينهم وسير أعلامهم، وأمجاد تاريخهم.

-       وتعمل لتقوية رابطة العروبة بين العربي والعربي، لأن ذلك طريق لخدمة اللغة والأدب.

ولقد كانت فرنسا قبل تكوين جمعية العلماء تستهين برجال الدين الإسلامي في الجزائر بوجه عام، وتعتبرهم أناسا غير ناضجين سياسيا، أو على الأقل تنقصهم الثقافة الحية والواعية لمحاربتها، والعمل على إفساد خططها سواء أكانت ثقافية أم اقتصادية، أم سياسية، تجاه الشعب الجزائري، وتجاه مستقبل الجزائر السياسي، ولذلك لم تعترض في البدء على تكوين الجمعية، كما لم تمانع في منحها رخصة العمل عندما تقدمت بطلبها، ووافقت على ذلك بكل سرعة وسهولة ويسر، غير أن الأمر تغير بعد حوالي سنتين فقط من تكوين الجمعية (1933) حيث غيرت إدارة الاحتلال رأيها في جمعية العلماء ورجالها والأهداف التي تعمل على تحقيقها حاضرا ومستقبلا في الجزائر (تركي رابح، 1983: 56).

وكان البعض ينظر إلى جمعية العلماء على اعتبار أنها ذات نظر ضيق، إذ حصرت المسألة الوطنية الجزائرية، فى داخل المسألة التربوية الدينية، بعيدا عن الرؤية السياسية، لكن " علال الفاسى"، المجاهد المغربى المعروف، أكد أن مبادئ الجمعية نفسها تعتبر فى أرض ترزح تحت الاستعمار الفرنسى الذى يرمى رسميا للقضاء على الإسلام الصحيح، واللغة العربية، والشخصية القومية، فى " مستعمرة الجزائر" التى يجب أن تعد جزءا لا يتجزأ من الوطن الوالد" فرنسا"، وإن لم يتمتع ابناؤها بما يتمتع به المواطن الفرنسى من الحقوق ...هذه المبادئ نفسها، تعتبر من صميم السياسة فى نظر المستعمرين ورجالهم، والدعوة إلى تحقيقها تُدخل الجمعية- أحبت أم كرهت- فى منازعات قوية ومشادات صميمة مع الحكام الفرنسين من جهة، ومع رجال الطرق الصوفية الذين كانت السلطة الفرنسية لا تتأخر عن استغلالهم لصالحها من جهة أخرى( علال الفاسى، 1948: 17).

لكن " الفاسى " من ناحية أخرى رأى أن هذه الصبغة الدينية المحض التى اكتسبتها جمعية العلماء جعلت فى سياساتها كثيرا من الغموض أحيانا، لأن رجالها لم يكونوا ينضمون للحركة السياسية إلا كأفراد مستقلين، لا بصفتهم أعضاء فى جمعية العلماء، ثم هى بصفة عامة لم تكن تتقيد بالتعاون مع حزب من الأحزاب العاملة فى الحقل السياسى، بل كانت تعمل مع الكل، وتستغل الحركات القائمة لتنشر دعوتها وأفكارها فى أنصار كل هيئة وكل حزب.

ثم يعود الفاسى ليؤكد أن العقيدة الحق التى كان ابن باديس يحملها هى ضرورة استقلال الجزائرعن الحكم الفرنسى، ولس أدل على ذلك من هذه الفقرات التى اقتبسها الفاسى من مقال نشره ابن باديس فى مجلة الشهاب فى أبرل سنة 1936، جاء فيه:

" إننا نرى أن الأمة الجزائرية موجودة ومتكونة على مثال ما تكونت به سائر أمم الأرض، وهى لا تزال حية ولم تزل، ولهذه الأمة تاريخها اللامع ووحدتها الدينية واللغوية، ولها ثقافتها وتقاليدها الحسنة والقبيحة كمثل سائر أمم الدنيا، وهذه الأمة الجزائرية ليست هى فرنسا، ولا تريد أن تصبح هى فرنسا، ومن المستحيل أن تصبح هى فرنسا، حتى ولو جنسوها".

كذلك أقر الفاسى  باستحالة أن يتجاهل المؤرخ الدور الكبير الذى لعبته جمعية العلماء المخلصة فى مختلف الجهات، وصحف عديدة بالعربية والفرنسية، ودعاة يتجولون لنشر الثقافة السلفية والوطنية، ناهيك عن أن من بينهم ابن باديس، والشيخ الإبراهيمى، والشيخ العمودى، والميلى، والشاعر محمد العيد، وغيرهم. وقد استمرت هذه الجمعية فى الداخل، و" نجم الشمال الإفريقى" فى فرنسا الهيئتين العاملتين- وقت كتابة الفاسى لكتابه- وإن اختلفت مناهجهما لخير الشعب الجزائرى.

وقد تصدى ابن باديس فى دروسه – وبخاصة دروسه فى تفسير القرآن – وفى مقالاته بالصحف ومحاضراته وخطبه لتصحيح العقيدة، ودعوة المسلمين إلى الرجوع للكتاب والسنة وترك ما عدا هما مما تراكم على العقول والقلوب والسلوك من بدع وضلالات. ويستشهد بمثل قوله تعالى فى سورة الفرقان :"(وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاًلَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً ( الآيات: 27-29)، يقول ابن باديس : " فالخسران الذى وعد به الله من يخالف الكتاب والسنة وإن كان موجها للمشركين، إلا أنه من نصيب أهل البدع والضلال فى المجتمع الإسلامى "، ".. وضعنا أوضاعا من عند أنفسنا واصطلاحات من اختراعاتنا خرجنا فى أكثرها عن الحنيفية السمحة إلى الغلو والتنطع، وعن السنة البيضاء إلى الأحداث والبدع، وأدخلنا فيها من النسك الأعجمى والتخيل الفلسفى ما أبعدها غاية البعد عن روح الإسلام، وألقى بين أهلها بذور الشقاق والخصام .." ، ثم يشير ابن باديس إلى أن هذه البدع المصطنعة قد ثقلت على المسلمين أخيرا "حتى مضوا إلى الانفلات من الدين جملة، إذ هم قد ظنوا أن هذه البدع هى الدين " ( فتحى عثمان: 120).

ويلاحظ أن جهود جمعية العلماء التعليمية قد مرت بعدة مراحل يمكن تقسيمها إلى المراحل التالية ( تركى رابح، 1975: 208).

الأولى من 1931-1939

الثانية من 1939-1944

الثالثة من 1944-1956

ويلاحظ أن النشاط الكبير للجمعية فى تكوين المدارس وإنشاء المساجد وإقامة النوادى الثقافية يكاد ينحصر فى الفترتين الأولى والثالثة لأن نشاط الجمعية فى الفترة الثانية قد تجمد تقريبا بسبب ظروف الحرب العالمية الثانية .

وقد امتد نشاطها فى الفترة الأولى إلى فرنسا حيث تعيش جالية جزائرية كبيرة فى مختلف المناطق الصناعية الفرنسية، فأسست مجموعة من النوادى الثقافية التى كانت تقوم بمهمتين فى وقت واحد :

الأولى : ثقافية ودينية تتمثل فى إلقاء المحاضرات التوجيهية ودروس الوعظ والإرشاد بقصد المحافظة على شخصية هؤلاء العمال الجزائريين، وقد اختارت الجمعية للقيام بهذه المهمة، مجموعة من ألمع أعضائها المقتدرين برئاسة الفضيل الورتلانى وذلك بدءا من عام 1936 .

أما المهمة الثانية، فقد كانت تربوية تتمثل فى الدروس التعليمية التى كانت تنظم لأبناء هؤلاء العمال فى غير أوقات دراساتهم فى المدارس الفرنسية لتلقينهم مبادئ القراءة والكتابة، باللغة العربية، ومبادئ الدين الإسلامى، وتاريخ الإسلام، حتى يرتبط هؤلاء الأطفال منذ الصغر بالحضارة العربية الإسلامية وبوطنهم الجزائر ولا يذوبوا فى الوسط الذى يعيشون فيه ولا سيما أن عددا كبيرا منهم مولودون لأب جزائرى وأم أوربية، مما يكون خطورة كبيرة على شخصيتهم ( تركى رابح، 1975: 210) .

وقد أعاد ابن باديس فى القرن العشرين إلى المسجد الإسلامى فى الجزائر مكانته الروحية والتربوية والتوجيهية التى كان يتمتع بها فى العصور الأولى للإسلام يوم أن كان محلا للعبادة ومكانا للتعليم، ومركزا للتوجيه الروحى، ودارًا التجهيز الجيوش المجاهدة فى سبيل نشر الإسلام أو الدفاع عنه فى وجه أعدائه ( تركى رابح، 1969: 298).

فقد رابط ابن باديس فى ( الجامع الأخضر ) بقسنطينة أكثر من ربع قرن يعلم ويربى الشبيبة بالنهار، ويعظ ويرشد ويفسر القرآن ويشرح الحديث للمواطنين الكبار بالليل حتى بعث فى الجزائر نهضة عربية إسلامية واسعة النطاق أعادت للغة العربية مكانتها فى الجزائر وللإسلام سلطانه فى التوجيه والقيادة على المسلمين، كما أعادت للعالم المسلم مكانته فى المجتمع الإسلامى كرائد من رواد نهضته، وقائد من قادته إلى الخير والصلاح ومقاومته الفساد والاستبداد، والظلم والطغيان الاجتماعى والسياسى .

وقد علم ابن باديس فى معظم مساجد قسنطينة قبل أن يستقر به المقام فى نهاية المطاف فى الجامع الأخضر الذى ختم فيه تفسير القرآن الكريم كله سنة 1938، كما ختم فيه شرح كتاب ( الموطأ ) فى الحديث للإمام مالك ( تركى رابح، 1969: 299).

  ومن أشد الطعنات التى تلقتها عروبة الجزائر، ما فعله الفرنسيون إزاء اللغة العربية، ففى التعليم الابتدائى استطاع الاحتلال الفرنسى أن يجعل التعليم الابتدائى فرنسيا كلية، أما فى التعليم الثانوى، فقد عوملت معاملة اللغة الأجنبية، وفى الوقت نفسه، قام احتلال بتقسيم غريب للغة العربية إلى ثلاثة أقسام: أ- عربية عامية. ب- عربية فصيحة. ت- عربية حديثة( مودرن)، مع تخيير الطلاب أن يختاروا العربية باعتبارها لغة ثانية، وفى داخل هذا الاختيار يمكن لهم اختيار الشكل الذى يريدون من الأقسام الثلاثة( تركى رابح، 1975: 324).

ثم توج الاحتلال حربه الضروس بإصدار مرسوم عام 1938، أصدره وزير داخلية فرنسا، باعتبار اللغة العربية لغة أجنبية فى الجزائر، لكن المكان الوحيد الذى كانت اللغة العربية تجد فيه متنفسا لها هو معاهد التعليم العربى" الحر"، التعليم الذى كان يقوم على أكتاف الشعب الجزائرى نفسه، طوال مائة سنة من عمر الاحتلال(1830-1930)، وهى السنة السابقة مباشرة لظهور جمعية العلماء. وبعد ظهورها نشطت حركة إنشاء المدارس الوطنية، حتى لقد بلغ عدد مدارس جمعية العلماء وحدها على سبيل المثال حوالى 150 مدرسة، يردها أكثر من خمسين ألف تلميذ، من البنين والبنات، يدرسون مبادئ لغتهم، وآدابها، وأصول دينهم، وتاريخ قومهم ( تركى رابح، 1975: 326).

وفى تقرير قدمه مجلس إدارة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين إلى الحكومة الجزائرية( الفرنسية)، بعد اجتماعه فى الخامس من أغسطس سنة 1944 فى المسائل الدينية الثلاث( المساجد- التعليم- القضاء)، انطلاقا من أن جمعية العلماء المسلمين:" بحكم أمانة الدين وعهد الله وشهادة الواقع، تعتبر نفسها مسؤولة عند الله وأمام الأمة الجزائرية عن الإسلام ومعابده، وتعليمه، ولغته، وجميع شعائره الحقيقية وأحكامه القضائية"، جاء عن التعليم، مطالبة الجمعية:

أولا- إلغاء جميع القرارات السابقة المتعلقة بالتعليم إلغاء صريحا سواء كانت إدارة أو وزارية.

ثانيا- نسخ جميع تلك القرارات بقانون صريح يقرر حرية التعليم العربى وعدم تقييده بشىء، ويلاحظ فى وضع ذلك القانون المسائل التالية ( تركى رابح، 1975: 364):

-   جمعية العلماء أو الجمعيات العلمية الأخرى، يكون لها الحق، بمقتضى ذلك القانون أن تنشىء ما تشاء من المدارس فيما تشاء من البلدان.

-   ليس على تلك الجمعيات إلا إعلام الإدارة باسم المدرسة ومحلها، وبأسماء المعلمين فيها، ثم تشرع فى العمل بلا توقف على إجراءات أخرى.

-   يتضمن القانون ضمانات كافية مقنعة فى عدم الالتجاء إلى تعطيل المدارس العربية للأسباب السياسية أو غيرها من الاعتبارات، لأن تعطيل المدارس العربية فى نتيجته يعد عقوبة للأولاد المتعلمين لم يقترفوا أسبابها، وهذا ظلم لهم.

-       كما لا تتدخل الإدارة فى اختيار المعلمين فى وضع البرامج التعليمية ولا فى اختيار الكتب المدرسية.

-   على جمعية العلماء أو الجمعيات العلمية الأخرى أن تخضع للمراقبة الصحية العامة فى دائرة قوانينها ولمراقبة التفتيش الرسمى.

ولعل أهم عمل قامت به جمعية العلماء فى الميدان الثقافى، بعد نشر التعليم العربى الذى أراد الاستعمار الفرنسى القضاء عليه قضاء تاما، هو عملها على إصلاح التعليم العربى الدينى فى نظمه، وبرامجه، وطرق تدريسه، فقد كان التعليم العربى الحر( عندما تأسست جمعية العلماء) يدور فى دائرة ضيقة من أمكنته وأساليبه وكتبه، فسعت الجمعية، بما استطاعت من أسباب، أن توسع دائرة الأمكنة بإحداث مكاتب حرة( مدارس) للتعليم المكتبى( المدرسى) للصغار، وبتنظيم دروس الوعظ والإرشاد الدينى فى المساجد، ويتنظيم محاضرات فى التهذب وسئون الحياة العامة فى النوادى ( تركى رابح، 1984: 362).

كذلك سعت الجمعة إلى إصلاح أساليب التعليم فقضت فى تعليمها بقسميه المدرسى والمسجدى، على تلك الأساليب العتيقة التى كان يباشر بها التعليم، والتى استمرت طويلا مثارا للشكوى والتذمر فى مكاتب التعليم، والمعاهد بغير الجزائر، ولم تستطع تلك المكاتب والمعاهد التخلص منها مع ظهور فسادها.

وأخيرا فلا نستطيع أن نغفل عن ذلك الدور الخاص بتربية الأمة على وجه العموم، بحيث لا يقف دور جمعية العلماء وابن باديس عند حدود مؤسسات التعليم، سواء منها النظامية أو غير النظامية، وذلك عن طريق محاربة البدع والخرافات التى كانت تنشرها الطرق الصوفية، بصورها المتخلفة، فلا بدع أن تأخذ مقاومة هؤلاء قدرا كبيرا من جهود جمعية العلماء، وأن تصبح المعركة معهم سافرة واضحة وضوح المعركة مع المستعمر الفرنسى. ويرى الشيخ محمد البشير الإبراهيمى، الرائد الثانى لجمعية العلماء ورئيسها بعد ابن باديس، أن مقاومة البدعة والصوفية ورجال الدين الرسميين المنافقين هو أول يد بيضاء أسدتها الجمعية للجزائر حين قامت بتحرير العقول من الأوهام والضلالات فى الدين والدنيا، وتحرير النفوس عن تأليه الأهواء والرجال، فإن تحرير النفوس والعقول هو الأساس لتحرير الأبدان وأصل له، ومحال أن يتحرر بدن يحمل عقلا عبدا، وبذلك التحرير العقلى الذى أساسه التوحيد توحيد الله، تمكنت الجمعية من توحيد الميول المختلفة، والمشارب المتنابذة والنزعات المتضاربة، وبذلك التحرير أيقظت الأمة قوة التمييز بين الصالح من الرجال والصحيح من المبادئ، وبين الصالح والزائف منها، وبذلك التحرير أراحت الأمة من أصنام كانت تتعبدها باسم الدين أو باسم السياسة ( عبد الحليم عويس: 494).

خاتمــة:

ولعلنا فى نهاية هذه الدراسة قد وقفنا على جهود كوكبة من مجاهدى العقل والروح والقلم، فتحرير الأمم لا يكون فقط من صور الاحتلال العسكرى المعروفة، مع أهمية ذلك، وإنما هو كذلك تحرير عقولها من ربقة الجهل والأمية والتخلف الفكرى، وتحريرها من ربقة المفاهيم والأفكار المتشحة بلباس دينى زائف، بينما اللباس الدينى الإسلامى الصحيح، يدعو إلى تحرير العقل وإعماله، وينبه على أهمية التفكير واستثمار ما وهبه الخالق عز وجل للإنسان من مهارات عقلية تتمثل فى الاستنباط والتحليل والمقارنة والتصنيف والنقد.

إن مثل هذا التحرير العقلى، ومثل هذا البناء التربوى، هما وسيلة الأمم إلى الرفض القاطع لكل أشكال هيمنة الآخر، والحفاظ على الذاتية الثقافية، والتى تتمثل فى الإسلام،بكل مكوناته، وفى مختلف قطاعات الحياة المجتمعية، اقتصادية أو ثقافية أو تعليمية... وأداتها الرئيسية لغة القرآن الكريم، اللغة العربية.

 

مراجــع

1- تركى رابح : الإمام عبد الحميد بن باديس، فلسفته وجهوده فى التربية والتعليم، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية التربية، جامعة عين شمس، 1969، وطبعت فى كتاب: الجزائر، المؤسسة الوطنية للكتاب، 1984،ط4

2-  ــــــ : التعليم القومى والشخصية الوطنية، الجزائر، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، 1975

3-  ـــــ : أضواء على سياسة تعريب التعليم والإدارة والمحيط الاجتماعى فى الجزائر، مجلة المستقبل العربى ، بيروت ، العدد / 57 / نوفمبر 1983

4-  ــــــ: : حول الحركة الوطنية فى الجزائر : الصراع بين جمعية العلماء وحكومية الاحتلال (1933-1939)، مجلة المستقبل العربى، بيروت، العدد 47، يناير سنة 1983

5-  جوزيف، جون: اللغة والهوية، ترجمة عبد النور خراقى، الكويت، المجلس الوطنى للثقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، 2007

6-  سعيد ِإسماعيل على: ثقافة البعد الواحد، القاهرة، عالم الكتب، 2003

7-  _______: الهوية والتعليم، القاهرة، عالم الكتب، 2005

8- عبد الحليم عويس: أثر دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب فى الفكر الإسلامى الإصلاحى بالجزائر، فى (جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، بحوث أسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الرياض، 1983،ج2)

9- عبد المالك خلف التميمى: الاستيطان الأجنبى فى الوطن العربى، الكويت، المجلس الوطنى للثقافة والفنون والآداب، 1983، سلسلة عالم المعرفة

10-  علال الفاسى: الحركات الاستقلالية فى المغرب العربى، القاهرة، لجنة الثقافة الوطنية لحزب الاستقلال( مراكش)، 1948

11-  محمد عبد الله ماضى : النهضات الحديثة فى جزيرة العرب، القاهرة، دار إحياء الكتب العربية، 1952

12-  محمد عمارة : العرب والتحدى، الكويت، المجلس الوطنى للثقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة (29)، مايو 1980

13-  محمد فتحى عثمان : السلفية فى المجتمعات المعاصرة، دار آفاق الغد، د.ت، د.م

14- محمود محمد شاكر: رسالة فى الطريق إلى ثقافتنا، القاهرة، دار الهلال، 1991، سلسلة كتاب الهلال

15-  وهبة الزحيلى: تأثر الدعوات الإصلاحية بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فى ( بحوث أسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ج2)

آخر التغريدات: