مشاهد من رحلة مالك بن نبي إلى العراق

مشاهد من رحلة مالك بن نبي إلى العراق

بقلم: أ.د. مولود عويمر-

وأنا أتصفح مجلة عراقية قديمة، شد انتباهي في الفهرس عنوان "كلمة الجزائر"، فرحت أقلب الصفحات حتى وجدت الموضوع المنشود، فكانت مفاجأة سارة لم أحسب لها أي حساب. إن النص لم يكن قصيدة من القصائد الكثيرة التي نظمها الشعراء العراقيون عن حبهم للجزائر، ولم يكن كذلك مقالا كتبه كاتب عراقي أو عربي مبتهجا بخطوات الجزائر في مسيرة التعريب أو بناء المؤسسات الاقتصادية والتربوية والثقافية سنوات قليلة بعد نيلها الحرية واستعادة الاستقلال، وإنما كان خطابا ألقاه المفكر مالك بن نبي في حفل تأبين الرئيس العراقي عبد السلام عارف.

في البداية لم أصدق ما رأيته، فعدت إلى يوميات بن نبي فتأكدتُ من زيارته لبغداد في تلك الفترة لكنه اكتفى بقوله: " تكلمت باسم الجزائر" دون أن يكشف عن محتوى كلامه. فهذا النص الذي أنشره هنا يسد إذن هذه الثغرة، واغتنم الفرصة أيضا لدراسة -بشكل مختصر- علاقة مالك بن بالنخبة العراقية، ومتابعة زيارته لأشهر حواضر العراق.

مالك بن نبي والنخبة العراقية

لقد استطاع مالك بن نبي أن يؤثر في النخبة الإسلامية والعربية، بكتاباته المختلفة ومن خلال ندواته الفكرية الأسبوعية التي كان يعقدها في بيته في القاهرة. وهكذا انتشرت أفكاره على محور طنجة –جاكارتا، واحتضنها المثقفون ودرسها الباحثون، وكان من بينهم العلماء العراقيون الذين تأثروا بفكره، واستلهموا منه في كتبهم ومقالاتهم، وكان أبرزهم هؤلاء المفكرين الثلاثة: الدكتور علي القريشي، الدكتور طه جابر العلواني والدكتور عماد الدين خليل.

كان الدكتور القريشي من الأوائل الباحثين الذين أنجزوا رسالة جامعية حول فكر بن نبي وذلك في عام 1983، في جامعة عين شمس بالقاهرة عنوانها: " الأسس التربوية للتغيير الاجتماعي عند مالك بن نبي". ونشرها في عام 1989 في كتاب بعنوان: "التغيير الاجتماعي عند مالك بن نبي. منظور تربوي لقضايا التغيير في المجتمع المسلم المعاصر". وسرعان ما أصبح هذا الكتاب من الكتب المرجعية في هذا مجال الدراسات البنابية.

وكذلك نشر مجموعة مقالات في مجلات عربية كـ"الأمة" و"العالم"، عالج خلالها فلسفة التغيير عند هذا المفكر الجزائري. والتي تتلخص يمكن أن نلخصها في قوله: " إن المتابعة الدقيقة لفكر مالك بن نبي ستكشف أن معالجته للتغيير الاجتماعي لم تتم من خلال البحث في فلسفة العناصر الثلاث: الأفكار، الأشخاص، الأشياء. بل تمت في ضوء بحثه المتشعب والخصب عن حركة هذه العناصر. وهذا ما يمكن أن ندركه بجلاء حين نعرف أن تعرضه لعناصر التغيير لم يتجاوز بضعة أسطر وردت في كتابه "ميلاد مجتمع"، بينما استغرقت متابعاته التحليلية لحركة الأفكار والأشخاص والأشياء كل ما كتب تقريبا."

الدكتور العلواني قرأ مبكراً مؤلفات مالك بن نبي، وتأثر بأطروحاته في قضايا النهضة، ولم يقتصر على الاقتباس منه والاسترشاد به بل حرص على استحضاره في مشروع المعهد العالمي للفكر الإسلامي حينما كان رئيسا له. وهذا واضح من قوله: " لقد كان المعهد العالمي للفكر الإسلامي يعرف لأستاذ مالك بن نبي حقه ويعرف أهمية أفكاره... وكان يهتم بها كثيراً... وكثير من رجال المعهد كانوا على صلة بالأستاذ مالك في حياته. وأما دراساته في قضايا الفكر والثقافة المباشرة، فكانت موضع تقدير واهتمام خاص من رجال المعهد... ولقد كان كثير من أولئك الذين يقرؤون لمالك ولرجال المعهد يدركون أن أفكار الجميع تصدر من مشكاة واحدة لتصب في قناة واحدة...قناة التجديد الحضاري لهذه الأمة من منطلق التغيير الفكري والثقافي."

أما الدكتور عماد الدين خليل، الذي أبدع في الفكر الإسلامي المعاصر ونشر دراسات ومقالات كثيرة في قضايا معاصرة، قد استلهم كثيراً من فكر بن نبي خاصة من كتبه الثلاث: "الظاهرة القرآنية"، "شروط النهضة"، و"وجهة العالم الإسلامي" باعتبارها من روائع الكتب التي كان لها دور عظيم " في مسيرة الحركة الإسلامية المعاصرة، استشرافاً، وبرمجةً، وتقويماً، واغناءً وتكويناً."

ولا شك أن كل قارئ لعماد الدين خليل في مجال فقه الحضارة الذي تفرغ منذ عشرات السنين للبحث في أصوله ومناهجه لا يجد أية صعوبة في ربط الصلة الفكرية بينه ومالك بن نبي فيلسوف الحضارة وفقيهها الأكبر.

هذه بعض النماذج من سجل العلاقات الفكرية بين مالك بن نبي وعدد من المفكرين العراقيين الذين مثلوا النخبة العراقية تمثيلا رفيعا في عالم الفكر في بلادهم وفي كل الأقطار العربية والإسلامية بفضل ثراء عطائهم العلمي الصادر من أشهر دور النشر، والمنشور في أوسع الجرائد وأفضل المجلات العربية.

حفل تأبين عبد السلام عارف

توفي رئيس الجمهورية العراقية عبد السلام عارف في حادث سقوط طائرة في 13 أبريل 1966، في منطقة قريبة من البصرة. وأقامت له الحكومة العراقية يوم 30 ماي حفل تأبين في بغداد بمناسبة مرور الأربعينية على وفاته، حضره أكبر الشخصيات السياسية والثقافية في البلاد، ودعي إليه علماء ومفكرون من مختلف الٌأقطار العربية والإسلامية للحديث عن شمائل هذا الرجل الذي كان حكيما في حكمه، ومتفتحا مع التيارات السياسية والإيديولوجية المختلفة. ومازال تدخله لدى الرئيس المصري جمال عبد الناصر في عام 1964 لإطلاق سراح المفكر الإسلامي سيد قطب حاضرا في أذهان هؤلاء العلماء الضيوف.

وقد استقبلهم عبد الرحمان عارف، حاكم البلاد الجديد، وأحسن مثواهم. وتناوب كل واحد منهم على المنصة لإلقاء خطاب قصير باسم الدولة أو المؤسسة العلمية التي يمثلها. وأذكر منهم: الشيخ حسن مأمون (جامعة الأزهر)، الدكتور إبراهيم مدكور (مجمع اللغة العربية/ القاهرة)، محمد العروسي المطوي (تونس)، مالك بن نبي (الجزائر)، عبد الله كنون (المغرب)، أحمد الشقيري (منظمة التحرير الفلسطينية)...الخ. كما شارك الشاعر المعروف علي أحمد باكثير بقصيدة رثائية عنوانها: "مصرع البطل".

بن نبي يلقي كلمة الجزائر

وصل مالك بن نبي إلى بغداد يوم 28 ماي قادما من مطار بيروت بعد زيارة قصيرة إلى صديقه عمر كامل مسقاوي في طرابلس لمتابعة عملية ترجمة الجزء الأول من كتابه "مذكرات شاهد القرن"، وكذلك الاتصال ببعض المثقفين اللبنانيين. وقد استقبل في بغداد بحفاوة كبيرة تدل على المكانة الرفيعة التي كان يحظى بها عند النخبة السياسية والفكرية في العراق، خاصة من طرف رئيس الحكومة عبد الرحمان البزاز.

كان خطاب بن نبي قصيرا ومركزا كغيره من المتدخلين، فالمقام ليس للاسترسال في الحديث وإنما للتعزية والتعبد والتدبر. كان همه أن يبرز بسرعة إسهامات الرئيس عبد السلام عارف في النضال العربي للتحرير القومي، ويؤكد وفاءه لتضحيات هذا الرجل الذي يمثل جيلا من المكافحين من أجل تحقيق العزة والكرامة، والسير على خطاهم في طريق البناء الحضاري. وإليك الآن أيها القارئ نص هذا الخطاب، الذي بقي قرابة 20 سنة مغمورا بين أوراق مجلة قديمة.

بسم الله الرحمان الرحيم

والصلاة والسلام على خير المرسلين

سيادة رئيس الجمهورية

سادتي الكرام

باسم الجزائر العربية المسلمة التي أرادت أن تقف مع العروبة في هذا اليوم جنبا إلى جنب لتأبين الفقيد الكبير الجليل عبد السلام عارف. أحيّ روحه وأترحم عليها. وأجدني هنا أود لو كنت شاعرا كمن سبقني لأطلق العنان لعواطفي، ولكن قصرا في لغتي، أود أن أتكلمها ككل عربي يجعلني ألجأ إلى لغة العقل. وبهذه المناسبة أجد فرصة لاعتبار الدور العظيم الذي قام به الفقيد الكبير.

إننا لو أردنا أن نذكر مآثره لوجدنا أنفسنا مضطرين إلى صرف صفحة من تاريخ العرب ومن تاريخ هذا الجيل الذي كتبها بدمه في ميادين الكفاح التحرري على جبهة النضال للتحرر من ربقة الاستعمار وجبهة النضال الذي يسمى بالجهاد الأكبر للتغلب على نقطة الضعف في نفسه.

إننا ونحن نرى أمامنا هذا الوجه الكريم للفقيد العظيم نتذكر الدور الجليل الذي قام به مع إخوانه قادة العرب في تقويم سير العرب وتقويم خطة سياستهم لأن الجيل هذا عاش تجارب سعيدة أحيانا ومؤلمة (أحيانا) أخرى، واتبع خطوطا سياسية ومنها ذلك الخط المعوج الذي أدى يوما إلى كارثة فلسطين. فاليوم ونحن هنا نتذكر أن الفقيد العظيم من الذين اندفعوا وانطلقوا لتقويم هذا الخط على المستوى الدولي، والمستوى العربي على وجه الخصوص.

وكما أننا نشعر أيضا أن الخبرات التي اكتسبها هذا الجيل الذي ترعرع الفقيد الكبير في صفوفه وجاهد في صفوفه، هذه الخبرات الكبيرة جعلته كأنه الجسر الذي لابد أن يعبُره التاريخ لنقل المجتمع العربي من المستوى الذي وجد فيه نفسه في ربقة الاستعمار إلى مكان يحقق فيه كرامته، ويحقق بفضل نضاله حقوقه.

إننا نرى أنفسنا في هذه المنصة مدينين إلى مثل هذا الفقيد العظيم. وإننا نعاهده ونعاهد روحه بعد الترحم عليها بأننا سنشق الطريق الطويل الذي وقع فيه شهيدا في إحدى مراحله، وسنستمر في السير عليه لأنه طريق النجاة ، لأنه طريق الكرامة، لأنه طريق الحضارة التي نستعيد بها المجد الذي عرفته بغداد أيام كانت مهدا ومنبعا للحضارة العربية والإسلامية والإنسانية، فهذا ما (أريد أن) أقوله (لكم).

والسلام عليكم ورحمة الله." انتهى.

سياحة في بلاد الرافدين

لم تقتصر زيارة مالك بن نبي والوفود العربية والإسلامية على حضور حفل التأبين، فقد حرص العراقيون على تهيئة أسباب الراحة للضيوف، وتوفير كل الإمكانات لإعطاء انطباع حسن عن الحكومة الجديدة، وتقديم صورة جميلة عن استقرار الأوضاع في البلاد رغم المحنة التي ابتليت بها آنذاك والمتمثلة في وفاة الرئيس عبد السلام عارف في ظروف مؤلمة وغامضة، لمح إليها بن نبي في خطابه لما اعتبره "شهيدا".

وتضمن البرنامج رحلة سياحية إلى الحواضر العراقية، فزار بن نبي كربلاء التي استقبلته بمناراتها العالية، فزار ضريح حفيدي الرسول (ص) سيدنا الحسين وأخيه الأصغر العباس، وهو مستنكر ما رآه من شواهد لا تمت بأية صلة إلى الدين الإسلامي الحنيف.

واتجه بعد ذلك إلى مدينة النجف لزيارة مقبرة سيدنا علي كرم الله وجهه. فكانت لحظة للتأمل في تاريخ هذا الصحابي الجليل، واستحضار المصاعب التي واجهها أثناء خلافته، وانتهت باستشهاده في النهاية. ثم انتقل إلى مدينة الكوفة التي وجدها هادئة، فزار المسجد الذي خاطب من محرابه آخر مرة الإمام علي رضي الله عنه.

هذه باختصار الخواطر التي صيدتها وأنا أقرأ خطاب مالك بن نبي، وأجد نفسي بعد ذلك حزينة متأثرة بما وصل إليه العراق اليوم من دمار العمران وتمزق المجتمع وضياع الإنسان، فأرفع يداي إلى السماء متضرعا: اللهم بمنك وكرمك وفضلك.. فرج عن أهل العراق وعامة ديار الإسلام يا حي يا قيوم.

آخر التغريدات: