أعلام في التسامح والسلام: الشيخ عبد الحميد بن باديس

أعلام في التسامح والسلام: الشيخ عبد الحميد بن باديس

بقلم: سليم مصطفى بودبوس -

نقف اليوم إزاء شخصيّة إشكاليّة اشتبكت مع التحديات المختلفة في عصرها: مع الاستعمار مع الجهل والتخلف مع دعوات التقارب بين أتباع الأديان والأخوة الإنسانية، حتى كان لها حضور بارز ومؤثّر لفت إليه القريب والبعيد، الشرقيّ والغربيّ، المتعاطف والمساند لمثل دعواته، والمعادي المعارض له الرافض لفكر التقريب بين أتباع الأديان. شخصية اليوم هو العلامة الجزائري الشيخ عبدالحميد بن باديس. فمن هو هذا الشيخ الجليل؟ وما أبرز آرائه في مسألة التقريب؟ وما مضمون دعوته للتسامح؟ وما مدى وجاهة آراء معارضيه ومنتقديه؟

ينتمي ابن باديس إلى أسرة عريقة في العلم عُرِفت منذ القدم بإنجابها للعلماء، والتحق في العام 1908م، بجامع الزيتونة بتونس حيث أخذ عن جماعة من كبار علمائها الأجلاّء، ومنهم الشيخ محمد الطاهر بن عاشور. وقد سمحت له هذه الفترة بالاطلاع على العلوم الحديثة وعلى ما يجري في البلدان العربية والإسلامية من إصلاحات دينية وسياسية، وقد كان لهذا المحيط العلمي والبيئة الاجتماعية، والأزمات المستمرّة لرجال العلم والإصلاح الأثر البالغ في تكوين شخصيته ومنهاجه في الحياة. ثمّ سافر الإمام الجليل عبدالحميد بن باديس العام 1913 في رحلة طويلة امتدت إلى الحجاز والشام ومصر، فكان الاتصال بعلمائها والاطلاع على ما يجري بها، وكان لمجلة المنار التي يصدرها الشيخ رشيد رضا أثر قوي في النظر لمشكلات المسلمين المعاصرة والحلول المطروحة. ثمّ قرر العودة لخدمة وطنه الجزائر حيث شرع في رسالته التعليمية وأتبعها بتأسيس جمعية العلماء المسلمين، ثم إصدار جريدة المنتقد ثمّ جريدة الشهاب الأسبوعية والتي بلور فيها أفكاره الإصلاحية.

وبالجملة كان ابن باديس عالماً ومفسّراً؛ فقد فسّر القرآن الكريم وشرح موطّأ مالك، وهو إلى ذلك سياسيّ كتب في المجلات والجرائد الوطنية التي أسسها وسهر على إدارة مجلة الشهاب، وهو أيضاً المربي حيث تعهّد تربية الأجيال في المدارس والمساجد، وكان إنشاء المدارس من أهم أعماله وهو مؤسس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين والمدير لشئونها، فكانت بذلك آثاره عملية قبل أن تكون نظرية.

لفهم آراء ابن باديس في التسامح يحسن الانطلاق من الإسلام في نظره هو القائم على فهم القواعد والمؤسس على الفكر والنظر، إسلام مشروط بالتعلم والعلم، يتميز بالدعوة إلى الأخوة الإسلامية بين جميع المسلمين ويذكّر بالأخوة الإنسانية بين البشر أجمعين، إسلام يساوي في الكرامة البشرية والحقوق الإنسانية بين جميع الأجناس والألوان، ويمجد العقل ويدعو إلى بناء الحياة كلها على التفكير وينشر دعوته بالحجة والإقناع لا بالحيَل والإكراه. ويقرّ ابن باديس بمبدأ الاختلاف بين أتباع الأديان واستدلّ بالقرآن الذي أقرّ للمخالفين أدياناً وأقر معابدهم، وأكد على وجوب احترامها، ومن أقواله في هذا السياق: «الإسلام ربى المسلمين على التسامح (...) فهم لا يرون في اختلاف تلك الملل إلا شيئا قد قضاه الله واقتضته حكمته لعمارة هذه الدار وتلك الدار».

وكان ابن باديس ممّن تأثّر وساند دعوة التقريب بين أتباع الأديان؛ فقد قال في جريدة «الشهاب» 1937م، (الجزء:5/المجلد:13): «... أنا - كمسلم - أدين بالأخوة الإنسانية وأحترمها في جميع أجناسها وأديانها، وأسعى للتقريب بين جميع عناصرها». وقال في (الآثار:6/321): «نحن - كمسلمين - لا يضيق صدرنا بأن نرى أهل كل دين يحتفلون بطقوس دينهم، ويظهرون تمسكهم بعقيدتهم، ويدعون إليه بكل شيء شريف نزيه، بل نود أن يقع التفاهم على نشر أصول الخير والإحسان التي تتفق عليها جميع الملل، وعلى مقاومة الشر والظلم والإلحاد المحرّمة عند الجميع». وقد لقيت هذه الآراء معارضة وانتقاداً شديدين ممّن يعتبرون الدعوة إلى التقريب بين أتباع الأديان دعوة باطلة وخطراً على الإسلام.

واستلهم عبدالحميد بن باديس من الآية القرآنية الكريمة: «ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن» (النحل - الآية 125)، قواعد أخلاقية للتعامل والتخاطب والدعوة واستخلص أخلاق الحوار مع الآخر وآدابه وعرضها في مقال له بعنوان (القول الحسن) أكّد فيه أنّ اللغة المتشنجة والخطاب المتطرف هما منشأ العنف والتعصب واللاَّتسامح، وشدّد على أنّ الإنسان المسالم المتسامح يتواصل مع الآخرين بلغة مسالمة ومتسامحة، خالية من الكلام المتشنج والخطاب المحرّض.

ويرفد ابن باديس هذا التصور النظريّ للتسامح بممارسات فيها من التسامح والحكمة الشيء الكثير؛ فعلى المستوى الخارجي إذْ مايز ابن باديس بين فرنسا كقوة دولية وحضارية، وبين الاستعمار الفرنسي كقوة غاشمة؛ حيث استفاد من الثقافة الفرنسية ورحب كثيراً بالجانب التقني والعلمي للحضارة الغربية، ولكنه حذّر من القيم الغربية، وتحفّظ من الحضور المسيحي الكنسي في الجزائر بعيداً عن التعصب أو التطرف أو العنف. وعلى المستوى الوطني حافظ على علاقات حسنة مع الطرق الصوفية التي كان ينتقدها، وكان يزور الزوايا ويقدر دورها في الحفاظ على الإسلام.

إذا كانت النظرة العقلية النقدية، والحرية، واحترام الاختلاف هي من القيم الجوهرية للتسامح، فإنّ ما قدّمه ابن باديس من آراء ومواقف يمثّل مساهمة ثريّة في بناء ثقافة التسامح في الفكر الإسلامي الإصلاحي المعاصر، وإذا كان التسامح يقتضي تربية على العيش معاً: مع الذي يخالفنا ويختلف معنا، فإنّ الحاجة ملحّة إلى تعليم التسامح وقيمه في المناهج التعليمية حتى نغرس في ناشئتنا ثقافة العيش المشترك في كنف الاحترام للآخر.

آخر التغريدات: