مــالــك بــن نبــي :2 ” لبّيــــك “، رواية روحية

مــالــك بــن نبــي :2 ” لبّيــــك “، رواية روحية

بقلم: نور الدين بوكروح - ترجمة عبد الحميد بن حسان -

نُشِرَ كتابٌ ثانٍ لبن نبي في بداية سنة 1948 من طرف دار النشر النهضة(1). إن هذه الرواية المتكونة من 99 صفحة أمر غير مألوف لأنها كتبت في ظرف شهر واحد وجاء فيها الإشعار بقرب صدور كتابين للكاتب، وهما:  “وجوه مع الفجر” و”على آثار الفكر العلمي الإسلامي“. ولم يصدُرْ هذان الكتابان أبداً، أوْ على الأقل إنهما لم يصدرا بهذين العنوانين، ذلك أن كتاباً صدر له بعد عام تحت عنوان “خطاب حول شروط النهضة الجزائرية“، وفي تقديرنا أنه جاء عوضاً عن “وجوه في الفجر” ، علماً بأن بن نبي لم يصرّحْ بذلك. أما الكتاب الثاني، فلا يوجد أي عمل بهذا العنوان في آثاره. والكتاب الذي نُشِر بعد “شروط النهضة” هو ” وجهة العالم الإسلامي “.

لماذا جاءت هذه الرواية، على حد تعبير الدكتور عبد العزيز خالدي، صاحب مقدمة كتاب “شروط النهضة”، و هي “كأنها غريبة على المدار المتألق الذي رسمه كتاب “الظاهرة القرآنية“، وهذا حسب تقدير بعض القُرّاء؟” قد يكون تفسير ذلك باعتبار صدور “لبّيْك” فاصلاً زمنياًّ بين مرحلتين تميّزتا بتركيز فكريّ عالٍ لدى بن نبي، المرحلتان هما: مرحلة تأليف “الظاهرة القرآنية“، والمرحلة التي يستعدّ فيها لصياغة تصوّره حول الحضارة من خلال “شروط النهضة“. فقد يكون أحسّ بالحاجة إلى الترويح عن النفس وإتاحة لحظة زاد روحية لذهنه المُتْعَب.

ويُشْعِرنا الكاتب في مدخل الرواية بأنه حررها على عجل بين رحلتين من رحلاته، ومعظمها في غرفة بالفندق. ويوضح لنا كذلك أن الشخصيتين الرئيسيتين، أي الفَحَّام والطفل العَنَّابي، شخصيتان حقيقيتان. وقد يكون مقصد بن نبي من ذلك هو تنبيهنا إلى أنه ليس بالكاتب الروائي الذي من اختصاصه صنع أحداث وشخصيات خيالية، وهو بهذا كأنه يعتذر مسبقا على أنه يُقدِّم عملا متواضعا في فن الرواية. ويُستفاد من بعض الشهادات أنه لم يكن يحب تذكيره بوجود “لبيك” في إنتاجه الفكري، وكأنِّي به نادم على استسلامه للحظة ضعف في حياته، إذ لا يليق بمن تحلّى بالروح العلمية مثله أن يكتب رواية.

وهذا الكتاب ذو خلفيةٍ دينية بالأساس. فالقصة مبنية على مشاعر يبدو أنّ الكاتب أراد نقلها إلى القارئ. أمّا الموضوع، وهو الندم والتوبة، فهو ليس بالجديد، إنه موضوع نجده في بؤرة كل المنظومات الأخلاقية الدينية، كما أنه من المواضيع التي عالجها الروائيون والسينمائيون كثيراً، والتي ألهمت القصص الغنائية والأغاني الشعبية.

وكأن بن نبي كان يريد أن يعطي إشعارا مسبقا غير مباشر عن قرب صدور “لبيك”، نجد في “الظاهرة القرآنية” الإشارة إلى “ضمير إنساني يحُفّ به الندم وتغلب عليه البراءة والاستقامة“، وهذا بخصوص امرأة “العزيز” التي حاولت أن تغري النبي يوسف عليه السلام، وانتهى الأمر بها إلى الاعتراف بذنبها.

إنّ جمهور الناس يطرب للمعاني السامية مثل انتصار الخير على الشر وسعة النفس والكرم، ذلك أن هذه المعاني تُبْرِزُ أحسن ما في الإنسان. ولا يزال الكُتَّاب والمُتَلقُّون في كل أرجاء المعمورة يهتزون طرباً للصراع بين الفضيلة والرذيلة، وبين الإسفاف والقداسة، وبين العدل والجور. وليس مالك بن نبي إلاّ إنسانا مرهف الإحساس لهزات النفس والقيم الأخلاقية. ولهذا ركزت روايته هذه على قصة رجل من أصول شريفة، لكنه انجرّ وراء شرب الخمر لأسباب لا نعرفها، وفي ظرف ليلة واحدة تمكّن من العودة إلى الطريق المستقيم.

وتبدأ الرواية بوصف المحيط الاجتماعي في مدينة عنابة عشية انطلاق الحجيج متوجهين إلى مكة. هؤلاء الحجيج يأتون من مدن مجاورة مثل تبسة أو قسنطينة من أجل ركوب السفينة التي تنقلهم إلى البقاع المقدّسة. وكان من عادة الجزائريين آنذاك أنّ المبيت في الفندق أمرٌ غير وارد إطلاقا، فالأُسَرُ العنابية تستقبل الحجيج عند نزولهم من الحافلة أو القطار وتتكفل بهم إلى أنْ يركبوا السفينة. وكان كل ذلك يضفي على المدينة نشاطا خاصاًّ.

وقد صادف الحج في تلك السنة شهر أفريل. وعندما حلّ الليل، كان سِكِّيران في إحدى الأزقة المظلمة يُقيمان الدنيا ويُقْعِدانها بصخبهما. أحدهما يسمّى إبراهيم، وهو بطل الرواية. وهو شاب في الثلاثين من عمره، يشتغل فحَّاماً في المحلّ الذي لجأ إليه مع رفيقه في تلك الليلة. وقد اكتفى الكاتب، عند ذكر الشخصية الثانية، بعبارة “رفيق السوء” من دون اسم طيلة الرواية كلها. أمَّا إبراهيم فكان من والدين تَقِيَّيْن، ورث عنهما محلاَّت تجارية ومسكنا يقيم في إحدى غُرَفِه، أما بقية الغرف فقد أجَّرها. وقد فارقته زوجته زهرة بسبب إدمانه على الخمر.

ومنذ ذلك تدهورت حاله إلى الحضيض، وصار يبذّر ما يحصل عليه من عمله ويقضي وقته مرتميا في أحضان الخمر كي ينسى تأنيب ضميره. ولم يبق من الممتلكات التي ورثها عن والديه إلاّ ذلك المحل الذي يبيع فيه الفحم. وتلك هي حاله حتى صار جيرانه يحتقرونه، وصار يتعرض لتقريع الأطفال الصغار. يقول بن نبي متفلسفاً: “عندما يحكم الوسط الاجتماعي على شخص، فإن الأطفال هم الذين يُعبِّرون عن ذلك: فهُمْ يُسمُّون المجنون مجنونا والسِّكِّير سِكِّيراً، ولهذا فهُمْ بمثابة رعاة العادات والأعراف والتقاليد“.

في فجر اليوم الموالي، استيقظ إبراهيم في آخر الحلم الذي رأى نفسه فيه مسافراً إلى مكة. فلا شكّ أنَّه تأثر لا شعوريا وهو يرى بالأمس أمواج الحجيج تنهال على المدينة. وقد أتيح له أن يدرس في المدرسة لقرآنية لمَّا كان طفلاً. يقول الكاتب: “ورغم الاتجاه السيء الذي سار فيه بعد طفولته، فقد بقي إبراهيم محافظا على الروح الصوفية التي تُورِّثها السلالة الطّيِّبة لأبنائها“.

استيقظ إبراهيم وحلمه ما زال يجول بخاطره، فأحسّ بالوضعية المحزنة التي يعيش فيها، وانتابه الشعور بالخجل. وبن نبي يؤكد أنّ “نفس المسلم مهما نزلت إلى مدارك الإسفاف، تُحافظ على نوع من عزة النفس لأنها تُنكِر الإسفاف إذا ما وقعتْ فيه“.

كان إبراهيم منشغلاً بكيفية تأويل حلمه، وهو يناجي نفسه قائلاً: “يمكن أن يكون في ذلك إشارة من الإشارات الإلهية“. وهو الآن في تمام وعيه : ماضيه التعيس يمرّ في ذاكرته كشريط فيلم، وهو يرى ذلك المشهد الذي ضاعت فيه حياته الزوجية، وصار يعي مقدار تدهور حاله… صوت المؤذن يقطع السكون، ونداء الصلاة يخترق ضميره. وفجأة أحس بأن نفسه ارتاحت وكأنها تحررت في تلك اللحظة من أغلال ثقيلة كان يظن أنه لن يتحرر منها أبداً.

خرج إبراهيم بسرعة من متجره وهو مضطرب، وجرى باتجاه مسجد الحيّ. تردد قليلاً قبل الدخول ورفع يديه إلى السماء بهذا الدعاء: ” يا إلهي، عافِني من مرضي، وسدِّدْ خُطايَ، فأنا في ضلال“. وفجأة اخترقت ذهنه فكرة: هل هناك إمكانية لاستمرار الحلم في الواقع؟ وهنا بدأ يختمر في نفسه شيء وكأنه مشروع ينوي القيام به. توجّه بسرعة إلى أحد الحمامات، واغتسل، ثُمّ عاد إلى منزله وأسَرَّ بالفكرة العجيبة التي خطرتْ بباله الآن لجاره الشيخ المُسِن الذي يضعه في مرتبة أبيه.

وهو يعلن للشيخ إنه على استعداد لبيع بيته من أجل تغطية مصاريف مشروعه، والشيخ يتابع متعجبا وكأنه يرى بين عينيه معجزة على وشك الحدوث. ومع ذلك فقد اقتنع بمشروع إبراهيم ووجد حلاًّ للمشكلة، وذلك بِرَهْنِ المنزل بدلاً من بيعه، وذلك من أجل الحصول على قرض مالي. أمّا المتجر، فقد أعلن أنه سيُقدّمه هِبَةً لرفيقه في السوء. وبخصوص الوثائق اللازمة، فإنه يعرف أحد المُنْتَخَبِين الذي سيساعده على استخراج الترخيص بالسفر من الإدارة. توجّه بسرعة إلى بائع الأقمشة واشترى لباس الإحرام اللازم للحاج. كل هذا حدث خلال ساعات معدودة.

عندما استكمل إبراهيم إجراءات السفر، عاد إلى منزله حيث وجد جاره، “العم محمد”، قد أذاع الخبر بين سكان الحي الذين استقبلوه بمزيج من التفاجؤ والإعجاب الذي ينتابنا عندما نرى شيئا غير مألوف. وكان هذا الاستقبال دليلا على أنه كسب احترامهم. فهو لم يعُدْ ذلك الصعلوك الذي كانوا، بالأمس فقط، يعافونه ويتقززون منه. أكثر من ذلك، فقد أعدوا له زاد السفر. وقد تأثَّر لذلك أيَّما تأثُّر، وصار يشعر بأنه يَحْظَى بعنوان الحاج الذي يرفع الشأن، وهذا قبل أن يغادر المدينة. وحتى زوجته زُفَّ إليها الخبر، فأرسلت له السبحة التي أهداها له والداه قبل وفاتهما. أما “رفيق السوء“، فلم يفهم شيئا عندما جاء إبراهيم وسلّمه مفاتيح المحلّ الذي تنازل له عنه بصفة نهائية. وهكذا ودّع إبراهيم جيرانه وتوجّه إلى الميناء.

جاء في نص الرواية أن إبراهيم ” لمّا صعد على ظهر السفينة شعر وكأنه على عتبة عالم جديد“. وبدأ ماضيه يبتعد منه وينسلخ عنه في اللحظات التي كانت السفينة تتململ لتخرج من الميناء، وكأن هذا الماضي ليس ماضيه، بل ماضي شخص آخر: “لقد ولّى زمن الزيغ“، قالها بن نبي على طريقة فيكتور هيجو(Victor Hugo) قبل أن يضيف: “انتابه شعور بالسكينة، وهو شعور يستعصى على الوصف. لم يَعُدْ يحسُّ بأي تأنيب على ذلك الماضي… فإيمان المسلم بالله أعمق من أن يستسلم للندم المُحْبِط إذا ما تمكن من الوقوف بعد النكسة. والجريمة الخطيرة وحدها هي التي يمكن أن تطمس نفس المسلم بالندم الأبدي، كقتل النفس مثلا”.

ولم يجد الكاتب في هذه الرواية حاجة إلى الإطالة في وصف المرحلة الانتقالية التي مرّ بها إبراهيم، إنها معجزة التدين والإيمان وقعتْ على فحَّام، إنها رحمة الله نزلت على مخلوق تائب مُنيب. وراح الكاتب يصف مشاهد الأخوة بين الحجيج أثناء الرحلة، فكانوا منتظمين في مجموعات، وبينهم علاقات حميمية وتضامن لا نظير لهما. لقد وجد إبراهيم مكانه في هذا المجتمع الصغير الذي يعامله كرجل ذي مرتبة عالية، إنه الآن يتشرف بلقب “الحاج” الذي مُنِح له كترقية اجتماعية.

لم يَعُد في الحضيض، بل صار يحتل قمة عالية في سُلَّم الاستحقاق الأخلاقي، وبعبارة أخرى صارالرجل الذي يحظى بالتبجيل في المشهد الاجتماعي داخل هذا المجتمع التقليدي. وإذا كانت الخمر قد نفتْه من المجتمع ورمَتْ به في أوحال الرذيلة، فإنّ الإيمان قد أعاده إلى حضن الفضيلة. وهذا المشهد نجده عند فيكتور هيجو في رواية “البؤساء” (« Les Misérables ») لمّا وقف جان فالجان(Jean Valjan) متأثراً بالندم بين يدي مونسينيور موريال (Monseigneur Muriell)، في قول الكاتب: “إنه سقوط، لكنه سقوط على الركبتين آلَ إلى وضعية صلاة”.

أرست السفينة في ميناء “حلق الواد” (La Goulette)  بتونس، وذلك لتمكين ما تبقَّى من حجيج شمال إفريقيا من الالتحاق بها. وفي اللحظة التي شُرِع فيها في رفع المعبر لكي تنطلق السفينة، ظَهَرَ رجل في الرصيف وهرول متجهاً صوب المعبر وهو يحاول التشبث به من أجل الصعود إلى ظهر السفينة. بادره بعض رجال الشرطة لمنعه، لكن “كل الأنظار كانت متجهة إليه وكأنه تمثيل حي للإيمان الصادق… وقد تأثر كلُّ من رأى المشهد، بما في ذلك رجال الشرطة أنفسهم، تأثروا لحال ذلك الرجل اليائس وهو يصيح بأعلى صوته: يا رسول الله ! أنت ترى أني غادرت خيمتي وأولادي لكي آتي إليك ! لكنك ترى أني قطعتُ 7000 كلم سيرا على قدميّ ولا أستطيع أن أزيد على ذلك، يا رسول الله !”

إن مثل هذا المشهد ممَّا يكون سببا في خلود بعض الروايات. وبن نبي يفيدنا بأن هذا المشهد حقيقي وقد تحدثتْ عنه إحدى الصحف التونسية، ويُعلِّق قائلاً: “لقد أصيب تولستوي(Tolstoï) بأكبر صدمة معنوية لمّا رأى متسوّلاً في موسكو يُهان على يد رقيب من الشرطة بحجة أن التسوّل ممنوع“. أمّا إبرهيم فكان يبكي على متن السفينة وهو يفكر في المعاناة التي كان يمكن أن تصيبه لو حدث له ما حدث لذلك الرجل البدويّ.

وفي صباح الغد اكتشف عمال السفينة وجود مسافر بدون رخصة، ويسمى (هادي)، وقد ركب من ميناء عنابة. وكان في تصوّر إبراهيم أن هذا الطفل هو ذاته الذي كان منذ أيام قليلة يوجه إليه هذا التقريع الجارح كلما مرّ عليه: “يا سِكِّير ! يا سكير! “. ومخافة أن يتعرض الطفل لسوء، تطوّع إبراهيم أن يدفع ثمن تذكرة سفره، لكن محافظ السفينة كان رجلاً طيّباً واكتفى بمعاقبته بتشغيله في المطابخ. وكان هادي يقضي كل أوقات فراغه مع المجموعة التي كان فيها إبراهيم حتى نشأت بينهما محبة، وراح إبراهيم يُعلِّمه قواعد الوضوء والصلاة.

وهكذا سارت الحكاية على وقع تمايل السفينة وهي تشق عباب البحر. وراح الكاتب يصف يوميات الحجيج، صلواتهم الجماعية ووجباتهم التي يتناولونها معاً. وأكثر من هذا، فإننا نجد في الرواية نقاشا فلسفيا اعتباطيا بين بحّار فرنسي يتأسف على الصراعات والحيف والظلم الذي يعُجّ به العالم، وبين مجموعة من الحجيج الذين يُبرّئون الله مما يحدث من انحرافات عند البشر.إن مثل هذا الوسط هو بمثابة إسقاط للمجتمع الذي كان يتمنى بن نبي أن يعيش فيه، مجتمع فاضل، ومدينة مثالية كل شيء فيها يسير على قواعد الإيمان، والأخلاق فيها قي قانون الحياة.

وقد أسهب الكاتب في وصف حالة “مسّاح الأحذية” (cireur)، هادي، الذي اضطر إلى التزام الشارع بعد وفاة والديه، وتعرضه للانزلاق الأخلاقي. وكانت هذه الفئة من الأطفال تدعى آنذاك بلفظ “يا ولد !”. أما إبراهيم فقد تعلّق بهادي وكان سعيدا بإفادته بالقليل مما تعلّمه هو، وكان يريد أنْ يتخذه ولداً.

واصلت السفينة رحلتها التي سارت على وقع الأمواج والصلوات الخمسة: “كانت السكينة تحفّ بالسفينة التي راحت ترسم خطاًّ من لؤلؤ على صفحة الماء الهادئة“. وكان إبراهيم متكئا على سكّة الأمان وهو يمرر حبات السبحة التي أرسلت له بها زوجته السابقة. والكاتب يتحدث وكأنه كان على ظهر السفينة، فهو يرى أن “المسلم يحبّ التأمّل في السماء، كما أنّ الباسكي(le Basque)  يحب التأمل في المحيط. وكلاهما يريد الهروب إلى عالم لا مُتَنَاهٍ “. إنه انطباع شخصي لدى الكاتب الحالم الذي أتيح له أن ركب السفينة مراراً منذ سنة 19255. وكان إبراهيم غارقا في أفكاره السعيدة: فهو ينوي الإقامة الدائمة في المدينة المنوّرة، واسترجاع زوجته، وتبنّي الطفل هادي..

وبعد أربعة أيام من الإبحار دخلت السفينة قناة السويس لتشق طريقها باتجاه البحر الأحمر. والرحلة تنتهي في هذا المكان، وكذلك تنتهي الرواية بعد ذلك بقليل، إذ كانت الصفحتان الأخيرتان كافيتين لتقديم مشهد ذلك الحاج الذي أقبل على “العمّ محمد” وفي يده رسالة من إبرهيم يخبره فيها أنه مقيم في المدينة المنوّرة، وهو يشتغل ببيع القهوة لزبائن حمّام يشرف على تسييره رجل مغربي، ومعه هادي الذي قد تبنّاه. وهكذا جاءت نهاية الرواية قبل أن تكتمل، وقد يكون ذلك بمحض إرادة الكاتب.

ولم يكن بن نبي قد أدى فريضة الحج بعدُ آنذاك، فسيؤديها سنة 1955، ثُمَّ في 1961، وفي سنة 1972. ولم يكن يعرف عن الحج إلاّ ما تعلّمه في المدرسة القرآنية وما اكتسبه من ثقافة اجتماعية. أمّا تعلّقه الوجداني بالحج فقد استلهمه من والدته التي أدت هذه الفريضة المقدّسة سنة 1933. وقد خصص بن نبي عدة فقرات من مذكراته لما كانت تحكيه له والدته عن الحج: “كانت حكاياتها تُلْهيني أو تؤثر في وجداني، وكانت تُعلِّمني بالإضافة إلى ذلك. فقد كانت تلك الحكايات بمثابة حج افتراضي برفقتها. كانت تمرّ عليّ حالات وجدانية تستعصي على الوصف عندما تصور لي ذلك الجو الذي يُقبل فيه الآلاف من البشر ليسلموا أمرهم لله وهم يرددون الدعاء المأثور،” لبيك اللهمّ لبيك !” ، ذلك الدعاء الذي يعبّر عند المسلم الحقيقي عن إسلام الأمر كله لله. وكانت حكايات والدتي من الواقعية بحيث يبلغ بي التأثر أحيانا درجة الانهيار… وفي تلك الحالات كنت أنزوي في غرفتي لكي أخفي دموعي“.

فما أسعده لو أتيح له العيش بين صحابة النبي (ص)، مع بلال وعمار بن ياسر وأبي ذر الغفاري والآخرين ! وكم كان يتمنى لو عاش في عصر الإسلام الأول في المدينة المنوّرة ! تلك هي العواطف المأخوذة من كل ما هو مقدّس، والتي أراد بن نبي أنْ يُحييها في هذه الرواية التي كتبها بعد وفاة والدته بأربع عشرة سنة. هل كانت هذه الرواية هدية منه لها ؟ إننا لا نعرف ذلك.

أما الديكور الذي بدأت فيه القصة، وهو منزل إبراهيم، فهو شبيه بالوصف الذي أورده في مذكراته لمنزل جدته من أبيه (خالتي بيبية)، وهو شبهٌ غريب(2). فجدته هذه كانت تعيش مع أحد إخوتها، وهو “علاّوة” الذي يصفه الكاتب في مذكراته كإنسان وديع مثل الخروف، والذي يشتغل فحّاماً في شارع مجاور. وقد يكون ميل علاوة إلى العِفّة وإيثار الغير على نفسه هو الذي دفع الكاتب إلى بناء شخصية إبراهيم وإسقاط تلك الصفات عليها.

وعلى أية حال، فلدينا شعور قوي بأن بن نبي استوحى بناء شخصيات روايته من ذكرياته وعواطفه الذاتية. كان إبراهيم شخصية خيالية سِكِّيرة، بينما كان علاوة في الحقيقة متعففا عن شرب الخمر. فشرب الخمر ممنوع في عائلة ابن نبي، ذلك أن هذا الفعل الشنيع لم يكن مجرد خرق لقاعدة دينية، بل هو خيانة لروح الوطن وللثقافة الوطنية. وقد يكون هذا السِّكِّير هو المدعو “مختار” ، أحد لاعبي (راي راي) في تبسة، حيث ذكره بن نبي في مذكراته، وهو الذي تصدّق بمبلغ ماليّ كبير لصالح اللجنة المكلفة ببناء مسجد، قبل أنْ يصير من الإصلاحيين المتحمّسين.

أما الطفل هادي، فهو يذكّر بالـ “يا ولد” الذي التقى به بن نبي عند محاولته الأولى الهجرة إلى فرنسا سنة 1925، والذي منح القليل من المال الذي عنده لبن نبي وصاحبه (جاواو Gaouaou) بطريقة عفوية، (انظر: مذكرات شاهد على القرن، الطفل). وعلى أية حال فالشبه قائم بين هادي وهذا الطفل من حيث سلوكهما الذي كان مزيجاً من البراءة والحيلة، ومن الجرأة والسخاء. ولا ننسى كذلك أن هذا الطفل اعترف لبن نبي بأنه حدث له أن سافر في الباخرة بدون رخصة.

إنّ هذه القصة البسيطة، وبشخصياتها القليلة وسيناريو سطحي خالي من الألغاز والحركة، يمكن اعتبارها رواية روحية قريبة مما يسمّى برواية ماء الورد roman à l’eau de rose. لكنْ، مَنِ المقصود في هذه الرواية ؟ كل مانعرفه أنها مُهداة “لزوجتي العزيزة كشهادة على حنان أمومتها تُجاه الناس البسطاء في بلدي، ولأختي الحاجّة لطيفة، وللسيد بِيَّار M. Billard، لهم مني جميعا إشهاد على إعجابي واحترامي“. ولا نعرف مَنْ يكون السيد بِيَّار. لكن الكاتب يبدو أنه يريد أن يخاطب بشكل خاص أولئك الذين يتكلمون عن الشعب دون أن يعرفوا أحواله النفسية وحالته المادية المزرية، والذين يحتقرون الإسلام ويُشككون في قدرته على إصلاح النفس.

وعلى أية حال، فكتابات بن نبي كلها موجهة إلى الشعب، باستثناء “مرضى الفكر/المتعالمون” ، على حدّ تعبيره (les intellectomanes). وهو يُلِحّ على ذلك في مذكراته التي يقول عنها عندما أنهى كتابتها: “هذه المذكرات موجهة إلى الشعب عندما سيكون قادرا على قراءة تاريخه الحقيقي، وعندما ستُرمى الأقصوصات التي حيكتْ له في أفلام لتخديره، في عِداد الأشياء التالفة التي خلفها الاستعمار“.

وقد يكون مقصد الكاتب من هذه الرواية هو وصف تلك الشريحة الاجتماعية من الشعب، والتي يتزايد عددها باستمرار بتزايد غرقها في البؤس والرذيلة بسبب الاستعمار. إنها نظرة إصلاحية ألقاها الكاتب على تلك الشريحة التالفة التي هي حَرِيَّةٌ بعناية (العلماء) و(أهل البوليتيك) الذين لا يرون فيها إلاّ جمهورا متلقيا أو موضوعا لخطاباتهم. وقد يبدو لنا أن هناك بعض السذاجة، بل بعض النظرة السطحية، في هذه القصة. والحقيقة أن تلك هي نفسية بن نبي الملائكية، العفيفة والرؤوفة. فإيمان العالِم الذي ألّف عملا عظيماً مثل “الظاهرة القرآنية” ، سنة من قبل، يستوي بإيمان الفحَّام الذي جاء وصفه في “لبّيك”. فالإيمان قد يأتي بدافع عظائم الأشياء كما قد يأتي بدافع صغارها.

لقد أحبّ بن نبي منذ صغره تلك الحكايات والطرائف التي كانت ترويها له جدّته. وقد تأثَّر بها أيَّما تأثُّر، بدليل أنه يشير إليها مراراً في أعماله، وأكثر من ذلك فالعديد من مقالاته التي جعل فيها الفنّ الأدبيّ وسيلة لتربية المجتمع، إنما استوحاها من تلك الحكايات. فالشكل الأدبي المُتبَنّى ما هو إلاَّ وسيلة لتمريرالرسائل لشعبٍ يعرف أنه ميَّال إلى الثقافة الشعبية.

وهو يقول بهذا الشأن في مقال تحت عنوان ” السياسة والحكمة الشعبية ” نُشِرَ في مجلة Révolution africaine الصادرة بتاريخ 18 سبتمبر 1965: “لقد وظّف الدينُ الرمزَ عادةً من أجل مخاطبةِ الضمير الإنساني وترجمةِ أصعبِ مفاهيمه وأعقدها. وعلى أية حال يمكننا القول إن الرياضيات لا تستعمل إلاّ هذه الطريقة مُعبَّراً عنها بالمعادلات. ولقد أحسَّت الشعوب في تجاربها الروحية أو العلمية أن هذه اللغة فعَّالة. فالرمز وسيلة تعبير تفرض نفسها كلما كان استعمال اللغة العادية سببا في عدم استيفاء المعنى أو إلى إحداث صدمة في النظام العُرفي والذوق السليم...”

وفي مقال آخر تحت عنوان “طُرْفة بسيطة“(3) ينقل لنا الانطباعات التي عاد بها من سفره إلى أنجلترا سنة 1968. فقد نزل في مدينة ليدس Leedss عند أحد أحفاد الأمير عبد القادر، والذي حكى له قصة غريبة جرتْ له عندما كان يؤدّي فريضة الحجّ سنة 1935. فقد تعرّف على مُواطن من جنوب إفريقيا قطع المسافة مع زوجته وأبنائه راجلين من بلدهم إلى ميناء السودان، واستغرقت الرحلة أربع سنوات. وهذا من أجل أداء فريضة الحج. وقد اغرورقت عينا مالك بن نبي بالدموع في ذاك اليوم وهو في الثالثة والستين من عمره.

ومن الخطأ الاعتقاد بأن فضائل الأخلاق في حياة بن نبي وفلسفته ليست إلاّ وسيلة للإثارة الوجدانية. فقد كان يكره الإغراق في النزعة الأخلاقية كما يكره النزعة السوداوية. وللقيم الأخلاقية في فكره وظيفة أساسية في الحياة، فهي الطاقة المُحرّكة للتاريخ. وهي التي تزوِّد الفكرة بالقوة الرافعة، وتخلق الضغط في نفسية الإنسان لكي ترفعها إلى مستوى التحدِّيات الكبرى.

إنّ بن نبي كان يؤمن بأن للأدب تأثيراً على روح الشعب، وعلى العصر، بل وعلى الحضارة باعتبارها حاملةً للأفكارالسائدة. وكان يذكر رواية دانيال ديفو Daniel Defoe التي عنوانها (روبنسون كروزْوي)، ورواية ابن طفيل التي عنوانها ( حي بن يقظان )، في أعماله كأثريْن ثقافيين نموذجيين كبيرين، وكتعبير تمثيلي عن خصوصيات حضارتين متناسقتين هما حضارة الغرب التي جوهرها الفاعلية، وحضارة الإسلام التي جوهرها الأخلاق.

وكان بن نبي مثل فلاسفة العصور القديمة والأنبياء، في إيمانه بسلطة الفضائل والإيمان والأفكار… ولذلك بدأ العمل من البداية، حيث ألَّف “الظاهرة القرآنية” و “لبّيك”، وهما كتابان ينتميان إلى (الباطن) ويمثلان “مرحلة الروح” عنده فعلاً.

 

المراجع:

1) (لبّيك: حجّ الفقراء) أُعيد نشره سنة 2005 لأول مرة منذ 1948 من طرف دار لنشر (دار الغرب) بالجزائر ، المقدمة بقلم عبد القادر جغلول.

2) هذا المنزل لم يعد موجوداً لأنه هُدم سنة 1986 في إطار عملية تجديد الحي الذي يقع فيه.

3) مجلة Révolution africaine  الصادرة بتاريخ 22 فيفري 1968.

 

المقال منشور في جريدة الجزائر اليوم

آخر التغريدات: