ابن باديس.. مصلح إنساني في القرن العشرين

ابن باديس.. مصلح إنساني في القرن العشرين

بقلم: د. نورالدين ثنيو -

استهل ابن باديس (1889-1940) نشاطه الإصلاحي كمثقف و مصلح، في سياق حركة النهضة العربية الأولى التي طالت ربوع العالم العربي و الإسلامي، نهاية القرن التاسع عشر و مطلع القرن العشرين، كما أنه خاض تجربته الإصلاحية من أجل إعادة المجتمع الجزائري إلى تاريخه الخاص الذي يتواصل مع قيم العدالة و التسامح و التعايش الديني.

اتسعت تجربة الإصلاح عند ابن باديس إلى كافة المتواجدين في الجزائر المستعمَرَة، بحيث شملت المسلمين و غير هم، و بالقدر الذي تُمَكن الجميع من العيش معا، في ظل من التسامح و الحرية و المدنية الحديثة. فقد آل ابن باديس على نفسه أن يعيش للأمة و  معها على أساس من مُثُل الدين الإسلامي في مدلوله السامي الذي يَنِد دائما عن النَّمَطِية و المذهبية و روح التعصب، كما أنه سعى بنفس القدر و الحرص الى  دعوة السلطة الفرنسية للتخلص من مظاهرها الاستعمارية كأفضل سبيل الى التواجد المشرك بين الجزائريين و الفرنسيين، و أن فرصة الإسلام السَّمح هي للجميع بدون استثناء.

كان ابن باديس متشبعا بمفهوم التسامح ليس في معناه النظري و الأخلاقي فحسب، بل عايشه أيضا كإمكانية تحقيقه على أرض الواقع بما حفل به من تعدد ديني و اختلاف سياسي و تنوع اثني. هذه الحقيقة، ارتقت عند ابن باديس الى حالة من اليقين الذي لا يدانيه اي ريب، و لا يعتريه أي ظن. إن التسامح في فكر و ممارسة ابن باديس، حقيقة دينية و اجتماعية تتجاوب مع روح العصر الحديث و المدنية المعاصرة و ما تنطوي عليه من مبادئ الحرية و المساواة و الأخوة و الإنصاف لكافة الإنسانية.

امتدت تجربة الإصلاح عند ابن باديس إلى كافة السكان القاطنين في الجزائر المستعمرة. فقد سعى، ضمن حركته الإصلاحية إلى إصلاح الوضع العام بالقدر الذي يستفيد منه الجميع مجتمعا و سلطة، مسلمين و غير مسلمين. كما اتسعت تجربة الإصلاح، في التصور و الغاية إلى تحسين الوضع على اختلاف صعده و تباين سكانه و تعقده بما يعدّل حالتهم الاجتماعية و القانونية و  يوفر لهم الإطار القانوني الذي يسوي بينهم أمام القضاء و مؤسسات الدولة. كان الإصلاح، عند ابن باديس يرادف المدنية الحديثة المتأتية عن نهضة شاملة تطال كافة الحياة الدينية و السياسية و الفكرية و السياسية، حالة من التقدم الحضاري على ما وصلت إليه الأمم المتقدمة و منها فرنسا.

كانت مدينة قسنطينة التي ولد بها و مات ابن باديس تزخر بالتنوع الاثني و الديني، علاوة على الحياة السياسية التي كان تنشطها أحزاب سياسية، نصيب الأهالي المسلمين فيها زهيد جدّا. فالإصلاح العام و الشامل يقتضي، عند ابن باديس ردم الفجوة التي لا تني تستفل بين المسلمين و الأوروبيين في الجزائر، و أن استمرار هذا الوضع سيفضي لا محالة الى الانهيار  الكبير الذي تضيع فيه الجزائر على الطرفين الفرنسي و الجزائري. المدينة التي عاش فيها ابن باديس و خاض فيها مشروعه الإصلاحي، كانت تزخر بالمؤسسات الإدارية و المرافق العامة و النشاط الخدماتي، التجاري و الاقتصادي الحديث، فضلا على عمرانها المواكب لروح المدينة الحديثة، التي توفر إمكانية التعايش الديني و السياسي و الثقافي.

مقتضى المدنيَّة الحديثة عند ابن باديس، أنه يلتمس الإصلاح بالعودة إلى الإسلام، عقيدة و فكر و حضارة من أجل استخلاص “فهوم” و معاني تواكب العصر، مثل التسامح، الإنسانية، العدالة و المساواة كتراث مشترك لكافة البشر، على ما أوحى به القرآن الكريم. هذا الوجه الأول من الإصلاح، أما الوجه الأخر، فيلتمسه ابن باديس من النظام الاستعماري من أجل تحقيق مطالب الأهالي المسلمين على أساس من العدل و الإنصاف و المساواة. فقد كان قدر ابن باديس أن يتوجه إلى النظام الحاكم يستحثه إصدار التشريعات الضرورية من أجل ترقية الأهالي ماديا و معنويا كسبيل إلى تسوية وضعيهم كمواطنين يعادلون على مستوى القانون و السياسة وضعية المواطنين الفرنسيين.

إن التوكيد على مفهوم التسامح و الإنسانية و التعايش الديني المشترك من المفاهيم الإجرائية التي ألح عليها ابن باديس في سياق وضع استعماري، ليعالج بها وضعية الأهالي المسلمين، كما يعالج بها في ذات الحال، وضعية الفرنسيين في الجزائر شعبا و سلطة. حقيقة الإسلام الذي دعا إليه ابن باديس، هو الإسلام الذاتي القائم على الاجتهاد و أعمال الفكر و النظر من أجل تجاوز النظم الطرقية و مؤسساتها التقليدية الراكدة و التي لم تعد تساوق المدنية الراهنة، لا بل أضحت تعبّر عن الإسلام التقليدي الذي يستغله النظام الاستعماري كإسلام الجزائريين. إن الإسلام التقليدي، كما يرى ابن باديس : ” لا يمكن أن ينهض بالأمم، لأن الأمم لا تنهض إلا بعد تنبه أفكارها و تفتح أنظاهرها. و الإسلام الوراثي مبني على الجمود و التقليد، فلا  فكر فيه و لا نظر”.

يعاني الإسلام في الوقت الراهن، ثلاثينيات القرن العشرين، من حالة عجز  إلى امتلاك ناصية المدنية و التقدم على غرار ما يجري في بلدان أوروبا و فرنسا. فقد سادت رتابة في التقاليد و الأعراف و حالة من التكلس في شعائر الدين و طقوسه أخرجته عن التاريخ و اغتالت مادته الحية التي هي اللغة العربية. و من هنا لزم الأمر، عند ابن باديس، أن يصحى رجال الإصلاح على اعتماد الإسلام الذاتي كإمكان حضاري معاصر للمدنية الحديثة. فما هو الإسلام الذاتي؟ و هذا اجتهاد من ابن باديس نفسه، هو “إسلام من يفهم قواعد الإسلام و يدرك محاسن الإسلام في عقائده و أخلاقه و آدابه و أحكامه و أعماله، و يتفقه- حسب طاقته- في الآيات القرآنية و الأحاديث النبوية. و يبنى ذلك كله على الفكر و النظر، فيفرق بين ما هو اسلام بحسنه و برهانه، و ما ليس منه بقبحه و بطلانه، فحياته حياة فكر و ايمان و عمل، ومحبته للإسلام محبة عقلية قلبية بحكم العقل و البرهان كما هي بمقتضى الشعور و الوجدان”.

الواضح من هذا التعريف للإسلام الذاتي، هو اجتهاد لمحاولة استكناه رسالة الإسلام في الزمن الرَّاهن الذي يساير المدنية الجديدة في كافة جوانبها و تجلياتها، مهما كانت بنيتها البشرية الدينية و الثقافية. و كل الإمكانات التي يوفرها الإسلام الذاتي، من فكر و ايمان و عمل، يجب أن يلازمها الصدق، و أن المحبة الإسلامية ترادف المحبة الإنسانية التي تملك بجماع القلب و العقل. ذلك هو الإسلام الذاتي الذي يساعد على النهضة الشاملة للمسلمين في سياق الدولة الحديثة القائمة على التقدم و الرقي، و يوضح ابن باديس طبيعة التفكير المتعلق بالإسلام الذاتي، على النحو التالي : ” فبالتفكير في آيات الله السمعية و آياته الكونية و بناء الأقوال و الأعمال و الأحكام على الفكر، تنهض الأمم، فتستثمر ما في السموات و ما في الأرض و تشيد الصروح المدنية و العمران”.

 

كاتب و باحث / الجزائر

آخر التغريدات: